فضول الطعام
فهو داعٍ إلى أنواع كثيرة من الشر, فإنه يحرك الجوارح إلى المعّاصي, ويثقلها عن الطاعات؛ وحسبك بهذين شراً.
فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام, وكم من طاعة حال دونها, فمن وقي شر بطنه فقد وقي شراً عظيماً, والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ12
الجزء: 1 - الصفحة: 14
بطنه من الطعام.
ثم قال: ولو لم يكن من الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان, ووعده ومنَّاه, وشهَّاه, وهام به في كل واد, فإن النفس إذا شبعت تحركت, وجالت, وطافت على أبواب الشهوات, وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت 3.
ومع كثرة ما حبانا الله عز وجل به من النعم الكثيرة والخيرات العظيمة احذر ايها الحبيب أن تكون ممن قال عنهم بلال بن سعد: رُبَّ مسرور مغبون, يأكل ويشرب ويضحك, وقد حُقَّ له في كتاب الله عز وجل أنه من وقود النار 4.
أفلح الزاهدون والعابدون ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا
أسهروا الأعين العليلة حباً ... فانقضى ليلهم وهم ساهرونا 5
قال المروزي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعم؟ (أحمد بن حنبل) قلت له: وكيف هو متنعم؟ قالك أليس يجد خبزاً يأكل وله امرأة يسكن إليها ويطأها؟ فذكرت ذلك لأبي عبد الله فقال: صدق, وجعل يسترجع فقال: إنا لنشبع 6. وتأمل حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعين فاحصة وقلب واع: "من
الجزء: 1 - الصفحة: 15
أصبح منكم آمناً في سربه, معافى في جسده وعنده قوت يومه, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" 7.
ونحن في زمن مال فيه كثير من الناس إلى الإسراف والبذخ والتفاخر بالمآكل والمشارب والمراكب والمساكن.
هذا الحسن يروي لنا حال من سبقنا ممن همهم الدار الآخرة ووجهتهم العبادة .. قال: أدركت -والذي نفسي بيده- أقواماً ما أمر أحدهم بصنعة طعام قط, فإن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت, لا يبالي حاراً كان أو بارداً, وما افترش أحدهم بينه وبين الأرض فراشاً قط, وإنما يتوسد يده فيهجع من الليل, ثم يقوم فيبيت ليلته راكعاً ساجداً, يرغب إلى الله في فك رقبته 8.
وقال رجل للحسن: ما تقول في رجل آتاه الله مالاً فهو يتصدق منه ويصل منه, أيحسب له أن يتعيش فيه (يعني يتنعم)؟ فقال: لا, لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقوِّم ذلك ليوم فقره 9.
فإن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب, ولا طريق إلى الوصول للقاء الله إلا بالعلم والعمل, ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن, ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة
الجزء: 1 - الصفحة: 16
والأقوات والتناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات, فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين, وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ 10.
فمن يُقْدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ويتقوى به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملاً سدىً يسترسل في الأكل استرسال البهائم في مرعى, فإن ما هو ذريعة إلى يوم الدين ووسيلة إليه ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه.
وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي بلجامها, حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامه وإحجامها, فيصير بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أو في حظ للنفس, قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه وإلى في امرأته".
وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين مراعياً فيه آدابه ووظائفه.
أخي الحبيب:
إذا اجتمع الإسلام والقوت للفتى ... وكان صحيحاً جسمه وهو في أمن
فقد ملك الدنيا جميعاً وحازها ... وحلَّ عليه الشكر لله ذي المن
الجزء: 1 - الصفحة: 17
قال الإمام الشافعي: ما شبعت منذ ست عشرة سنة؛ لأن الشبع يثقل البدن, ويقسي القلب, ويزيل الفطنة, ويجلب النوم, ويضعف صاحبه عن العبادة 11.
وللإسلام شرائع وآداب عظيمة في جميع حياة المسلم فمن ذلك حال الإنسان في مأكله ومشربه, فإن الداعي إلى ذلك شيئان: حاجة ماسة, وشهوة باعثة.
فأما الحاجة فتدعو إلى ما سد الجوع, وسكن الظمأ؛ وهذا مندوب إليه عقلاً وشرعاً لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد, ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال بين صوم اليومين, لأنه يضعف الجسد, ويميت النفس, ويُعجز عن العبادة, وكل ذلك يمنع منه الشرع, ويدفع عنه العقل, وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر, ولا نصيب من زهد, لأن ما حرمها من فعل الطاعات بالعجز والضعف أكثر ثواباً وأعظم أجراً, إذ ليس في ترك المباح ثواب يقابل فعل الطاعات وإتيان القرب, ومن أخسر نفسه ربحاً موفوراً أو حرمها أجراً مذخوراً كان زهده في الخير أقوى من رغبته, ولم يبق عليه من هذا التكليف إلا الشهوة بريائه وسمعته.
وأما الشهوة فتتنوع نوعين: شهوة في الإكثار والزيادة, وشهوة في تناول الألوان اللذيذة.
فأما النوع الأول: وهو شهوة الزيادة على قدر الحاجة,
الجزء: 1 - الصفحة: 18
والإكثار على مقدار الكفاية؛ فهو ممنوع منه في العقل والشرع, لأن تناول ما زاد على الكفاية, نهَمٌ معر, وشر مضر.
أما النوع الثاني: فهو شهوة الأشياء اللذيذة, ومنازعة النفوس إلى طلب الأنواع الشهية, فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة, فمنهم من يرى أن صرف النفس عنها أولى, وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى, ليذل له قيادها, ويهون عليه عنادها, لأن تمكينها وما تهوى, بطر يطغى, وأَشَر يردي, لأن شهواتها غير متناهية, فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها, تعدَّتها إلى شهوات قد استحدثتها, فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي, وعبد هوى لا ينتهي.
ومن كان بهذه الحال لم يُرْجَ له صلاح, ولم يوجد فيه فضل.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: فالذين يقتصدون في المأكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها, فإن أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذةٍ, مع أنهم قد لا يصبرون عنها, وتكثر أمراضهم بسببها.
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان 12
الجزء: 1 - الصفحة: 19
ورث داود الطائي من أمه أربعمائة درهم, فمكث يتقوَّت بها ثلاثين عاماً, فلما نفدت جعل ينقض سقوف الدويرة ويبيعها (1). والمحاسبون لأنفسهم في هذه الدنيا يفعلون مثلما قال أبو يوسف القسولي عن نفسه: أنا أتفقه في مطعمي من ستين سنة (2).
وقال الحسن: أدركت أقواماً