تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيدباب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا... ﴾ 1]
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا... ﴾ 1]

ش: المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله، فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده باب من أبواب الشكر كما في الحديث الذي رواه ابن حبان في "صحيحه" عن جابر مرفوعًا: "من أولي معروفًا فلم يجد له جزاء إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره" 2.
وفي رواية جيدة لأبي داود "من أبلي فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره" 3.
قال المنذري "من أبلي" أي: من أنعم عليه، الإبلاء الإنعام.
فإذا كان ذكر المعروف الذي يقدره الله على يدي إنسان من شكره، فذكر معروف رب العالمين، وآلائه وإحسانه ونسبة ذلك إليه أولى بأن يكون شكرًا.
قال المصنف: قال مجاهد ما معناه: هو "قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي".
ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ولفظه كما في "الدر" قال: المساكن والأنعام وسرابيل الثياب، والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم.
قال ابن القيم "ما معناه: لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله عليه غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكراها وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر، وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آبائهم ثم ورثهم إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه".
وقال عون بن عبد الله: "يقولون: لولا فلان لم يكن كذا".

ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ولفظه كما في "الدر" "لولا فلان ما أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا".
وعون هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الكوفي ثقة عابد مات قبل سنة عشرين ومائة.
قوله: "لولا فلان... "، إلى آخره.
قال ابن القيم ما معناه: هذا يتضمن قطع إضافة النعمة عن من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لم يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا فضلاً عن غيره، وغايته أن يكون جزءًا من أجزاء السبب أجرى الله نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببًا هو من نعم الله عليه.
فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو تعالى كما أنه قد ينعم بذلك السبب، فقد ينعم بدونه ولا يكون له أثر، وقد يسلبه سببيته، وقد يجعل لها معارضًا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة.
قال: وقال ابن قتيبة: "يقولون هذا بشفاعة آلهتنا".
ش: ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الحافظ، صاحب التفسير والمعارف وغيرها.
وثقه الخطيب وغيره، مات سنة سبع وستين ومائتين.
أو قبلها.
قوله: "يقولون هذا بشفاعة آلهتنا"، قال ابن القيم: هذا يتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله، وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها وأقرب الخلق إلى الله، وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه;

فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنع بتأهيل المشفع له، إذ ليس كل أحد أهلاً أن يشفع له.
فمن المنعم على الحقيقة سواه؟ قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ 1.
فالعبد لا خروج له عن نعمة الله وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ذم سبحانه وتعالى من آتاه شيئًا من نعمه ف ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ 2.
قال المصنف: وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر... " 3 الحديث.
وقد تقدم وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير.
ش: قوله: "وقال أبو العباس"، هو: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قوله: "قال بعض السلف"، لم أقف على تسمية هذا البعض.
قوله: "كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا"، الملاح: هو سائس السفينة.
والمعنى أن السفن إذا جرين بريح طيبة بأمر الله جريًا حسنًا نسبوا ذلك إلى طيب الريح، وحذق الملاح في سياسة السفينة، ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم كما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ 4.
فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح وحذق الملاح من جنس نسبة المطر إلى الأنواء.
وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح هو الفاعل لذلك من دون خلق الله وأمره وإنما أراد أنه سبب.
لكن لا ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله وحده; لأن غاية الأمر في ذلك أن يكون الريح والملاح سببًا، أو جزء سبب.
ولو شاء الرب تبارك وتعالى لسلبه سببيته، فلم يكن سببًا

أصلاً.
فلا يليق بالمنعم عليه المطلوب منه الشكر أن ينسى من بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ويضيف النعم إلى غيره، بل يذكرها مضافة منسوبة إلى مولاها والمنعم بها، وهو المنعم على الإطلاق كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ 1.
فهو المنعم بجميع النعم في الدنيا والآخرة وحده لا شريك له.
فإن ذلك من شكرها، وضده من إنكارها.
ولا ينافي ذلك الدعاء والإحسان إلى من كان سببًا أو جزء سبب في بعض ما يصل إليك من النعم من الخلق.
قال المصنف: وفيه اجتماع الضدين في القلب.

[36

فصول الكتاب · 69 فصل · 646 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد · 646 صفحة
مقدمة...كتاب التّوحيدكتاب التوحيدباب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوبباب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حسابباب الخوف من الشركباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا لله...باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله]باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعهباب ما جاء في الرقى والتمائمباب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهماباب ما جاء في الذبح لغير اللهباب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير اللهباب من الشرك النذر لغير اللهباب من الشرك الاستعاذة بغير اللهباب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيرهباب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُم يَنْصُرُونَ﴾،باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾،باب الشفاعة[باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَباب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين...باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟!...باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله]باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشركباب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثانباب ما جاء في السحرباب بيان شيئ من أنواع السحر...باب ما جاء في الكهان ونحوهمباب ما جاء في النشرةباب ما جاء في التطيرباب ما جاء في التنجيمباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواءباب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾...باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ... ﴾ 1باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار اللهباب ما جاء في الرياءباب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنياباب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله]باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِباب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات]باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا... ﴾ 1]باب قول الله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله...باب قول: ما شاء الله وشئتباب من سب الدهر فقد آذى اللهباب التسمي بقاضي القضاة]ونحوهباب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك...باب من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن أو الرسول]باب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي... ﴾ 1]باب قول الله تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾...باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾باب لا يقال: السلام على اللهباب قول اللهم اغفر لي إن شئت]باب لا يقول: عبدى وأمتي]باب لا يرد من سئل باللهباب لا يسأل بوجه الله إلا الجنةباب ماجاء في "لو"...باب النهي عن سب الريحباب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ... ﴾ 1]باب ما جاء في منكري القدرباب ما جاء في المصورينباب ما جاء في كثرة الحلفباب ما جاء في ذمة الله وذمة رسولهباب ما جاء في الإقسام على اللهباب لا يستشفع بالله على خلقهباب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك]باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿_25d9_2588_25d9_2585_25d8_25a7 _25d9_2582_25d8_25af_25d8_25b1_25d9_2588_25d8_25a7 _25d8_25a7_25d9_042940fdc7...
جارٍ التحميل