القياس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السيوطي
- الكتاب
- الاقتراح في أصول النحو وجدله
- المؤلف
- عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)حققه وشرحه: د. محمود فجال، وسمى شرحه (الإصباح في شرح الاقتراح)
- الناشر
- دار القلم، دمشق
- الطبعة
- الأولى، 1409 - 1989 م
- عدد الأجزاء
- 1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تحمله للضمير _ متى جرى على غير من هو له: صفة أو صلة أو خبرا لم يتحمل الضمير فما ظنك بالصفة المشبهة باسم الفاعل فإن الحكم الثابت للمقيس عليه إنما هو بالاستنباط والقياس على العل الرافع للظاهر حيث
لا تلحقه العلامات ".
الثانية
قال ابن الأنباري:
" اختلف في القياس على الأصل المختلف في حكمه.
فأجازه قوم لأن المختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة المتفق عليه
ومنعه آخرون لأن المختلف فيه فرع لغيره فكيف يكون أصلا؟
وأجيب بأنه يجوز أن يكون فرعا لشيء آخر فإن اسم الفاعل فرع على الفعل وأصل للصفة المشبهة.
وكذلك لات فرع على لا ولا فرع على ليس فـ (لا) أصل لـ لات وفرع على ليس ولا تناقض في ذلك لاختلاف الجهة ومن أمثلة القياس على المختلف فيه أن تستدل على أن (إلا) تنصب المستثنى فتقول: حرف قام مقام فعل يعمل النصب فوجب أن يعمل النصب كـ يا في النداء فإن إعمال يا في النداء مختلف فيه فمنهم من قال: إنه العامل ومنهم من قال فعل مقدر.
الفصل الرابع في العلة
فيه مسائل:
الأولى
قال صاحب المستوفي:
"إذا استقريت أصول هذه الصناعة علمت أنها في غاية الوثاقة وإذا تأملت عللها عرفت أنها غير مدخولة ولا متسمح فيها.
وأما ما ذهب إليه غفلة العوام من أن علل النحو تكون واهية ومتمحلة واستدلالهم على ذلك بأنها أبدا تكون هي تابعة
للوجود لا الوجود تابعا لها فبمعزل عن الحق وذلك أن هذه الأوضاع والصيغ وإن كنا نستعملها فليس ذلك على سبيل الابتداء والابتداع بل على وجه الاقتداء والاتباع ولابد فيها من التوقيف فنحن إذا صادفنا الصيغ المستعملة والأوضاع بحال من الأحوال وعلمنا أنها كلها أو بعضها من وضع واضع حكيم جل وتعالى تطلبنا بها وجه الحكمة لتلك الحال من بين أخواتها فإذا حصلنا عليه فذلك غاية المطلوب "
وقال ابن جني في الخصائص: " اعلم أن علل النحويين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين وذلك أنهم إنما يحيلون على الحس ويحتجون فيه بثقل الحال أو خفتها على النفس وليس كذلك علل الفقه لأنها إنما هي أعلام وأمارات لوقوع الأحكام وكثير منه لا يظهر فيه وجه الحكمة كالأحكام التعبدية بخلاف النحو فإن كله أو غالبه مما تدرك علته وتظهر حكمته ". قال سيبويه: " وليس شيء مما يضطرون إلا وهم يحاولون
به وجها ".
نعم قد لا يظهر فيه وجه الحكمة.
قال بعضهم إذا عجز عن تعليل الحكم قال هذا تعبدي وإذا عجز النحوي عنه قال: هذا مسموع.
وهذا موضع آخر من الخصائص:
لاشك أن العرب قد أرادت من العلل والأعراض ما نسبناه إليها ألا ترى إلى أطراد رفع الفاعل ونصب المفعول والجر بحروفه والجزم بحروفه وغير ذلك من التثنية والجمع والإضافة والنسب والتحقير وما يطول شرحه.
فهل يحسن بذي لب أن يعتقد هذا كله اتفاق وقع وتوارد اتجه؟
فإن قلت فلعله شيئ طبعوا عليه من غير اعتقاد لعلة ولا لقصد من المقصود من القصود التي تنسبها إليهم بل لأن آخرا منهم حذرا على ما نهج الأول فقام به.
قيل: إن الله إنما هداهم لذلك وجبلهم عليه لأن في طباعهم قبولا له وانطواء على صحة الوضع فيه وتراهم قد اجتمعوا على هذه اللغة وتواردوا عليها.
