توضيح الأحكام شرح تحفة الحكامباب البيوع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أي هذا باب في بيان أقسام البيوع قال الحطاب وجميعوه وإن كان عقد معاوضة باعتبار أنواعه وأتوا بجمع الكثرة لأن له أنواعا كثيرة من حيثيات متعددة انتهى فالذوات المبيعة إما أن تكون عينا بعين أو عرضا بعض أو طعاما بطعام أو عقارات بعقار أوحيوانا بحيوان أو تمرا بتمر أو بالتخالف فالعين بالعين إن كانت من نوع واحد كالذهب بمثله والفضة بمثلها فإن بيعت بالميزان سمي مراطلة وإن بيعت بالعدد سمي

الجزء: 3 - الصفحة: 2

مبادلة وإن كانت من نوعين كذهب بفضة سمي صرفا وإن كان عرضا بعرض أو عقارا بعقار ونحوهما سمي معاوضة فإذا تأخر فيه الثمن سمي بيوع الأجال وإن تأخر فيه المثمن سمي سلما وباعتبار كيفية العقد ينقسم إلى بيع مساومة أو مزايدة أو مرابحة وكل واحد من الثلاثة إما أن يكون على سبيل البت أو على سبيل الخيار وكل عقد من هذه العقود إما أن يكون صحيحا أو فاسدا فهذه كلها أفراد للأقسام الستة الآتية في قوله ما يستجاز بيع أقسام البيتين المندرجة تحت البيوع (وما شاكلها) أي سابه البيوع في كونه عقد معاوضة وذلك كالمقاصة والحوالة والشفعة والقسمة والإقالة والتولية والتصبير ونحوها مما ذكره الناظم في هذا الباب وفصل بين أنواعه بالفصول بدون الأبواب ليعلم أنه من توابع الباب وفي حكمه (مقدمة) مشتملة على أربعة فصول معينة إن شاء الله تعالى لقارئها على الوصول (الفصل الأول) في معنى البيع لغة واصطلاحا (الفصل الثاني) في دليل مشروعيته (الفصل الثالث) في حكمه (الفصل الرابع) في أركانه (فأما) معناه في اللغة فهو مصدر باع الشيء إذا أخرجه عن ملكه بعوض أي أو أدخله فيه يطلق على البيع والشراء فيكون باع بمعنى اشترى كما يكون اشترى بمعنى باع فمن الأول قول الشاعر.
إذا الثريا طلعت عشاء ... فبع لراع غنم كساء ومن الثاني قول الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام مع أخوته وشروه بثمن بخس أي باعوه لكن لغة قريش استعمال باع إذا أخرج واشترى إذا دخل وهي أفصح وعليها اصطلح الفقهاء تقريبا للفهم (وآما) معناه في الاصطلاح فقد عرفه الإمام ابن عفه بقوله البيع الأعم عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة فتخرج الإجارة والكراء والكاح وتدخل هبة الثواب والصرف والمراطلة والسلم والغالب عرفا أخص منه بزبادة ذو مكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه فتخرج الأربعة أه (وحاصله) أن البيع في الشعر يطلق بمعنى أعم وبمعنى أخص والأخص أكث استعمالا كما قال (فقوله) عقد معاوضة خرج به الحبس والصدقة ونحوهما من

الجزء: 3 - الصفحة: 3

التبرعات.
وقوله على غير منافع خرج به ما ذكره في نفس تعريفه وتدخل فيه الأربعة المذكورة وهي هبة الثواب وما عطف عليها كما بينه بنفسه وتدخل فيه المبادلة ونحوها والإقالة والتولية والشركة في الأموال والأخذ بالشفعة والتصيير والصلح في بعض صوره وهو قول خليل الصلح على غير المدعى بيع الخ والحوالة والمقاصة.
وقوله ذو مكاية خرج به هبة الثواب لأنها على المكارمة، وقوله أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة خرج به الصرف والمبادلة والمراكلة لأن العوضين معا هب أو فضة أو مجتمع منهما.
وقوله معين غير العين فيه خرج به السلم لأن غير المعين فيه وهو المسلم فيه في الذمة غير معين فإضافة غير لما بعدها للعموم أي معين فيه أي في البيع كل ما غاير العين وأراد بالعين المسكوك من ذهب أو فضة والله أعلم (وأما) دليل مشروعيته فقول الله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربي، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع واشترى وقال رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى (وأما) حكمه فقد انعقد الإجماع على جوازه بدليل الكتاب والسنة وقد يعرض له الوجوب كمن اضطر لشراء شيء أو بيعه لنفقه ونحوها والندب كمن أقسم على إنسان أن يبيع له سلعة لا ضرر عليه في بيعها لأن إبرار القسم مندوب والكراهة كبيع البيع لا لجلده والتحريم كبيع ما نهي الشارع عنه نحو الكلب (ولما) أركانه فسنة (الأول) الصيغة أو ما يقوم مقامها من كل ما يدل على الرضى وأن؟ ؟ ؟ ولا يشترط تقديم الإيجاب على القبول فإذا قال راغب في شراء شيء؟ ؟ ؟ بكذا فقال البائع بعتك فإن قال الراغب لا أرضى فقال ابن القاسم يحلف ما ازاد؟ ؟ ؟ ؟ لا يلزمه شيء فإن نكل عن اليمين لزمه البيع (الثاني والثالث) البائع والمشتري ويعتبر عنهما بالعاقد ويشترط في صحة عقده التمييز بأن يفهم السؤال ويرد جوابه ولو صبيا أو عبدا وشرط لزومه التكليف بمعنى الرشد إذا تولى العقد لنفسه وعدم الإكراه لغير موجب شرعي فلا يصح بيع الصبي الذي لم يميز ولا يلزم بيعه إذا كان مميزا ولا يلزم بيع المكره إكراها حراما وإن لوم المشتري حيث كان رشيدا (الرابع

الجزء: 3 - الصفحة: 4

والخامس) الثمن والمثمن المعبر عنهما بالمعقود عليه ويشترط فيه عشرة شروط (الأول) أن يكون طاهرا فلا يجوز بيع النجاسة إلى لضرورة وأما المتنجس كالزيت تخالطه نجاسة ففيه ثلاثة أقوال الجواز لابن وهب والمتسع لمالك وهو المشهور والجواز إذا كان لغير مسلم (الثاني) أن يكون منتفعا به انتفاعا مباحا فإن كانت منفعته محرمة كحالات اللهو فسخ العقد وكسرت الآلة وأدب أهلها (الثالث) أن يكون مقدورا على تسليمه فلا يجوز بيع المعجوز عنه حسا كئابق وشارد وغصوب إلا من غاصبه وطير في الهواء وسمك في الماء أو شرعا كبيع المضامين والملا قيح وحبل الحبانة فالمضامين هي ما في بطن الحيوان من الحنين والملاقيح هو شراء نزو الفحل على التأييد وحبل الحبالة بفتح الباء الموحدة هو شراء ما يلده الحيوان من الأولاد بما ورد فيه النهي (الرابع) أن يكون معلوما للمتعاقدين كمية وكيفية إذا كان العقد على اللزوم وإلا جاز ولو لم ذكر جنسه ولا نوعه وسيأتي هذا عند قول الناظم وجاز بيع غائب على الصفة الخ (الخامس) أن يكون مقبوضا أن أخذ عن دين أو كان طعاما من بيع وقد ورد النهي عن الكالئي بالكالئي وحقيقته بيع ما في الذمة بشيء مؤخر كما ورد النهي عن بيع الطعام حتى يستوفي وذلك فيما بيع كيلا أو وزنا أو عددا دون ما بيع جزافا إذا أخلى البائع بينه وبين المشتري ويستثنى من ذلك الإقالة والتولية والشركة فيه كما يأتي (السادس) أن لا يقترن العقد بمناف وله صور (الأولى) أن لا يجتمع مع عقد من عقود ستة نظمها بعضهم فقال عقود منعنا اثنين منها بعقدة ... لكون معانيها معا تتفرق فجعل وصرف والمساقاة شركة ... نكاح قراض قرض بيع محقق وباء بعقدة ظرفية وقرض بغير تنوين وحذف العاطف للوزن ومعا بمعنى جميعا وسيأتي الكلام على هذا أيضا عند قوله وجمع بيع مع شركة الخ (الثانية) أن لا يقترن به محرم كسلعة وخمر المشهور بطلان الصفقة كلها وقيل يصح في السلعة بقسطها من الثمن (الثالثة) أن لا يقترن بعقد المغارسة كما في التسولي نقلا عن البرزلي وفي جواز جمع

الجزء: 3 - الصفحة: 5

البيع مع الإجارة أو الهبة وهو المشهور وعدمه قولان وهو ما بقي من العقود المنافية عند ابن القاسم وأجازها اشهب (السابع) أن لا يقترن بهه شرط مفسد كشرط أن لا يبيع ونجوه مما يأتي في كلام الناظم مشروحا (الثامن) أن لا يتعلق به حق الغير فإن تعلق به حق لأحد وكان معينا وقف اللزوم عليه وقيل يفسخ ويأتي بسطه في بيع الفضولي كما أنه لا يجوز بيع ما فيه خصومة على القول المشهور وإن كان غير معين كالصدقة المعقبة بطل البيع لأنهما كالحبس وهو لا يجوز بيعه إلا في مسألة المعاوضة الجاري بها العمل فإن معاوضته لا تبطل وتجوز ابتداء (التاسع) أن يكون خليا من الربا ثم إن الربا أما في النقد أو في الطعام ومالحق به قال خليل وحرم في نقد وطعام ربي فضل ونساء فالفضل معناه الزيادةة كبيع درهم بدرهمين وصاع تمر بصاعين والنساء معناه التأخر بأن يكون بيعهما إلى أجل فيهما عينا بعين أو طعاما بطعام سواء كان قدره أو أقل أو أكثر (العاشر) أن يكون خللها عن القصد إلى ظاهر جائز ليتوصل به إلى ممنوع وذلك كمن باع لرجل سلعة بثمن مرجل فلا يحل له أن يشتريها منه بأقل من ثمنها حالا أو إلى أجل دون الأجل الأول لأن ما خرج من اليد ورجع إليها يعد لغوا فكان البائع الأول دفع للثاني قليلا ليأخذ عنه كثيرا وهو ربي وسيأتي بيانه إلى شاء الله تعالى بأبسط من هذا في محله (الركن السادس) العقد ويشترط فيه أن لا يقع في وقت نداء الجمعة الموجب للسعي إليها وهو الذي يكون وقت جلوس الخطيب على المنبر لورود النهي عن ذلك وعند المتأخرين الصلوات كلها إذا تعين وقتها كذلك وحكى ابن رشد أن البيع إذا وقع في الموضع المغصوب حرام ثم إنه إذا وقع وقت النداء فسخ على المشهور وقال ابن القاسم إذا فات ففيه القيمة وقيل يقضي بالثمن ويقوم وقت العقد بتقدير الحال والله أعلم فلو ذكر الناظم أركان البيع كما ذكر أركان النكاح لكان أنسب وقد نظمتها فقلت أركانه عقد وعاقد ثمن ... ومثمن وصيغة بها اقترنن تقدم الإيجاب أو تأخرا ... كذا المعاطاة بها تقررا

الجزء: 3 - الصفحة: 6

ويقول رحمة الله تعالى بعدها (ما يستجاز بيعه أقسام ... أصول أو عروض أو طعام) (أو ذهب أو فضة أو ثمر ... أو حيوان والجميع يذكر) بمعنى أن ما يجوز بيعه في نظر الشرع ستة أقسام (الأول) أصول وهي على قسمين رباع وهي الدور والحوانيت والأفران ونحوها من كل ما له عتبة وعقارب بفتح العين وتخفيف القاف وهي الفدادين والأجنات والكروم (الثاني) عروض كالثياب والسلاح والأواني ونحوها (الثالث) طعام كالقمح والشعير والأدام كالسمن والعسل ومصلحه كملح وبصل وما لحق به من الخضر والفاكهة كاللفت والجزر والجوز واللوز وما أشبه ذلك (الرابع) ذهب أو فضة (الخامس) ثمر كالتمر والزبيب والتين والزيتون (السادس) حيوان كالرقيق والخيل والبغال والحمير والأنعام كالإبل والبقر والوحوش كالضبي والأرنب والطير وفائدة تقسيم هذه المبيعات لما ذكر اختصاص مل نوع منها بأحكام معتبرة فيه وإن لم توجد في غيره على الإطلاق كالعيوب الموجبة للقيمة في الأصول أو للرد في الحيوان والعروض وربي الفضل والنساء في النقدين والطعامين وبدور الصلاح في الثمار والعهدة في الرقيق وغير ذلك من الأحكام والجميع يذكر في فضل يخصه قال ابن رحال الأولى أن يبقى الجواز أي في كلام الناظم على بابه وأما الوجوب والندب فلعارض وكذلك الكراهية والتحريم اه قال (البيع والشرط الحلال إن وقع ... مؤثرا في ثمن ما امتنع) (وكل ما ليس له ثانية ... في ثمن جوزاه ماأثور) (والشرط إن كان حراما بطلا ... به المبيع مطلقا إن جعلا) يعني أن البيع الجائز إن قارنه شرط فإما أن يكون ذلك الشرط حلالا أو حراما فإن كان حلالا ففيه تفصيل وهو إن كان يؤثر في الثمن جهلا أو يناقض المقصود

الجزء: 3 - الصفحة: 7

منع كان يشترط أحد المتابعين على الأخران يسلفه دراهم مثلا فنفس الشرط الذي هو السلف جائز غير أن انعقاد البيع عليه ممنوع لأنه إن كان السلف مع البائع فإنما يبيع غالبا بأكثر من القيمة لأجل السلف وإن كان من المشتري فإنما يشتري غالبا بأقل لأجل السلف أيضا ومقدار الزيادة في الثمن أو النقص منه مجهول والجهل بالثمن يفسد البيع ولو تحققنا أن لا زيادة في الثمن ولا نقص فإن النار يعطي حكم الغالب سدا للذرائع أو يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع ما اشتراه أو لا يهبه من أحد بالإطلاق إنا أن اشترط عليه أن لا يبيعه من معين فلا يكون ممنوعا ويوفي له بشرطه فنفس الشرط وهو كون المشتري يتمسك بمشتراه ولا يبيعه مثلا حلال واشتراطه ممنوع لأن البيع على هذا إنما يكون غالبا بنقص من ثمن المبيع لو لم يشترك ذلك في بيعه ولما في من التحجير على المشتري ومقدار ما نقص من الثمن لأجل الشرط مجهول والجهل بالثمن مفيد للبيع والمنع في هذا المثال أشد من الأول لأن فيه زيادة على التأثير في الثمن علة أخرى للمنع وهو كون ذلك المؤثر من باب اشتراط ما يوجب الحكم خلافه فإن الحكم الشرعي يوجب للمشتري جواز تصرفه فيما اشتراه على أي وجه شاء مما أباحه الشرع يوجب للمشتري جواز تصرفه فيما اشتراه على أي وجه شاء مما أباحه الشرع له من بيع وهبة ونحوهما فالتحجير عليه بأن لا يبيع مثلا شرط مناقض لمقتضى العقد واشتراط مثله ممنوع يفسد به البيع فإن وقع شيء من هذه الشروط وما أشبهها فإن البيع يفسخ إلا أن يسقط ذو الشرط شرطه فإنه يصح، وإن كان اشتراط الحلال غير مؤثر في الثمن جهلا ونحوه كشرط رهن أو حميل أو كون المثمن أو الثمن إلى أجل معلوم غير بعيد جدا فإنه جائز وجوازه مأثور أي مروي بنص القرآن قال الله تعالى} إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ﴿وقال الله تعالى﴾ فإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة {وكلام الناظم شامل لما يقتضيه العقد ولو لم يشترط كشرط تسليم المبيع للمشتري والرجوع بدرك العيب والاستحقاق فإن اشتراط ذلك ونحوه من باب التوكيد لا غير.
وإن كان الشرط حراما كم باع دارا واشترط على أن تكون مجمعا للفساد أو باع عنبا واشترط عصره خمرا فإن اشتراط مثل

