الفرج بعد الشدةصفحات 231-273
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثالث

صفحات 231-273

تأويل ولا شبهة، سوى ما أخذه بحق بيت المال، وظلم فيه أيضا، فتظلمت إليه، وكلمته، فلم ينفعني معه شيء، وكان الكر الأرز بالنصف، إذ ذاك، بثلاثين دينارا.

فقلت له: قد أخذ مني سيدي ما أخذ، والله، ما أهتدي أنا وعيالي، إلى ما سوى ذلك، وما لي ما أقوتهم به باقي سنتي، ولا ما أعمر به ضيعتي، وقد طابت نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار، وجعلتك من الباقي في حل.

فقال: ما إلى هذا سبيل.

فقلت: فخمسة أكرار.

فقال: لا أفعل.

فبكيت، وقبلت يده، ورققته، وقلت: هب لي ثلاثة أكرار، وتصدق علي بها، وأنت من الجميع في حل.

فقال: لا والله، ولا أرزة واحدة.

فتحيرت، وقلت: فإني أتظلم منك إلى الله تعالى.

فقال لي: كن على الظلامة، يكررها دفعات، ويكسر الميم، بلسان أهل الكوفة.

فانصرفت منكسر القلب، منقطع الرجاء، فجمعت عيالي، ومن زلنا ندعو عليه ليالي كثيرة، فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز، فجئت إلى البيدر، والأرز مطروح، فأخذته، وحملته إلى منزلي، وما عاد الكوفي بعدها إلى واسط، ولا أفلح.

من طريف ما اتفق لابن مقلة في نكبته التي أدته إلى الوزارة

وحدثني غير من الكتاب، عمن سمع أبا علي بن مقلة، لما عاد من فارس وزيرا، يحدث، قال: من طريف ما اتفق لي في نكبتي هذه التي أدتني إلى الوزارة، أنني أصبحت

وأنا محبوس مقيد في حجرة من دار ياقوت، أمير فارس، وقد لحقني من اليأس من الفرج وضيق الصدر ما أقنطني وكاد يذهب بعقلي، وكنا، أنا وفلان محبوسين، مقيدين، في بيت واحد من الحجرة، إلا أنا على سبيل ترفيه وإكرام.

فدخل علينا كاتب لياقوت، وكان كثيرا ما يجيئنا برسالته، فقال: الأمير يقرئكما السلام، ويتعرف أخباركما، ويعرض عليكما قضاء حاجة إن كانت لكما.

فقلت له: تقرأ عليه السلام، وتقول له: قد، والله، ضاق صدري، واشتهيت أن أشرب على غناء طيب، فإن جاز أن يسامحنا بذلك سرا، ويتخذ به منة علي ويدا، تفضل بذلك.

فقال لي المحبوس الذي كان معي: يا هذا، ما في قلوبنا فضل لذلك.

فقلت للكاتب: أد عني ما قلت لك.

قال: السمع والطاعة، ومضى، وعاد فقال: الأمير يقول لك: نعم، وكرامة وعزازة، أي: وقت شئت.

فقلت: الساعة.

فلم تمض إلا ساعة، حتى جاءوا بالطعام، فأكلنا، وبالمشام والفواكه والنبيذ، وصف المجلس، فجلست أنا والمحبوس الذي معي في القيدين.

وقلت له: تعال، حتى نشرب، ونتفاءل بأول صوت تغنيه المغنية، في سرعة الفرج مما نحن فيه فلعله يصح الفأل.

فقال: أما أنا فلا أشرب، فلم أزل أرفق به حتى شرب، فكان أول صوت غنته المغنية:.

تواعد للبين الخليط لينبتوا ... وقالوا لراعي الذود موعدك السبت

ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت

قال أبو علي: ذكر المبرد في كتابه المعروف بالكامل، البيت الأول، ورواه لمحمد بن يسير.

فقال لي: ما هذا مما يتفاءل به، وأي معنى فيه، مما يدل على فرجنا؟ فقلت: ما هو إلا فأل مبارك، وأنا أرجو أن يفرق الله بيننا وبين هذه الحالة التي نحن عليها، ويبين الفرج والصلاح، يوم السبت.

قال: وأخذنا في شربنا يومنا، وسكرنا، وانصرفت المغنية، ومضت الأيام.

فلما كان يوم السبت، وقد مضى من النهار ساعتان، إذا بياقوت قد دخل علينا، فارتعنا، وقمت إليه، فقال: أيها الوزير، الله، الله، في أمري،

وأقبل إلى مسرعا، وعانقني، وأجلسني، وأخذ يهنيني بالوزارة، فبهت، ولم يكن عندي علم بشيء من الأمر، ولا مقدمة له.