فإن قلت: كيف تدعي الاجتماع وهذا اختلافهم موجود ظاهر ألا ترى إلى الخلاف في (ما) الحجازية والتميمية
إلى غير ذلك؟
قيل: هذا القدر والخلاف لقلته محتقر غير محتفل به وإنما هو في شيء من الفروع يسير فأما الأصول وما عليه العامة والجمهور فلا خلاف عليه.
وأيضا فإن أهل كل واحدة من اللغتين عدد كثير وخلق عظيم وكل منهم محافظ على لغته لا يخالف شيئا منها.
فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون ويقتاسون ولا يفرطون ولا يخلطون؟
ومع هذا فليس شيئ من مواضع الخلاف على قلته إلا وله وجه من القياس يؤخذ به.
ولو كانت اللغة حشوا مكيلا وحثوا مهيلا لكثر خلافها وتعادت أوصافها فجاء
عنهم جر الفاعل ورفع المضاف إليه والنصب بحروف الجزم.
وأيضا فقد ثبت عنهم التعليل في مواضع نقلت عنهم كما سيأتي.
الثانية في أقسام العلل
قال أبو عبد الله الحسين بن موسى الدينوري الجليس في كتابه ثمار الصناعة:
"اعتلالات النحويين صنفان:
علة تطرد على كلام العرب وتنساق إلى قانون لغتهم
وعلة تظهر حكمتهم وتكشف عن صحة أغراضهم ومقاصدهم في موضوعاتهم.
وهم للأولى أكثر استعمالا وأشد تداولا، وهي واسعة الشعب، إلا أن مدار المشهورة منها على أربعة وعشرين نوعا؛ وهي:
علة سماع، وعلة تشبيه، وعلة استغناء، وعلة
استثقال، وعلة فرق، وعلة توكيد، وعلة تعويض، وعلة نظير، وعلة نقيض، وعلة حمل على المعنى، وعلة
مشاكلة، وعلة معادلة، وعلة قرب ومجاورة، وعلة وجوب، وعلة جواز، وعلة تغليب، وعلة اختصار، وعلة تخفيف، وعلة دلالة حال، وعلة أصل، وعلة تحليل، وعلة إشعار، وعلة تضاد، وعلة أولى.
وشرح ذلك التاج ابن مكتوم في تذكرته فقال:
قوله: علة سماع: مثل قولهم: امرأة ثدياء، ولا يقال: رجل أثدي، وليس لذلك علة سوى السماع.
وعلة تشبيه مثل إعراب المضارع لمشابهته الاسم وبناء بعض الأسماء لمشابهتها الحروف.
وعلة استغناء كاستغنائهم بـ ترك عن ودع
وعلة استثقال كاستثقالهم الواو في يعد لوقوعها بين ياء وكسرة
وعلة فرق وذلك فيما ذهبوا إليه من رفع الفاعل ونصب المفعول وفتح نون الجمع وكسر نون المثنى.
وعلة توكيد مثل إدخالهم النون الخفيفة والثقيلة في فعل الأمر لتأكيد إيقاعه.
وعلة تعويض مثل تعويضهم الميم في اللهم من حرف النداء.
وعلة نظير مثل كسرهم أحد الساكنين إذا التقيا في الجزم حملا على الجر إذ هو نظيره.
وعلة نقيض مثل نصبهم النكرة بـ لا حملا على نقيضها إن.
وعلة حمل على المعنى مثل (فمن جاءه موعظة) ذكر فعل الموعظة وهي مؤنثة حملا لها على المعنى وهو الوعظ
وعلة مشاكلة مثل قوله (سلاسلا وأغلالا)
وعلة معادلة مثل جرهم ما لا ينصرف بالفتح حملا على النصب ثم عادلوا بينهما فحملوا النصب على الجر في جمع المؤنث السالم.
وعلة مجاورة مثل الجر بالمجاورة في قولهم جحر ضب خرب وضم لام (الله) في (الحمد لله)
لمجاورتها الدال.
وعلة وجوب وذلك تعليلهم رفع الفاعل ونحوه.
وعلة جواز وذلك ما ذكروه في تعليل الإمالة من الأسباب المعروفة فإن ذلك علة لجواز الإمالة فيما أميل لا لوجوبها.
وعلة تغليب مثل (وكانت من القانتين)
وعلة اختصار مثل باب الترخيم و (لم يك)
وعلة تخفيف كالإدغام.
وعلة أصل كـ استحوذ ويؤكرم وصرف
ما لا ينصرف
وعلة أولى كقولهم: إن الفاعل أولى برتبة التقديم من المفعول
وعلة دلالة حال كقول المستهل الهلال أي هذا الهلال فحذف لدلالة الحال عليه.
