الاقتراح في أصول النحو ط القلمصفحات 107-146

السماع

صفحات 107-146
عن هذه الطبعة
عَلَم
السيوطي
الكتاب
الاقتراح في أصول النحو وجدله
المؤلف
عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)حققه وشرحه: د. محمود فجال، وسمى شرحه (الإصباح في شرح الاقتراح)
الناشر
دار القلم، دمشق
الطبعة
الأولى، 1409 - 1989 م
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

العرب في الطنوج _ وهي الكرايس _ ثم دفنها في قصره الأبيض فلما كان المختار بن أبي عبيد قيل له إن تحت القصر كنزا فاحتفره فأخرج تلك الأشعار فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة ". قال ابن جني: "فإذا كان كذلك لم يقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ ما دام القياس يعضده فإن لم يعضده كرفع المفعول والمضاف إليه وجر الفاعل أو نصبه فينبغي أن يرد لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا.
وكذا إذا كان الرجل الذي سمعت منه تلك اللغة الخالفة مضعوفا في قوله مألوفا منه اللحن وفساد الكلام فإنه يرد عليه ولا يقبل منه.

وإن احتمل أن يكون مصيبا في ذلك لغة قديمة فالصواب رده وعدم الاحتفال بهذا الاحتمال ". الحال الثالث: أن ينفرد به المتكلم ولا يسمع من غيره لا ما يوافقه ولا ما يخالفه.
قال ابن جني: " والقول فيه أنه يجب قبوله إذا ثبت فصاحته لأنه إما أن يكون شيئا أخذه عمن نطق به بلغة قديمة لم يشارك في سماع ذلك منه على حد ما قلناه فيمن خالف الجماعة وهو فصيح أو شيئا ارتجله فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرف وارتجل ما لم يسبق إليه فقد حكي عن رؤبة وأبيه أنهم كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولا سبقا

إليها.
أما لو جاء عن متهم أو من لم ترق به فصاحته ولا سبقت إلى الأنفس ثقته فإنه يرد ولا يقبل فإن ورد عن بعضهم شيئ يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها فإنه لا يقنع في قبوله أن يسمع من الواحد ولا من العدة القليلة إلا أن يكثر من ينطق به منهم فإن كثر قائلوه إلا أنه مع هذا ضعيف الوجه في القياس فمجازه وجهان: أحدهما أن يكون من نطق به لم يحكم قياسه.
والآخر: أن تكون أنت قصرت عن استدراك وجه صحته.
ويحتمل بأن يكون سمعه من غيره ممن ليس فصيحا وكثر استماعه له فسرى في كلامه إلا أن ذلك قلما يقع فإن

الأعرابي الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عدل عنها ولم يعبأ بها.
فالأقوى أن يقبل ممن شهرت فصاحته ما يورده ويحمل أمره على ما عرف من حاله لا على ما عسى أن يحتمل كما أن على القاضي قبول شهادة من ظهرت عدالته وإن كان يجوز كذبه في الباطن إذ لو لم يؤخذ بذلك لأدى إلى ترك الفصيح بالشك وسقوط كل اللغات.

الفرع الرابع

قال ابن جني: " اللغات على اختلافها كلها حجة.
ألا ترى أن لغة الحجازين في إعمال (ما) ولغة التميمين في تركه كل منها يقبله القياس فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها ". وسيأتي في ذلك مزيد كلام في (الكتاب السادس).

الخامس

قال ابن جني: "علة امتناع الأخذ عن أهل المدر كما يؤخذ عن أهل الوبر ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم

لم يعرض للغتهم شيء من الفساد أوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر وكذلك لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من الخلل والفساد لوجب رفض لغتها ". قال: " وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا.
وإذا كان قد روي أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يلحن فقال: (أرشدوا أخاكم فقد ضل) وسمع عمر رجلا يلحن

وكذلك علي حتى حمله ذلك على وضع النحو إلى أن شاع واستمر فساد الألسنة مشهورا ظاهرا فينبغي أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد إلا أن تقوى لغته وتشيع فصاحته ". وقد قال الفراء في بعض كلامه: " إلا أن تسمع شيئا من بدوي فصيح فتقوله ".