فاخرج إلى كتابا ورد عليه من القاهر بالله، يعلمه فيه بما جرى على المقتدر، ومبايعة الناس له بالخلافة، ويأمره بأخذ البيعة على من بفارس من الأولياء، وفيه تقليده إياي الوزارة، ويأمره بطاعتي، وسلم إلي أيضا كتابا من القاهر، يأمرني فيه بالنظر في أموال فارس، والأولياء بها، واستصحاب ما يمكنني من المال، وتدبير أمر البلد بما أراه، والبدار إلى حضرته، وأنه استخلف لي، إلى أن أحضر، الكلوذاني.

فحمدت الله كثيرا، وشكرته، وإذا الحداد واقف، فتقدمت إليه بفك قيودي وقيود الرجل، ودخلت الحمام، وأصلحت أمري وأمر الرجل، وخرجت،

فنظرت في الأعمال والأموال، وجمعت مالا جليلا في أيام يسيرة، وقررت أمور البلد، وسرت، واستصحبت الرجل معي إلى الحضرة، حتى جلست هذا المجلس، وفرج الله عنا.

أبو أيوب يرفع شكواه إلى الله تعالى برقعة يعلقها في المحراب

قال: محمد بن عبدوس، في كتابه (كتاب الوزراء): وجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل الكاتب، حدثني أحمد بن أبي الأصبغ، قال: وجهني عبيد الله بن يحيى، إلى أبي أيوب، ابن أخت أبي الوزير، أيام تقلد أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد الوزارة، وكان ابن يزداد،

يقصد أبا أيوب ويعاديه.

فقال لي عبيد الله: القه، وسهل عليه الأمر، وقل له: أرجو أن يكفيك الله شره.

فوصلت إليه وهو يصلي، وقد علق في محرابه رقعة، فأنكرتها، وأديت إليه الرسالة.

فقال لي: قل له: جعلت فداك، لست أغتم بشيء، لأن أمره قريب، وقد رفعت فيه إلى الله تعالى قصة إذ أعجزني المخلوقون، أما تراها معلقة في القبلة؟ فكاد يغلبني الضحك، فضبطت نفسي، وانصرفت إلى عبيد الله، فحدثته الحديث، فضحك منه.

قال: فوالله، ما مضت بابن يزداد إلا أيام يسيرة، حتى سخط عليه وصرف.

فاتفق لأبي أيوب الفرج، ونزل بابن يزداد المكروه، في مثل المدة التي تخرج فيها التوقيعات في القصص.

أبو نصر الواسطي يتظلم إلى الإمام موسى الكاظم برقعة علقها على قبره

قال: مؤلف الكتاب: وأنا شاهدت مثل هذا، وذلك أن أبا الفرج محمد ابن العباس بن فسانجس، لما ولي الوزارة أظهر من الشر على الناس، والظلم لهم، بخلاف ما كان يقدر فيه، وكنت أحد من ظلمه، فإنه أخذ ضيعتي بالأهواز، وأقطعها بالحقين، وأخرجها عن يدي.

فأصعدت إلى بغداد متظلما إليه من الحال، فما أنصفني، على حرمات كانت بيني وبينه، وكنت أتردد إلى مجلسه، فرأيت فيه شيخا من شيوخ العمال، يعرف بأبي نصر محمد بن محمد الواسطي، أحد من كان يتصرف في عمالات بنواحي الأهواز، وكان صديقا لي، فسألته عن أمره، فذكر أن الحسن بن بختيار، أحد قواد الديلم، ضمن أعمال الخراج والضياع بنهر تيرى، وبها منزل أبي نصر هذا، وأنه طالبه بظلم لا يلزمه، فبعد عن البلد، فكبس داره، وأخذ جميع ما كان فيها، وكان فيما أخذ، عهد ضياعه كلها، وأنه حضر للوزير محمد بن العباس متظلما منه، فلما عرف الحسن بن بختيار ذلك، أنفذ بالعهد إلى الوزير، وقال له: قد أهديت إليك هذه الضياع، فقبل الوزير منه ذلك، وكتب إلى وكيله في ضيعته بالأهواز، فأدخل يده في ضياعي، وقد تظلمت إليه، فلم ينصفني.