الجزء: 3 - الصفحة: 8

هذا يبطل به البيع مطلقا أثر في الثمن أو لم يؤثر حذف الشرط أو لم يحذف فتحصل من ذلك أن الشرط الحرام يبطل معه البيع مطلقا والشرط الحلال المنافي للمقصود وشرط السلف يبطل معه البيع ما لم يحذف الشرك فيصح والشرط الحلال الذي لا ينافي العقد بل يعود عليه بمصلحة كالرهن والحميل يصح فيه البيع والشرط معا فهذه ثلاثة أقسام وهي في الحقيقة راجعة إلى قسمين حلال وحرام وبقي قسم ثالث واسطة بينهما يصح فيه البيع ويبطل الشرط وهو المعبر عنه بحكم بين حكمين وهذا التقسيم قد تقدم في الشروط التي تقع في النكاح مستوفى (قال) ابن رشد للسائل التي يصح فيها البيع ويبطل الشرط تسعة وهي من باع دارا واشترط على المشتري أن لا يكن معه فيها أحدا وإذا أقاله على أن يرد عليه دراهمه بأعيانها.
وبيع الثمرة على أن لا جائحة.
وعلى أن لا زكاة.
وبيع الأمة على أن لا مواضعة.
وعلى أن لا عهدة.
وعلى أن يسلمها عريانة.
وعلى أو ولاءها للبائع.
وعلى أنه إذا لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام ونحوها فلا بيع بينهما.
وقول الناظم والبيع مبتدأ ومما امتنع متعلق بمحذوف خبره والشرط بالرفع عطف على البيع والحلال نعت للشرط ومؤثرا بالنصب حال من فاعل وقع المسترر العائد على الشرط وفي ثمن متعلق بمؤثرا وجواب الشرط محذوف لدلالة متعلق الخبر عليه وهو مما امتنع وكل مبتدأ مضاف إلى ما وهي نكرة واقعة على شرط وجملة ليس له تأثير في محل جر صفة ما وجملة جوازه مأثور من المبتدأ والخبر خبر مل والشرط مبتدأ والجملة الشرطية خبره وألف بطلا للإطلاق والمبيع فاعل بطلا وهو بمعنى البيع أو على حذف مضاف أي بطل بيع المبيع (فائدة) قال الونشربسي في المنهج الفائق المباع هو الذي عرض به للبيع والمبيع هو الذي قد بيع أه (فرع) قال البرزلي في مسائل الضرر من ابن رشد فيمن له دارات باع أحدهما وشرط على المشتري أن لا يرفع على الحائط الفاصل بين الدارين شيئا مخافة أن يظلم عليه داره ويمنع من دخول الشمس فيها والتزمه المشتري أن البيع جائز والشرط لازم اه ميارة (ولما) كان البيع لا يجوز

الجزء: 3 - الصفحة: 9

اجتماعه مع الشرط الحرام أو الحلال المؤثر كلما علمت وأنه لا يجوز اجتماعه أيضا مع العقود التي تقدمت الإشارة إليها شرع الناظم في بيانها فقال (وجمع بيع مع شركة ومع ... صرف وجعل ونكاح امتنع) (ومع مساقاة ومع قراض ... واشهب الجواز عنه ماض) يعني أنه لا يجوز عند ابن القاسم أن يجتمع البيع مع واحد من هذه العقود الستة التي أولها الشركة في النظم وءاخرها القراض على المشهور خلافا لاشهب القائل بجواز ذلك وبقي على الناظم القرض أي السلف فلا يجتمع مع البيع كما مر وكما لا يجتمع البيع مع واحد من هذه المذكورات لا يجتمع اثنان منها في عقد واحد لافتراق أحكامها لأن حكم الصرف المناجزة ويجوز في البيع عدمها ولا يجوز الخيار في الصرف ويجوز في البيع ولا يجوز التصديق في الصرف ويجوز في البيع.
وأما الجعل فحكمه عدم اللزوم بخلاف البيع ولا يكون في الجعل أجل بخلاف البيع.
ويجوز فيه الغرر المنفرج به بخلاف البيع.
وأما النكاح فإنه مبني على المكارمة والبيع على المشاحة ويجوز أن لا يدخل بالمرأة لسنة لموجب من صغر ونحوه ولا يجوز تأخير القبض في المبيع المعين الحاضر.
وأما المساقة فإنه لا يجوز فيها الغرر دون البيع وفيها جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها بخلاف البيع وهي مستثناة من الإجازة المجهولة بخلاف البيع فإنه أصل في نفسه (وأما) الشركة فلإنها على الأمانة وهو مستثنى من الإجارة المجهولة بخلاف البيع ولا تكون لأجل بخلاف البيع.
وأما القراض فلأنه على الأمانة أيضا وهو مستثنى من الإجارة المجهولة بخلاف البيع هذا معنى تنافي أحكامها.
ووجه الجواز عند اشهب لما كان كل عقد منها يجوز بانفراده لا مانع من اجتماعه مع غيره قال البرزلي وكذا لا يجتمع بيع الخيار وبيع البت ولا بيع السلم وبيع النقد أي الحاضر (قلت) والذي يظهر من هذا عدم جواز بيع النقد والبيع إلى أجل (ولما) كان من شرط المعقود عليه أن يكون طاهرا ولذلك امتنع بيع ما هو نجس كروث الخيل والحمير لكن

الجزء: 3 - الصفحة: 10

العلماء رضي الله تعالى عنهم رخصوا في بيعه للحاجة إلى الانتفاع به وإليه أشار الناظم بقوله: (ونجس صفقته محظورة ... ورخصوا في الزبل للضرورة) قال ابن رحال هذا الذي به العمل (فرع) قال في المقرب قال ابن القاسم ولا بأس ببيع بعر الإبل والغم وخناء البقر وعلى هذا يجوز بيع خرء الحمام والدجاج غير المخلاة وفي المخلاة نظر اه مياره والمحظور بالظاء المشالة الممنوع ونجس بفتح الجيم عين النجاسة ومثل عين النجاسة في الحكم المتنجس إذا دعت الضرورة إليه كالماء المتجمع من المراحيض قال الشيخ ميارة بل هو أولى بالجواز لوجود الخلاف فيه كما تقدم ثم قال

فصل في بيع الأصول

وهي الأرض وما اتصل بها من الدور والحوانيت والفنادق والفدادين والأجنات ونحوها وقد أشار إلى حكمها فقال (البيع في الأصول جاز مطلقا ... إلا بشرط في البيوع متقى) (باضرب الاثمان والأجال ... من له تصرف في المال) يعني أنه يجوز ويلزم العقد على بيع الأصول المذكورة ونحوها من الذي يتصرف في ماله تصرفا مطلقا وهو البالغ الرشيد إلا أن يصحب عقده عليها شرط حرام أو حلال يؤثر في الثمن فإن البيع يفسد كما مر فإذا خلا البيع من الشرط المفسد جاز بجميع أنواع الائتمان واضربها من أصول مثلها أو عين أو عرض أو طعام أو حيوان وسواء كان بالحلول أو إلى أجل معلوم قريب أو بعيد ما لم يبعد جدا فإنه لايجوز، وقوله إلا بشرط استثناء من عموم الإطلاق وإعاده هنا وإن كان مستغنى عنه بما تقدم خوفا من توهم شمول الإطلاق له فهو كالتنبيه، وقوله باشري الأثمان والآجال متعلق بجاز وهو تفسير لقوله مطلقا واضرب بمعنى أنواع جمع ضرب بفتح أوله

الجزء: 3 - الصفحة: 11

وقوله من له تصرف في المال متعلق بمقدر مضاف للبيع كما علمت ليشمل البائع والمشتري بخلاف ما لو علق بالبيع فإنه لا يشملهما، وحيث كان الرشد شرطا في لزوم البيع فإن غير الرشيد لا يلزم عقده بنفسه كما لا يلزم من الرشيد المحجر عليه كالمفلس بل بتوقف لزوم عقدهما على إجازة الولي أو الغرماء أما الصبي الذي لم يميز فإن عقده لا يجوز ويفسخ أن وقع ولو إجازة الولي تنبيهات (الأول) شرط للتصرف في المال غير مختص ببيع الأصول بل هو عام في جميع العقود (الثاني) مثل الأصول في العموم العروض فإنه يجوز بيعها مطلقا بجميع أنواع الأثمان والآجال بخلاف الطعام فإنه ليس كالأصول في ذلك العموم إذ لا يجوز بيه بطعام أو مصلحه أو ما كان كالطعام الآتي بيانه إلى أجل ومثل الطعام في ككونه ربوبا الحيوان الذي لا تطول حياته كطير الماء أو لا منفعة فيه إلا اللحم كخصي الغنم إذ منفعته الصوف أو الشعر لا تعتبر لفائتها فلا يجوز بيع شيء من ذلك بطعام أو أدام أو نحوهما إلى أجل لأنه طعام بطعام نسيئة ومثل الطعام الذهب والفضة فلا يجوز بيع بعضهما ببعض تماثلا أو تخالفا إلى أجل كما سيأتي قال الشيخ خليل وحرم في نقد وطعام ربي فضل ونساء (الثالث) ظاهر كلام الناظم باضرب الأثمان والأجال إنه لا فرق بين أن يكون الأصل هو المؤجل أو الثمن هو المؤجل وهو كذلك إلا أنه غإذا كان الأصل هو المؤجل فيؤدي إلى بيع معين يتأخر قبضه ولا يجوز على إطلاقه بل فيه تفصيل وهو إن كان يتغير في الأجل امتنع وإلا جاز فالدار مثلا يجوز بيعها لتقبض بعد مدة معينة لا تتغير فيها غالبا وذلك يختلف باختلاف صحتها وعدم اختلاف صحتها وحينئذ فلا مفهوم لقول الشيخ خليل ودار لتقبض بعد عام فالمدار في أجل منفعة الدفع على ما لا يتغير فيه غالبا فيجوز فيه العقد ونقد الثمن وما غاب على الظن عدم بقائه لتلك المدة أو لضعف بنائه لم يجز العقد عليه وسيأتي هذا عند قول الناظم وجائز في الدار أن يتثني يكني بها كسنة أو أدني الرابع) قال الزرقاني في فصل تناول البناء ما نصه (فرعان) الأول قال المتيطي حد المبيع دارا أو أرضا منه كحدها الشرقي.

الجزء: 3 - الصفحة: 12

شجرة كذا فتدخل الشجرة إن لم يصرخ بضده كجدها القبلي دار فلان (الثاني) إذا وقع من البائع أي في الوثيقة عموم وخصوص فالمنظور إليه العموم وأن تقدم كبعته جميع أملاكي بقرية كذا وهي الدار والحانوت مثلا وله غيرهما فهو للمبتاع أيضا وكذا بعته جميع ما أملك من هذه الدار وهو الربع فإذا له أكثر فإن له الجميع ولا يكون ذكر الخاص بعد العام مخصصا له لأن الخاص الذي يقيد العام شرطه أن يكون منافيا له والأمر هنا بخلافه اه وفي معين المفتي للشيخ حسن الشريف أن ذكر الخاص بعد العام لا يخصصه وعليه الأكثر وبه القضاء (التنبيه الخامس) قال ابن راشد الأحسن للموثق إذا كان المبيع دارا مثلا أن يكتب جميع الدار التي يموضع كذا من حومة كذا منتهى خدها في القبلة كذا ولا يكتب جميع داره لما فيه من الخلاف عند طرق الاستحقاق فقد قيل أن إضافة الملك إلى البائع إقرار من المشتري بملكها له فإذا استحقت من يده لم يكن له رجوع لعلمه أنها لم تستحق بوجه شرعي وأنها مصيبة نزلت به وقليل له الرجوع ولو أقر بالفعل إنها له وبه الفضاء (السادس) إذا وقع عقد البيع مثلا إلى أجل وتغيرت الشكة الجارية وقت العقد بزيادة أو نقص أو بطلت أو عدمت بالكلية قبل حلول الأجل أو بعده فإنه يجب على المشتري ونحوه أن يقضيه من تلك السكة ولا يعتد بزيادتها كما لا يغرم نقصانها كما إذا بطلت وإن عدمت فعليه قيمتها قال (وجائز أن يشتري الهواء ... لأن يقام معه البناء) يعني أن يجوز شراء عشرة أذرع مثلا من هواء فوق سقف بيت موجود على أن يبني المشتري فوق هذا السقف علوا مثلا يكون غلظ حيطانه كذا وارتفاعه كذا لأن إقامة البناء على الأسفل لا بد من معرفة صفته في الثقل والخفة ويكون بابه من جهة كذا ومرحاضه في جهة كذا تنصب قنانه جهة كذا مع الحائط الغربي مثلا المتصل بكذا يصف ذلك كله صفة تقوم مقام العيان لينتفي الغرر المنهي عنه- وكذلك يجوز شراء هواء كعشرة أذرع فوق عشرة أذرع هواء يبنيها البائع إذا وصف البناء الأسفل

الجزء: 3 - الصفحة: 13

والأعلى لرغبة صاحب الأعلى في قوة بناء الأسفل ورغبة صاحب الأسفل في خفة بناء الأعلى ويجبر صاحب الأسفل على البناء إن امتنع ليتوصل صاحب الأعلى إلى ملكه ويمالك صاحب الأعلى ما فوقه من الهواء في الصورتين لا كن لا يبنني فيه إلا برضى صاحب الأسفل وينبغي بيان فرش ما على السقف من رخام ونحوه على من يكون فإن وقعت الغفلة عليه ولم يكن عرف في ذلك ففي جعله على المشترى وهو المشهور لأنه أرضه أو على البائع لأنه سقفه قولا ثم إذا انهدم الأسفل فيقضي على من هو بيده ملكا بإعادته لأنه مضمون إلا أن يذكر مدى فإجارة تنفسخ بانهدامه وإصلاح السفل إذا انهدم أو هدم وتعليق الغرف بالخشب ونحوها إذا وهي السفل وكنس مجمع ماء المراحيض كل ذلك على صاحب السفل ويقضي عليه بالإصلاح فإن امتنع بيع عيه لمن يصلح حيث لم يتسبب صاحب الأعلى في ذلك وإلا كان الإصلاح عليه بالقضاء كما يقضي على الشريك في إصلاح ملك لا يقبل القسمة كالحمام بأن يعمر أو يبيع ممن يعمر ولا فرق في المشترك الذي لا يقبل القسمة بين الملك والوقف وقول الناظم معه أي فيه قال (وما على الجزاف والتكسير ... يباع مفسوخ لدى الجمهور) يعني أنه لا يجوز بيع أصل بعضه بالكيل وبعضه جزافا في عقد واحد كان يشتري إنسان أرضا مائة ذراع منها كيلا وباقيها بدون كيل بكذا أو اشترى أيضا على كيل معلوم وشجرا مثلا في عقد واحد فإن وقع ذلك فسخ عند أكثر العلماء وفهم من كلامه أن من العلماء من لا يحكن بفسخه وهو كذلك ومفهوم الأصول أن غيرها يجوز بيعه على الجزاف والكيل وهو كذلك على تفصيل فيه فيجوز بيع أرض جزافا مع طعام كيلا لمجئ كل واحد منهما على أصله ويجوز جزافات ومكيلان مطلقا ويمتنع بيع حب جزافا مع حب أو أرض كيلا، وحاصل المسألة على ما لابن رشد أن من الأشياء ما الأصل فيه أن يباع كيلا ويجوز بيعه جزافا اتفاقا كالحبوب وإن منها ما الأصل فيه أن يباع جزافا ويجوز بيعه كيلا اتفاقا كالأرضين وإن منها عروضا.

