أخي الحبيب
- في حال المحتضرين من الصالحين ترى الهدوء والسكينة على النفوس المطمئنة، وترى غير ذلك على أصحاب الحرام، اللاهثين وراء الحطام وزخرف الدنيا.
العبد ذو ضجر والرب ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللوم والشوم
قال أبو الدرداء: لولا ثلاث لأحببت أن أكون في بطن الأرض لا على ظهرها: لولا إخوة يأتوني ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى طيب الثمر، أو أعفر وجهي ساجدًا لله -عز وجل- أو غدوة أو روحة في سبيل الله -عز وجل- 2.
هذه الرغبة الصادقة فيما عند الله .. وهذه هي الاستفادة الكاملة من الأوقات وتلك والله الأمنيات الخيرة.
قال وهيب بن الورد: الزهد في الدنيا أن لا تأسى على الناس على ما فاتك منها، ولا تفرح بما آتاك منها 3.
أخي الحبيب:
إنما الدنيا إذا فكرت فيها: ثلاثة أيام، يوم مضى لا ترجوه،1
الجزء: 1 - الصفحة: 57
ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا، ولا تدري لعلك تموت قبله، وليكن سعيك في دنياك لآخرتك، فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد المشقة 4. وليكن طلبك الدنيا اضطرارًا، وتذكرك في الأمور اعتبارًا، وسعيك لمعادك ابتدارًا، فاعمل عمل المرتحل، فإن حادي الموت يحدوك ليوم ليس يعدوك 5. قال الحسن -رحمه الله-: إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب 6. صاحب الدنيا الذي يعظمه البعض - حتى وإن كان تاركًا للصلاة ويوسع له في المجلس لننظر إلى الحسن رحمه الله- كان إذا ذكر صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها، ولا سلم من شرها ولا تبعتها ولا حسابها، ولقد أخرج منها في خرق 7. وكتب علي بن أبي طالب إلى عبد الله بن عباس: أما بعد فإن المرء يسوءه فوت ما لم يكن يدركه، ويسره درك ما لم يكن ليفوته،
الجزء: 1 - الصفحة: 58
فليكن سرورك بما قلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحًا، وليكن همك فيما بعد الموت.
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ... ونال من الدنيا سرور وأنعما
كبانٍ بنى بنيانه فأقامه ... فلما استوى ما قد بناه تهدما (1)