فلما كان بعد أيام، دخلت المشهد بمقابر قريش، فزت موسى بن

جعفر، وعدلت إلى موضع الصلاة لأصلي، فإذا بقصة معلقة، بخط أبي نصر هذا، وقد كتبها إلى موسى بن جعفر، يتظلم فيها من محمد بن العباس، ويشرح أمره، ويتوسل في القصة، بمحمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين، وباقي الأئمة عليهم السلام، أن يأخذ له بحقه من محمد بن العباس، ويخلص له ضياعه.

فلما قرأت الورقة، عجبت من ذلك عجبا شديدا، ووقع علي الضحك، لأنها قصة إلى رجل ميت، وقد علقها عند رأسه، وكنت عرفت أبا نصر بمذهب الإمامية الاثنى عشرية، فظننت أنه مع هذا الاعتقاد كان أكبر قصده أن يشنع على الوزير بالقصة عند قبر موسى بن جعفر عليه السلام، وكان كثير الزيارة له، أيام وزارته، وقبلها، وبعدها، ليعلم أن الرجل على مذهبه، فيتذمم من ظلمه، ويرهب الدعاء في ذلك المكان، فانصرفت.

فلما كان بعد أيام، كنت في المشهد، وجاء الوزير، فرأيته يلاحظ الرقعة، فعلمت أنه قد قرأها، ومضى على هذا الحديث مدة، وما رهب القصة،

ولا أنصف الرجل.

وامتدت محنة الرجل شهورا، ورحل محمد بن العباس إلى الأهواز، للنظر في أبواب المال، وتقرير أمر العمال، وأقمت أنا ببغداد، لأنه لم يكن أنصفني، ولا طمعت في إنصافه إياي لو صحبته، وانحدر أبو نصر في جملة من انحدر معه.

فلما صار بالمأمونية قرية حيال سوق الأهواز، وهو يريد دخولها من غد ورد من بغداد كتاب إلى بختكين التركي مولى معز الدولة، المعروف بآزاذرويه، وكان يتقلد الحرب والخراج، وبالأهواز وكورها، فقبض عليه، وقبض على أمواله، وقيده، ومضى أبو نصر إلى ضياعه، فأدخل يده فيها، وكفي ما كان من أمر الوزير، واستقرت ضياعه في يده إلى الآن.

وأقمت أنا سنين أتظلم من تلك المحنة التي ظلمني فيها محمد بن العباس، فما أنصفني أحد، وأيست، وخرجت تلك الضيعة من يدي، فما عادت إلى الآن.

وصح لأبي نصر، بقصته، ما لم يصح لي، وكانت محنته ومحنتي واحدة، ففاز هو بتعجيل الفرج بها، من حيث لم يغلب على ظني أن أطلب الفرج منه.

أحمد بن أبي خالد، يبلغه أن جارية له توطئ فراشه غيره

قال: محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء: إن إبراهيم بن العباس الصولي.

قال: كنت أكتب لأحمد بن أبي خالد، فدخلت عليه يوما، فرأيته مطرقا، مفكرا، مغموما، فسألته عن الخبر.

فأخرج إلي رقعة، فإذا فيها أن حظية من أعز جواريه عنده، يخالف إليها، وتوطئ فراشه غيره، ويستشهد في الرقعة، بخادمين كانا ثقتين عنده.

وقال لي: دعوت الخادمين، فسألتهما عن ذلك، فأنكرا، فتهددتهما، فأقاما على الإنكار، فضربتهما، وأحضرت لهما آلة العذاب، فاعترفا بكل ما في الرقعة على الجارية، وإني لم أذق أمس ولا اليوم طعاما، وقد هممت بقتل الجارية.

فوجدت بين يديه مصحفا، ففتحته لأتفاءل بما يخرج فيه، فكان أول ما وقعت عيني عليه: ﴿يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] الآية، فشككت في صحة الحديث، وأريته ما خرج به الفأل.

وقلت: دعني أتلطف في كشف هذا.

قال: افعل.

فخلوت بالخادمين منفردين، ورفقت بأحدهما، فقال: النار ولا العار، وذكر أن امرأة ابن أبي خالد، أعطته ألف دينار، وسألته الشهادة على الجارية، وأحضرني الكيس مختوما بخاتم المرأة، وأمرته أن لا يذكر شيئا إلا بعد أن يوقع به المكروه، ليكون أثبت للخبر، ودعوت الآخر، فاعترف بمثل ذلك أيضا.

