الاقتراح في أصول النحو ط القلمصفحات 173-215

القياس

صفحات 173-215
عن هذه الطبعة
عَلَم
السيوطي
الكتاب
الاقتراح في أصول النحو وجدله
المؤلف
عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)حققه وشرحه: د. محمود فجال، وسمى شرحه (الإصباح في شرح الاقتراح)
الناشر
دار القلم، دمشق
الطبعة
الأولى، 1409 - 1989 م
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال ابن الأنباري في (جدله) هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه) انتهى.
وهو معظم أدلة النحو، والمعول في غالب مسائله عليه، كما قيل: إنما النحو قياس يتبع

ولهذا قيل في حده: إنه علم بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب.

وقال صاحب (المستوفي) كل علم فبعضه مأخوذ بالسماع والنصوص، وبعضه بالاستنباط والقياس، وبعضه بالانتزاع من علم آخر.
قال (فالفقه بعضه بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة، وبعضه بالاستنباط والقياس، والطب بعضه مستفاد من التجربة، وبعضه من علوم أخر،

والهيئة بعضها من علم التقدير، وبعضها تجربة يشهد بها الرصد، والموسيقى جلها منتزع من علم الحساب، والنحو بعضه مسموع مأخوذ من العرب، وبعضه مستنبط بالفكر والروية، وهو التعليلات، وبعضه يؤخذ من صناعة أخرى.
كقولهم: الحرف الذي تختلس حركته هو في حكم المتحرك لا الساكن، فإنه مأخوذ من علم العروض.
وكقولهم: الحركات أنواع: صاعد عال، ومنحدر

سافل ومتوسط بينهما، فإنه مأخوذ من صناعة الموسيقى) انتهى.
وقال ابن الأنباري في (أصوله) اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق؛ لأن النحو كله قياس، ولهذا قيل في حده: النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو، ولا يعلم أحد من العلماء أنكره؛ لثبوته بالدلالة القاطعة، وذلك أنا أجمعنا على أنه إذا قال العربي: كتب زيد فإنه يجوز أن يسند هذا الفعل إلى كل اسم مسمى تصح منه الكتابة نحو عمرو وبشر وأزدشير إلى ما لا يدخل تحت الحصر، وإثبات ما لا يدخل تحت الحصر بطريق النقل محال.

وكذلك القول في سائر العوامل الداخلة على الأسماء والأفعال الرافعة والناصبة والجارة والجازمة؛ فإنه يجوز إدخال كل منها على ما لا يدخل تحت الحصرن وذلك بالنقل متعذر، فلو لم يجز القياس واقتصر على ما ورد في النقل من الاستعمال لبقي كثير من المعاني لا يمكن التعبير عنها لعدم النقلن وذلك مناف لحكمة الوضع، فوجب أن يوضع وضعا قياسيا عقليا لا نقليا، بخلاف اللغة، فإنها وضعت وضعا نقليا لا عقليا، فلا يجوز القياس فيها، بل يقتصر على ما ورد به النقل، ألا ترى أن (القارورة) سميت بذلك لاستقرار الشيء فيها، ولا يسمى كل مستقر فيه قارورة، وكذلك سميت (الدار) دارا لاستدارتها ولا يسمى كل مستدير دارا) انتهى.

فصل

للقياس أربعة أركان: أصل وهو المقيس عليه وفرع وهو المقيس وحكم وعلة جامعة قال ابن الأنباري: " وذلك مثل أن تركب قياسا في الدلالة على رفع ما لم يسم فاعله فتقول: اسم أسند الفعل إليه مقدما عليه فوجب أن يكون مرفوعا قياسا على الأصل.
فالأصل هو الفاعل والفرع هو ما لم يسم فاعله والحكم هو الرفع والعلة الجامعة هي الإسناد والأصل في الرفع أن يكون للأصل الذي هو الفاعل وإنما أجري على الفرع الذي هو ما لم يسم فاعله بالعلة الجامعة التي هي الإسناد ". انتهى.
وقد عقدت لهذه الأركان أربعة فصول:

الفصل الأول في المقيس عليه وفيه مسائل الأولى

من شرطه ألا يكون شاذا خارجا عن سنن القياس فما كان كذلك لا يجوز القياس عليه كتصحيح استحوذ واستصوب واستنوق وكحذف نون التوكيد في قوله: اضرب عنك الهموم طارقها

