أخي الحبيب
:
جعل الله الدنيا عرضًا عاجلاً ومتاع غرور، وجعل الآخرة دار جزاء وثواب، وحف الدنيا بالشهوات وزينها بها، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ
وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾
[آل عمران: 14].
فأخبر سبحانه أن هذا الذي زين به الدنيا من ملاذها وشهواتها، وما هو غاية أماني طلابها ومؤثريها على الآخرة، هو1
الجزء: 1 - الصفحة: 46
سبعة أشياء: النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة، والبنين اللذان بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه، والذهب والفضة اللذان هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها، والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم، وحصونهم.
وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم، والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم، وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم، والحرث الذي هو مادة قوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم، وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك.
ثم أخبر سبحانه أن ذلك متاع كله: متاع الحياة الدنيا، ثم شوق عباده إلى متاع الآخرة، وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى، فقال: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15].
ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع، ومن هم أهله الذين هم أولى به، فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 16 - 17] 2.
أخي المسلم: لنتأمل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويل لمن كانت الدنيا أمله والخطايا عمله، عظيم بطنته، قليل فطنته، عالم
الجزء: 1 - الصفحة: 47
بأمر دنياه، جاهل بأمر آخرته (1). وكتب عمر إلى أبي موسى: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا.