(فَصْلٌ) فِي طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ، وَكِتَابِ القَاضِي إِلَى القَاضِي
(وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ الدَّعْوَى شُرُوطٌ:
أَحَدُهَا: (كَوْنُ مُدَّعٍ وَمُنْكِرٍ جَائِزَيِ التَّصَرُّفِ).
(وَ) الثَّانِي: (تَحْرِيرُ الدَّعْوَى) لَتَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلَيْهَا.
(وَ) الثَّالِثُ: (عِلْمُ مُدَّعًى بِهِ)؛ لِيَتَمَكَّنَ الحَاكِمُ مِنَ الإِلْزَامِ بِهِ إِذَا ثَبَتَ؛ (إِلَّا) الدَّعْوَى (فِيمَا نُصَحِّحُهُ مَجْهُولًا كَوَصِيَّةٍ).
(فَإِنِ ادَّعَى عَقْدًا: ذَكَرَ شُرُوطَهُ)؛ لِلاخْتِلَافِ فِيهَا، وَقَدْ لَا يَكُونُ العَقْدُ صَحِيحًا عِنْدَ القَاضِي، فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ الحُكْمُ بِصِحَّتِهِ مَعَ جَهْلِهِ، (أَوْ) ادَّعَى (إِرْثًا: ذَكَرَ سَبَبَهُ) وُجُوبًا؛ لِاخْتِلَافِ الإِرْثِ، (أَوْ) ادَّعَى (مُحَلًّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ) الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ: (قَوَّمَهُ بِـ) النَّقْدِ (الْآخَرِ، أَوْ) ادَّعَى مُحَلًّى (بِهِمَا: فَبِأَيّهِمَا) أَيِ النَّقْدَيْنِ (شَاءَ).
(وَإِذَا حَرَّرَهَا) أَيِ الدَّعْوَى: (فَإِنْ أَقَرَّ الخَصْمُ حُكِمَ عَلَيْهِ) أَيِ الخَصْمِ (بِسُؤَالِ مُدَّعٍ، وَإِنْ أَنْكَرَ) الخَصْمُ ابْتِدَاءً (وَلَا بَيِّنَةَ) لِمُدَّعٍ: (فَقَوْلُهُ) أَيْ مُنْكِرٍ (بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ: حُكِمَ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ مُدَّعٍ فِي مَالٍ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ).
(وَيُسْتَحْلَفُ) مُنْكِرٌ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ اليَمِينُ فِي دَعْوَى صَحِيحَةٍ (فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ؛ سِوَى: نِكَاحٍ وَرَجْعَةٍ وَنَسَبٍ وَنَحْوِهَا)، وَ (لَا) يُسْتَحْلَفُ مُنْكِرٌ (فِي حَقِّ اللَّهِ كَحَدٍّ وَعِبَادَةٍ).
الجزء: 1 - الصفحة: 207
(وَالْيَمِينُ المَشْرُوعَةُ) هِيَ اليَمِينُ (بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَوْ بِصِفَتِهِ) كَوَجْهِهِ تَعَالَى.
(وَيُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ التَّحْلِيفِ).
(وَشُرِطَ فِي بَيِّنَةٍ: عَدَالَةٌ ظَاهِرًا) فِي عَقْدِ نِكَاحٍ، (وَ) شُرِطَ فِي بَيِّنَةٍ: عَدَالَةٌ (فِي غَيْرِ عَقْدِ نِكَاحٍ) ظَاهِرًا أَوْ (بَاطِنًا أَيْضًا، وَ) شُرِطَ (فِي مُزَكٍّ: مَعْرِفَةُ جَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ) لَمْ يُزَكِّيهِ، وَخِبْرَتَهُ البَاطِنَةَ، وَيَكْفِي: «أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ»، (وَ) شُرِطَ فِي مُزَكٍّ: (مَعْرِفَةُ حَاكِمٍ خِبْرَتَهُ) أَيْ خِبْرَةَ المُزَكِّي (البَاطِنَةَ) بِصُحْبَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
(وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ جَرْحٍ) عَلَى بَيِّنَةِ تَعْدِيلٍ؛ لِأَنَّ الجَارِحَ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ بَاطِنٍ خَفِيٍّ عَلَى المُعَدِّلِ، وَشَاهِدَ العَدَالَةِ يُخْبِرُ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ، فَالجَارِحُ مُثْبِتٌ لِلْجَرْحِ، وَالمُعَدِّلُ نَافٍ لَهُ، وَالمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي.
(فَمَتَى جَهِلَ حَاكِمٌ حَالَ بَيِّنَةٍ: طَلَبَ التَّزْكِيَةَ) مِنْ مُدَّعٍ (مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ سَكَتَ عَنْهَا الخَصْمُ.
(وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا) أَيْ فِي التَّزْكِيَةِ (وَ) لَا (فِي جَرْحٍ، وَ) لَا (نَحْوِهِمَا) كَرِسَالَةٍ وَتَعْرِيفٍ (إِلَّا رَجُلَانِ).
(وَمَنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ) عَنِ البَلَدِ (مَسَافَةَ قَصْرٍ، أَوْ) عَلَى (مُسْتَتِرٍ فِي البَلَدِ، أَوْ) عَلَى (مَيِّتٍ، أَوْ) عَلَى (غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَلَهُ) أَيِ المُدَّعِي (بَيِّنَةٌ: سُمِعَتْ) بَيِّنَتُهُ، (وَحُكِمَ بِهَا فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى) كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ.
(وَلَا تُسْمَعُ عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ (حَتَّى يَحْضُرَ) بِمَجْلِسِ الحُكْمِ، (أَوْ يَمْتَنِعَ) عَنِ الحُضُورِ.
(وَلَوْ رُفِعَ إِلَيْهِ) أَيِ الحَاكِمِ (حُكْمٌ) فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَنِكَاحِ امْرَأَةٍ نَفْسَهَا،
الجزء: 1 - الصفحة: 208
(لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ لِـ) أَجْلِ أَنْ (يُنَفِّذَهُ: لَزِمَهُ تَنْفِيذُهُ).
(وَيُقْبَلُ كِتَابُ قَاضٍ إِلَى قَاضٍ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ) كَبَيْعٍ وَصُلْحٍ وَرَهْنٍ وَنَحْوِهَا، (وَ) يُقْبَلُ كِتَابُهُ (فِيمَا حَكَمَ بِهِ) الكَاتِبُ (لِيُنَفِّذَهُ) وَلَوْ كَانَ الكَاتِبُ وَالمَكْتُوبُ إِلَيْهِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الحُكْمَ يَجِبُ إِمْضَاؤُهُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَ (لَا) يُقْبَلُ (فِيمَا ثَبَتَ عِندَهُ) أَيِ الكَاتِبِ (لِيَحْكُمَ بِهِ) المَكْتُوبُ إِلَيْهِ (إِلَّا فِي مَسَافَةِ قَصْرٍ) فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ إِلَى المَكْتُوبِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ القُرْبِ؛ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.