أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء
؟ !
ها هي الدنيا تساق بخطامها وزمامها.. بحملها وركابها.. ولكن ماذا فعلوا؟ !
عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة.
فقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام، قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك.123
الجزء: 1 - الصفحة: 81
قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ وتله في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، قال: يقول لك يا أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية، اذهب إلى بيت فلان بكذا، واذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين، فأعطنا، ولم يبق في الخزنة إلا ديناران، فدحا (رمى) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك، فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.
ولو لم يأت من ترك الدنيا إلا الراحة عند الموت والاستعداد لما بعد الموت لكفى.. وقد قيل لبعض الزهاد: ألا توصي؟ قال: بماذا أوصي؟ والله ما لنا شيء، ولا لنا عند أحد شيء ولا لأحد عندنا شيء، انظر إلى هذه الراحة، كيف تعجلها؟ ! وإلى السلامة كيف صار إليها؟ ! 4
تجرد من الدنيا فإنك إنما... سقطت إلى الدنيا وأنت مجرد 5
قال محمد بن سوقة: أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما لعذاب الله، أحدنا يزاد الشيء من الدنيا، فيفرح
الجزء: 1 - الصفحة: 82
فرحًا، ما علم الله أنه فرح بشيء زاد قط في دينه، وينقص الشيء من الدنيا، فيحزن عليه حزنًا، ما علم أنه حزن على شيء نقص قط في دينه.
وأوصى عبد الله بن خبيق بقوله: لا تغتم إلا من شيء يضرك غدًا، ولا تفرح بشيء لا يسرك غدًا، وأنفع الخوف ما جحزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكرة بقية عمرك.