الاقتراح في أصول النحو ط القلمصفحات 65-106

السماع

صفحات 65-106
عن هذه الطبعة
عَلَم
السيوطي
الكتاب
الاقتراح في أصول النحو وجدله
المؤلف
عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)حققه وشرحه: د. محمود فجال، وسمى شرحه (الإصباح في شرح الاقتراح)
الناشر
دار القلم، دمشق
الطبعة
الأولى، 1409 - 1989 م
عدد الأجزاء
1 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وأعني به ما ثبت في كلام من يوثق بفصاحته, فشمل كلام الله تعالى, وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم, وكلام العرب, قبل بعثته, وفي زمنه, وبعده, إلى أن فسدت الألسنة بكثرة المولدين, نظما ونثرا, عن مسلم أو كافر.
فهذه ثلاثة أنواع, لابد في كل منها من الثبوت.
أما القرآن فكل ما ورد أنه قريء به جاز الاحتجاج به في العربية, سواء كان متواترا, أو آحادا, أم شاذا.

وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسا معلوما, بل ولو خالفته يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه, وإن لم يجز القياس عليه, كما يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه, ولا يقاس عليه, نحو: استحوذ, ويأبى.
وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة لا أعلم فيه خلافا بين النحاة, وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه.
ومن ثم احتج على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة (فبذلك فلتفرحوا) , كما احتج على إدخالها على المبدوء بالنون بالقراءة المتواترة (ولنحمل خطاياكم).
واحتج على صحة قول من قال: إن (الله) أصله (لاه) بما قرئ شاذا ﴿وهو الذي في السماء لاه وفي الأرض لاه﴾

تنبيه كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم وحمزة وابن عامر قراءات بعيدة في العربية وينسبونهم إلى اللحن.
وهم مخطئون في ذلك، فإن قراءاتهم ثابتة بالاسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعن فيها, وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية, وقد رد المتأخرون منهم ابن مالك, على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رد, واختار جواز ما وردت به قراءاتهم في العربية, وإن منعه الأكثرون مستدلا به من ذلك احتجاجه على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار بقراءة حمزة: (تساءلون به والأرحام).

وعلى جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعوله بقراءة ابن عامر: (قتل أولادهم شركائهم).
وعلى جواز سكون لام الأمر بعد (ثم) بقراءة حمزة: (ثم ليقطع) فإن قلت فقد روي عن عثمان أنه قال: لما عرض عليه المصاحف: إن فيه لحنا ستقيمه العرب بألسنتها.
وعن عروة قال: سالت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: (إن هذان لسحران).

وعن قوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وعن قوله: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون) فقالت يا ابن أختي, هذا عمل الكتاب, أخطأوا في الكتاب.
أخرجهما أبو عبيد, في فضائله فكيف يستقيم الاستدلال بكل ما فيه بعد هذا؟ قلت: معاذ الله كيف يظن أولا بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام, فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللد؟! فقلت: كيف يظن بهم ثانيا في القرآن الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل وضبطوه وحفظوه وأتقنوه؟!

ثم كيف يظن بهم ثالثا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته؟! ثم كيف يظن بهم رابعا عدم تنبههم ورجوعهم عنه؟! ثم كيف يظن بعثمان أن يقرأه ولا يغيره؟! ثم كيف يظن أن القراءات استمرت على مقتضى ذلك الخطأ, وهو مروي بالتواتر خلف عن سلف؟! هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة عديدة, بسطتها في كتابي (الإتقان في علوم القرآن).
وأحسن ما يقال في أثر عثمان _ رضي الله عنه _ بعد تضعيفه بالاضطراب الواقع في إسناده والانقطاع: أنه وقع في روايته تحريف, فإن ابن أشته أخرجه في كتاب (المصاحف) من طريق عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر, قال: "لما فرغ من المصحف, أتي به عثمان, فنظر فيه فقال: أحسنتم وأجملتم, أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا ".

فهذا الأثر لا إشكال فيه فكأنه لما عرض عليه, عند الفراغ من كتابته, رأى فيه شيئا غير لسان قريش, كما وقع لهم في (التابوت) و (التابوه) , فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش, ثم وفى بذلك, كما ورد من طريق آخر, أوردتها في كتاب (الإتقان).
ولعل من روى ذلك الأثر حرفه, ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان فلزم ما لزم من الإشكال, وأما أثر عائشة فقد أوضحنا الجواب عنه في (الإتقان) أيضا.

فصل

وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي, وذلك نادرا جدا, إنما يوجد في الأحاديث القصار, على قلة أيضا, فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى, وقد تداولتها الأعاجم والمولدون قبل تدوينها, فرووها بما أدت إليه عبارتهم فزادوا ونقصوا, وقدموا وأخروا, وأبدلوا ألفاظا بألفاظ,

ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويا على أوجه شتى بعبارت مختلفة, ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية بالألفاظ الواردة في الحديث.

قال أبو حيان في (شرح التسهيل): " قد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الاحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب, وما رأيت أحدا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره.
على أن الواضعين الأولين لعلم النحو, المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء, وعيسى بن عمر, والخليل, وسيبويه من أئمة البصريين,

والكسائي, والفراء, وعلي بن المبارك الأحمر, وهشام الضرير من أئمة الكوفيين _ لم يفعلوا ذلك, وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد, وأهل الأندلس.
وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء, فقال: إنما ترك العلماء ذلك, لعدم وثوقهم أن ذلك

لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم, إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن في إثبات القواعد الكلية.
وإنما كان ذلك لأمرين: أحدهما: أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى, فتجد قصة واحدة

جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم لم تقل بتلك الألفاظ جميعها, نحو ما روي من قوله: "زوجتكها بما معك من القرآن"، "ملكتكها بما معك"، "خذها بما معك".
وغير ذلك من الألفاظ الواردة في هذه القصة، فتعلم يقينا أنه - صلى الله عليه وسلم -

لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ؛ بل لا نجزم بأنه قال بعضها، إذ يحتمل أنه قال لفظا مرادفا لهذه الألفاظ غيرها، فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه، إذ المعنى هو المطلوب ولا سيما مع تقادم السماع، وعدم ضبطه بالكتابة، والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأما من ضبط اللفظ فبعيد جدا، لا سيما في

الأحاديث الطوال.
وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني؛ إنما هو المعنى.
ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم علم اليقين أنهم إنما يروون بالمعنى.
الأمر الثاني: أنه وقع اللحن كثيرا فيما روي من الحديث؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب، ولا يعلمون لسان العرب

بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم، وهم لا يعلمون ذلك، وقد وقع في كلامهم وروايتهم غيرُ الفصيح من لسان العرب، غير شك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أفصح الناس، فلم يكن ليتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق الإعجاز وتعليم الله ذلك له من غير معلم.
والمصنف قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر متعقبا بزعمه على النحويين وما أمعن النظر في ذلك ولا صحب من

له التمييز، وقد قال لنا قاضي القضاة بدر الدين ابن

جماعة وكان ممن أخذ عن ابن مالك: ((قلت له: يا سيدي هذا الحديث رواية الأعاجم، ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس من لفظ الرسول، فلم يجب بشيء)) قال أبو حيان: ((وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول مبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما؟ فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث)) انتهى كلام أبي حيان بلفظه

وقال أبو الحسن ابن الضائع في (شرح الجمل): " تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة, كسيبويه وغيره, الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح النقل عن العرب ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى لكان الأولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم, لأنه أفصح العرب ". وقال: " وابن خروف يستشهد بالحديث كثيرا, فإن كان على وجه الاستظهار والتبرك بالمروي فحسن وإن كان يرى أن من قبله أغفل شيئا وجب عليه استدراكه, فليس كما رأى ". انتهى

ومثل ذلك قول صاحب (ثمار الصناعة): " النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من كتاب الله وكلام الفصحاء العرب ". فقصره عليهما ولم يذكر الحديث.
نعم اعتمد عليه صاحب (البديع) فقال في (أفعل التفضيل): " لايلتفت إلى قول من قال: إنه لايعمل لأن القرآن والأخبار والأشعار نطقت بعمله " ثم أورد آيات ومن الأخبار حديث: " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيها الصوم ".