وعلة إشعار كقولهم في جمع موسى موسون بفتح ما قبل الواو إشعار بأن المحذوف ألف.
وعلة تضاد مثل قولهم في الأفعال التي يجوز إلغاؤها متى تقدمت وأكدت بالمصدر أو بضميره لم تلغ أصلا لما بين
التأكيد والإلغاء من التضاد
قال ابن مكتوم
وأما علة التحليل فقد اعتاص علي شرحها وفكرت فيها أياما فلم يظهر لي فيها شيء.
وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ:
" قد رأيتها مذكورة في كتب المحققين كابن الخشاب
البغدادي حاكيا لها عن السلف في نحو الاستدلال على اسمية كيف بنفي حرفيتها لأنها مع الاسم كلام ونفي فعليتها لمجاورتها الفعل بلا فاصل فتحلل عقد شبه خلاف المدعي " وأما الصنف الثاني فلم يتعرض له الجليس ولا بينه وقد بينه ابن السراج في الأصول فقال: "اعتلالات النحويين ضربان: ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب كقولنا: كل فاعل مرفوع وكل مفعول منصوب وضرب يسمى علة العلة مثل أن يقولوا: لم صار الفاعل مرفوعا والمفعول منصوبا؟ وهذا ليس يكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب وإنما يستخرج منها حكمتها في الأصول التي وضعتها ويتبين به فضل
هذه اللغة على غيرها " وقال ابن جني في الخصائص: "هذا الذي سماه علة العلة إنما هو تجوز في اللفظ فأما في الحقيقة فإنه شرح وتميم للعلة ألا ترى أنه إذا قيل: فلم ارتفع الفاعل؟ قيل: لإاسناد الفعل إليه ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا قام زيد إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه فكان مغنيا عن قوله إنه ارتفع لأنه فاعل حتى يسأل فيما بعد عن العلة التي لها رفع الفاعل ".
الثالثة
قال في الخصائص: أكثر العلل عندنا مبناها على الإيجاب بها كنصب الفضلة
أو ما شابهها ورفع العمدة وجر المضاف إليه وغير ذلك وعلى هذا مفاد كلام العرب.
وضرب آخر يسمى علة وإنما هو في الحقيقة سبب يجوزه ولا يوجبه.
ومن ذلك أسباب الإمالة فإنها علة الجواز لا الوجوب.
وكذا علة قلب واو (وقتت) همزة وهي كونها انضمت ضما
لازما فإنها مع ذلك يجوز إبقاؤها واو فعلتها مجوزة لا موجبة "
قال:
وكذا كل موضع جاز فيه إعرابان فأكثر كالذي يجوز جعله بدلا وحالا وذلك النكرة بعد معرفة هي في المعنى هي نحو مررت بزيد رجل صالح ورجلا صالحا فإن علته لجواز ما جاز لا لوجوبه " انتهى
فظهر بهذا الفرق بين العلة والسبب وأن ما كان موجبا يسمى علة وما كان مجوزا يسمى سببا.
وقال في موضع آخر:
" اعلم أن محصول مذهب أصحابنا ومتصرف أقوالهم مبني على جواز تخصيص العلل فإنها وإن
تقدمت علل الفقه فأكثرها يجري مجرى التخفيف والفرق ولو تكلف متكلف نقضها لكان ذلك ممكنا وإن كان على غير قياس مستثقلا كما لو تكلف تصحيح فاء ميزان وميعاد ونصب الفاعل ورفع المفعول وليست كذلك علل المتكلمين لأنها لا قدرة على غيرها.
فإن علل النحويين متأخرة عن علل المتكلمين متقدمة علل المتفقهين
إذا عرفت ذلك فاعلم أن علل النحويين ضربان:
واجب لابد منه لأن النفس لا تطيق في معناه غيره وهذا لا حق بعلل المتكلمين
والآخر ما يمكن تحمله لكن على استكراه وهذا لاحق بعلل الفقهاء
فالأول: ما لابد للطبع منه كقلب الألف واو للضمة قبلها ومنع الابتداء بالساكن والجمع بين الألفين المدتين إذ لا يكون ما قبل الألف إلا مفتوحا فلو التقت ألفان مدتان لوقعت الثانية بعد ساكن.