أي: اضربن ووجه ضعفه في القياس أن التوكيد للتحقيق وإنما يليق به الإسهاب والإطناب لا الاختصار والحذف وكحذف صلة الضمير دون الضمة في قوله: له زجل كأنه صوت حاد

ووجه ضعفه في القياس أنه ليس على حد الوصل ولا حد الوقف لأن الوصل يجب أن تتمكن فيه واوه كما تمكنت في قوله: له زجل والوقف يجب أن تحذف فيه الواو والضمة معا فحذف الصلة وإبقاء الضمة منزلة بين منزلتين الوصل والوقف لم تعهد قياسا.
نعم يجوز على ما استعمل للضرورة في الضرورة.
قال أبو علي: كما جاز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم كذلك

يجوز أن نقيس شعرنا على شعرهم فما أجازته الضرورة لهم أجازته وما لا فلا.

قال ابن جني: " فإن قيل: هلا امتنع متابعتهم في الضرورة من حيث كان القوم لا يترسلون في عمل أشعارهم ترسل المولدين وإنما كان ارتجالا فضرورتهم إذن أقوى من ضرورتنا فينبغي أن يكون عذرهم فيه أوسع؟ قيل: ليس جميع الشعر القديم مرتجلا بل كان لهم فيه نحو ما للمولدين من الترسل.
روي عن زهير أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين فكانت تسمى (حوليات زهير).
وعن ابن أبي حفصة قال: كنت أعمل القصيدة في أربعة

أشهر، وأحكّكها في أربعة أشهر، وأعرضها في أربعة أشهر ثم أخرج بها إلى الناس.
وحكاياتهم في ذلك كثيرة وأيضا فإن من المولدين من يرتجل ".

الثانية

كما لا يقاس على الشاذ نطقا لا يقاس عليه تركا قال في الخصائص: " إذا كان الشيء شاذا في السماع مطردا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله.
من ذلك امتناعك من (وذر) و (ودع) لأنهم لم يقولوهما

ولا منع أن يستعمل نظيرهما نحو: وزن ووعد وإن لم تسمعهما أنت ". انتهى

الثالثة

ليس من شرط المقيس عليه الكثرة فقد يقاس على القليل لموافقته للقياس ويمتنع على الكثير لمخالفته له.
مثال الأول: قولهم في النسب إلى شنوءة شنئي فلك أن تقول في ركوبة ركبي وفي حلوبة حلبي وفي قتوبة قتبي قياسا على شنئي وذلك أنهم أجروا فعولة مجرى فعيلة لمشابهتها إياه من أوجه:

  • أن كلا منها ثلاثي.
  • وأن ثالثه حرف لين.
  • وأن آخره تاء التأنيث.
  • وأن فعولا وفعيلا يتواردان نحو: أثيم وأثوم ورحيم ورحوم ومشي ومشو ونهي عن الشيء ونهو.

فلما استمرت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار جرت واو شنوءة مجرى ياء حنيفة فكما قالوا حنفي قياسا قالوا شنئي قياسا.
قال أبو الحسن: فإن قلت: إنما جاء هذا في حرف واحد يعني شنوءة.
فالجواب: أنه جميع ما جاء.
قال في الخصائص: " وما ألطف هذا الجواب ومعناه أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف والقياس قابله ولم يأت فيه شيء ينقضه.
فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضا صحيحا في القياس مقبولا فلا لوم.
ولما ذكرناه من المناسبة بين فعولة وفعيلة لم يجز في نحو ضرورة: ضرري

ولا يقال في حرورة: حرري لأن باب فعيلة المضاعف نحو جليلة لا يقال فيه جللي استثقالا بل هو جليلي.
ومثال الثاني: قولهم في ثقيف وقريش وسليم ثقفي وقرشي وسلمي فهو وإن كان أكثر من شنئي فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس ولا يقال في سعيد سعدي ولا في كريم كرمي ".

الرابعة

القياس في العربية على أربعة أقسام: حمل فرع على أصل.
حمل أصل على فرع.
حمل نظير على نظير.
حمل ضد على ضد.
وينبغي أن يسمى الأول والثالث: قياس المساوي والثاني: قياس الأولى والرابع: قياس الأدون.
فمن أمثلة الأول: إعلان الجمع وتصحيحه حملا على المفرد في ذلك كقولهم قيم وديم في قيمة

وديمة وزِوَجة وثورة في زوج وثور.
ومن أمثلة الثاني: إعلان المصدر لإعلان فعله وتصحيحه لصحته كـ (قمت قياما) و (قاومت قواما).
وفي الخصائص: " من حمل الأصل على الفرع تشبيها له في المعني الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل تجويز سيبويه في قولك: هذا حسن الوجه أن يكون الجر في الوجه تشبيها بـ الضارب الرجل الذي إنما جاز فيه الجر تشبيها بـ الحسن الوجه.
قال: فإن قيل: وما الذي سوغ لسيبويه هذا وليس

مما رواه عن العرب وإنما هو شيء رآه وعلل به؟ قيل: يدل على صحته ما عرف من أن العرب إذا شبهت شيئا بشيء مكنت ذلك الشبه الذي لهما وعمرت به الحال بينهما ألا تراهم لما شبهوا المضارع بالاسم فأعربوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه.
ولما شبهوا الوقف بالوصل في نحو قولهم:

عليه السلام والرحمت وقوله: الله نجاك بكفي مسلمت

كذلك أيضا شبهوا الوصل بالوقف في قولهم سبسبا وكلكلا.
وكما أجروا غير اللازم مجرى اللازم في قوله:

فقلت أهي سرت أم عادني حلم وقوله: ومن يتق فإن الله معه

كذلك أجروا اللازم مجرى غيره في قوله تعالى (على أن يحيي الموتى) فأجرى النصب مجرى الرفع الذي لايلزم فيه الحرف أصلا.
وكما حمل النصب على الجر في المثنى والجمع حمل الجر على النصب في ما لا ينصرف وكما شبهت الياء بالألف في قوله: كأن أيديهن بالقاع القرق

حملت الياء على الألف في قوله: ولا ترضاها ولا تملق

وكما وضع الضمير المنفصل موضع المتصل في قوله: قد ضمنت إياهم الأرض ...

وضع المتصل موضع المنفصل في قوله: إلاك ديار فلما رأى سيبويه العر إذا شبهت شيئا بشيئ فحملته على حكمه عادت أيضا فحملت الآخر على حكم صاحبه تثبيتا لهما

وتتميما لمعنى الشبه بينهما حكم أيضا بأن الوجه محمول على الرجل.
ولما كان النحاة بالعرب لاحقين وعلى سمتهم آخذين جاز لهم أن يروا فيه نحو ما رأوا ويحذوا على أمثلتهم التي حذوا قال: ومن ومن حمل الأصل على الفرع حذف الحروف للجزم وهي أصولي حملا على حذف الحركات له وهي زوائد وحمل الاسم على الفعل في منع الصرف وعلى الحرف في البناء وهو أصل عليهما وحمل ليس وعسى في عدم التصرف على

ما ولعل كما حملت ما على ليس في العمل.
انتهى.
وفي التذكرة لأبي حيان ذكر بعضهم أنه إنما اشترط اتحاد الزمان في عطف الفعل على الفعل لأن العطف نظير التثنية فكما لا يجوز تثنية المختلفين لا يجوز عطف المختلفين في الزمان قال أبو حيان: "وهذا من حمل الأصل على الفرع لأن العطف أصل التثنية إلا أن يدعى أنه في الفعل نظير التثنية في الاسم ". وأما الثالث: فالنظير إما في اللفظ أو في المعنى أو فيهما فمن أمثلة الأول زيادة إن بعد ما المصدرية الظرفية

والموصولة لأنهما بلفظ ما النافية.
ودخول لام الابتداء على ما النافية حملا لها في اللفظ على ما الموصولة وتوكيد المضارع بالنون بعد لا النافية حملا لها في

اللفظ على لا الناهية.
وحذف فاعل أفعل به في التعجب لما كان مشبها لفعل الأمر في اللفظ.
وبناء باب (حذام) على الكسر تشبيها له بـ (دراك) و (نزال).
وبناء (حاشا) الاسمية لشبهها في اللفظ بـ (حاشا) الحرفية.
ومنها إدغام الحرف في مقاربة في المخرج.
ومن أمثلة الثاني: جواز (غير قائم الزيدان) حملا على (ما قام الزيدان) لأنه في معناه ولولا ذلك لم يجز لأن المبتدأ إما أن يكون ذا خبر أو أن يكون ذا خبر أو ذا خبر أو ذا مرفوع يغني عن الخبر.