الجزء: 3 - الصفحة: 14

لا يجوز بيعها كيلا ولا وزنا كالعبيد والحيوان فالجزاف مما أصله أن يباع كيلا كالحبوب لا يجوز بيعه مع المكيل منه ولا مع المكيل مما أصله أن يباع جزافا كالأرضين والجزاف مما أصله أن يباع جزافا لا يجوز أن يباع مع المكيل منه واختلف في بيعه مع المكيل مما أصله أن يباع كيلا على قولين الجواز والمنع ولا اختلاف في جواز بيع المكيلين والجزافين في صفقة واحدة ولا في جواز بيع الجزاف مع العروض إلا عند ابن حبيب فإنه يحوزه اه وقوله وما على الجزاف الخ ما اسم موصول مبتدأ وجملة يباع على الجزاف صلته ومفسوخ خبره وأن ما واقعه على الأصول لأن الفصل معقود لها ويفهم ذلك أيضا من قوله والتكسير ولدى الجمهور متعلق بالخبر ثم شرع في بيان بعض ما يتناوله العقد وما لا يتناوله فقال (وءابر من زرع أو من شجر ... لبائع إلا بشرط المشتري) (ولا يجوز باشتراط بعضه ... وإن جرى فلا غنى عن نقضه) يعني أن من باع شجرا فيها ثمارا أو أرضا فيها زرع ولم يقع التنصيص على الثمار ولا على الزرع لمن يكون فما كان من ذلك ما بورا فهو للبائع إلا أن يشترطه المشتري والأصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع الحديث ولا يجوز للمشتري اشتراط بعض ما ابر وترك مما سواه فإن وقع ذلك نقض البيع ثم صرح بمفهوم قوله وءابر فقال (وغير ما ابر للمبتاع ... بنفس عقده بلا نزاع) (ولا يجوز شرطه للبائع ... والبيع مفسوخ به في الواقع) يعني أن ما لم يؤبر من الزرع والثمار يكون للمشتري بنفس العقد لدلالة مفهوم الحديث المتقدم عليه ولا يجوز للبائع أن يشترط لنفسه فإن وقع فسخ البيع لأنه من باب بيع الثمرة قبل بدور صلاحها وهو لا يجوز (فروع الأول) من باع نخلا مثلا قد ابر بعضها

الجزء: 3 - الصفحة: 15

ولم يؤبر الآخر فإنه ينر إلى الذي هو أكثر ويجعل القليل تابعا له فإن كان المؤبر أكنزها فالثمر جميعه للبائع إلا أن يشترطه المشتري وإن كان الذي لم يؤبر أكثر فالثمر كله للمشتري ولا يشترطه البائع لنفسه كما مر وإن تساويا فالحكم فيه أن كان المأبور على جهة كان للبائع إلا بشرط وما لم يؤبر كان للمشتري وإن كان مختلطا فالبيع غير جائز إلا أن يرضى البائع بتسليمه للمشتري فإنه يجوز عند بعض العلماء وبه القضاء (الثاني) قال ابن راشد من اشترى زيتونة على أن يقطعها فتوانى في قطعها حتى أثمرت فالثمرة للبائع قاله ابن القاسم عن مالك في المستخرجة (الثالث) من كانت له شجرة في أرض غيره وسقطت أو ضعفت وأراد قطعها ويجعل في موضعها مثلها فله ذلك لأن موضعها له فالشجر والبناء يتناولان الأرض وتتناولهما بدون احتياج إلى التنصيص عليه وقت العقد ثم بين الأبار فقال (وفي الثمار عقدها الأبار ... والزرع إن تدركه الأبصار) فأبار النخل التذكير وهو تعليق شيء من عرجون الذكر على عرجون الأنثى لئلا يتساقط وأبار العنب والزيتون ونحوهما العقد بعد ثبوت ما يثبت منه وسقوط ما يسقط وأبار الزرع خروجه من الأرض فإذا خرج منه أدركته الأبصار والآبار بكسر الهمزة ثم ذكر مسألة من مسائل ما تتناوله الأرض فقال (كذا قليب الأرض للمبتاع ... دون اشتراطه في الابتياع) يعني أن الأرض إذا كانت مقلوبة أي محروثة فإن قلبها يكون للمشتري وإن لم يشترطه وقيل المراد بالقليب البئر وقليب على وزن فعيل بفتح أوله بمعنى مفعول قال (والماء إن كان يزيد ويقل ... فبيعه لجهله ليس يحل) يعني أن من كان يملك ماء عين مثلا أو قدرا معلوما منه وكان ماؤها يزيد أحيانا وينقص أحيانا فلا يحل له بيعه للجهالة قال بعض الشيوخ يشكل على الناظم فيما درج عليه تبعا لغيره بيع شروب مواضع من بلاد الأندلس لأنها تقل في السنين المجدبة

الجزء: 3 - الصفحة: 16

وتكثر في السنين الممطرة وقد رأينا الناس مضطرين إلى شرائه فالمتعين جواز المعاوضة فيها للضرورة فهو كالغرر المغتفر في بيع الأصول غذ قد لا تكون فيها غلة في بعض السنين (وأما) الأنهار العامة فلا يجوز بيع مائها لأن المسلمين في الانتفاع بها سواء إلا ما صرف عليه مال أو خدمه الإنسان بنفسه فإن بيعه جائز وحيث جاز بيعه فلا بد من بيان قدره كأن يقال اشترى فلان جميع شرب العين بكسر الشين وضمها أو نصف شربها أو مشرب كل يوم كذا أو من وقت كذا إلى وقت كذا في جميع أيام السنة صيفا وخريفا وشتاء وربيعا أو اشترى عشرة قواديس في كل يوم كذا وقت كذا مبدا كيلها من موضع كذا ما تعاقب الليل والنهار إلى غير ذلك من الأمور المتعارفة عند أهل ذلك الموضع والقادوس عبارة عن إناء مثقوب من أسفله يملأ ماء ويعلق فينزل منه الماء كالخيط حتى يفرغ فيعاد وهكذا إلى تمام العدد عشرة منه بساعة في بعض البلدان وبوضع عند أمين ثقة بمرتب يأخذه من أهل البلد ولأصحاب الجنات قواديس مقيسة عنه حتى إذا وقع بينهم نزاع في الزيادة والنقص بسبب ضيق الثقب أو اتساعه رجعوا إليه على ماهو معروف عندنا بتوزر قال الناظم رحمه الله تعالى (وشرط إبقاء المبيع في الثمن ... رهنا سوى الأصول بالمنع اقترن) (وقيل بالجواز مهما اتفقا ... في وضعه عند أمين مطلقا) يعني أن البائع إذا اشترط على المشتري إبقاء المبيع تحت يده أو تحت يد أمين رهنا في الثمن فإنه ممنوع إلا في الأصول فيجوز وقيل إنما يمتنع ذلك إذا كان إبقاؤه تحت يد البائع أما إن اتفقا على وضعه تحت يد أمين فهو جائز في الأصول وغيرها وهذا التفصيل هو المشهور وإشارة الناظم له بقيل لم يرد تضعيفه كما هو كثير في كلامه قال ابن رحال وما نظمه الناظم من المنع في إبقاء غير الأصول بيد البائع فإن ذلك مقيد بأن تتغير السلعة لمثل ذلك الأجل وإلا فلا منع إذ لا ضرر في ذلك (فرع) قال في المفيد في الرجل يبيع السلعة من الرجل ثم يحبسها للثمن ويدعي تلفها ولا يعلم

الجزء: 3 - الصفحة: 17

ذلك إلا من قوله فضمانها من البائع عند الأكثر وقال ابن القاسم ضمانها من المشتري وبه القضاء قال الفلاني في شرح العمليات العامة محل الضمان من المشتري إذا كان المبيع مما لا يغاب عليه كالحيوان وأما ما يغاب عليه كالثوب فضمانه من البائع (قلت) وذلك بعد اليمين إذا كان ممن يتهم على تفويته إو إخفائه والله أعلى قال (وجائز في الدار أن يستثني ... سكن سبها كسنة أو أدنى) يعني أنه يجوز لمن باع دارا أن يتثني سكناها سنة فما دونها وقد تقدم هذا عند قول الناظم باضرب الأثمان والآجال وأنه لا مفهوم للتحديد بالسنة وإنما المعتبر في أجل الدفع ما لا يتغير فيه غالبا (تنبيهان) الأول إن انهدمت الدار في مدة الاستثناء الجائز فضمانها من المشتري ولا رجوع للبائع عليه بما اشترطه عليه من السكنى في قول ابن القاسم إلا أن يبيعها المبتاع في أثناء المدة الجائزة فلا يخرج منها البائع حتى يستوفي منفعته وأما إن انهدمت في استثناء المدة الغير الجائزة فضمانها من البائع إلا أن تنهدم بعد أن قبضها المشتري ولو قبل انقضاء مدة الاستثناء فضمانها منه لأنه بيع فاسد يضمن بالقبض كذا في التولي (الثاني) قال ابن جزي في القوانين ويجوز بيع الارض والرباع المكترات خلافا للشافعي ولا يفسخ الكراء ويكون واجب الكراء في بقية امد الكراء للبائع ولا يجوز أن يشترطه المشتري لأنه يؤل إلى الربى إلا أن يكون البيع بعروض وإن لم يعلم المشتري أن الأرض مكترات فذلك عيب وله القيام به اه (ولما) ذكر الناظم حكم من اشترى أرضا فيها زرع في عقد واحدا أو شجرا فيه ثمر كذلك ذكر هنا حكم ما إذا اشترى الأرض وحدها أو الشجر وحده ثم اشترى الزرع أو الثمر بعد فقال (ومشتري الأصل شراؤه الثمر ... قبل الصلاح جائز فيما اشتهر).
(والزرع في ذلك مثل الشجر ... ولا رجوع أن تصب للمشتري) يعني أنه يجوز لمن اشترى شجرا أو أرضا بانفراده أن يشتري الثمر أو الزرع وإن لم

الجزء: 3 - الصفحة: 18

يظهر صلاحهما على القول المشهور وسواء اشترى ذلك في صفقة واحدة أو صفقتين الأشجار ثم الثمرة أو الأرض ثم الزرع كما هنا وأن اجبحت الثمرة المشترطة في أصل البيع أو الملحقة به قبل بدو الصلاح أو بعده فلا قيام للمشتري بها ولو اتت الجائحة على جميعها وقوله تصب معناه تجاح ونائب فاعل تصب يعود على الثمرة وفي معناها الزرع وجواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه وهو لا رجوع للمشتري (قد) تقدم أن من شرط المعقوج عليه أن يكون معلوما عند المتبايعين ثم العلم له طرق أربعة كما في ابن راشد (الطريق الأول) الرؤية في المرئيات والشم في المشمومات والذوق في المطعومات واللمس في الملموسات والسمع في المسموعات فحصول العلم بهاته الحواس ولو على بعض المبيع يكفي (الطريق الثاني) الحرز والتخمين وهو كاف في معرفة المقدار كما في مسألة الجزاف المتقدمة ثم إن المبيع على التقدير لا يخلو إما أن يكون المطلوب جملته ولا غرض في إفراده كالقمح والشعير فهذا يجوز بيع جزافا كالسمن والعسل إن لم يكثر جدا وجهلا كيله أو وزنه وحزراه واستوت أرضه إن كان على الأرض وإن تعلقت الأغراض بإفراده كالمعدودات فإن قلت أثمانها جاز بيعها جزافا أيضا كالبيض والرمان والفقوس والتين والجوز والموز وصغار الحيتان وهو كثير وفي عده مشقة وأما ما عظم من الحيتان وما إذا نظره الناظر أحاط بعدده فلا يباع جزافا (الطريق الثالث) الكيل والوزن والعد والذرع فكل واحد من هذه موصل إلى معرفة حقيقية المعقود عليه جملة وتفصيلا لكن قاعدة المذهب أن ما جرت عليه العادة ببيعه كيلا لم يجز بيعه وزنا إلا لمن عرف ما في القنطار مثلا من الويبات وأن ما جرت العادة ببيعه وزنا لم يجز بيعه كيلا إلا لمن عرف ما في الويبة مثلا من الأرطال وكذلك جرت العادة ببيعه بالعد الدنانير والدراهم بافريقية لم يجز أن يباع وزنا وما جرت العادة ببيعه مذارعة فلا يباع على غير ذلك خوفا من الجهل المؤدي إلى فساد البيع ثم قال (الطريق الرابع) الوصف وهو عندنا يقوم مقام الرؤية في جواز البيع خلافا للشافعي بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ولا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها وذلك دليل على أن