والثاني: ما يمكن النطق به على مشقة كقلب الواو ياء بعد الكسرة إذ يمكن أن تقول في عصافير عصافور ولكن يكره
قلت: ومن الأول تقدير الحركات في المقصور
ومن الثاني تقدير الضمة والكسرة في المنقوص
وقال في موضع آخر:
" اعلم أن أصحابنا انتزعوا العلل من
كتب محمد بن الحسن وجمعوها منها بالملاطفة والرفق ".
الرابعة
قال ابن الأنباري: اختلفوا في إثبات الحكم في محل النص: بماذا ثبت بالنص أم بالعلة؟ فقال الأكثرون: بالعلة لابالنص لأنه لو كان ثابتا به لا بها لأدى إلى إبطال الإلحاق وسد باب القياس لأن القياس حمل فرع على أصل بعلة جامعة فإذا فقدت العلة الجامعة بطل
القياس وكان الفرع مقتبسا من غير أصل وذلك محال ألا ترى أنا لو قلنا: إن الرفع والنصب في نحو ضرب زيد عمرا بالنص لا بالعلة لبطل الإلحاق بالفاعل والمفعول والقياس عليهما وذلك لا يجوز.
وقال بعضهم يثبت في محل النص بالنص وفيما عداه بالعلة وذلك نحو النصوص المنفولة عن العرب المقيس عليها بالعلة الجامعة في جميع أبواب العربية.
واستدل لذلك بأن النص مقطوع به والعلة مظنونة وإحالة الحكم على المقطوع له أولى من إحالته على المظنون.
ولا يجوز أن يكون الحكم ثابتا بالنص والعلة معا لأنه يؤدي
إلى أن يكون الحكم مقطوعا به مظنونا في حال واحدة محال.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن الحكم إ نما يثبت بطريق مقطوع به وهو النص ولكن العلة هي التي دعت إلى إثبات الحكم فنحن نقطع على الحكم بكلام العرب ونظن أن العلة هي التي دعت الواضع إلى الحكم فالظن لم يرجع إلى ما يرجع إليه القطع بل هما متغايران فلا منافاة ".
انتهى كلام ابن الأنباري.
الخامسة
العلة قد تكون بسيطة وهي التي يقع التعليل بها من وجه واحد كالتعليل بالاستثقال والجوار والمشابهة ونحو ذلك.
وقد تكون مركبة من عدة أوصاف اثنين فصاعدا كتعليل
قلب ميزان بوقوع الياء ساكنة بعد كسرة فالعلة ليس مجرد سكونها ولا وقوعها بعد كسرة بل مجموع الأمرين وذلك كثير جدا.
وقد يزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط بحيث لو أسقطت لم يقدح فيها كما سيأتي في القوادح.
وقال ابن النحاس في التعليقة: " نعلل ابن عصفور حذف التنوين من العلم الموصوف بـ ابن مضاف إلى علم بعلة مركبة من مجموع أمرين وهو: كثرة الاستعمال مع التقاء الساكنين
والنحاة لم يعللوه إلا بكثرة الاستعمال فقط بدليل حذفه م (هند بنت عاصم) على لغة من صرف هندا وإن لم يلتق هنا ساكنان وكأنه لما رأى انتقاض العلة احتاج إلى قوله: ومن العرب
من يحذف لمجرد كثرة الاستعمال وهذه العلة الصحيحة المطرة في الجميع لا ما علل به أولا ".
ومن العلل المركبة قول الزمخشري في المفصل في الذي: ولاستطالتهم إياه بصلته مع كثرة الاستعمال خففوه من غير وجه فقالوا: اللذ بحذف الياء ثم اللذ بحذف الحركة ثم حذفوه رأسا واجتزءوا بلام التعريف الذي في أوله وكذا فعلوا في (التي) " وقال ابن النحاس: " إنما التزموا الفصل بين (أن) إذا
خففت وبين خبرها إذا كان فعلا لعلة مركبة من مجموع أمرين وهما: العوض من تخفيفها وإيلاؤها ما لم يكن يليها ".
السادسة
من شرط العلة أن تكون هي الموجبة للحكم في المقيس عليه ومن ثم خطأ ابن مالك البصريين في قولهم: إن علة إعراب المضارع مشابهته للاسم في حركاته وسكناته وإبهامه وتخصيصه فإن هذه الأمور ليست الموجبة لإعراب الاسم وإنما الموجب له قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة ولا يميزها إلا الإعراب تقول: ما أحسنْ زيدْ، فيحتمل النفي والتعجب والاستفهام.
فإن أردت الأول رفعت زيدا، أو الثاني نصبته أو الثالث جررته.