ومما يدل لصحة ما ذهب إليه ابن الضائع أن ابن مالك استشهد على لغة (أكلوني البراغيث) بحديث الصحيحين: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ". وأكثر من ذلك حتى صار يسميها (لغة بتعاقبون) وقد استدل به السهيلي ثم قال: " لكنني أقول: إن الواو فيه علامة إضمار لأنه

حديث مختصر رواه البزاز مطولا مجردا فقال فيه: إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم, ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ". وقال ابن الأنباري في (الإنصاف) في منع (أن) في خبر كاد: " وأما حديث: كاد الفقر أن يكون كفرا فإنه من تغييرات الرواة لأنه أفصح من نطق بالضاد ".

فصل

وأما كلام العرب فيحتج منه بما ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم قال أبو نصر الفارابي في أول كتابه المسمى بـ (الألفاظ والحروف): "كانت قريش أجود العرب انتقادا للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعا وأبينها

إبانة عما في النفس.
والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين كلام العرب هم: قيس وتميم وأسد فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه وعلهيم اتكل في الغريب وفي الأعراب والتصريف ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم.
وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم.
فإنه لا يؤخذ لا من لخم ولا من جذام فإنهم كانو مجاورين لأهل مصر والقبط, ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد فإنهم كانو مجاورين لأهل الشام وأكثرهم نصارى يقرؤون في صلاتهم بغير العربية, ولا من تغلب والنمر فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين

للنبط والفرس ولا من عبد القيس لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والحبشة ولا من أزد عمان لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلا لمخالطتهم للهند والحبشة ولولادة الحبشة فيهم, ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وسكان الطائف لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم, ولا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم.
والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب وصيرها علما وصناعة هم أهل الكوفة والبصرة فقط من بين أمصار العرب.

وكانت صنائع هؤلاء التي بها يعيشون الرعاية والصيد واللصوصية وكانوا أقواهم نفوسا وأقساهم قلوبا وأشدهم توحشا وأمنعهم جانبا وأشدهم حمية وأحبهم لأن يغلِبوا ولا يُغلَبوا وأعسرهم انقيادا للملوك وأجفاهم أخلاقا وأقلهم احتمالا للضيم والذلة ". انتهى

ونقل ذلك أبو حيان في (شرح التسهيل) معترضا به على ابن مالك حيث عني في كتبه بنقل لغة لخم وخزاعة وقضاعة وغيرهم وقال: " ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن ". ثم الاعتماد على ما رواه الثقات عنهم بالأسانيد المعتبرة من

نثرهم ونظمهم وقد دونت دواوين عن العرب العرباء كثيرة مشهورة كديوان امريء القيس والطرماح وزهير وجرير والفرزدق وغيرهم.
ومما يعتمد عليه في ذلك مصنفات الإمام الشافعي – رضي الله عنه – فقد قال ابن شاكر في (مناقبه): " حدثنا أحمد بن غالب حدثنا عمر بن الحسن الحراني, حدثنا محمد بن أحمد الهروي, حدثنا زكريا بن يحيى الساجي, حدثنا جعفر بن محمد, قال: قال الإمام أحمد بن

حنبل: كلام الشافعي في اللغة حجة ".

فروع

أحدها:

ينقسم المسموع إلى مطرد وشاذ.
قال في (الخصائص): " وأصل مواضع (ط ر د) في كلامهم: التتابع والاستمرار ومنه مطاردة الفرسان بعضهم بعضا واطرد الجدول: إذا تتابع ماؤه بالريح.
ومواضع (ش ذ ذ): التفرق والتفرد ثم قيل ذلك في الكلام والأصوات على سمته في غيرهما.
فجعل أهل علم العربية ما استمر من الكلام من الإعراب وغيره من مواضع الصناعة

مطردا وما فارق ما عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذ ". قال: " ثم الاضطراد والشذوذ على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال معا وهو الغاية المطلوبة نحو: قام زيد وضربت عمرا ومررت بسعيد.
ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال نحو الماضي من (يذر) و (يدع) وقولهم: مكان مقبل, هذا هو القياس والأكثر في السماع باقل والأول مسموع أيضا.
ومنه أيضا مجيء مفعول (عسى) اسما صريحا نحو:

عسى زيد قائما فهو القياس غير أن الأكثر في السماع كونه فعلا والأول مسموع أيضا ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس نحو قولهم: استحوذ واستنوق الجمل واستوصبت الأمر وأبى يأبى والقياس الإعلال في الثلاثة وكسر عين الأخير.
وشاذ في القياس والاستعمال معا كقولهم: ثوب مصون وفرس مقوود ورجل معوود من مرضه ". انتهى ملخصا.
وقال الشيخ جمال الدين بن هشام: " اعلم أنهم يستعملون غالبا وكثيرا ونادرا وقليلا ومطردا.