ومنها إهمال (أن) المصدرية مع المضارع حملا على (ما) المصدرية.
ومن أمثلة الثالث اسم التفضيل وأفعل في التعجب فإنهم منعوا أفعل التفضيل أن يرفع الظاهر لشبه بـ (أفعل) في التعجب وزنا وأصلا وإفادة للمبالغة وأجازوا تصغير أفعل في التعجب لشبهه بأفعل التفضيل في ذلك.

قال الجوهري: " ولم يسمع تصغيره إلا في أملح وأحسن ولكن النحويين قاسوه فيما عداهما ". وأما الرابع: فمن أمثلته النصب بـ (لم) حملا على

الجزم بـ (لن).
فإن الأولى لنفي الماضي والثانية لنفي المستقبل.
وفي الجزولية: " قد يحمل الشيئ على مقابله وعلى مقابل مقابله مثال الأول: لم يضرب الرجل حمل الجزم على الجر.
ومثال الثاني: اضرب الرجل حمل الجزم فيه الكسر الذي هو مقابل الجر من جهة أن الكسر في البناء مقابل الجر في الإعراب

ومثال الثالث: اضرب الرجل حمل السكون فيه على الكسر

الذي هو مقابل للجر الذي هو مقابل للجزم والجزم مقابل السكون ".

الخامسة

اختلف هل يجوز تعدد الأصول المقيس عليها لفرع واحد؟ والأصح نعم ومن أمثلة ذلك: (أي) في الاستفهام والشرط فإنها أعربت حملا على نظيرتها (بعض) وعلى نقيضتها (كل).

الفصل الثاني في المقيس وهل يوصف بأنه من كلام العرب أو لا؟

قال المازني: "ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب " قال: " ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره فإذا سمعت (قام زيد) أجزت: طرف بشر وكرم خالد ". قال أبو علي: وكذلك يجوز أن تبني بإلحاق اللام ما شئت كقولك: خرجج ودخلل

وضربب من خرج ودخل وضرب على مثال شملل وصعرر ". قال ابن جني: " وكذلك تقول في مثال (صمحمح) من الضرب: ضربرب ومن القتل قتلتل ومن الشرب شربرب ومن الخروج خرجرج وهو من العربية بلا شك وإن لم تنطق العرب بواحد من هذه الحروف ". قال: فإن قيل: فقد منع الخليل لما أنشد: ترافع العز بنا فارفنععا

قياسا على قول العجاج: تقاعس العز بنا فاقعنسسا فدل على امتناع القياس في مثل هذه الأبنية.
فالجواب: أنه إنما أنكر ذلك لأنه فيما لامه حرف حلقي والعرب لم تبن هذا المثال مما لامه حرف حلق خصوصا وحرف الحلق فيه متكرر وذلك مستنكر عندهم مستثقل.
قال: " فثبت إذن أن كل ما قيس على كلامهم فهو من كلامهم ولهذا قال من قال في العجاج ورؤبة: أنهما قاسا اللغة وتصرفا فيها وأقدما على ما لم يأت به من قبلهما ". قال: " وذكر أبو بكر أن منفعة الاشتقاق لصاحبه أن يسمع

الرجل اللفظة فيشك فيها فإذا رأى الاشتقاق قابلا لها أنس بها وزال استحاشه منها وهذا تثبيت اللغة بالقياس " وقال في موضع آخر من الخصائص: "من قوة القياس عندهم اعتقاد النحويين أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم نحو قولك في بناء مثل (جعفر) من ضرب ضربب وهذا من كلامهم ولو بنيت منه ضورب أو ضيرب لم يكن من كلام العرب لأنه قياس على الأقل استعمالا والأضعف قياسا ". انتهى.

الفصل الثالث في الحكم

فيه مسألتان: الأولى إنما يقاس على حكم ثبت استعماله عن العرب.
وهل يجوز أن يقاس على ما ثبت بالقياس والاستنباط؟ ظاهر كلامهم: نعم وقد ترجم عليه في الخصائص: باب الاعتلال لهم بأفعالهم.
قال: " من ذلك أن تقول: إذا كان اسم الفاعل _ على قوة

جارٍ التحميل