باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله...
[37- باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله] أي: من الوعيد; لأن ذلك يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك.
قال: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حَلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله" 1.
رواه ابن ماجة بسند حسن.
ش: هذا الحديث رواه ابن ماجة في "سننه" وترجم عليه "من حُلف له بالله فليرض" 2.
حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ثنا أسباط بن محمد عن محمد بن عجلان، عن نافع عن ابن عمر قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" 3 الحديث.
وهذا إسناد جيد على شرط مسلم عند الحاكم وغيره، فإنه متصل ورواته ثقات، بل قد روى مسلم عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا" 4.
وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" عن ابن عمر بلفظ: "لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" 5.
وليس فيه هذه الزيادة.
قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" 6.
تقدم ما يتعلق به في الباب قبله.
قوله: "من حلف بالله فليصدق" 7، أي: وجوبًا; لأن الصدق واجب، ولو لم يحلف بالله فكيف إذا حلف به؟ وأيضًا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله فكيف إذا أكده باسم الله؟.
قوله: "ومن حُلف له بالله فليرض" 8 أي: وجوبًا كما يدل عليه قوله: "ومن لم يرض فليس من اللَّه" 9.
ولفظ ابن ماجة: "ومن لم يرض بالله فليس من الله" 10.
وهذا وعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ 11.
قال ابن كثير: أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوي وغيرها، ما لم يفض إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها فلا يقبل حلفه, ولهذا لما "رأى عيسى عليه السلام رجلاً يسرق فقال له: سرقت قال:
كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني" 1.
رواه البخاري وفيه وجهان.
أحدهما: قال القرطبي: "ظاهر قول عيسى عليه السلام للرجل سرقت أنه خبر جازم، لكونه أخذ مالاً من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا نفي لذلك، ثم أكده باليمين.
وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو ما أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء".
قلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم "رأى عيسى رجلاً يسرق"، فأثبت صلى الله عليه وسلم سرقته.
الثاني: ما قاله ابن القيم: "إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا.
فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح [كما في الأعراف 21] ". قلت: هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وحدثت عن المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوي، كمن يتحاكم عند الحاكم فيحكم على خصمه باليمين، فيحلف فيجب عليه أن يرضى.
[38-