وثلث لطعامكالدنيا أجلٌ حاضر
أهل الأثرالأرشيف العلمي

, يأكل منها البر والفاجر, وإن الآخرة أجل مستأخر, يحكم فيها ملك قادر, ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة, وإن الشر كله بحذافيره في النار 2. وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه وكأنه يُطلُّ على زماننا: إذا لم يكن للرجل تجارة إلا الطعام طغى وبغى 3. وما ظنك بمن يفكر في عشائه ومن ماذا يتكون وهو على طعام الغداء, وتراه يسأل ويحرض على بطنه! ! ودينه مرقع! ! يأكل من نعم الله ويعصي بنعمه التي أنعم عليه من عين وسمع ويد ورجل! ! . قال ابن معاوية الغلابي: حدثني رجل قال: قالت امرأة شميط (ابن عجلان) يا أبا تمام! إنا نعمل الشيء فيبرد؛ نشتهي أن تأكل منه معنا فلا تجيء حتى يفسد ويبرد, فقال: والله إن أبغض ساعاتي إلى الساعة التي آكل فيها.
وعن ميمون بن مهران أن امرأة ابن عمر, عوتبت فيه, فقيل لها: أما تلطفين بهذا الشيخ؟ فقالت: فما أصنع به, لا نصنع له طعاماً إلا دعا من يأكل, فأرسلت إلى القوم من المساكين كانوا1

الجزء: 1 - الصفحة: 31

يجلسون بطريقه إذا خرج من المسجد فأعطتهم وقالت لهم لا تجلسوا بطريقه, ثم جاء إلى بيته فقال أرسلوا إلى فلان وإلى فلان, وكانت امرأته أرسلت إليهم بطعام وقالت إن دعاكم فلا تأتوه, فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أردتم أن لا أتعشى الليلة, فلم يتعشَّ تلك الليلة 4. وهذا يحيى بن معاذ وكأنه يخاطب أهل البطون من همهم جمع الدنيا ومتابعتها حتى أصبحوا عبيداً لها: مسكين ابن آدم, لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة 5. أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟ ! ضرب الربيع الفالج, وطال به وجعه, فاشتهى لحم دجاج فكفَّ نفسه أربعين يوماً, ثم حكى لامرأته فاشترت دجاجة بدرهم ودانقين فسوتها, وخبزت له خبزاً, وجعلت له أصباغاً كالحلوى, ثم جاءت بالخوان, فلما ذهب ليأكل قام سائل, فقال: تصدقوا عليّ, فكفَّ, وقال: خذي هذا فادفعيه إليه, قالت: فأنا أصنع ما هو أحب إليه, قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا, وتأكل أنت شهوتك, قال قد أحسنت, ائتيني بثمنه, فجاءت بثمن الدجاجة والخبز والأصباغ فقال: ضعيه على هذا وادفعيه جميعاً إلى السائل 6.

الجزء: 1 - الصفحة: 32

قال أبو إسحاق الطبري: كان النجاد يصوم الدهر ويفطر على رغيف ويترك لقمة, فإذا كان ليلة الجمعة أكل تلك اللقم التي استفضلها وتصدق بالرغيف 7. أولئك قوم قال عنهم الحسن: والله لقد أدركت أقواماً ما طُوي لأحدهم في بيته ثوب قط, ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط, وما جعل بينه وبين الأرض شيئاً قط! ! 8. وقال الحسن بن يحيى: من أراد أن تغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه.
قال أحمد ابن أبي الحواري: فحدثت بهذا أبا سليمان فقال: إنما جاء الحديث: "ثلث طعام وثلث شراب" وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدساً.
وقال محمد بن النضر: الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأشر.
وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإقلال من الأكل في حديث المقدام وقال: "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه", وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المؤمن يأكل في معي واحد, والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في معي واحد, والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشدة والنهم فيأكل في سبعة أمعاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 33

وندب - صلى الله عليه وسلم - مع الإقلال من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه, فقال: "طعام الواحد يكفي الاثنين, وطعام الاثنين يكفي الثلاثة, وطعام الثلاثة يكفي الأربعة".
فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه وشرب في ثلث وترك للنفس ثلثاً؛ فإن كثرة الشرب تجلب النوم وتفسد الطعام.
قال سفيان: كل ما شئت ولا تشرب, فإذا لم تشرب لم يجئك النوم.
وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل, فإذا كان فطرهم قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيراً فتناموا كثيراً فتخسروا كثيراً.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يجوعون كثيراً ولا يشربون كثيراً يتقللون من أكل الشهوات, وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام, إلا أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها, ولهذا كان ابن عمر يتشبه به في ذلك مع قدرته على الطعام وكذلك أبوه من قبله.
وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض".
وخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طعام ثلاثة أيام حتى قبض".
وعنه قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا ولم يشبع من خبز شعير".
وفي صحيح مسلم عن عمر أنه خطب فذكر ما أصاب الناس

الجزء: 1 - الصفحة: 34

من الدنيا فقال: "لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلاً".
وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد أُوذيت في الله وما يؤذى أحد, ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد, وقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة وما لي طعام إلا ما وراه إبط بلال" (1).

وهذه النعمة العظيمة التي نتقلب فيها من الطعام والشراب هى

فصول الكتاب · 14 فصل
جارٍ التحميل