فبادرت إلى أحمد بالبشارة، فما وصلت إليه، حتى جاءته رقعة الحرة، تعلمه أن الرقعة الأولى كانت من فعلها، غيرة عليه من الجارية، وأن جميع ما فيها باطل، وأنها حملت الخادمين على ذلك، وأنها تائبة إلى الله تعالى من هذا الفعل وأمثاله.

فجاءته براءة الجارية من كل وجه فسر بذلك، وزال عنه ما كان فيه، وأحسن إلى الجارية.

سبب خروج أحمد بن محمد بن المدبر إلى الشام

حدثني أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر، الشاهد، المقرئ، المعروف بغلام ابن مجاهد، قال: حدثني أبو الحسين الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن المدبر، قال: كان بدء خروجي إلى الشام، أن المتوكل خرج يتنزه بالمحمدية، فخلا به

الكتاب هناك، فأحكموا على القصة وأنا لا أعلم، ثم بعثوا إلي، وأنا لا أدري، فحضرت وهم مجتمعون، فقالوا لي: وكان المخاطب لي موسى بن عبد الملك.

فقال لي: قد جرت أسباب أوجبت أن أمير المؤمنين أمر أن تخرج إلى الرقة، فكم تحتاج لنفقتك؟ فقلت: أما خروجي، فالسمع والطاعة لأمير المؤمنين، وأما الذي أحتاج إليه للنفقة، فهو ثلاثون ألف درهم.

فما برحت، حتى دفعت إلي، وقالوا: اخرج الساعة.

فقلت: أودع أمير المؤمنين.

فقالوا: ما إلى ذلك سبيل.

فقلت: أصلح من شأني.

فقالوا: ولا هذا، وأخذ موسى يعرض لي، أن السلطان قد سخط علي، وأن الصواب الخروج، وترك الخلاف.

وأقبل يقول: إن السلطان إذا سخط على الرجل، فالصواب لذلك الرجل أن ينتهي إلى أمره كله، وأن لا يراجعه في شيء، وينبغي أن يعلم أن التباعد عن السلطان، له فيه الحظ.

فقلت: يكفي الله ويلطف.

فوكلوا بي جماعة، حتى خرجت من البلد، وأنا في حالة، الأسر عندي أحسن منها وأطيب، وحثوا بي السير.

فلما قاربت الرقة، وأردت الدخول إليها، أدركنا الليل، فإذا بأعرابي في ناحية عني، ومعه إبل يحدوها، ويقول:

كم مرة حفت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره

قال: ولم يزل يكرر ذلك، فحفظته، وتبركت بالفأل، ودخلت الرقة، فلم أقم بها إلا أياما يسيرة، حتى ورد كتاب أمير المؤمنين بالخروج إلى الشام للتعديل، وأجرى على مائة ألف درهم، وذكر أن هذا عمل جليل، كان المأمون خرج فيه بنفسه، لجلالته وعظم خطره، وأنه رآني أهلا له.

فخرجت، فرأيت كل ما أحب، حتى لو بذلت لي العراق بأسرها، على فراق تلك الناحية، ما سمحت نفسا بذلك، فلله الحمد والمنة.

وذكر هذا الخبر محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء، فقال: حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني جدك أحمد بن محمد بن مدبر، وكان جده لأمه، وحدثني أنه لم يره قط، أن المتوكل خرج إلى المحمدية سنة إحدى وأربعين ومائتين متنزها، فأتاني رسوله، وأحضرني، فحضرت، فوجدت عبيد الله بن يحيى،

والحسن بن مخلد، وأحمد بن الخصيب، وجماعة من الكتاب حضورا.

فقال لي عبيد الله بن يحيى: إن أمير المؤمنين يقول لك: قد فسد علينا أمر الرقة، ثم ذكر نحوا من الحديث الأول، إلا أنه لم يكن فيه إطلاق ثلاثين ألف درهم، بل قال: فخرجت وما أقدر على نفقة، ففكرت فيمن أقصده، واستعين بماله، فما ذكرت غير المعلى بن أيوب، وكانت بيني وبينه وحشة، فكتبت إليه رقعة حملت نفسي على الصعب فيها، فوجه إلي خمسة آلاف دينار، فتحملت بها.
. . ثم ذكر باقي الحديث، على سياقة الخبر الأول، إلا أنه قال: إن الذي أجري عليه، لما أمر بالخروج للتعديل، في كل شهر مائة ألف وعشرين ألف درهم.

قال: فشخصت إليها، ولو أعطيت الآن بقصري فيها، سر من رأى كلها، ما سمحت نفسا بذلك.

وكان قصره بالرملة، وكان جليلا.

بين الحسن بن علي عليهما السلام ومعاوية بن أبي سفيان

١: ٢٥١ أخبرني أبو طالب محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، فيما أجاز لي روايته عنه، بعد ما سمعته منه من حديث، قال: حدثني أبو سعيد أحمد بن الصقر بن ثوبان، مستملي بندار، وكتبه لنا بخطه، ونقلته أنا من أصل أبي طالب، الذي ذكر أنه بخط أبي سعيد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسين بن علي، قال: بعث معاوية إلى الحسن بن علي، أو الحسين بن علي عليهما السلام، ودعا بضبارة سياط، فوضعها بين يديه، فلما دخل الحسن عليه السلام أخذ السياط فرمى بها، ومد يده إليه، وقال: مرحبا بسيد شباب قريش ودعا بعشرة آلاف دينار، وقال: استعن بها على زمانك، فلما

خرج تبعه الحاجب، فقال له: يابن رسول الله، إنا نخدم هذا السلطان، ولسنا نأمن بادرته، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء، فما هو؟ فقال: أعلمك، على أن لا تعلم أحدا من آل معاوية.

قال: نعم.

قال: إذا وقعت في شدة أو مكروه، أو خفت من سلطان، فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الكبير المتعال، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، اللهم جل ثناؤك، وعز جارك، ولا إله غيرك، اللهم إني أعوذ بك من شر فلان، وأتباعه، وأشياعه، من الجن والإنس، أن يفرطوا علي، أو أن يطغوا

لا إله إلا الله الحليم الكريم

١: ٢٥٣ أخبرني القاضي أبو طالب إجازة، قال: حدثنا أبو سعيد، قال: حدثني سهل بن محمد، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مسعر، عن أبي بكر بن حفص، عن الحسن بن أبي الحسن: أن عبد الله بن جعفر، لما أراد أن يهدي ابنته إلى زوجها، خلا بها، فقال لها: إذا نزل بك أمر فظيع من أمور الدنيا، أو الموت، فاستقبليه بقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين قال الحسن: فبعث إلي الحجاج، فقلتهن، فلما مثلت بين يديه، قال: لقد بعثت إليك وأنا أريد قتلك، واليوم ما أحد أكرم علي منك، فسل حوائجك

دعاء يعقوب الذي نال به الفرج

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني المثني بن عبد الكريم، قال: حدثني زافر بن سليمان، عن يحيى بن سليم، قال: بلغني أن ملك الموت، استأذن ربه عز وجل، أن يسلم على يعقوب، فأذن له، فأتاه، فسلم عليه.

فقال له يعقوب: بالذي خلقك، أقبضت روح يوسف؟ قال: لا، ولكني أعلمك كلمات لا تسأل الله بها شيئا إلا أعطاك.

قال: ما هي؟ قال: قل يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصيه غيره.

فقالها، فما طلع الفجر من غده، حتى أتاه البشير بالقميص.

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو غسان مالك بنى ضيغم، عن إبراهيم بن خلاد الأزدي، قال:

نزل جبريل على يعقوب عليه السلام، فشكي إليه ما هو عليه من الشوق إلى يوسف، فقال: ألا أعلمك دعاء، إن دعوت به فرج الله عنك؟ قال: بلي.

قال: قل: يا من لا يعلم كيف هو، إلا هو، ويا من لا يبلغ قدرته غيره، فرج عني.

فقالها، فأتاه البشير بالقميص.

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي، عن المعمر بن سليمان، قال: لقي يعقوب رجل، فقال له: يا يعقوب، ما لي لا أراك كما كنت؟ قال: طول الزمان، وكثرة الأحزان.

قال: قل: اللهم اجعل لي من كل هم همني وكربني من أمري، في ديني ودنياي، وآخرتي، فرجا ومخرجا، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك، حتى لا يكون لي رجاء إلا إياك.

قال: داود بن رشيد، حدثني الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج،

عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لو عري من البلاد أحد، لعري منه آل يعقوب، مسهم البلاء ثمانون سنة.

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني مدلج بن عبد العزيز، عن شيخ من قريش: أن جبريل عليه السلام هبط على يعقوب صلى الله عليه، فقال له: يا يعقوب، تملق إلى ربك.

فقال: يا جبريل، كيف أقول؟ فقال: قل: يا كثير الخير، يا دائم المعروف.

فأوحى الله إليه، لقد دعوتني بدعاء، لو كان ابناك ميتين، لأنشرتهما لك.

