وثلث لطعامكالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمه الظاهرة والباطنة, وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد: فإن الله خلقنا لأمر عظيم, وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعاً منه, وسهل أمر العبادة, وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عوناً على طاعته.
ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة, أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها.
وهذا هو الجزء (الثامن عشر) من سلسلة (أين نحن من هؤلاء؟ ) تحت عنوان (وثلثٌ لطعامك).
أدعو الله عزّ وجل أن يجعل ما أفاض علينا عوناً على طاعته وأن يعيننا على شكره وحسن عبادته وأن يبوأنا من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار .. إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن القاسم

الجزء: 1 - الصفحة: 3

مدخل

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ 1. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى وأن يشكروه على ذلك إن كانوا عبيده, والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة 2. وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ 3. قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرفٌ ومخيلة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من السرف أن تأكل كُلَّ ما شئت" 4. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ 5. لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله! أي نعيم نُسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: الماء والتمر, وسيوفنا على رقابنا, والعدو

الجزء: 1 - الصفحة: 4

حاضر, فعن أي نعيم نُسأل؟ قال: "اما إن ذلك سيكون" 6. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي نُسأل عنه: ظل بارد, ورطب, وماء بارد" 7. وحال نبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - في أكله وشربه تروي لنا طرفاً منه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: "ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ قدم المدينة من خبز ثلاث ليال تباعاً حتى قبض" 8. وعلى المرء أن يتجنب الشبع المفرط لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه, حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه, فإن لم يفعل فثلث لطعامه, وثلث لشرابه, وثلث لنفسه" 9. وهذا الحديث أصلٌ جامع لأصول الطب كلها.
وقد روي أن ابن ماسوية الطبيب لما قرأ هذا الحديث قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطلت المارشايات ودكاكين الصيادلة, وإنما قال هذا لأن اصل كل داء التخم 10. وتأمل في نهاية كثرة الأكل وما يجر إليه في الآخرة؛ فعن

الجزء: 1 - الصفحة: 5

سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: : "أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً في الآخرة" 11. وعن أُبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلاً للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير" 12. وهذا أبو هريرة رضي الله عنه يذكر طرفاً من حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطعام سخن فأكل, فلما فرغ قال: "الحمد لله, ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا" 13. وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم, ثم قوم يشهدون ولا يستشهدون, وينذرون ولا يوفون, ويظهر فيهم السمن".
وفي المسند أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً سميناً, فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك".
وهذا نبي الأمة - صلى الله عليه وسلم - يحذر أمته من شهوة الفرج والبطن, فعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى".
وعن فاطمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "شرار أمتي الذين غُذُّوا

الجزء: 1 - الصفحة: 6

بالنعم؛ يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام" 14. وعن ابن عمر قال: تجشأ رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "كف عنا جشأك, فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة" 15. وقد سُئل الإمام أحمد عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس" .. فقال: ثلث الطعام هو القوت, وثلث الشراب هو القوى, وثلث النفس هو الروح 16. قال المروذي: كان أبو عبد الله (أحمد بن حنبل) إذا ذكر الموت خنقته العبرة, وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب, وإذا ذُكِر الموت أهان عليَّ كل الدنيا, إنما هو طعامٌ دون طعام, ولباسٌ دون لباس, وإنها أيامٌ قلائل, ما أعدل بالفقر شيئاً 17. وعن عبد الله بن عدي وكان مولى لابن عمر, أنه قدم من العراق فجاءه فسلم عليه فقال: أهديت لك هدية, قال: وما هي؟ قال: جوارش, قال: وما جوارش؟ قال: يهضم الطعام, قال: ما ملأت بطني منذ أربعين سنة, فما أصنع به 18. وسُئل سهل التستري: الرجل يأكل في اليوم أكلة, قال: أكل

الجزء: 1 - الصفحة: 7

الصديقين, قيل له: فأكلتان, قال: أكل المؤمنين, قيل له: فثلاث أكلات, فقال: قل لأهله يبنوا له معلفاً (1). وحالهم في المأكل والمشرب حال المُسارع إلى الخيرات متقلب بين حمدٍ وشكرٍ وإكرام ضيف.
قال أبو حمزة السكري: ما شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف (2). وذكر أن خالد بن معدان كان يقول: أكلٌ وحمد خير من أكل وصمت (3). وكان نوح عليه السلام إذا أكل قال: الحمد لله, وإذا شرب قال: الحمد لله, وإذا لبس قال: الحمد لله, وإذا ركب قال: الحمد لله, فسماه الله عبداً شكوراً (4). أخي المسلم:

مبنى الدين على قاعدتين:

فصول الكتاب · 14 فصل
جارٍ التحميل