السادس في العربي الفصيح ينتقل لسانه قال ابن جني: " العمل في ذلك أن تنظر حال ما انتقل إليه فإن كان فصيحا مثل لغته الأولى أخذ بها كما يؤخذ بما انتقل عنها أو فاسدا فلا ويؤخذ بالأولى ".

قال: " فإن قيل: فما يؤمنك _ أن يكون كما وجدت في لغته فسادا بعد أن لم يكن فيها _ أن يكون فيها فسادا آخر لم تعلمه؟ قيل: لو أخذ بها لأدى إلى أن لا تطيب نفس بلغة وأن يتوقف عن الأخذ عن كل أحد مخافة أن يكون في لغته زيغ لا نعلمه الآن ويجوز أن يعلم بعد زمان وفي هذا من الخطل ما يكفي.
فالصواب الأخذ بما عرف صحته ولم يظهر فساده ولا يلتفت إلى احتمال الخلل فيما لم يبن ".

السابع في تداخل اللغات

قال في (الخصائص): " إذا اجتمع في كلام الفصيح لغتان فصاعدا كقوله وأشرب الماء ما بي نحوه عطش إلا لأن عيونه سيل واديها فقال: نحوهو بالإشباع وعيونه بالإسكان فينبغي أن يتأمل حال كلامه.
فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتان في الاستعمال كثرتهما

واحدة فأخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على تينك اللفظتين لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليها في أوزان أشعارها وسعة تصرف أقوالها.
ويجوز أن تكون لغته في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال بها عهده وكثر استعماله لها فلحقت لطول المدة وكثرة الاستعمال بلغته الأولى.
وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر من كلامه من الأخرى فأخلق الأمر به أن تكون القليلة الاستعمال هي الطارئة والكثيرة هي الأولى الصلية.
ويجوز أن تكونا معا لغتين له ولقبيلته وإنما قلت إحداهما في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه.

وإن كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسمعت في لغة إنسان فعلى ما ذكرناه كما جاء عنهم في أسماء الأسد والسيف والخمر وغير ذلك وكما تنحرف الصيغة واللفظ واحد كقولهم رغوة اللبن ورُغوته ورِغوته ورغاوته كذلك مثلثا.
وكقولهم: جئت من عل ومن عِل ومن عَل ومن علا ومن عُلو ومن علوٍ ومن علوَ ومن عال ومن معال.
فكل ذلك لغات لجماعات قد تجتمع لإنسان واحد.

قال الأصمعي: " اختلف رجلان في الصقر فقال أحدهما بالصاد وقال الآخر بالسين فتارضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال: لا أقول كما قلتما إنما هو الزقر ". " وعلى هذا يتخرج جميع ما ورد من التداخل نحو: قلى يقلى وسلا يسلى.
وطهر فهو طاهر وشعر فهو شاعر.
فكل ذلك إنما هو لغات تداخلت فتركبت بأن أخذ الماضي

من لغة والمضارع أو الوصف من لغة أخرى لا تنطق بالماضي كذلك فحصل التداخل والجمع بين اللغتين فإن من يقول: قلا يقول في المضارع يقلي والذي يقول: يقلا يقول في الماضي: قلي وكذا من يقول يسلا يقول في الماضي سلي.
فتلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا وهذا لغة هذا فأخذ كل واحد من صاحبه ما ضمه إلى لغته فتركبت هناك لغة ثالثة.
وكذا شاعر وطاهر إنما هو من شعر وطهر بالفتح وأما بالضم فوصفه على فعيل فالجمع بينهما من التداخل ". انتهى كلام ابن جني.
وقد حكى غيره في استعمال اللغتين المتداخلتين قولين: أحدهما: أنه يجوز مطلقا والثاني: إنما يجوز بشرط ألا يؤدي إلى استعمال لفظ مهمل كـ (الحبك).