١: ٢٥٦ ٤٣ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسن بن عمرو بن محمد القرشي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك، عن رجل، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: كان ليعقوب عليه السلام، أخ مؤاخ في الله عز وجل، فقال ليعقوب:

ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك؟ فقال: أما الذي قوس ظهري، فالحزن على بنيامين، وأما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف.

فأوحى الله تعالى إليه: أما تستحيي، تشكوني إلى عبدي.

قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، ثم قال: يا رب، ارحم الشيخ الكبير، أذهبت بصري، وقوست ظهري، أردد علي ريحانتي يوسف، أشمه ثم افعل بي ما شئت.

فقال له جبريل عليه السلام: إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: أبشر، وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين، لأنشرتهما لك، فاصنع طعاما للمساكين وادعهم إليه، فإن أحب عبادي إلي، الأنبياء والمساكين، وإن الذي ذهب ببصرك، وقوس ظهرك، وسبب صنع إخوة يوسف به ما صنعوا، أنكم ذبحتم شاة، فأتاكم رجل صائم، فلم تطعموه.

فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء، أمر مناديه، فنادى: من كان يريد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإن كان صائما أمر مناديه، فنادى: من كان صائما من المساكين فليفطر مع يعقوب.

كلمات الفرج التي دعا بها يوسف

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا الخطاب بن عثمان، قال: حدثنا محمود بن عمر، عن رجل من أهل الكوفة: أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف السجن، فقال له: يا طيب! ما الذي أدخلك ها هنا؟ قال: أنت أعلم.

قال: فلا أعلمك كلمات الفرج؟ قال: بلي.

قال: قل: اللهم، يا شاهدا غير غائب، ويا قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب، اجعل لي من أمري هذا فرجا ومخرجا، وارزقني من حيث لا أحتسب

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني أزهر بن مروان الرقاشي، قال: حدثني قزعة بن

سويد، عن أبي سعيد مؤذن الطائف: أن جبريل عليه السلام: أتى يوسف، فقال: يا يوسف، اشتد عليك الحبس؟ قال: نعم.

قال: قل: اللهم اجعل لي من كل ما أهمني، وحزبني، من أمر دنياي وآخرتي، وفرجا ومخرجا، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك، حتى لا أرجو أحدا غيرك

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، ثال حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني عبد العزيز القرشي، عن جعفر بن سليمان، عن غالب القطان قال: لما اشتد كرب يوسف، وطال سجنه، واتسخت ثيابه، وشعث رأسه، وجفاه الناس، دعا عند ذلك، فقال: اللهم إني أشكو إليك ما لقيت من ودي وعدوي، أما ودي، فباعوني، وأما عدوي، فحبسني، اللهم اجعل لي فرجا ومخرجا.

فأعطاه الله عز وجل ذلك.

إبراهيم التيمي الزاهد في حبس الحجاج بن الجراح يوسف الثقفي

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسن بن محبوب، قال: قال الفيض بن إسحاق، قال: الفضيل بن عياض، قال إبراهيم التيمي: لما حبست الحبسة المشهورة، أدخلت السجن، فأنزلت على أناس في قيد واحد، ومكان ضيق، لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، وفيه يأكلون، وفيه يتغوطون، وفيه يصلون.

قال: فجيء برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا، فلم نجد مكانا، فجعلوا يتبرمون به، فقال: اصبروا، فإنما هي الليلة.

فلما دخل الليل، قام يصلي، فقال: يا رب، مننت علي بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سلطت علي شر خلقك، يا رب، الليلة، الليلة، لا أصبح فيه.

فما أصبحا حتى ضربت أبواب السجن: أين البحراني، أين البحراني؟ فقال كل منا: ما دعي الساعة، إلا ليقتل، فخلي سبيله.

فجاء، فقام على باب السجن، فسلم علينا، وقال: أطيعوا الله لا يضيعكم.

أبو سعد البقال في حبس الحجاج بن الجراح يوسف الثقفي

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني أبو نصر المؤدب، عن أبي عبد الرحمن الطائي، قال: أخبرنا أبو سعد البقال، قال: كنت محبوسا في ديماس الحجاج، ومعنا إبراهيم التيمي، فبات في السجن، فأتي رجل، فقال له: يا أبا إسحاق، في أي شيء حبست؟ فقال: جاء العريف، فتبرأ مني، وقال: إن هذا كثير الصوم والصلاة، وأخاف أنه يرى رأي الخوارج.