الجزء: 3 - الصفحة: 19

الوصف يقوم مقام النظر وأنه غائب تتعذر رؤيته وقت البيع فوجب أن يجتزى فيه بالوصف قياسًا على السلم اهـ وإليه أشار الناظم بقوله (وبيع ملك غاب جاز بالصفة ... أو رؤية تقدمت أو معرفة) يعني أنه يجوز بيع الملك الغائب غيبة غير بعيدة جدًا على الصفة الكاشفة لا حواله كان يقال في وصف الأرض بعد ذكر حدودها هي ذات عين أو بئر أو قريبة من الماء أو بعيدة مستوية أو غير مستوية فيها حجارة أو لا ترتبها كذا الذي لا يصلح للحراثة منها نباته كذا قريبة من العمارة أو لا مساحتها كذا جيرانها قبيلة كذا وفي وصف الدار بعد ذكر حدودها كذلك مساحتها كذا وبناؤها بكذا وعرض حيطانها كذا في حومة كذا وبها بئر أو ماجن أو هما معا عدد بيوتها كذا كل بيت من بيوتها يوصف بانفراد، يفتح بابها إلى جهة كذا في شارع أو في زندقة نافذة أو غير نافذة وارتفاعها كذا وقناة مرحاضها يمر على كذا مصبه في جهة كذا وأبوابها من خشب كذا وسقوف بيوتها من كذا وإن كان لها علو ونحوه من المرافق يوصف وأن كان المبيع حيوانًا فإنه يذكر نوعه ولونه وسنه وقامته إلى غير ذلك حتى يؤتى على جميع الأوصاف التي تختلف بها أغراض العباد في تلك البلاد كالسلم لأنه مقيس عليه كما مر وكذلك يجوز بيع الغائب إذا تقدمت للمشتري رؤيته قبل عقد البيع بحيث لا يتغير بعدها أو معرفته بغير الرؤية كما إذا كان يدرك بالشم أو الذوق كالمسك والعنبر والسمن والعسل ونحوها فقوله أو معرفه من عطف الأعم على الأخص ويجوز في بيع الغائب اشتراط النقد على المشهور إذا وصفه غير بائعه أما إذا وصفه البائع فإنه لا يجوز معه اشتراط النقد ربعا كان المبيع أو غيره أما إذا نقده المشتري تطوعا فإنه جائز وضمانه إذا هلك من المشتري بنفس العقد إذا أدركه البيع سالمًا على مذهب الجمهور قال (والأجنبي جائز منه الشرا ... ملتزم العهدة فيما يشتري) يجوز في لفظ الشراء احتمالان الأول يكون على بابه فيصير المعنى يجوز الشراء لأجنبي

الجزء: 3 - الصفحة: 20

إذا كان المشتري ملتزمًا عهدة العيب والاستحقاق على نفسه لا على البائع لعدم رضى من اشترى له بإتباع ذمته خوفًا من لدده أو من عدمه أو كان ذا شوكة إلى غير ذلك وعيله فمن بمعنى اللام (والاحتمال) الثاني أن يكون الشراء بمعنى البيع كما تقدم في أول الباب والمعنى أنه يجوز من الأجنبي بيع دار مثلا ليست له ملتزمًا ضمان ما يطرأ على المبيع من عيب أو استحقاق على نفسه لا على المالك لعدم رضى المشتري الذي باع له الدار بإتباع ذمة من باع عليه لما تقدم والله أعلم (فرع) سئل ابن مرزوق عمن اشترى أرضا بيضاء من بعض الورثة والتزموا له عقبى كل درك يلحق المشتري بفتح الراء ونص الرسم أن قام عليهم أحمد فاستحق الأرض المذكورة في الرسم فيعطيه عوضًا عنها أرضًا معينة له ووقع البيع على ذلك فصار المشتري يستغل الأرض المذكورة على عين البائع وبعض الورثة مدة من ثلاثين سنة ثم قام الآن بعض الورثة ممن لم يبع يطلب الشفعة في البيع فهل له ذلك أم لا (فأجاب) البيع على الوجه المذكور فاسد وإن لم يفت المبيع المذكور فسخ البيع وبقيت الأرض لأصحابها ورد الثمن للمشتري فإن فاتت بغرس أو بناء أو نحوه لزم المشتري قيمتها يوم قبضها وأخذ الثمن فإن استحقت من يد المشتري فللمستحق أخذها بعد دفع قيمة العمارة قائمة إن لم يكن المشتري عالمًا به وإلا فهو كالغاصب وطالب الشفعة إن كان غائبًا في المدة المذكورة فله ذلك وإن كان حاضرًا بعد الفوات مدة يسقط السكوت فيها الشفعة فلا شفعة والله أعلم اهـ معيار (تنبيه) إذا وجد في المبيع عيب يرد به أو استحق ووقع الرجوع على الأجنبي الملتزم فإنه يرجع على المالك في الصورتين اللتين يحتملهما كلام الناظم (وقوله) والأجنبي مبتدأ أول والشراء مبتدأ ثان وجائز خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر المبتدأ الأول والرابط بينهما الضمير المجرور بمن وملتزم بالنصب على الحال من الأجنبي ويشترى مبني للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على ما الواقعة على المبيع.
ولما فرغ من الكلام على القسم الأول من أقسام البيوع شرع يتكلم على القسم الثاني فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 21

فصل في بيع العروض

بضم العين جمع عرضها بفتحها والعرض في اللغة يطلق على خلاف الطول قال الله تعلى وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ويطلق على المتاع ففي المصباح قالوا والدراهم والدنانير عين وما سواها عرض والجمع عروض مثل فلس وفلوس وقال أبو عبيدة العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيوانًا ولا عقارًا اهـ وفي نظم مثلثات العرب.
وسعة خلاف طول عرض ... وما سوى النقدين أما العرض فحسب وجسد والعرض ... ناحية وقيل وسط النهر فالأول مفتوح العين والثاني مكسورها والثالث مضمومها على عادته في هذا النظم وقوله وجسد على حذف مضاف أي رائحة جسد (وفي اصطلاح) الفقهاء هو ما عدا العين والطعام من الأشياء كلها وقد يلطقونها حتى على الطعام كما في ابن رحال ولا مانع من موافقة اللغة للاصطلاح ومراد الناظم بالعروض هنا ما عدا الأقسام الخمسة التي ذكرها في قوله ما يستجاز بيعه أقسام الخ بدليل بيانها بقوله (من الثياب وسائر السلع) التي لا تحصى أجناسها كثرة ثم شرع في بيان أحكامها فقال (بيع العروض بالعروض أن قصد ... تعاوض وحكمه بعد يرد) يعني أن بيع العرض بالعرض إذا أريد فإنه يسمى عند الفقهاء معاوضة وهذا الاسم غير مختص ببيع العرض بالعرض بل هو فرد من أفراد المعاوضة لأنها تطلق على بيع الأصل بالأصل والحيوان والحيوان وغيرهما بدليل قوله في فصل المعاوضة يجوز عقد البيع بالتعويض ... في جملة الأصول والعروض وجائز في الحيوان كله ... تعاوض وإن يكن بمثله فما درج عليه الناظم هنا نوع من أنواعها كما علمت وقوله وحكمه بعد يرد أي حكم

الجزء: 3 - الصفحة: 22

بيع المعاوضة فيه تفصيل يأتي بعد هذا البيت متصلًا به وحاصل صوره الآتية بين منطوق ومفهوم اثنتا عشرة صورة لأن العرض بالعرض أما يدا بيد وإما أن يتأخر أحدهما وإما أن يتأخرا معا فهذه ثلاث صور وفي كل واحدة منها إما أن يكون عرضا بعرض أو أكثر فهاته ست صور وفي كل من الصور الست إما أن يباع بجنسه أو بغير جنسه فهاتان صورتان يضربان في الستة ويحصل المطلوب وهو الاثنتا عشرة صورة أشار الناظم إلى أربعة بقوله (فإن يكن مبيعها يدا بيد ... فإن ذاك جائز كيف انعقد) يعني أن بيع العرض بالعرض إذا وقع على تعجيل العرضين فهو جائز مطلقا سواء بيع الجنس بجنسه واحد بواحد أو واحدا بأكثر فهاتان صورتان أو بيع الجنس بغير جنسه واحد بواحد أو واحد بأكثر أيضا فهاتان صورتان أخريان وإلى هذا الإطلاق أشار الناظم بقوله كيف انعقد ثم أشار إلى مفهوم قوله يدا بيد فقال (وإن يكن مؤجلًا وتختلف ... أجناسه فما تفاضل أنف) يعني أن عقد المعاوضة إذا وقع على تأخير أحد العرضين المختلفين بالجنس كبيع سرج بثوبين إلى أجل لا يمنع هذا معنى قوله فما تفاضل أنف وأجرى في الجواز صورة عدم التفاضل كواحد بواحد فهاتان صورتان وقوله فما الخ ما نافيه وتفاضل أي زيادة وانف بضم أوله أي منع وأشار إلى مفهوم يدا بيد أيضا مع مفهوم قوله وتختلف أجناسه فقال (والجنس من ذاك بجنس لا مد ... ممتنع فيه تفاضل فقد يعني أن العرض إذا أريد بيعه بجنسه على تأخير أحدهما وقبض الآخر فإنه يمتنع فيه التفاضل فقط هذا معنى قوله فقد وذلك كثوب حرير مثلا معجل بثوبين منه إلى أجل لأنه سلف بمنفعة وهو ممنوع وعكسه كبيع ثوبين من كتاب بثوب منه إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 23

أجل لأنه ضمان بجعل فإن من دفع كثيرا ثم يأخذ أقل منه فقد ترك بعض ما دفع في مقابلة ذلك القليل في ضمان مشتريه إلى أجل والضمان إذا وقع يجعل ممنوع دون التماثل ووجه جوازه أنه سلف خالص لأنه أخذ مثل ما أعطى فهاتان صورتان يضمان إلى ما قبلهما يحصل بهما ثمان صور ويشمل مفهوم قوله يدا بيد أيضا أربع صور وهي بيع العرض بالعرض على تأخيرهما معا وهو ممنوع لابتداء الدين بالدين وسواء كانا من جنس واحد أو من جنسين وسواء وقع بينهما تفاضل أم لا فهذه أربع صور من ضرف اثنتين في اثنتين فإذا جمعت مع الثمانية المتقدمة كان الحاصل اثنتي عشرة صورة وهو المطلوب ثم استثنى من منع التفاضل في الجنس الواحد إذا كان لأجل الجنس الذي اختلفت منافع إفراده فقال (إلا إذا تختلف المنافع) فإنه غير ممتنع بل هو جائز كبيع سيف قاطع بسيفين دونه إلى أجل لأن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد كالجنسين والجنسان يجوز التفاضل بينهما كما مر وكما سيأتي في السلم وقوله (وما لبيع قبل قبض مانع) يعني أن من اشترى عرضا فإنه يجوز له أن يبيعه قبل قبضه وقبل أجله بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر أو بما شئت من الأثمان والآجال من غير بائعك وليس هو كالطعام في منع بيعه قبل قبضه إلا طعام العرض فإنه يجوز بيعه قبل قبضه كما يأتي وأما بيعه للبائع ففيه تفصيل أشار إليه الشيخ في الرسالة بقوله وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا أو إلى جل دون الأجل الأول ولا بأكثر منه إلى أبعد من أجله وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة اه وستأتي هاته المسألة في الإقالة بأبسط من هذا عند قول الناظم ولا يقال حيث لم يأت أجل الأبيات الثلاثة ثم قال الناظم

الجزء: 3 - الصفحة: 24

(وبيع كل جائز بالمال ... على الحلول أو إلى الأجال) يعني أنه يجوز بيع العروض كلها بالذهب والفضة على الحلول أو إلى أجل معين غير بعيدا جدا كما تقدم قال (ومن يقلب ما يفيت شكله ... لم يضمن إلا حيث لم يؤذن له) يعني إن من أخذ إناء من فخار أو زجاج ونحوهما أو دابة للتقليب فقط الإناء من يده فانكسر أو ماتت الدابة وقت الركوب من غير تفريط ولا عمد فلا ضمان عليه في ذلك حيث كان الأخذ بإذن المالك وإن أخذ ذلك بغير إذنه فقط الإناء وانكسر أو ماتت الدابة أو انكسرت أو تعيبت ضمن كما لو وقع الإناء من يده على إناء ءاخر فانكسر الأسفل فإنه يضمن أذن له في تقليب ما أخذه أو لم يؤذن له لأنه ولو كان خطأ فهو كالعمد في الضمان دون الإثم وقوله يفيت بضم أوله من أفات الرباعي وفاعله ضمير يعود على التقليب المفهوم من يقلب وشكله مفعول به ومعنى الإفاتة الإعدام قال (والبيع جائز على أن ينتقد ... في موضع ءاخر إن حد الأمد) يعني أنه يجوز البيع على شرط أن يدفع المشتري للبائع الثمن في موضع كذا غير الموضع الذي وقع فيه البيع إذا جعلا لذلك أجلا معلوما سيما البلد أولا فإن لم يضربا لذلك أجلا لم يجز سميا البلد أولا وقوله ينتقد بالبناء للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على الثمن المفهوم من البيع قال (وبيع ما يجهل ذاتا بالرضى ... بالثمن البخس أو العالي مضى) يعني أن المبيع إذا جهل اسمه المختص به الدال على حقيقته وسمي باسمه العام الذي يطلق عليه على وجه العموم مع العلم بشخصه كان يبيع إنسان أو يشتري حجرا معينا برخص ثم يتبين أنه ياقوتة مثلا فإنه يكون للمشتري لأنه يسمى حجرا ولا كلام للبائع عليه لتفريطه بعدم التثبت على المشهور وأولى إن لم يسمعه أصلا ولا فرق بين

الجزء: 3 - الصفحة: 25

حصول الجهل بالمعنى المذكور من المتبائعين أو من أحدهما مع علم الآخر كما يفيده نقل الحطاب فإن لم يكن المعقود عليه معلوما بشخصه كان البيع فاسدا من أصله أن كان على البت لأن من شرط المعقود عليه أن يكون معلوما كما مر وقوله يجهل بضم أوله وفتح ما قبل آخره مبني للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على ما الواقعة على المبيع وذاتا منصوب على التمييز المحول عن نائب الفاعل والتقدير تجهل ذاته ثم أشار إلى حكم بيع ما يسمى بغير اسمه لا من جهة العموم ولا من جهة الخصوص فقال (وما يباع إنه ياقوته ... أو أنه زجاجة منحوته) (ويظهر العكس بكل منهما ... جاز به قيام من تظلما) يعني أن المبيع إذا سمي بغير اسمه كقول الرجل لآخر أبيعك هذه الياقوتة مثلا فتظهر زجاجة أو أبيعك هذه الزجاجة فتظهر ياقوته ولم يعلم بها البائع إلا بعد البيع فإن المشتري لا يلزمه الشراء في الأولى لأن البائع أما مدلس أن كتمه أو ظهر بالمبيع عيب ولا يلزم البائع البيع في الثانية (قال) الزرقاني نقلا عن السنهوري والفرق أن التسمية بغير اسمه مظنة الجهل فكان له الرج بل كان القياس أن لا يصح البيع، وأما التسمية باسمه العام فمظنة معرفته فلم تقبل دعواه خلافها إذ هو خلاف الغالب اه.
(وقوله) جاز به قيام الخ أي جاز بسبب ظهور العكس قيام من تشكي منهما أنه مظلوم فإن ادعى عليه العلم فعليه اليمين ثم شرع يتكلم على القسم الثالث فقال