الثامن

أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين وفي (الكشاف) ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة

ورواتها فإنه استشهد على مسألة بقول حبيب بن أوس ثم قال: " وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة فيقتنعون بذلك لتوثقهم بروايته وإتقانه ".

فائدة أول الشعراء المحدثين بشار بن برد وقد احتج سيبويه في كتابه ببعض شعره تقربا إليه لأنه كان هجاه لتركه الاحتجاج بشعره ذكره المرزباني وغيره.
ونقل ثعلب عن الأصمعي قال: ختم الشعر

بإبراهيم بن هرمه وهو آخر الحجج.

التاسع

لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله.
صرح بذلك ابن الأنباري في (الإنصاف).
وكأن علة ذلك خوف أن يكون لمولد أو من لا يوثق بفصاحته.
ومن هذا يعلم أنه يحتاج إلى معرفة أسماء العرب وطبقاتهم.
قال ابن النحاس في (التعليقة): " أجاز الكوفيون إظهار (أن) بعد (كي) واستشهدوا بقول الشاعر: أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع

قال: والجواب أن هذا البيت غير معروف قائله ولو عرف لجاز أن يكون من ضرورة الشعر.
وقال أيضا: ذهب الكوفيون إلى جواز دخول اللام في خبر (لكن) واحتجوا بقول الشاعر: ولكنني من حبها لعميد والجواب: أن هذا البيت لا يعرف قائله ولا أوله ولم يذكر منه

إلا هذا ولم ينشده أحد ممن وثق في اللغة ولا عزي إلى مشهور بالضبط والإتقان وفي ذلك ما فيه.
وفي تعاليق ابن هشام على الأفية: " استدل الكوفيون على جواز مد المقصور للضرورة بقوله: قد علمت أخت بني السعلاء وعلمت ذاك مع الجراء أن نعم مأكولا على الخواء يا لك من تمر ومن شيشاء ينشب في المشعل واللهاء

فمد السعلا والخوا واللها وهي مقصورات.
قال: والجواب عندنا أنه لا يعلم قائله فلا حجة فيه ". لكن ذكر في شرحه للشواهد ما يخالف ذلك فإنه قال: طعن عبد الواحد الطواح في كتابه (بغية الآمل) في الاستشهاد بقوله: لا تكثرن إني عسيت صائما

وقال هو بيت مجهول لم ينسبه الشارح إلى أحد فسقط الاحتجاج به.
ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتا من (كتاب سيبويه) فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين.

العاشر

إذا قال حدثني الثقة فهل يقبل؟ قولان: في علم الحديث وأصول الفقه رجح كلا مرجحون وقد وقع ذلك لسيبويه كثيرا يعني به الخليل وغيره وكان يونس يقول: حدثني الثقة عن العرب فإن قيل له: من

الثقة؟ قال: أبو يزيد, قيل له: فلم لا تسميه؟ قال: هو حي بعد، فأنا لا أسميه.

الحادي عشر

قال ابن السراج في (الأصول) بعد أن قرر أن (أفعل) التفضيل لا يأتي من الألوان: فإن قيل: قد أنشد بعض الناس: ياليتني مثلك في البياض أبيض من أخت بني أباض

فالجواب أن هذا معمول على فساد وليس البيت الشاذ والكلام المحفوظ بأدنى إسناد حجة على الأصل المجتمع عليه في كلام ولا نحو ولا فقه وإنما يركن إلى ضعفة أهل النحو ومن لا حجة معه.
وتأويل هذا وما أشبهه كتأويل ضعفة أصحاب الحديث وأتباع القصاص في الفقه ". انتهى.
فأشار بهذا الكلام إلى أن الشاذ ونحوه يطرح طرحا ولا يهتم بتأويله.

الثاني عشر

قال أبو حيان في شرح التسهيل " التأويل إنما يسوغ

إذا كانت الجادة على شيء ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول.
أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها فلا تأويل.
ومن ثم كان مردودا تأويل أبي علي: " ليس الطيب إلا المسك " على أن فيها ضمير شأن لأن أبا عمرو نقل أن ذلك لغة تميم ".