فإنا لنتحدث مع مغيب الشمس، ومعنا إبراهيم التيمي، إذ دخل علينا رجل السجن، فقلنا: يا عبد الله، ما قصتك، وأمرك؟

فقال: لا أدري، ولكني أخذت في رأي الخوارج، ووالله، إنه لرأي ما رأيته قط، ولا أحببته، ولا أحببت أهله، يا هؤلاء، ادعوا لي بوضوء، فدعونا له به، ثم قام فصلى أربع ركعات، ثم قال: اللهم إنك تعلم، أني كنت على إساءتي وظلمي، وإسرافي على نفسي، لم أجعل لك ولدا، ولا شريكا، ولا ندا، ولا كفؤا، فإن تعذب فعدل، وإن تعف، فإنك أنت العزيز الحكيم، اللهم إني أسألك يا من لا تغلطه المسائل، ولا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين، أن تجعل لي في ساعتي هذه، فرجا ومخرجا مما أنا فيه، من حيث أرجو، ومن حيث لا أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج، وسمعه، وبصره، ويده ورجله، حتى لا تخرجني في ساعتي هذه، فإن قلبه، وناصيته بيدك، يا رب، يا رب.

قال: وأكثر، فوالذي لا إله غيره، ما انقطع دعاؤه، حتى ضرب باب السجن وقيل أين فلان؟ فقام صاحبنا، فقال: يا هؤلاء، إن تكن العافية، فوالله، لا أدع الدعاء لكم، وإن تكن الأخرى، فجمع الله بيننا وبينكم، في مستقر رحمته.

قال: فبلغنا من الغد، أنه خلي سبيله ٨٩

سبحان الله وبحمده

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن هشام الثقفي، قال: أخبرت أن رجلا أخذ أسيرا، فألقي في جب، وألقي على رأس الجب صخرة، فتلقن فيه: قل: سبحان الله الحي القدوس، سبحان الله وبحمده، فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان.

يا عزيز يا حميد يا ذا العرش المجيد

قال: مؤلف هذا الكتاب، وقد ذكر القاضي هذا الخبر في كتابه، قال:

حدثني إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا أبو سفيان الحميري، قال: سمعت أبا بلج الفزاري، قال: أتي الحجاج بن يوسف، برجل كان جعل على نفسه، إن ظفر به، أن يقتله، قال: فلما دخل عليه، تكلم بكلام، فخلى سبيله.

فقيل له: أي شيء قلت؟ فقال: قلت: يا عزيز، يا حميد، يا ذا العرش المجيد، اصرف عني ما أطيق، وما لا أطيق، واكفني شر كل جبار عنيد.

دعاء النبي صلوات الله عليه في كل هم

١: ٢٦٥ ٤٤ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الكوفي، عن صالح بن حسان، عن محمد بن علي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم عليا عليه السلام، دعاء يدعو به في كل هم، وكان علي يعلمه الناس، وهو: يا كائنا قبل كل شيء، يا مكون كل شيء، ويا كائنا بعد كل شيء، افعل بي كذا وكذا

الدعاء الذي خلص عمرو السرايا من العلج

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني إسحاق بن البهلول التنوخي، قال: حدثني إسحاق بن عيسى، ابن بنت داود بن أبي هند، عن الحارث البصري، عن عمرو السرايا، قال: كنت أغير في بلاد الروم وحدي، فبينا أنا ذات يوم نائم، إذ ورد علي علج، فحركني برجله، فانتبهت.

فقال لي: يا عربي، اختر، إن شئت مسايفة، وإن شئت مطاعنة، وإن شئت مصارعة.

فقلت: أما المسايفة والمطاعنة، فلا بقينا لهما، ولكن مصارعة، فنزل، فلم ينهنهني أن صرعني، وجلس على صدري، وقال: أي قتلة تريد أن أقتلك؟ فذكرت الدعاء، فرفعت رأسي إلى السماء، فقلت: أشهد أن كل معبود ما دون عرشك، إلى قرار الأرضين، باطل غير وجهك الكريم، فقد ترى ما أنا فيه، ففرج عني، وأغمي علي، فأفقت، فرأيت الرومي قتيلا إلى جانبي.

قال إسحاق ابن بنت داود، فسألت الحارث البصري، عن الدعاء، فقال:

سألت عنه عمرو السرايا، فقلت له: بالله يا عمرو ما قلت؟ قال: قلت: اللهم رب إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ورب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنزل التوراة والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم، ادرأ عني شره، فدرأ عني شره.

قال: إسحاق ابن بنت داود: فحفظته وقلت أعلمه الناس، فوجدته نافذا، وهو الإخلاص بعينه.