فصل في حكم بيع الطعام

يعني بالطعام إما بيعه بغيره فهو جائز حالا أو إلى أجل ما لم يبع قبل قبضه كما يأتي قريبا.
واعلم أن مسائل هذا الفصل وإن انتشرت وتشعبت في غير هذا فمبناها على قاعدتين وجوب المماثلة والمنجزة مع اتحاد الجنس ووجوب المناجزة فقط مع اختلاف الجنس فالقمح والشعير والسلت الثلاثة جنس واحد على المشهور والتمر

الجزء: 3 - الصفحة: 26

والزبيب والسكر والبيض والسمن والألبان والخلول ولحوم الطير ودواب الماء ولحوم ذوات الأربع وإن وحشيا والفول والحمص واللوبيا والعدس والجلبانة والترمس والبسلة وتعرف بالمستورة عند قوم وبالقطانية الصفراء عند ءاخرين والعلس والأرز والدخن والذرة وهو الدرع أجناس وذو الزيت والزيوت والعسول أجناس ومصلح الطعام كملح وبصل وثوم وكزبرة وهي المعرةفة بالتأبل وكروياء وكمونين وحبة حلاوة وبسباس أجناس حكمها حكم الطعام فيما يحل ويحرم فهذه كلها لا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منها حالا أو إلى أجل وأما التفاضل بين الجنين فجائز إذا كان يدا بيد فالاتفاق في الجنس الواحد يدخله ربي الفضل والنساء والاختلاف بين الجنسين يدخله ربي النساء ولا يدخله ربي الفضل وأما الزعفران والخضر والفواكه كخوخ ومشمش وتفاح وعناب ورمان وبطيخ وقثاء وفستق وبندق ولوز وموز ونحوها فيجوز التفاضل ولو في الجنس الواحد منه يدا بيد والحاصل إنه إذا بيع طعام بطعم وكانا ربويين فإن اتحد جنسهم حرم فيهما التفاضل هو الزيادة والنساء وهو التأخير ولا يجوز بيع الجنس الواحد منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد وإن اختلف جنسهما حرم النساء فقط وأما التفاضل بينهما فهو جائز وإن كان الجنسان غير ربويين كالخضر والفوامه فاز الفضل ولو في الجنس الواحد منه كرطل من تفاح برطلين منه يدا بيد جائز ولا يجوز فيه النساء إذا علمت هذا سهل عليك فهم قول الناظم (البيع للطعام بالطعام ... دون تناجز من الحرام) يعني أن بيع الطعام بالطعام إذا كان فيه تأخير فإنه لا يجوز سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه وسواء كان ربويا أو غير ربوي أو أحدهما ربوي والآخر غير ربوي (فرع) قال بعض الفاسيين يستثنى من ذلك هبة الثواب فإنه يجوز فيها التأخير وفي ابن العربي جواز الربا مطلقا في هبة الثواب ذكره عند قول الله تعالى الذين يأكلون الربا ثم قال

الجزء: 3 - الصفحة: 27

(والبيع للصنف بصنفه ورد ... مثلا بمثل مقتضى يدا بيد) يعني أنه يجوز بيع طعام بطعام من جنسه مثلا بمثل يدا بيد لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هاته الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ومفهوم قوله بصنفه أنه مع اختلاف صنفه يجوز وهو معنى قوله الآتي وفي اختلاف الجنس بالإطلاق البيت ومفهوم قوله مثلا بمثل أنه يمنه فيه التفاضل وهو معنى قوله الآتي أيضا والجنس بالجنس تفاضلا منع الخ قال (والبيع للطعام قل القبض ... ممتنع ما لم يكن من قرض) يعني أن من اشترى طعاما ربويا أو غير ربوي على كيل أو وزن أن عدد لا يجوز له أن يبيعه قبل قبضه ولا المواعدة فيه فإذا وقع كان فاسدا تجري عليه أحكام البيع الفاسد أما إذا لم يشتره بأن اقترضه أو وهب له أو تصدق به عليه فإنه يجوز له بيعه قبل قبضه ممن اقترضه منه أو من الذي أعطاه إياه وحيث جاز البيع قبل القبض فيما ذكر فلا بد من تعجيل الثمن سواء باعه للمتبرع أو لأجنبي لئلا يؤدي إلى فسخ دين في دين أو بيع دين بدين (قال) الشيخ في الرسالة ومن ابتاع طعاما فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد بخلاف الجزاف وكذلك كل طعام أو أدام أو شراب إلا الماء وحده وما يكون من الأدوية والزراريع التي لا يعتصر منها زيت فلا يدخل ذلك فيما يحل ويحرم من بيع الطعام قبل قبضه أو التفاضل في الجنس الواحد منه ولا بأس ببيع طعام القرض قبل أن يستوفيه ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه اه (قال) الشيخ مياره ذكر الناظم هذا البيت خلال بيع الطعام بالطعام وما كان ينبغي له ذلك فلو قدمه أو أخره لكان أولى اه ثم رجع الناظم لإتمام بقية أقسام بيع الطعام مشيرا إلى مفهوم قوله مثلا بمثل كما مر في شرح البيت الثاني من أبيات الفصل فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 28

(والجنس بالجنس تفاضلا منع ... حيث اقتياة وادخار يجتمع) يعني أن الجنس إذا بيع بجنسه كقمح بقمح أو تمر بتمر على التفاضل وإن كان أحدهما أحسن من الآخر فإنه لا يجوز لاجتماع الاقتاة والادخار فيه اللذين هما علة الربى في الطعام والمراد بالاقتياة كونه للمعيشة التي تلزم الإنسان لا مطلق الأكل والإدخار هو أن يحبس مدة ستة أشهر فأكثر ولا يفسد ثم أشار إلى الجنس الذي اختل فيه القيدان وهما الاقتياة والادخار أو أحدهما فقال (وغير مقتاة ولا مدخر ... يجوز مع تفاضل كالخضر) يعني أن الطعام إذا كان غير ربوي وهو ما اختل فيه القيدان المذكوران أو أحدهما فإنه يجوز بيعه متفاضلا اتحد جنسه أو لا لكن مع التناجز كما مر وذلك كالخضر والبطيخ والمشمش ونحوها مما ليس بمقتاة ولا مدخر أو كان مقتاة غير مدخر كاللفت أو مدخرا غير مقتاة كاللوز والجوز ثم أشار إلى مفهوم قوله والبيع للصنف بصنفه الخ كما وقع التنبيه عليه سابقا فقال (وفي اختلاف الجنس بالإطلاق ... جاز مع الإنجاز باتفاق) يعني أن الجنس إذا بيع بغير جنسه فإن التفاضل بينهما جائز مطلقا سواء كان الجنسان ربويين أو غير ربويين أو أحدهما ربوي والآخر غير ربوي بشرط التناجز كما هو الموضوع وإنما ذكره زيادة بيان لأنه تقدم منع التأخير مطلقا قال (وبيع معلوم بما قد جهلا ... من جنسه تزابن لن يقبلا) يعني أن ما كان معلوم القدر بوزن أو كيل أو عدد لا يجوز بيعه بشيء من جنسه مجهول القدر كما لا يجوز بيع جزاف من حب بجزاف حب من جنسه لأنه من بيع المزابنة وهو غير مقبول عند العلماء لما في صحيح مسلم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة وهي بيع العنب بالزبيب كيلا اه والمزابنة من الزبن وهو الدفع

الجزء: 3 - الصفحة: 29

لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه ويغالبه واحترز بقوله من جنسه عن بيع جنس بجنس آخر فلا شك في جوازه بشرط المناجزة إذ لا مزابنة بين الجنسين لقوله صلى الله عليه وسلم فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ثم قام يتكلم على القسم الرابع المشتمل على بقية الربويات لقول صاحب المختصر وحرم في نقد وطعام ربي فضل ونساء فقال

فصل في بيع النقدين والحلي وشبهه

أي هذا فصل في بيع الذهب والفضة وما صيغ منهما والمحلى بهما وتعريف الصرف والمراطلة والمبادلة وشروطها وبدا بالصرف فقال (والصرف أخذ فضة في ذهب ... أو عكسه فما تفاضل ابي) (والجنس بالجنس هو المراطله ... بالوزن أو بالعد فالمبادلة) (والشرط في الصرف تناجز فقط ... ومعه المثل بثان يشترط) يعني أن بيع أحد النقدين بالآخر كبيع ذهب بفضة وبالعكس يسمى صرفا ويجوز فيه التفاضل وإليه الإشارة بقوله وما تفاضل أبي أي لا يمنع التفاضل في بيع أحدهما بالآخر بشرط المناجزة كما قال والشرط في الصرف تناجز فقط أما إذا بيع أحد النقدين بجنسه كذهب بذهب وفضة بفضة فإن كان بالوزن سمي مراطلة فيشمل الحلي والمسكوم وغيرهما وإن كان بالعدد سمي مبادلة ويشترط في جوازهما شرطان أحدهما التماثل فلا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة متفاضلا إلا مثل بمثل كما تقدم وثانيهما التناجز فلا يجوز في ذلك التأخير وأشار الناظم إلى هذين الشرطين بقوله ومعه المثل بثان يشترط أي ويشترط مع التناجز التماثل في القسم الثاني الذي هو بيع الجنس بجنسه فضمير معه يعود على التناجز وباء بثان بمعنى في (تنبيه) الحل المذكور

الجزء: 3 - الصفحة: 30

في الترجمة داخل في ضمن المراطلة وعليه فلا يقال ترجم لشيء ولم يذكره (فائدة) ماسك من النحاس ونحوه كالفلوس هل يجري مجرى العين فيما يحل ويحرم لأنه صار ثمنا يتعامل به كما يتعامل بالنقدين أو يجري مجرى العرض الذي هو أصله فيباع متفاضلا وإلى أجل في ذلك قولان مبنيان على الخلاف في علة الربي في النقود فقيل غلبة الثمينة وقيل مطلق الثمينة فعلى الأول تخرج الفلوس فلا تكون ربوية وعلى الثاني فلا تخرج وتكون ربوية قال الشيخ الأمير المعتمد فيبيعها إلى أجل الكراهة والله أعلم قال الناظم.
(وبيع ما حلى مما اتخذا ... بغير جنسه بنقد نفذا) (وكل ما الفضة فيه والذهب ... فالبعروض البيع إذ ذاك وججب) يعني أن المجلي بأحد النقدين إذا ككان اتخاذه جائرا كالسيف للرجل والثوب للمرأة والمصحف لهما فإنه يجوز بيعه بغير جنس حليته فإذا حلي بذهب جاز بيعه بفضة وإذا حلي بفضة جاز بيعه بذهب بشرط تعجيل الثمن أما إذا بيع بالعرض فإنه يجوز بيعه نقدا أو إلى أجل كما مر وفهم من قوله مما اتخذا أن ما لا يجوز اتخاذه كالمنطقة للرجل وتحلية مكحلة كحل المرأة وتحلية كرسي أو سرير لرجل أو امرأة لا يجوز بيعه وهو كذلك إلا لمن ينزع منه ذلك ليسكبه وفهم من قوله بغير جنسه أن بيعه بجتس الحلية لا يجوز وهو كذلك إلا إذا كانت الحلية غير مقصودة بان كانت تابعة للمحلي فإنه يجوز بيعه مع تعجيل الثمن أما الحلي المركب من الذهب والفضة فلا يباع إلا بالعروض كالشيء المحلي بهما معا فإنه لا يباع إلا بالعروض ونحوها ما لم يكن مجموعهما تبعا للجوهر وإلا جاز بيعه بأحد النقدين حالا هذا كله إذا كانت الحلية مسمرة أو منسوجة يكون في نزعها فساد أما إذا كانت غير مسمرة ولا منسوجة فإن كانت في عقد جوهر أو عنبر مثلا فإن تلك القطع تنزع ويباع كل واحد بما يجوز بيعه به وألف اتخذا ونفذا بتشديد الفاء المبنيين للنائب للإطلاق ونائب فاعل اتخذا ضمير

الجزء: 3 - الصفحة: 31

يعود على ما حلي ونائب فاعل ننفذ ضمير يعود على قوله وبيع ومعنى نفذ مضى وبعبارة أخرى إن ما حلي بأحد النقدين يجوز بيع بشروط ثلاثة أن يكون اتخاذه جائزا وأن يباع بغير جنس الحلية وأن يكون بالنقد والحلول ثم شرع في بيان القسم الخامس فقال

فصل في بيع الثمار وما يلحق بها

أي بالثمار والذي يلحق بها هو المقائي والخضر ونحوهما مما سيذكر وقوله (بيع الثمار والمقاثي والخضر .. بدو الصلاح فيه شرط معتبر) يعني أنه يشترط بدو الصلاح في جواز بيع الثمار كالتمر والزبيب والتفاح والحبوب كالقمح والفول والزيتون والمقاثي كالبطيخ والفقوس والخضر والبقول والنوار كالورد والياسمين إذا أريد بيعها جزافا بالخرص على رؤوس الشجر أو في فدادينها وأحواضها على أن تؤخذ دفعة واحدة أو شيئا فشيئا فإذا بدا صلاحهما جاز بيعها وإلا فلا، وبدو الصلاح في البلح اصفراره أو احمراره ويقوم مقام اللون ظهور الحلاوة في البلح الخضراوي وفي العنب ونحوه ظهور الحلاوة ولو في نخلة واحدة أو شجرة واحدة ما لم تكن باكورة جدا بحيث تنقطع ثمرتها قبل بدو صلاح جنسها فإن كانت كذلك يبعث بانفرادها وبدو الصلاح في القمح ونحوه التهيؤ لليبس وفي الزيتون تلون لونه للسواد أو صلاحيته للتلميح كالزيتون الذي لا زيت فيه وفي البطيخ الاصفرار وفي نحو الفقوس صلاحيته للأكل وفي الخضر والبقول استقلال ورقها وكمالها بحيث يحصل الانتفاع بها إذا أخذت من أحواضها وسيأتي هذا عند قول الناظم وغائب في الأرض لا يباع البيت وفي النور ظهور انفتاحه فإذا كان المبيع يطرح بطونا فإن كانت لا تتميز كالياسمين والمقاثي كافقوس فللمشتري جميع البطون ولو لم يشترط ذلك لأنه لا يجوز شراء ما تطرحه المقثاة مدة كنصف شهر لعدم ضبط ذلك وسيأتي هذا

