وثلث لطعامك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [^fn26] جمع الله فيها أموارً كثيرة نافعة في الدين والبدن والحال والمآل, فالأمر بالأكل والشرب يدل على الوجوب, وأن العبد لا يحل له ترك ذلك شرعاً كما لا يتمكن من ذلك قدراً ما دام عقله معه, وأن الأكل والشرب من نية امتثال أمر الله يكون عبادة, وأن الأصل في جميع المأكولات والمشروبات الإباحة, إلا ما نص الشارع على تحريمه لضرره لإطلاق ذلك, وعلى أن كل أحد يأكل ما ينفعه ويناسب ويليق به ويوافق لغناه وفقره, ويوافق لصحته ومرضه ولعادته وعدمها, لأنه حذف المأكول.
أهل الأثرالأرشيف العلمي

: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [^fn26] جمع الله فيها أموارً كثيرة نافعة في الدين والبدن والحال والمآل, فالأمر بالأكل والشرب يدل على الوجوب, وأن العبد لا يحل له ترك ذلك شرعاً كما لا يتمكن من ذلك قدراً ما دام عقله معه, وأن الأكل والشرب من نية امتثال أمر الله يكون عبادة, وأن الأصل في جميع المأكولات والمشروبات الإباحة, إلا ما نص الشارع على تحريمه لضرره لإطلاق ذلك, وعلى أن كل أحد يأكل ما ينفعه ويناسب ويليق به ويوافق لغناه وفقره, ويوافق لصحته ومرضه ولعادته وعدمها, لأنه حذف المأكول.

والآية ساقها الله لإرشاد العباد إلى منافعهم, وهى تدل على1

الجزء: 1 - الصفحة: 10

ذلك كله, وعلى أن أصل صحة البدن تدبير الغذاء بأن يأكل ويشرب ما ينفعه ويقيم صحته وقوته, وعلى الأمر بالاقتصاد في الغذاء والتدبير الحسن, لأنه لما أمر بالأكل والشرب نهى عن السرف, وعلى أن السرف منهي عنه, وخصوصاً في الأطعمة والأشربة, فإن السرف يضر الدين والعقل والبدن والمال.
أما ضرره الديني: فكل من ارتكب ما نهى الله ورسوله عنه فقد انجرح دينه, وعليه أن يداوي هذا الجرح بالتوبة والرجوع.
وأما ضرره العقلي: فإن العقل يحمل صاحبه أن يفعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي, ويوجب له أن يدبر حياته ومعاشه, ولهذا كان حسن التدبير في المعاش من أبلغ ما يدل على عقل صاحبه, فمن تعدى الطور النافع غلى طور الإسراف الضار, فلا ريب أن ذلك لنقص عقله, فإنه يستدل على نقص العقل بسوء التدبير.
وأما ضرره البدني: فإن من أسرف بكثرة المأكولات والمشروبات انضَّر بدنه واعتراه أمراض خطيرة, وكثير من الأمراض إنما تحدث بسبب الإسراف في الغذاء, ثم إنه ينضر أيضاً من وجه آخر, فإن من عوَّد بدنه شيئاً اعتاده, فإذا عوده كثرة الأكل أو أكل الأطعمة المتنوعة فربما تعذرت في بعض الأحوال لفقر أو غيره, وحينئذ يفقد البدن ما كان معتاداً فتنحرف صحته.
وأما ضرره المالي: فظاهر, فإن الإسراف يستدعي كثرة النفقات, ولهذا قال تعالى: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا

الجزء: 1 - الصفحة: 11

مَحْسُورًا} 3؛ أي تلام على ما فعلت, لأنه في غير طريقه, (محسوراً) فارغ اليد.
وإخباره أنه لا يحب المسرفين, دليل على أنه يحب المقتصدين, ففي هذه الآية إثبات صفة المحبة لله, وأنها تتعلق بما يحبه الله من الأشخاص والأعمال والأحوال كلها, فسبحان من جعل كتابه كنوزاً للعلوم النافعة المتنوعة 4. والإسراف أخي المسلم هو الزيادة التي لا وجه لها, مثل زيادة الطعام والشراب بلا حاجة.
وأما التبذير فهو: صرف الأموال في غير وجهها, إما في المعاصي, وإما في غير فائدة لعباً وتساهلاً بالأموال .. وكلا الأمرين -الإسراف والتبذير- مذمومان بنص كتاب الله عز وجل .. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ 5 , وقال في الإسراف: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ 6. ثم تأمل نهاية الأكل وإلى أين يصير؟ هذه مولاة لداود الطائي تخدمه, فقالت له: لو طبخت لك دسماً تأكله؟ قال: وددت, فطبخت له دسماً ثم أتت به, فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت:

الجزء: 1 - الصفحة: 12

على حالهم, قال: اذهبي به إليهم, فقالت: أنت لم تأكل أدماً منذ كذا وكذا, قال: إن هذا إذا أكلوه كان عند الله مذخوراً, وإذا أكلته كان في الحش 7. وكانت حالهم حال المنفق المتصدق؛ من يُقدم ولا يؤخر, وينفق ولا يقبض رغم قلة الحال وضيق ما في اليد.
هذا أبو الحسين النوري مكث عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين, ويخرج ليمضي إلى السوق فيتصدق بالرغيفين, ويدخل المسجد فلا يزال يركع حتى يجيء وقت سوقه, فإذا جاء الوقت مضى إلى السوق فيُظنُّ أنه قد تغدى في بيته ومن هم في بيته عندهم أنه قد أخذ منه غداءه؛ وهو صائم! ! وهذا الإنفاق وسيلة إلى التقرب إلى الله عز وجل بدفعه والتصدق به على المحتاجين ومساعدة المعسرين! ! قال عبيد بن عمير: يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط, وأعطش ما كانوا قط, فمن أطعم لله أطعمه الله, ومن سقى لله سقاه الله, ومن كسا لله كساه الله.
يقول ابن القيم رحمه الله: فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله وإعلاء كلمته سلبه الله إياه أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى, وإن حبسه وادخره منعه التمتع به ونقله إلى غيره فيكون له مهنؤه, وعلى مخلفه وزره, وكذلك من رفّه بدنه وعرضه

الجزء: 1 - الصفحة: 13

وآثر راحته على التعب لله وفي سبيله أتعبه الله سبحانه وتعالى أضعاف ذلك في غير سبيله ومرضاته, وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب, قال أبو حازم: لما يلقى الذي لا يتقي الله من معالجة الخلق أعظم مما يلقى الذي يتقي الله من معالجة التقوى.
واعتبر ذلك بحال إبليس فإنه امتنع من السجود لآدم فراراً أن يخضع له ويذل وطلب إعزاز نفسه, فصيره الله أذل الأذلين, وجعله خادماً لأهل الفسوق والفجور من ذريته, فلم يرض بالسجود له ورضي أن يخدم هو وبنوه فساق ذريته, وكذلك عباد الأصنام أنِفوا أن يتبعوا رسولاً من البشر وأن يعبدوا إلهاً واحداً سبحانه, ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار (1). ومن فوائد الجوع وعدم الإكثار من الأكل ما قاله أبو سليمان الداراني: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق, وإذا شبعت ورويت عمي القلب (2).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما

فصول الكتاب · 14 فصل
جارٍ التحميل