وثلث لطعامكالحمية رأس الدواء
أهل الأثرالأرشيف العلمي

والبطنة رأس الداء.
وقال الحارث أيضاً: الذي قتل البرية وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا التخم.
فهذا بعض منافع قليل الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته.
وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه فإن قلة الغذاء يوجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب, وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك.
قال الحسن: يا ابن آدم! كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلث بطنك يتنفس ويتفكر.
وقال المرزوي: جعل أبو عبد الله (يعني الإمام أحمد بن حنبل) يعظم من الجوع والفقر, فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ ثلاثة أشهر, قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ قال: ما أرى.1

الجزء: 1 - الصفحة: 54

وعن ابن عمر قال: ما شبعت منذ أسلمت.
أما محمد بن واسع فهو يقول: من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورقّ, وإن كثير الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد.
وعن أبي عبيدة الخواص قال: حتفك في شبعك, وحفظك في جوعك, إذا أنت شبعت ثقلت فمنت استمكن منك العدو فجثم عليك, وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد.
وعن عمرو بن قيس قال: إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب.
وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله.
وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطيناً فاعدد نفسك زمناً حتى تخمص.
وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل بطيناً فتم عزمه.
وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها فإن الأكل يغير العقل.
وَاسْعَ أخي المؤمن في فكاك رقبتك والسعي نحو نجاتك, ولا يكن همك في هذه الدنيا منصرفاً عن العبادة إلى الأكل والشرب, بل اجعلها عوناً على الطاعة.
قال مالك بن دينار: ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه وأن تكون شهوته هى الغالبة 2.

الجزء: 1 - الصفحة: 55

قال النابغة: ولست بجالس لغد طعاماً ... حذار غير لكل غد طعام

قال بشر بن الحارث: ما شبعت منذ خمسين سنة.
وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم في الحلال لأنه إذا شبع من الحلال دعته نفسه إلى الحرام فكيف في هذه الأقدار؟ 3. أخي المسلم: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم 4. وقال الحكيم الخبير جل شأنه وعظم سلطانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ 5. قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الآيات الطب كله 6. جسمك بالحمية أحصنته ... مخافة من ألم طارئ وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي خشية البارئ 7

عن بلال بن تعب قال: كان طاوس إذا خرج من اليمن (يعني إلى مكة) لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية.
وقال الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل, وليس أكل

الجزء: 1 - الصفحة: 56

الخشن, ولبس العباءة.
وصدق الثوري رحمة الله: فإن من قصر أمله لم يتسابق في المأكولات والمطعومات, ولا يتفنن بالملبوسات, وأخذ من الدنيا ما تيسر واجتزا منها بما يبلغه 8. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مفصلاً ما قد يكون مشوشاً على بعض الناس بشأن الأكل والشرب, فقال في كلام مفيد وتفصيل دقيق: وأما الأكل واللباس: فخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وكان خلقه في الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاه, ولا يرد موجوداً, ولا يتكلف مفقوداً, فكان إن حضر خبز ولحم أكله, وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله, وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله, وإن حضر حلو وعسل طعمه أيضاً فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين, ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة.
وكان أحياناً يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار, ولا يأكلون إلا التمر والماء, وأحياناً يربط على بطنه الحجر من الجوع, وكان لا يعيب طعاماً, فإن اشتهاه أكله, وإلا تركه.
وأكل على مائدته لحم ضب فامتنع من أكله, وقال "إنه ليس بحرام, ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه".
وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل

الجزء: 1 - الصفحة: 57

اللحم ونحوه, وعلى الامتناع من تزوج النساء, فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ 9. وفي الصحيحين عنه أنه بلغه أن رجالاً قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر, وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام, وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء, وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم, فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لكني أصوم وأفطر, وأقوم وأنام, وأتزوج النساء, وآكل اللحم, فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ 10؛ فأمر بأكل الطيبات, والشكر لله, فمن حرم الطيبات كان معتدياً, ومن لم يشكر كان مفرطاً مضيعاً لحق الله.
وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها, ويشرب الشربة فيحمده

الجزء: 1 - الصفحة: 58

عليها".
وفي الترمذي وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر".
فهذه الطريق التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أعدل الطرق وأقومها, والانحراف عنها إلى وجهين: قوم يسرفون فيتناولون الشهوات, مع إعراضهم عن القيام بالواجبات.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ 11 , وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ 12. وقم يحرمون الطيبات, ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعال, ولا رهبانية في الإسلام, وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ 13 , وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ 14. وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين", فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ , وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ

الجزء: 1 - الصفحة: 59

طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} 15. ثم ذكر: "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب! يا رب! ومطعمه حرام, ومشربه حرام, وملبسه حرام, وغُذي بالحرام, فأنى يُستجاب له".
وكل حلال طيب, وكل طيب حلال, فإن الله أحل لنا الطيبات, وحرم علينا الخبائث, لكن جهة طيبة كونه نافعاً لذيذاً.
والله حرم علينا كل ما يضرنا, وأباح لنا كل ما ينفعنا بخلاف أهل الكتاب فإنه بظلم منهم حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم, فحرم عليهم طيبات لهم, ومحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يحرم علينا شيئاً من الطيبات.
والناس تتنوع أحوالهم في الطعام واللباس والجوع والشبع, والشخص الواحد يتنوع حاله, ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع, ولصاحبه أنفع, وقد يكون ذلك أيسر العملين, وقد يكون أشدهما, فليس كل شديد فاضلاً ولا كل يسير مفضولاً, بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة, لا لمجرد تعذيب النفس؛ كالجهاد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ 16. والحج هو الجهاد الصغير, ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله

الجزء: 1 - الصفحة: 60

عنها في العمرة: "أجرك على قدر نصبك".
وقال تعالى في الجهاد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ 17. وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة, فليس هذا مشروعاً لنا, بل أمرنا الله بما ينفعنا, ونهانا عما يضرنا, وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين", وقال لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا, وبشرا ولا تنفرا".
وقال: "هذا الدين يسر, ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه, فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة, والقصد القصد تبلغوا", وروي عنه أنه قال: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة".
فالإنسان إذا أصابه في الجهاد والحج أو غير ذلك حر أو برد أو جوع ونحو ذلك فهو مما يحمد عليه, قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ 18 19.

الجزء: 1 - الصفحة: 61

وقبل الختام نعرج سوياً على

فصول الكتاب · 14 فصل
جارٍ التحميل