وثلث لطعامكمطية لُحسن العبادة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مطية لُحسن العبادة

وطولها فقد كان سفيان الثوري حسن المطعم وكان يقول: إن الدابة إذا لم تحسن إليها في العلف لم تعمل 2. قال القاسم بن مخيمر: ما اجتمع علي مائدتي لونان من طعام واحد 3. وقال محمد بن صفوان: كان ليحيى القطان نفقة من غلته, إن دخل من غلته حنطة أكل حنطة, وإن دخل شعير أكل شعيراً, وإن دخل تمر أكل تمراً 4. وكان - صلى الله عليه وسلم - يأكل فاكهة بلده, ما قدمت له فاكهة فترك أكلها لا على سبيل الزهد الفاسد, ولا على سبيل الورع الفاسد, بل كان1

الجزء: 1 - الصفحة: 35

لا يرد موجوداً, ولا يتكلف مفقوداً ويتبع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ 5. فأمر بالأكل والشكر, فمن حرم الطيبات عليه وامتنع من أكلها بدون سبب شرعي, فهو مذموم مبتدع داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ 6 , ومن أكلها بدون الشكر الواجب فيها مذموم, قال تعالى: ﴿* ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ 7 أي شكر النعيم.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر", وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله ليرضى عن العبد بأن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها".
وكذلك الإسراف في الأكل مذموم وهو مجاوزة الحد.
ومن أكل بنية الاستعانة على عبادة كان مأجوراً على ذلك, وكذلك ما ينفقه على أهل بيته, كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة" وقال لسعد: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة

الجزء: 1 - الصفحة: 36

ورفعة, حتى اللقمة تضعها في فيّ امرأتك" 8. وكان عبد الله بن عمر لا يأكل طعاماً إلا وعلى خوانه يتيم 9. ومن دقيق نعم الله على العبد, التي لا يكاد يفطن لها, أنه يغلق عليه بابه, فيرسل الله إليه من يطرق عليه الباب يسأله شيئاً من القتت, ليعرف نعمته عليه 10. ثم يكرمه الله عز وجل بسخاء اليد وطيب النفس فيعين أهل الكرب وأصحاب الحاجات, ويساعد الأرامل والأيتام سعياً وطلباً لمرضاة الله عز وجل.
كان الحسن يقول: رحم الله عبداً جعل العيش عيشاً واحداً, فأكل كسرة, ولبس خلقاً, ولزق بالأرض, واجتهد في العبادة, وبكى على الخطيئة, وهرب من العقوبة, ابتغاء الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك 11. خلقان لا ارضى مفالهما ... بطر الغنى ومذلة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطراً ... وإذا افتقرت على الدهر 12

الجزء: 1 - الصفحة: 37

قال عبد الله بن شبرمة: عجبت للناس يحتمون من الطعام مخافة الداء, ولا يحتمون من الذنوب مخافة النار 13. ومن صور الورع العجيبة: أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهى تعجن, فرفعت يديها من العجين وقالت هذا طعام قد صار لنا في شريك 14. وأعظم من ذلك ورع الصديق أبي بكر رضي الله عنه, قال زيد بن أرقم رضي الله عنه: كنا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدعا بشراب, فأتي بماء وعسل, فلما أدناه من فيه, بكي وبكى حتى أبكى أصحابه, فسكتوا وما سكت, ثم عاد وبكى, حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته, قال: ثم مسح عينيه, فقالوا: يا خليفة رسول الله, ما أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول الله, فرأيته يدفع عن نفسه شيئاً, ولم أر معه أحداً, فقلت: يا رسول الله, ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثلت لي, فقلت لها: إليك عني, فرجعت, فقالت: إنك إن أفلتَّ مني فلن يفلت مني من بعدك" 15. قال سهل: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى, عَلم أو لم يعلم, ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه, ووفقت للخيرات.

الجزء: 1 - الصفحة: 38

وقال رجل لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن, رقَّت مضجعك وكبر سنك, وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك, فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئاً يلطفونك إذا رجعت إليهم, قال: ويحك, والله ما شبعت منذ إحدى عشرة سنة, ولا اثنتي عشرة سنة ولا ثلاث عشرة سنة, ولا أربع عشرة سنة مرة واحدة, فكيف بي وإنما بقي مني ما بقي (1). أخي الحبيب:

فصول الكتاب · 14 فصل
جارٍ التحميل