فالمطرد لا يتخلف.
والغالب أكثر الأشياء ولكنه يتخلف.
والكثير دونه.
والقليل دونه.
والنادر أقل من القليل.
فالعشرون بالنسبة بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب والثلاثة قليل والواحد نادر فاعلم بهذا مراتب ما يقال فيه ذلك ". انتهى.

الفرع الثاني

قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام من كبار أصحابنا الشافعية: " اعتمد في العربية على أشعار العرب وهم كفار لبعد التدليس فيها كما اعتمد في الطب وهو في

الأصل مأخوذ عن قوم كفار لذلك ". فعلم أن العربي الذي يحتج بقوله لا بشترط فيه العدالة نعم تشترط في رواي ذلك.
وكثيرا ما يقع في (كتاب سيبويه) وغيره: " حدثني من لا أتهم " و " من لا أثق به " وينبغي الاكتفاء بذلك.
وعدم التوقف في القبول ويحتمل المنع.

وقد ذكر المرزباني عن أبي زيد النحوي قال: " كل ما قال سيبويه في كتابه (أخبرني الثقة) فأنا أخبرته ". وقد وضع المولدون اشعارا ودسوها على الأئمة فاحتجوا بها ظنا أنها للعرب وذكر أن في (كتاب سيبويه) منها خمسين بيتا وأن منها قول القائل:

أعرف منها الأنف والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا

ومن الأسباب الحاملة على ذلك: نصرة رأي ذهب إليه وتوجيه كلمة صدرت منه وقال ابن النحاس في (التعليقة): " حكي الحريري في (درة الغواص): ورى خلف الأحمر أنهم صاغوا (فعال)

متسقا من أحاد إلى عشار وأنشد ما عزي فيه إلى أنه موضوع منه أبياتا من جملتها: وثلاثا ورباعا ... وخماسا فاطعنا وسداسا وسباعا ... وثمانا فاجتلدنا وتساعا وعشارا ... فأصبنا وأصبنا

الثالث

المسموع الفرد: هل يقبل ويحتج به؟ له أحوال لخصتها من متفرقات كلان ابن جني في (الخصائص) أحدها: أن يكون فردا بمعنى أنه لا نظير له في الألفاظ المسموعة مع إطباق العرب على النطق به فهذا يقبل ويحتج به

ويقاس عليه إجماعا كما قيس على قولهم في شنوءة: شنئي مع أنه لم يسمع غيره لأنه لم يسمع ما يخالفه وقد أطبقوا على النطق به.
الحال الثاني: أن يكون فردا بمعنى أن المتكلم به من العرب واحد ويخالف ما عليه الجمهور.
قال ابن جني: " فينظر في حال هذا المنفرد به فإن كان فصيحا في جميع ما عدا ذلك القدر الذي انفرد به وكان مما أورده مما يقبله القياس إلا أنه لم يرد به استعمال إلا من جهة ذلك الإنسان فإن الأولى في ذلك أن يحسن الظن به ولا يحمل على فساده.
فإن قيل: فمن أين ذلك وليس مسوغا أن يرتجل لنفسه لغة أخرى؟ قيل: قد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة طال

عهدها وعفا رسمها فقد أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: قال لي ابن عون عن ابن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب: " كان الشعر علم قوم ولم يكن لهم علم أصح منه ". فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك

وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحظوا أقل من ذلك وذهب عنهم كثيره.
ثم روى بسنده عن أبي عمرو بن العلاء قال: " ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جائكم وافرا لجائكم علم وشعر كثير ". وعن حماد الراوية قال: " أمر النعمان فنسخت له أشعار

جارٍ التحميل