الجزء: 3 - الصفحة: 32

عند قوله ولا يجوز في الثمار الأجل البيت وأما ما تتميز بطونه بأن تتقطع البطن ثم تخلفها أخرى كالتفاخ فحكمه أن تباع كل بطن بانفرادها ولا يكفي في جواز بيع البطن الثانية بدو صلاح البطن الأولى لوجود الانفصال وقوله بضم أوله وسكون الثاني ثم صرح بمفهوم الشرط فقال (وحيث لم يبد صلاحها امتنع ... ما لم يكن بالشرط للقطع وقع) يعني أن الثمار والحبوب والمقاثي والخضر وما ذكر معها إذا لم يظهر سلاحها امتنع بيعها إلا مع أصلها أو ألحقت به كما تقدم أو على شرط أن تقطع في الحال أو قريبا منه بحيث لا تدخر إلى الزمان الذي تزيد فيه فيجوز البيع ويقع لاكن بشروط ثلاثة (الأول) أن ينتفع بها في الحين كالحصرم والفول الأخضر والبلح الحلو والقصيل (الثاني) أن تدعو إليه حاجة المتبائعين أو أحدهما (الثالث) أن لا يتفق أهل البلد على القطع لأنه من أعظم المفاسد فإذا اشترط بقاؤها أو وقع الإطلاق من غير بيان جذها ولا تبقيتها فلا يصح بيعها وضمان الثمرة من البائع ما دامت لم تجذ فإن جذها المشتري رطبا رد قيمتها وإذا جذها تمرا رده بعينه إن كان باقيا وإلا رد مثله أن علم وإلا رد قيمته هذا إذا اشتراها على التبقية وإذا اشتراها على الإطلاق فإنه إذا جذها يمضي بالثممن على قاعدة المختلف فيه قاله البناني وقول الناظم امتنع ووقع مبنيان للفاعل وضميرهما يعود على البيع ثم قال (وخلقة القصيل ملكها حري ... لبائع إلا بشرط المشتري) يعني أن من باع قصيلا وأن بطعام أو إلى أجل لا يتحبب فيه وقت الجذ أو لرعي غنم وخلف خلفة بعد ذلك فإنها تكون للبائع ولا حق للمشتري فيها وإنما له الجذة الأولى إلا أن يشترطها المشتري فتكون له بشروط أربعة أن تكون مأمونة الربي بسقو بغير مطر وأن يشترط جميعها وأن لا يشترط ترك الأصل حتى يحبب وأن يبلغ الأصل حين الشراء حد الانتفاع به.
تنبيهان (الأول) إذا ترك الفصيل حتى

الجزء: 3 - الصفحة: 33

حبب فإن العقد لا يفسخ على ما ارتضاه ابن يونس إذا آخره صاحبه للاستغلال اه مواق (الثاني) من باع قصب فول ثم نزل عليه المطر واخضر واخرج الحب فإن غلته تكون للبائع والبيع في هذه ينفسخ ويرد الثمن للمشتري إن قبضه كذا في نوازل البيوع من المعيار قال (ولا يجوز في الثمار الأجل ... إلا بما إثماره متصل) يعني أن الثمار والمقاثي ونحوها لا يجوز بيعها إلى أجل كان يبيع ما تطعمه المقثاة شهر أو يبيع ما يؤكل رطبا من التمر أو التين عشرة أيام لاختلاف أحوالها كثرة وقلة إلا الثمر الذي لا ينقطع عن أشجاره كالموز فلا بد فيه من ضرب الأجل لاستمرار إطعامه السنين العديدة قال (وغائب في الأرض لا يباع ... إلا إذا يحصل الانتفاع) يعني أنه لا يجوز بيع الخضر والبقول الغائبة في الأرض كالجزر أس السفنارية والبصل والثوم والفجل واللفت ونحوها إلا إذا يحصل الانتفاع بها فإنه يجوز وهذا هو بدو صلاحهما كما مر قال (وجائز في ذاك أن يستثنى ... أكثر من نصف له أو أدنى) (ودون ثلث أن يكن ما استثنى ... بعدد أو كيل أو بوزن) يعني يجوز لمن باع ثمارا وما ذكر معه أن يستثني جزءا شائعا منه قليلا كان أو كثيرا أما إذا كان ما اسثناه كيلا أو وزنا أو عددا فإن كان دون الثلث جاز وإلا فلا وظاهر النظم أن قدر الثلث من الكثير فلا يجوز استثناؤه وليس كذلك بل هو من القليل الذي يجوز استثناؤه ولا فرق في جواز الثلث فأقل بين أن تكون الثمرة بسرا أو رطبا أو تمرا وقوله يستثنى بفتح أوله فيه ضمير يعود على البائع وضمير استثنى بضم التاء يعود على ما الموصولة الواقعة على الثمار قال

الجزء: 3 - الصفحة: 34

(وإن يكن لثمرات عينا ... فمطلقا يسوغ ما تعينا) يعني أن البائع يجوز له أن يستثنس ثمر شجرات بأعيانها من جنانه مطلقا قلت ثمرتها أو كثرت فإن لم يعين شجرا جاز أيضا بشرط أن يكون ما يختاره من الشجر فيه قدر الثلث كيلا وألف علينا وتعينا المبنيين للفاعل للأطلاق قال (وفي عصير الكرم يشتري بالذهب ... أو فضة أخذ الطعم يجتنب) يعني أن من باع عصير عنه بذهب أو فضة مثلا إلى أجل فلا يجوز له أن يأخذ عن ثمنه طعاما والحق به لما في ذلك من أخذ الطعام عن ثمن الطعام وهو ممنوع اتفاقا وإنما كان كذلك نظرا إلى لغو الثمن وعدم اعتباره سدا للذرائع كمسئلة بيوع الآجال المتقدمة المبنية على لغو الوسط ومحل المنع إذا لم يكن الذي أخذه مثل الذي باعه به في القدر والصفة وإلا جاز ويكون من قبيل الإقالة ولا مفهوم لقوله عصير الكرم بل كل طعام والحق به أو شراب كذلك لا يجوز أن يؤخذ عن ثمنه طعام أو أدام أو خضر ونحوها لا قبل الأجل ولا بعده ولهذا جاز أخذ الماء عنه لأنه ليس بربوي ثم قال

فصل في الجائحة في ذلك

أي في الثمار وما الحق به وقد تعرض الناظم إلى تعريفها والأمور التي تحصل بها والقدر الذي يكون جائحة حتى يوضع عن المشتري فقال (وكل ما لا يستطاع الدفع له ... جائحة مثل الرياح المرسلة) (والجيش معدود من الجوائح .... كفتنة وكالعدو الكاشح) يعني أن الجائحة عبارة عن كل ما لا يستطاع رده كالرياح الشديدة والجيش يمر بالنخل ونحوه والفتنة بين أهل القرى ونحوهم والعدو الكاشح أي المضمر للعداوة يمنع المشتري من الوصول إليها والمطر الغالب والثلج والبرد بفتح الراء المعروف

الجزء: 3 - الصفحة: 35

بالحجر والسموم بشدة الحر أو الجليد والنار والغرق والدود وتعفن الثمرة في الشجرة بالمن والجراد والعطش ونحوها من كل ما لا قدرة للإنسان على رده وفهم منه أن ما يستطاع دفعه كالسارق ليس بجائحة وهو كذلك على المشهور ثم أشار إلى بيان القدر الذي يكون جائحة على تفصيل فيه فقال (فإن يكن من عطش ما اتفقا ... فالوضع للثمن فيه مطلقا) (وإن يكن من غيره ففي الثمر ... ما بلغ الثلث فاعلي المعتبر) (وفي البقول الوضع في الكثير ... وفي الذي قل على المشهور) (والحقوا نوع المقاثي بالثمر ... هنا وما كالياسمين والجزر) (والقصب الحلو به قولان ... كورق التوت هما سيان) الأبيات الخمس يعني أن الجائحة إذا كانت من عطش بسبب انقطاع الماء رجع المشتري بها على البائع مطلقا قليلا كان المجاح أو كثيرا في الثمار وغيرها وإن كانت من غير العطش ففي الثمار وما الحق بها مما ذكره الناظم في البيت الرابع وكذلك المقاثي من بطيخ وفقوس وباذنجان ونحوها جائحته قدر الثلث فأكثر فيوضع عن المشتري قدره وفي البقول كاللفت والسلق والبصل ونحوها يوضع عن المشتري ما أصابته الجائحة قليلا كان أو كثيرا وفي قصب السكر وورق التوت خلاف قيل يلحقان بالثمار فلا جائحة فيهما إلا إذا بلغ المجاح الثلث فأكثر وقيل يلحقان بالبقول فيوضع عن المشتري ما أحبيح قل أو كثر فهما قولان متساويات يرجح أحدهما على الآخر العرف عند أصحاب الأجنات والمزارع وفي قصب السكر قول ثالث وهو أن لا جائحة فيه وهو المشهور لأنه إنما يباع بعد طيبه بظهور الحلاوة.
وقوله في البيت الأول ما اتفقا أي الذي وقع ونزل من الجائحة والباء من به في البيت الآخير بمعنى في وقوله الثلث بكون اللام قال (وكلها البائع ضامن لها .... إن كان ما أجيح قبل اه انتها)

الجزء: 3 - الصفحة: 36

يعني أن الثمار وما ذكر معها كلها في ضمان بائعها فيرجع المشتري عليه بجائحتها إذا احبيحت قبل انتهاء طيبها ومفهومه أنا إذا احبيحت بعد انتهاء طيبها فلا يرجع المشتري على البائع بما احبيح لخروجه من ضمانه وإن لم يمض من الزمن ما يمكن قطعها فيه وفي هذا المفهوم أقوال وأبحاث يطول سردها والذي استظهره الزرقاني ومثله في الخرشي ورجح الرهوني أنها لا تدخل في ضمان المشتري إلا إذا مضى ما يمكن جذها فيه عادة والله أعلن ثم شرع في بيان القسم السادس من أقسام البيوع فقال

فصل في بيع الرقيق وسائر الحيوان

خصص الرقيق بالذكر وعطف بقية الحيوان عليه لأنه له أحكامه تخصه ولشرفه من حيث الإنسانية فلهذا قدمه الناظم عليها فقال (بيع الرقيق أصله السلامة ... وحيث لم تذكر فلا ملامه) (وهو مبيح للقيام عندما ... يوجد عيب بالنبيع قدما) يعني أن الأصل في بيع الرقيق السلامة من العيوب كلها ظاهرها وخفيها الآتي بيانها فإن وقع التنصيص في العقد على السلامة منها فالأمر واضح وللمشتري حينئذ أن يقوم بكل عيب قديم يجده فيه على التفصيل الآتي وإن لم يقع التنصيص على السلامة بأن لم تذكر في الرسم إما لعدم الشرط أو لغفلة الكاتب فإن ذلك لا يضر المشتري ولا ملامة عليه في عدم اشتراطها وله أن يقوم أيضا بكل عيب كذلك لأن البيع محمول عليها استصحابا للأصل وحمل قيام المشتري على البائع في صورة السكوت ما لم يشترط عليه البائع البراءة من العيوب وإلا فلا قيام له إلا أن يثبت علم البائع بالعيب حين العقد ولم يبينه له فله القيام عليه لأنه مدلس كما يأتي ذكره وقوله وهو الضمير يعود على بيع الرقيق الذي أصله السلامة وقوله قدما بضم الدال وألفه للإطلاق قال (والعيب أما ذو تعلق حصل ... ثبوته فيما يباع كالشلل)

الجزء: 3 - الصفحة: 37

(أو ما له تعلق لاكنه ... منتقل عنه كمثل الجنة) (أو بائن كالزوج والأباق .... فالرد في الجميع بالإطلاق) (إلا بأول بما منه ظهر .... لمن يكون بالعيوب ذا بصر) (والخلف في الخفي منه والحلف .... يلزم إلا مع تدين عرف) يعني أن عيوب الرقيق ترجع إلى ثلاثة أقسام (الأول) أن يكون العيب متعلقا به تعلقا ثبوتيا لا ينتقل عنه بحال كالشلل والقطع ونحوهما (والثاني) أن يكون متعلقا به لاكنه ينتقل عنه في بعض الأحيان كالجنون والبول في الفراش (والثالث) أن يكون بائنا عنه كالسرقة والاباق والتزوج ونحو ذلك فمن اشترى رقيقا فوجد به عيبا قديما من القسم الثاني أو الثالث فله الرد به إذا ثبت قدمه قبل العقد مطلقا كان المشتري عارفا بالعيوب أو غير عارف بها كما أن غير العارف له الرد بعيون القسم الأول كان العيب ظاهرا أو خفيا وأما العارف لا رد له بما كان منه ظاهرا لأنه محمول على العلم به والإطلاع عليه وأما الخفي ففي رجوع العارف به وعدم رجوعه قولان أحدهما أنه لا رد له والثاني أن له رده بعد أن يحلف ما وراءه ما لم يكن مع معرفته من أهل الصلاح وغلا فله الرد بالعيب الظاهر والخفي بدون يمين، وقوله أو ما لم تعلق ما واقعة على عيب لا نافيه وقوله الجنة بكسر الجيم وضمير عنه في البيت الثاني يعود على المبيع وضمير منه في الموضعين يعود على القسم الأول من العيوب وقوله (وحيث لا يثبت في العيب القدم ... كان على البائع في ذاك القسم) (وهو على العلم بما يخفى وفي ... غير الخفي الحلف بالبت اقتفى) (وفي نكول بائع من اشترى ... يحلف والحلف على ما قررا) يعني أن المتبايعين إذا اختلفا في قدم العيب وحدوثه ولم تقم لواحد منهما بينة ولم

الجزء: 3 - الصفحة: 38

يوجد هناك عارف بالعيوب كما يأتي عند قوله ويثبت العيوب أهل المعرفة الخ فالقول للبائع في حدوثه عند المشتري مع اليمين على البت بأن يقول بالله الذي لا إله إلا هو لقد بعته وما هو به إذا كان العيب ظاهرا كالعمى وإذا كان خفيا كالسرقة والبول في الفراش فتكون يمينه على نفي العلم فيحلف ما علمته حدث عندي فإن نكل عن اليمين حلف المشتري على البت في العيب الظاهر بأنه قديم وعلى نفي العلم في الخفي بأنه لا يعلمه حدث عنده وبه جرى العمل وكان له بعد الحلف الرد فإن نكل عن اليمين لزمه البيع وقوله والحلف بسكون اللام في الموضعين مع جواز فتح الحاء المهملة وكسرها (تنبيهات الأول) لا خصوصية للرقيق في هذا الحكم بل غيره من الحيوان والعرض كذلك (الثاني) إذا حلف البائع ثم وجد المبتاع بينة لم يكن علم بها فله القيام وإن علم بالبينة واستحلفه ورضي باليمين فلا حق له ولو اشكل ذلك من علمه وجهله لأنه أمر باطني لا يظهر إلا بما بدل عليه حلف ما علم بها ثم قضى له ببينته كذا في ابن راشد (الثالث) من ابتاع حيوانا وبقي عليه شيء من ثمنه فاطلع على عيب به وقام ليرده فقال له البائع ادفع ما بقي لي وأحاكمك فيه فينظر فإن كان العيب ظاهرا لا طول للقيام به فلا يدفع له الباقي حتى يحاكمه وإن كان خفيا فيه طول فقولان اه تولي (قلت) الأنسب وضع الباقي تحت يد أمين أو يدفعه له بضامن ويحاكمه (الرابع) من اشترى شيئا فوجد به عيبا فطلب من البائع الإقالة فأبى أن يقيله ثم أراد أن يقوم عليه بالعيب فله ذلك ويحلف ما كان منه ذلك رضي بالعيب ويرده فإن نكل عن اليمين لزمه ولا ترد هذه اليمين لأنها يمين تهمة وقوله (وليس في صغيرة مواضعه ... ولا لوخش حيث لا مجامعه) (ولا يجوز شرط تعجيل الثمن ... وإن يكن ذاك بطوع فحسن).
يعني أن من اشترى أمة صغيرة لا تطيق الوطء كبنت ثمان سنين أوتطيقه لاكنها