فلابد أن تكون هذه العلة هي الموجبة لإعراب المضارع فإنك تقول:
لا تأكل السمك وتشرب اللبن فيحتمل النهي عن كل منهما علة انفراده وعن الجمع بينهما وعن الأول فقط والثاني مستأنف ولا يبين ذلك إلا الإعراب بأن تجزم الثاني أيضا إن أردت الأول وتنصبه إن أردت الثاني وترفعه إن أردت الثالث.
السابعة
قال ابن الأنباري: " اختلفوا في التعليل بالعلة القاصرة فجوزها قوم ولم يشترطوا التعدية في صحتها وذلك كالعلة في قولهم: ما جائت حاجتك؟ وعسى الغوير أبؤسا فإن جاءت وعسى أجريا مجرى صار فجعل لهما اسم مرفوع وخبر منصوب ولا يجوز أن يجريا مجرى صار في غير هذين الموضعين فلا يقال: ما جاءت حالتك أي صارت ولا جاء زيد قائما أي صار زيد قائما وكذلك لا يقال: عسى الغوير أنعما ولا عسى زيد قائما بإجراء عسى مجرى صار واستدل على صحتها بأنها ساوت
العلة المتعدية في الإخالة والمناسبة وزادت عليها بظاهر النقل فإن لم يكن ذلك علما للصحة فلا أقل من أن يكون علما للفساد.
وقال قوم:
إنها علة باطلة لأن العلة إنما تراد للتعدية وهذه العلة لا تعدية فيها وإذا لم تكن متعدية فلا فائدة لها لأنها لا فرع لها فالحكم فيها ثابت بالنص لا بها
وأجيب:
بأنا لا نسلم أنها إنما تراد للتعدية، فإن العلة إنما كانت علة لإخالتها ومناسبتها لا لتعديتها.
ولا نسلم أيضا عدم فائدتها فإنها تفيد الفرق بين المنصوص الذي يعرف معناه والذي لا يعرف معناه وتفيد أنه ممتنع رد غير المنصوص عليه وتفيد أيضا أن الحكم ثبت في المنصوص عليه بهذه العلة " انتهى كلام ابن الأنباري وقال ابن مالك في شرح التسهيل: " عللوا سكون آخر الفعل المسند إلى التاء ونحوه بقولهم لئلا تتوالى أربع حركات فيما هو ككلمة واحدة وهذه العلة ضعيفة لأنها قاصرة إذ
لا يوجد التوالي إلا في الثلاثي الصحيح وبعض الخماسي كـ انطلق وانكسر والكثير لا يتوالى فيه ذلك والسكون عام في الجميع " انتهى فمنع العلة القاصرة.
الثامنة قال في الخصائص: " يجوز التعليل بعلتين ومن أمثلة ذلك قولك: هؤلاء مسلمي فإن الأصل مسلموي فقلبت الواو ياء لأمرين كل منهما موجب للقلب: أحدهما اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بالسكون
والآخر
ياء المتكلم أبدا يكسر الحرف الذي قبلها
فوجب قلب الواو ياء وإدغامها ليمكن كسر ما تليه "
ومن ذلك قولهم:
سي في (لا سيما) أصله سوي قلبت الواو ياء إن شئت لأنها ساكنة غير مدغومة بعد كسرة وإن شئت لأنها ساكنة قبل ياء.
فهاتان علتان إحدهما كعلة قلب ميزان والأخرى كعلة طي مصدري طويت ولويت وكل منهما مؤثرة "
وقال في موضع آخر:
قد يكثر الشيء فيسأل عن علته كرفع الفاعل ونصب المفعول فيذهب قوم إلى شيء وآخرون إلى غيره فيجب إذن تأمل القولين واعتقاد أقواهما ورفض الآخر فإن تساويا في القوة لم ينكر اعتقادهما جميعا فقد يكون الحكم الواحد معلولا بعلتين " انتهى
وقال ابن الأنباري: " اختلفوا في تحليل الحكم بعلتين فصاعدا: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأن هذه العلة مشبهة بالعلة العقلية والعلة العقلية لايثبت إلا بعلة واحدة فكذلك ما كان مشبها بها وذهب قوم إلى الجواز وذلك مثل أن يدل على كون الفاعل ينزل منزلة الجزء من الفعل بعلل كونه يسكن لام الفعل في نحو ضربت ويمتنع العطف عليه إذا كان ضميرا متصلا ووقوع الإعراب بعده في الأمثة الخمسة واتصال تاء التأنيث بالفعل إذا كان الفاعل مؤنثا