الثالث عشر

قال أبو حيان أيضا: "إذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال ". ورد به على ابن مالك كثيرا في مسائل استدل عليها بأدلة تقبل التأويل

منها منها استدلاله قصر الأخ بقوله: أخاك الذي إن تدعه لملمة يجبك بما تبغي ويكفيك من يبغي فإنه يحتمل أن يكون منصوبا بإضمار فعل أي الزم.
وإذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال.

الرابع عشر

كثيرا ما تروى الأبيات على أوجه مختلفة وربما يكون الشاهد في بعضها دون بعض وقد سئلت عن ذلك قديما فأجبت

باحتمال ان يكون الشاعر أنشده مرة هكذا ومرة هكذا.
ثم رأيت ابن هشام قال في شرح الشواهد: روي قوله: ولا أرض أبقل إبقالها

بالتذكير والتأنيث مع نقل الهمزة فإن صح أن القائل بالتأنيث هو القائل بالتذكير صح الاستشهاد به عل الجواز في غير الضرورة وإلا فقد كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها ومن هنا تكثر الرويات في بعض الأبيات ". انتهى.

فصل

ملخص من المحصول للإمام فخر الدين مع زيادات

من شروحه قال: " اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرض كفاية لأن معرفة الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع ومعرفة الأحكام بدون معرفة أدلتها مستحيل فلابد من معرفة أدلتها والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم فإن توقف العلم بالأحكام على الأدلة ومعرفة الأدلة تتوقف على معرفة النحو والتصريف وما يتوقف على الواجب المطلق

وهو مقدور للمكلف فهو واجب فإذن معرفة اللغة والنحو والتصريف واجبة ". قال: " ثم الطريق إلى معرفتها إما النقل المحض كأكثر اللغة أو العقل مع النقل كقولنا: " الجمع المحلى باللام للعموم " لأنه يصح استثناء أي فرض منه فإن صحة الاستثناء بالنقل وكونه معيار العموم بالعقل.
فمعرفة كون الجمع المذكور له بالتركيب من النقل والعقل, وأما العقل المحض فلا مجال له في ذلك ". قال: " فالنقل المحض: إما تواتر أو آحاد وعلى كل منهما إشكالات.
أما التواتر فالإشكال عليه من وجوه:

أحدها: أنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ تداولا ودورانا على ألسنة المسلمين اختلافا شديدا لا يمكن فيه القطع بما هو الحق.
كلفظة (الله) فإن بعضهم زعم أنها عبرية وقال قوم: إنها سيريانية والذين جعلوها عربية اختلفوا: هل هي مشتقة أو لا؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذا اللفظ علم أنها متعارضة وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين.
وكذلك اختلفوا في لفظ الإيمان والكفر

والصلاة والزكاة.
فإذا كان هذا الحال في الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ والحاجة إليها ماسة جدا فما ظنك بسائر الألفاظ؟! وإذا كان كذلك ظهر أن دعوى التواتر في اللغة والنحو متعذر.
وأجيب عنه بأنه وإن لم يكن دعوى التواتر في معانيها على سبيل التفصيل فإنا نعلم معانيها في الجملة.
فنعلم أنهم يطلقون لفظة الله على الإله المعبود بحق وإن كنا لا نعلم مسمى هذا اللفظ: أذاته أم كونه معبودا أم كونه قادرا على الاختراع أم كونه ملجأ للخلق أم كونه بحيث تتحير العقول في إدراكه؟ إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ.
وكذا القول في سائر الألفاظ.
الإشكال الثاني: أن من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة.