تخلص من القتل بدعاء دعا به

حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير بن حفص، عن الشعبي، قال: كنت جالسا عند زياد، فأتي برجل يحمل، ما يشك في قتله، فحرك الرجل شفتيه بشيء ما ندري ما هو، فخلى سبيله.

فقلت للرجل: ما قلت؟ قال: قلت: اللهم رب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ورب جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم، ادرأ عني شر زياد، فدرأه عني.

هارون الرشيد يأمر بقتل فتى علوي فينجيه الله تعالى

أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني عيسى بن عبد العزيز الظاهري، قال: أخبرني أبو عبد الله قال: أمر الرشيد بعض خدمه، فقال: إذا كان الليل، فصر إلى الحجرة الفلانية، فافتحها، وخذ من رأيت فيها، فأت به موضع كذا وكذا، من الصحراء الفلانية، فإن ثم قليبا محفورا، فارم به، وطمه بالتراب، وليكن معك فلان الحاجب.

قال: فجاء الغلام إلى باب الحجرة، ففتحه، فإذا فيها غلام كالشمس الطالعة، فجذبناه جذبا عنيفا.

فقال له: اتق الله، فأني ابن رسول الله، فالله، الله، أن تلقي الله بدمي، فلم يلتفت إلى قوله، وأخرجه إلى الموضع.

فلما أشرف الفتى على التلف، وشاهد القليب، قال له: يا هذا، إنك على رد

ما لم تفعل، أقدر منك على رد ما فعلت، فدعني أصلي ركعتين، وامض لما أمرت به.

فقال له: شأنك وما تريد.

فقام الفتي، فصلي ركعتين، قال: فيهما: يا خفي اللطف، أغثني في وقتي هذا، والطف بي بلطفك الخفي.

فلا والله ما استتم دعاءه، حتى هبت ريح وغبرة، حتى لم ير بعضهم بعضا، فوقعوا لوجوههم، واشتغلوا بأنفسهم عن الفتى، ثم سكنت الريح والغبرة، وطلبنا الفتى، فلم يوجد، وقيوده مرمية.

فقال الحاجب لمن معه: هلكنا والله، سيقع لأمير المؤمنين أنا أطلقناه، فماذا نقول له؟ إن كذبناه لم نأمن أن يبلغه خبر الفتى فيقتلنا، ولئن صدقناه، ليجعلن لنا المكروه.

فقال له الآخر: يقول الحكيم: إن كان الكذب ينجي، فالصدق أرجى وأنجى.

فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما فعلتم فيما تقدمت به إليكم؟ فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين، الصدق أولى ما اتبع في جميع الأمور، ومثلي لا يجترئ أن يكذب بحضرتك، وإنه كان من الخبر كيت وكيت.

فقال الرشيد: لقد تداركه اللطف الخفي، والله، لأجعلنها في مقدمات دعائي، امض لشأنك، واكتم ما جرى.

يا سامع كل صوت يا بارئ النفوس بعد الموت

حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني محمد بن عمرو بن البختري البزاز، في جامع المنصور، في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، قال: حدثنا الفضل بن إسحاق الدوري، عن محمد بن الحسن، عن أبي سلمة عبد الله منصور، قال: حزن رجل حزنا شديدا، على شيء لحقه، وأمر أهمه وأقلقه، فألح في الدعاء، فهتف به هاتف: يا هذا، قل: يا سامع كل صوت، يا بارئ النفوس بعد الموت، ويا من لا تغشاه الظلمات، ويا من لا يشغله شيء عن شيء.

قال: فدعا بها، ففرج الله عنه، ولم يسأل الله تلك الليلة حاجة، إلا أعطاه.

لا حول ولا قوة إلا بالله

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن أبي يحيى إسحاق العدواني، قال: كنا بإزاء آزرمهر، عند مدينة الكرج، وقد زحف إلينا في ثمانين فيلا، فكادت تنقض الصفوف، وتشتت الخيول، وكان أميرنا محمد بن القاسم، فنادى عمران بن النعمان أمير أهل حمص، وأمراء الأجناد، فنهضوا، فما استطاعوا، فلما أعيته الأمور، نادى مرارا: لا حول ولا قوة

فصول الكتاب · 6 فصل · 404 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الفرج بعد الشدة · 404 صفحة
المقدمة
الباب الأول
الباب الثاني
الباب الثالث
الباب الرابع
الباب الذي بين الله والناس لا يغلق
جارٍ التحميل