الجزء: 3 - الصفحة: 39

وخش ولم يعترف سيدها بوطئها فلا مواضعة فيهما بالقضاء ومفهومه إنها إذا كانت عليه وهي التي تراد للفراش في الغالب وحبت مواضعتها أقر البائع بوطئها أولا كان البائع ممن يتأتى منه الوطء أول لا أو كانت وخشا وأقر البائع بوطئها فتوضع عند امرأة أمينة أو رجل ثقة له أهل حتى تعرف براءة رحمها من الحمل بحيضة واحدة إن كانت ممن تحيض أو بثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض وإنما وجبت المواضعة لدفع الغرر وحفظ الأنساب فإن ظهر بها حمل زمن المواضعة كان عيبا ولو في الوخش ويخير المشتري في ردها والتماسك بها إن كان الحمل من غير السيد وإن كان منه فهي أم لود يفسخ بيعها لأنها حرة في المستقبل.
ولا يجوز اشتراط تعجيل الثمن في التي تجب مواضعتها بالقضاء لتردده بين السلف إن ظهر بها حمل والثمن إن لم يظهر بها حمل فإن وقع اشتراط الثمن فسد البيع أما إذا وقع تعجيله بعد العقد تطوعا فهو جائز حسن لا مكروه، وإن كانت المواضعة واجبة بدون قضاء في الأمة الوخش التي لم يقر البائع بوطئها فإن المشتري لا يجوز له أن يطأها إلا بعد استبرائها احتياطا منه ويقال فيه الاستبراء المجرد ويجوز فيه اشتراط النقد كالتي لا مواضعة فيها أصلا والله أعلم ثم قال (والبيع مع براءة إن نصت ... على الأصح بالرقيق اختصت) (والفسخ إن عيب بدا من حكمه ... مع اعتراف أو ثبوت علمه).
(ويحلف البائع مع جهل الخفي ... بالعلم والظاهر بالبت حفي) (وحيثما نكوله تبد ... به المبيع لا اليمين ردا) (وبعضهم فيها الجواز أطلقا ... وشرطها مكث بملك مطلقا) يعني أن البيع على البراءة جائز في الرقيق فقط على القول الأصح بشرطين عدم علم البائع بعيبه وطول إقامته عنده قدر ستة أشهر فأكثر فإذا وجد الشركان المذكورات

الجزء: 3 - الصفحة: 40

جاز لمالكه ... أن يبيعه ويتبرأ من عيوبه بأن يشترط على مشتريه عدم رده عليه بعيب يظهر به كاباق وسرقة نحوهما فإن وقع البيع على البراءة بشرطها فلا قيام للمشتري على البائع بعيب قديم يجده فيه إلا إذا علمه وثبت عليه ذلك أما باعترافه وأما ببينة شهدت عليه بذلك فيكون الفسخ حكمه فإن لم يكن إقرار ولا بينه وادعى المشتري على البائع بأنه عالم بقدم العيب وكتمه وادعى البائع بأنه يجهل ذلك حلف على نفي العلم في العيب الخفي وعلى البت في العيب الظاهر وهذا التفصيل الذي درج عليه الناظم ضعيف والمعتمد أنه يحلف على نفي العلم مطلقا كان العيب ظاهرا أو خفيا فإن نكل عن اليمين رد البيع وأما اليمين فإنها لا ترد على المشتري إذا قبلها البائع عليه لأنها يمين تهمة.
وإن لم تطل إقامته عنده فإن باعه على البراءة بفور ملكه فإنها لا تنفعه على المشهور، وقوله أن نصت فإن لم يقع التنصيص على البراءة فلا يعمل بها كما تقدم.
وأشار إلى مقابل الأصح بقوله وبعضهم فيها الجواز إطلاقا ومعنى الإطلاق أنها تصح في كل مبيع وقال بعضهم أنها لا تجوز في شيء وفي الموطأ أنها جائزة في الحيوان مطلقا ففي بيع البراءة أربعة أقوال أصحها الاختصاص ببيع الرقيق إلا فيما يبيعه الحاكم أو الورثة على خلاف فيه كما يأتي في مسائل فصل من أحكام البيع.
وقوله والفسخ أن عيب بدا من حكمه فالفسخ مبتدأ ومن حكمه متعلق بمحذوف خبره وضمير حكمه يعود على بيع البراءة وجملة أن عيب بدا شرط وجوابه محذوف والتقدير إن ظهر عيب بالرقيق المبيع على البراءة فالفسخ كائن من حكم البيع على شرط البراءة وباء بالعلم بمعنى وقوله والظاهر مبتدأ وجملة حفي بالحاء المهملة بالبناء للنائب خبره ومعنى حفي استخرج ونائب فاعله ضمير يعوج على حلف البائع وقوله رد بالبناء للنائب وقوله الجوزا بالنصب مفعول مقدم باطلقا وألف تبدا وردا وأطلقا للإطلاق وقوله مكث بملك مطلقا أي سواء اختصت البراءة بالرقيق أم لا قال (واليوم واليومان في المركوب ... وشبهه استثنى للركوب) يعني أنه يجوز لمن باع حيوانا للركوب أو للحرث أن يتثني ركوبه أو العمل به في

الجزء: 3 - الصفحة: 41

حرث ونحوه اليوم واليومين ويكره ما زاد على ذلك ويمنع ما كثر كالجمعة وضمانه من المبتاع إذا تلف فيما يجوز استثناؤه ومن البائع فيما لا يجوز ما لم يقبضه المبتاع وإلا فالضمان منه ولو قبل مدة الشرط لأنه بيع فاسد ينتقل ضمانه بالقبض وضمير شبهه يعود على المركوب وعوده على اليومين فيه بعد قال (ولم يجز في الحيوان كله ... شراؤه على اشتراط حمله) يعني أنه لا يجوز شراء الحيوان كله على شرط حمله لأن البائع كأنه أخذ جنينه ثمنا حين باعه بشرط الحمل ولو كان ظاهرا لأنه غرر لجواز انقشاشه هذا في غير الأمة العلية وأما الأمة العلية فإنه يجوز للبائع أن يذكر للمشتري حملها ويشترطه عليه ليتبرأ منه ولم يستثنها الناظم لأن الكلام على الحمل الذي يزاد الثمن لأجله فيكون ممنوعا لما ذكر لا ما كان على وجه التبري لئلا يقع الرجوع عليه.
ولما كان كلامه في هذا البيت يتضمن عدم جواز بيع ما فيه غرر على ما هو معلوم وكان بعض الأشياء التي تباع بها شيء يقال أنه من الغرر مع أنه ليس منه كالحامل التي قرب وضع حملها والمرض الذي لم يبلغ السياق والعبد الآبق الذي علم موضعه رفع ذلك القيل لضعفه بقوله (وذات حمل قد تدانى وضعها ... لم يمتنع على الأصح بيعها) (كذا المريض في سوق السياق .. يصح بيعه على الإطلاق) (والعبد في الآباق مع علم محل ... قراره مما ابتياع فيه حل) (والبائع الضامن حتى يقبضا ... وإن تقع إقالة لا ترتضي) يعني أنه يجوز بيع الحامل التي قرب وضع حملها لأن الغالب فيها السلامة من العطب والموت في القول الأصح وكذا يجوز بيع المريض حيث لم يشرف على الموت وإلا فلا يجوز بيعه مطلقا كان مأكول اللحم أولا لأنه لا ينتفع به وأنه يجوز بيع العبد الآبق الذي عرف محله وهو في ضمان البائع وعهدته حتى يقبضه المشتري وقوله

الجزء: 3 - الصفحة: 42

(وإن تقع إقالة لا ترتضي) يعني أن الإقالة في بيع الغائب غير جائزة مطلقا سواء كان رقيقا مثل العبد الآبق المذكور أو غيره لأنه من باب الدين بالدين وبيانه أن الثمن قد ثبت على المشتري فلا يجوز أن يصير فيه شيئا غائبا لا ينجز قبضه ولهذا يجوز بيعه لغيره إذا لم ينتقد وقوله قراره بالجر مضاف إليه ويقبضا وترتضي مبنيان للنائب قال (وامتنع التفريق للصغار ... من أمهم إلا مع الأثغار) (ثم بالإجبار على الجمع القضا ... والخلف إن يكن من الأم الرضى) يعني أنه لا يجوز للسيد أن يفرق بين أمته وولدها يبيع ونحوه بأن يبيع أحدهما ويحبس الآخر أو يبيع الأمة لرجل والولد لرجل آخر ما دام الولد صغيرا لم يثغر والإثغار نبات وواضعه بعد سقوطها وإذا وقع التفريق بينهما فإن المتابعين يجبران على جمعهما في ملك واحد وإن امتنعا من ذلك فسخ العقد ولو رضيت الأم بالتفريق على المشهور من الخلاف والأصل فيما ذكره الناظم وغيره قوله صلى الله عليه وسلم من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة الحديث وأما الحيوان البهيمي فتجوز فيه التفرقة على ظاهر المذهب وقيل لا تجوز فيه التفرقة حتى يستغني عن الرضاع بالرعي ثم قال (والحمل عيب قيل بالإطلاق ... وقيل في علية ذي استرقاق) (والافتضاض في سوى الوخش الدني ... عيب لها مؤثر في الثمن) (والحمل لا يثبت في أقل من ... ثلاثة من الشهور فاستبن) (ولا تحرك له يثبت في ... ما دون عدة الوفاة فاعرف) فقوله والحمل عيب البيتين الأولين يعني أن من اشترى أمة فوجدها حاملا فله ردها لأنه عيب من جملة عيوب الرقيق وسواء كانت عليه أو وخشا وقيل إنما الحمل عيب في العلية دون الوخش والراجح الأول ولهذا قدمه وحكى الناني بقيل وإن من

الجزء: 3 - الصفحة: 43

اشترى بكرا عذراء فوجدها ثيبا فهو عيب في العلية ترد به وإن كانت صغيرة لأنه ينقص من ثمنها دون الوخش لأنها لا تراد إلا للخدمة فليست الثيوبة عيبا فيها (وقوله) والحمل لا بثبت في أقل البيتين الآخيرين يعني أن حمل الآدمي الذي هو عيب في الرقيق لا يثبت في أقل من ثلاثة أشهر ولا يتحرك تحركا بينا يصح القطع على تحركه في اقل من أربعة أشهر وعشر فإذا شهدت امراتان عدلتان عارفتان أن بها حملا بينا لا تشكان فيه من غير تحريك ردت الأمة فيما دون ثلاثة أشهر ولا ترد فيما زاد على ذلك لاحتمال كونه حادثا عند المشتري وإذا شهدتا أن بها حملا يتحرك ردت فيما دون أربعة أشهر وعشر ولم ترد فيما زاد على ذلك لاحتمال كونه حادثا فإن ردت ثم وجد ذلك الحمل باطلا لم ترد إلى المشتري إذ لعلها أسقطته كذا في الحطاب وقول الناظم عليه بكسر العين وسكون اللام جمع عليه بفتح العين وكسر اللام وقوله (ويثبت العيوب أهل المعرفة ... بها ولا ينظر فيهم لصفه) يعني أن العيوب كلها سواء كانت في الرقيق أو في غيره إذا وقع النزاع فيها بين المتداعبين فلا يثبتها إلا أهل المعرفة بها ولا ينظر فيهم إلى صفة العدالة عند التعذر قال الشيخ خليل وقبل للتعذر غير عدول وإن مشركين اه والواحد كاف لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة والاثنان أحوط خصوصا في هذا الزمن بل هو المتعين والحاصل إن كل من وجهه القاضي من عنده فأخبره بوجود عيب أو بقدمه أو حدوثه ميتا كان المبيع أو حيا فخبره كاف في ذلك ويحكم القاضي فيه بلا يمين ولو كانت امرأة أو فاسقا أو كافرا حيث لم يوجد عدل أو مسلم أو متعدد وقوله ويثبت بضم أوله من أثبت والعيوب بالنصب مفعول به مقدم وأهل المعرفة فاعل مؤخر ثم قال

فصل

أفرده الناظم وإن كان من متعلقات بيع الحيوان لما في مسائله من التفصيل والخلاف وإليه أشار بقوله

الجزء: 3 - الصفحة: 44

(واتفقوا أن كلاب الماشيه .... يجوز بيعها ككلب الباديه) (وعندهم قولان في ابتياع ... كلاب الاصطياد والسباع) يعني أن العلماء اتفقوا على جواز بيع الكلاب التي تتخذ لحراسة الماشية وحفظها من السارق والسبع ونحوهما كما يجوز بيع كلب أهل البادية والقرى المتخذ لحراسة أمتعتهم ودورهم وبساتينهم ليلا ونهارا وفي منع بيع كلاب الصيد وسباعه كالفهم وجوازه قولان مشهوران والراجح منهما الأول وانتقد على الناظم في عزو الاتفاق لأهل المذهب مع وجود الخلاف في الجميع ولعله أراد بذلك اتفاق المتأخرين كابن أبي زيد والله أعلم بمراده وأما كلب اللهو فلا يجوز بيعه ولا تملكه اتفاقا وليس على قاتله ضمان قيمته، ولما ذكر في بيع لاثمار أنه يجوز لمن باع ثمرة أن يستثني منها جزءا شائعا أو عددا معلوما أو كيلا أو وزنا أو ثمر شجرات معينة ذكر مثل ذلك في بيع الحيوان فقال (وبيع ما كالشاة باستثناء ... ثلثه فيه الجواز جائي) (أو قدر رطلين مع من شاة ... ويجبر الأبي على الذكاة) (وليس يعطي فيه للتصحيح ... من غيره لحما على الصحيح) (والخلف في الجلد وفي الرأس صدر ... مشهورها الجواز في حال السفر) (وفي الضمان إن تفانا أو سلب ... ثالثها في الجلد والرأس يجب) حاصل ما اشتملت عليه هاته الأبيات الخمسة مسألة واحدة وهي بيع الشاة ونحوها من مأكول اللحم مع استثناء بعضها وأنها لا تخلو من ستة أوجه جمعتها من كلام الناس (الأول) أن يتثني البائع الصوف أو الشعر فهذا جائز بشرط أن يشرع في الجز أو يتأخر يوما أو يومين كاستثناء ركوب الدابة (الثاني) الجنين فإنه لا يجوز استثناؤه (الثالث) أن يستثني جزءا شائعا قليلا كان أو كثيرا وهو جائز اتفاقا ولا يجبر الممتنع منهما على