فهب أنا علمنا حصول شرائط التواتر في حفاظ اللغة والنحو والتصريف في زماننا فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمنة؟ وإذا جهلنا شرط التواتر جهلنا التواتر ضرورة لأن الجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط.
فإن قيل: الطريق إليه أمران: أحدهما: أن الذين شاهدناهم أخبرونا أن الذين أخبروهم بهذه اللغات كانوا موصوفين بالصفات المعتبرة في التواتر وأن الذين أخبروا من أخبرهم كانوا كذلك إلى أن يتصل النقل بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم.
والآخر: أن هذه الألفاظ لو لم تكن موضوعة لهذه اللغات ثم وضعها واضع لهذه المعاني لاشتهر ذلك وعرف فإن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله.
قلنا: أما الأول فغير صحيح لأن كل واحد منا حين يسمع لغة مخصوصة من إنسان فإنه لم يسمع منه أنه سمعه من أهل

التواتر وهكذا بل تحرير هذه الدعوى على هذا الوجه مما لا يفهمه كثير من الأدباء فكيف يدعى عليهم أنهم علموه بالضرورة؟ بل الغاية القصوى في راوى اللغة أن يسنده إلى كتاب صحيح أو إلى إسناد متقن ومعلوم أن ذلك لا يفيد اليقين.
وأما الثاني فضعيف أيضا لأن ذلك الاشتهار إنما يجب في الأمور العظيمة وليس هذا منه, سلمنا أنه منه لكن لا نسلم أنه لم يشتهر فإنه قد اشتهر بل بلغ مبلغ التواتر أن هذه اللغات إنما أخذت عن جمع مخصوص كالخيل وأبي عمرو والأصمعي وأقرانهم ولا شك أن هؤلاء ما كانو معصومين

ولا بالغين حد التواتر وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم.
أقصى ما في الباب أن يقال: نعلم قطعا أن هذه اليلغات بأسرها غير منقوله على سبيل الكذب ونقطع بأن فهيا ما هو صدق قطعا لكن كل لفظة عيناها فإنا لا يمكنا القطع بأنها من قبيل ما نقل صدقا وحين إذ لا يبقى القطع في لفظ معين أصلا.
وهذا هو الإشكال على من ادعى التواتر في نقل اللغات.
هذا كلام الإمام.
وتعفبه الأصبهاني بأن كون اللغة مأخوذة عمن لم يبلغ عدد التواتر لا يصلح أن يكون سندا لمنع عدم شهرة نقل اللغات عن موضوعاتها الأصلية إلى غيرها لأن عدم عصمتهم لا يستلزم وقوع النقل والتغيير بل يثبت به احتماله وذلك لا يقدح في

دعوى انتفاء اللازم.
انتهى.
والأمر كما قال.
ثم قال الإمام: " وأما الآحاد فالإشكال عليه من وجوه: منها أن الرواة له مجرحون ليسوا سالمين عن القدح.
بيانه: ان أصل الكتب المصنفة في النحو واللغة كتاب سيبويه وكتاب العين أما كتاب سيبويه فقدح الكوفيين فيه وفي صاحبه أظهر من الشمس.
وأيضا فالمبرد كان من أجل البصريين وهو أفرد كتاب في القدح فيه.

وأما كتاب العين فقد أطبق الجمهور من أهل اللغة على القدح فيه.
وأيضا فإن ابن جني أورد بابا في الخصائص في قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض وتكذيب بعضهم بعضا.

وأورد بابا آخر في لغة أهل الوبر أصح من لغة أهل المدر وغرضه من ذلك القدح في الكوفيين.
وأورد بابا آخر في كلمات من الغريب لا يعلم أحد أتى بها إلا ابن أحمر الباهلي.
وروي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاهاولا سبقا إليها وعلى ذلك قال المازني: " ماقيس على كلام العرب فهو من كلامهم وأيضا فالأصمعي كان منسوبا إلى الخلاعة ومشهورا بأنه كان يزيد في اللغة ما لم يكن منها.

والعجب من الأصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجة في الشرع ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة وكان هذا أولى وكان من الواجب عليهم أن يبحثوا عن أحوال اللغات والنحو وأن يتفحصوا عن أحوال جرحهم وتعديلهم كما فعلوا ذلك في رواية الأخبار لكنهم تركوا ذلك بالكلية مع شدة الحاجة إليه فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الأصل للستدلال بالنصوص.
انتهى.

جارٍ التحميل