الجزء: 3 - الصفحة: 45

الذبح في هذا الوجه فإن تشاحا فيه بيعت عليهما ويأخذ كل واحد منهما ما وجب له (فرع) قال المواق وفي النوادر في ثلاثة اشتروا شاة بينهم إن كانت يتوزعون لحمها جبر على الذبح ءابيه وإن كانت للتجارة بيعت عليهم إلا أن يتراضوا بالمقاواة اه (الرابع) أن يستثني جزءا معينا كالدوارة المعزوفة أو الفخذ فروي عن مالك النع والجواز ويجبر المبتاع على الذبح (الخامس) أن يستثني رطلين معا أو أرطالا من لحمها وهو جائز إن كانت الأرطال المستثناة قدر ثلثها فأقل وإلا فلا يجوز وفي هذاا الوجه إذا طلب أحد المتبايعين الذبح وامتنع الآخر منه فإن الممتنع منهما يجبر عليه إذ لا يتوصل كل واحد منهما لمقصوده من اللحم إلا به وأجرة الذبح والسلخ والحفظ عليهما معا في هذا الوجه كالذي قبله وإذا أراد المشتري أن يعطي للبائع أرطالا من غيرها لتبقى له الشاة حية لم يجز على القول الصحيح (السادس) أن يستثني منها الجلد والرأس أو أحدهما وفي هذا الوجه صدر الخلاف ووقع بين أهل المذهب فقيل بالجواز مطلقا وقيل بالمنع مطلقا وقيل بالجواز في السفر دون الحضر وهو القول المشهور ولا يجبر المشتري على الذبح إن امتنع منه ولهذا كانت أجرة الذبح والسلخ والحفظ عليه وحده لأنه يقدر على دفع المثل أو العوض للبائع ودفع العوض أحسن، وقوله وفي الضمان أن تفانا أو سلب البيت يعني أن في ضمان الحيوان الذي استثنى منه ما يجوز استثناؤه إذا مات أو غصب ثلاثة أقوال الضمان من المشتري في الجميع وعمه في الجميع ثالثها وهو المشهور يجب الضمان على المشتري في الجلد والرأس لا غير لأنه لا يجبر على الذبح وله أن يدفع المثل والقيمة كما مر.
وقوله في النظم باستثناء الباء بمعنى مع وقوله جائي اسم فاعل بمعنى جاء وقوله قدر بالجر عطف على ثلثه وقوله معا منصوب على الحال من رطلين أي حالة كون الرطلين معا من شاة لا من غيرها لتصح كما مر وضمير صدر يعود على الخلف بضم الخاء المعجمة وسكون اللام بمعنى الخلاف ثم قال

الجزء: 3 - الصفحة: 46

فصل في بيع الدين والمقاصة فيه

أي هذا فصل في بيع الدين واقتضائه والمقاصة فيه ففي الترجمة حذف الواو مع معطوفها وهو جائز كما جاء مفسرا في قول الله تعالى} سرابيل تقيكم الحر {أي والبرد وسرابيل تقيكم بأسكم والقرينة هنا ذكره في النظم وقد عرف بعض العلماء بيع الدين فقال هو عقد معاوضة على ما في ذمة حاضر مقر ليس طعاما من بيع بغير جنسه معجلا اه وقد أشار الناظم إلى حكمه فقال (بما يجوز البيع بيع الدين ... مسوغ من عرض أو من عين) يعني أن بيع الدين لمن هو عليه أو لغيره محكوم بجوازه بالشيء الذي يجوز البيع به فيباع الدين بعرض إن كان عينا أو طعاما وبعين إن كان عرضا أو طعاما لأنه لا يباع إلا بغير جنسه كما يأتي في قوله وبيعه بغير جنس مرعي، وأما تبديله بجنسه لمن هو عليه فهو اقتضاء لا بيع وسيأتي في قوله والاقتضاء للديون الخ.
وقوله بيع الدين مبتدأ ومضاف إليه ومسوغ بفتح الواو خبره وبما يجوز البيع متعلق به وجملة يجوز البيع صلة ما والعائد محذوف أي به ومن عرض أومن عين بيان لما (ولما) كان بيع الدين لا يتم إلا بشروط خمسة كما في تعريفه المتقدم أشار إليها الناظم بقوله (وإنما يجوز مع حضور من ... أقر بالدين وتعجيل الثمن) (وكونه ليس طعام بيع ... وبيعه بغير جنس مرعي) فالشرط الأول حضور المدين لأنه لو كان غائبا لا يدري حاله من فقر أو غني فيكون فيه خطر وكل عقد فيه خطر أو غرر لا يجوز إلا إذا كان الدين على الغائب برهن فيه وفاء على أن يحل المشتري فيه محل البائع فيجوز بيعه لانتفاء الخطر على ما به العمل (والثاني) إقرار المدين فلانه لو كان غير مقر وإن كان الدين ثابتا عليه ببينة ففيه شراء ما فيه خصومة وهو ممنوع على المشهور وإلى هذين الشرطين أشار

الجزء: 3 - الصفحة: 47

الناظم بقوله مع حضور من اقر بالدين (تنبيه) ظاهر النظم أن المدين يكون حاضرا في مجلس العقد ويقر بالدين بالفعل حتى إنه إذا لم يكن الأمر كذلك لا يجوز وليس كذلك بل المراد بالحضور حضوره في البلد وكونه معروفا بالإقرار وأما إذا حضر المجلي فسكوته إقرار كذا في حاشية الطرابلسي على المدونة ثقلا عن أبي عمران اه برنامج عظوم (والثالث) قوله وتعجيل الثمن فإنه إذا لم يحصل تعجيل الثمن في الحين كان من باب بيع الدين بالدين وهو لا يجوز (والرابع) قوله وكونه ليس طعام بيع لأن الدين إذا كان طعام من بيع فلا يجوز بيعه قبل قبضه كما تقدم (والخامس) قوله بغير جنس مرعي أي منظور غليه لأنه إذا بيع بجنسه والعادة أن الدين يباع بأقل منه فيكون سلفا بزيادة وهو لا يجوز وقوله وتعجيل بالجر عطف على حضور وأما قوله (وفي طعام إن يكن من قرض ... يجوز الابتياع قبل القبض) فهو مفهوم قوله السابق والبيع للطعام قبل القبض ممتنع ما لم يكن من قرض.
فلو استغنى عنه بمفهوم ما تقدم لكفاه ومثل القرض في الحكم الصدقة ونحوها من كل ما ليس عن عوض ثم شرع في الاقتضاء فقال (والاقتضاء للديون مختلف ... والحكم قبل أجل لا يختلف) (والمثل مطلوب وذو اعتبار ... في الجنس والصفة والمقدار) (والعين فيه مع بلوغ أجلا ... صرف وما تشاؤه إن عجلا) (وغير عين بعده من سلف ... خذ فيه من معجل ما تصطفي) (وإن يكن من سلم بعد الأمد ... فالوصف فيه السمح جائز فقد) فالاقتضاء في اللغة أخذ الحق وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله هو في العرف قبض ما في ذمة غير القابض اه فقوله غير القابض اخرج به المقاصة لأنها قبض ما في ذمة القابض كما يأتي وقوله ما في ذمة الخ معناه أن الاقتضاء في الاصطلاح

الجزء: 3 - الصفحة: 48

أن يقبض رب الدين من المدين من جنس الدين الذي له عليه كما إذا كان له على المدين ذهب فيعطيه ذهبا أو فضة فيعطيه فضة أو عرض فيعطيه عرضا مثله إما إذا أعطاه عن الذهب فضة أو بالعكس فهو صرف جائز بشرط الحلول كما يأتي وإن أعطاه عن الذهب حريرا مثلا أو بالعكس أو أعطاه عن الصوف كتانا فهو من بيع الدين المتقدم لا من الاقتضاء ثم إن الاقتضاء في الديون حكمه مختلف كما قال الناظم فتارة يكون جائزا بالجنس وبغيره وتارة يكون ممنوعا بالجنس وبغيره (وحاصل) الصور العقلية المتصورة في الاقتضاء من جنس الدين الذي وقع الكلام فيه الآن أربع وعشرون صورة لأن الدين أما عين أو غير عين فيشمل الطعام وفي كل منهما أما من بيع أو قرض وكل من الأربعة إما حال أو مؤجل فهذه ثمانية تضرب في أحوال الاقتضاء الثلاثة لأنه إما بمثل الدين قدرا أو صفة وإما بأقل قدرا أو صفة وأما بأكثر قدرا أو صفة بأربعة وعشرين صورة فصور المثل الثمانية جائزة كلها وإليها أشار الناظم بقوله

  • والحكم قبل أجل لا يختلف (والمثل مطلوب وذو اعتبار ... في الجنس والصفة والمقدار) يعني أن الاقتضاء قبل الأجل لا يختلف حكمه في الجواز لوجود المثل في الجنس والصفة والقدر المطلوب اعتباره.
    ومفهوم قوله قبل أجل أن الاقتضاء بالمثل بعد الأجل أولى بالجواز فشمل كلامه الصور الثمانية الجائزة أربعة بالمنطوق وأربعة بالمفهوم التي هي من باب أولى، ومفهوم قوله والمثل مطلوب الخ أن الاقتضاء إذا لم يكن بالمثل بأن كان أقل قدرا أو صفة أو أكثر قدرا أو صفة جازت صور حلول الأجل الأربعة وهي عين أو عرض من بيع أو قرض ومنعت في الصور الأربع التي قبل الأجل لما فيه من ضع وتعجل لأن المعجل يعد مسلفا وقد انتفع على سلفه بأدائه أقل من الدين أو أدنى فهذه ثمانية في الاقتضاء بأقل قدرا أو صفة أربعة منها جائزة وهي صور الحلول وأربعة ممنوعة وهي صور عدم الحلول كما رأيت، وإن وقع

الجزء: 3 - الصفحة: 49

الاقتضاء بأكثر صفة أو قدرا امتنع الأكثر قدرا في القرض مطلقا سواء كان عينا أو عرضا قبل الأجل أو بعده وكذا يمتنع في العرض من بيع قبل الأجل لما فيه من حط الضمان وأزيدك وجاز فيه ذلك بعد الأجل كما يجوز ذلك في العين من بيع مطلقا قبل الأجل أو بعده لأن الحق في الأجل في العين لمن هو عليه فلا يدخله حط الضمان وأزيدك، وإن كان بأفضل صفة جاز في القرض مطلقا وفي البيع بعد الأجل وكذا قبله إذا كان عينا وإلا منع لما فيه من حط الضمان أزيدك إذا تقرر هذا علمت بأن الناظم تكلم بمنطوقه ومفهومه على الصور الثمانية الجائزة وسكت عما عداها في القضاء بالجنس لتشعبها، وقوله وذو اعتبار عطف تفسير على قوله مطلوب لو حذفه واقتصر على لفظ مطلوب لكفاه كذا قال بعضهم ولقائل أن يقول أتى به الناظم تتميما لصدر البيت مع زيادة البيان والتوكيد فهو محتاج إليه (وأما) القضاء بغير الجنس وهو بيع الدين ممن هو عليه بعد الأجل ففيه تفصيل وهو أن الدين إما أن يكون عينا أو غير عين وإذا كان عينا فأما أن يقبضه رب الدين عينا فيكون صرفا لأنه من غير جنسه أو يقبضه عرضا ونحوه فيكون بيعا وقد أشار الناظم إلى القسم الأول بقسميه فقال (والعين فيه مع بلوغ أجلا ... صرف وما تشاؤه إن عجلا) يعني أن قضاء العين عن الدين العين الذي حل أجله كقضاء ذهب عن فضة أو العكس صرف جائز بشرط الحلول والتعجيل ولك أن تأخذها تشاؤه عن دينك العين من عروض أو طعام ونحوهما بشرط تعجيل المأخوذ أيضا وإلا منع لأنه في الأول يؤدي إلى عدم المناجزة في الصرف وفي الثاني يؤدي إلى فسخ الدين في الدين وقوله فيه الضمير يعود على العين وفي بمعنى عن أي والعين تقضي عن العين من غير جنسه صرف فالعين المظهر هو المدفوع والعين المضمر المجرور بفي هو الدين المترتب في الذمة وقوله بلوغ بالتنوين وأجلا معموله، وأشار إلى القسم الثاني وهو كون الدين غير عين وهو قسمان أيضا لأنه إما أن يكون من سلف أو من سلم وأشار إلى الأول فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 50

(وغير عين بعده من سلف ... خذ فيه من معجل ما تصطفى) يعني أن دين غير العين إذا كان من سلف وحل أجله فلك أخذ ما تختاره من عين أو طعام أو عرض أو حيوان ونحو ذلك كان تأخذ دراهم مثلا عن حيوان في الذمة سلفا وهكذا بشرط تعجيل المأخوذ وإلا فلا يجوز لأنه فسخ دين في دين ولا مفهوم لقوله بعده لأنه إذا اختلف الجنس كما هو موضوع المسألة فلا يشترط في القضاء بلوغ الأجل والاتفاق في القدر وأشار إلى الثاني بقوله (وإن يكن من سلم بعد الأمد ... فالوصف فيه السمح جائز فقد) يعني أن الدين المترتب في الذمة إذا كان من سلم وكان غير عين فالتساهل في وصفه جائز كجوازه في قدره بعد الأجل فقط كان بأخذ رب الدين عن دينه أقل صفة أو قدرا أو يدفع لمدين في مقابلة ما عليه أجود منه صفة أو أكثر عددا أو وزنا أو كيلا كل ذلك بعد الأجل وأما قبل الأجل فلا يجوز التساهل لا في الوصف ولا في القدر لما في ذلك من ضع وتعجل أو حط الضمان وأزيدك (وقوله) يكن فيه ضمير يعود على الدين غير العين وقوله فالوصف مبتدأ أول والسمح مبتدأ ثان وجائز خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر المبتدأ الأول والرابط بينهما الضمير المجرور بفي المتعلق بجائز كتعلق بعد الأمد به والجملة المقرونة بالفاء جواب إن الشرطية والسمح كالسهل وزني ومعنى وقوله فقد الفاء لتزيين اللفظ وقد اسم فعل مبني على السكون بمعنى يكفي راجع لقوله بعد الأمد لا أنه قيد للوصف حتى تكون الزيادة في القدر غير جائزة (ولما) فرغ من الكلام على اقتضاء الدين شرع يتكلم على المقاصة فيه فقال (ويقتضي الدين من الدين وفي ... عين وعرض وطعام قد يفي) يعني أن اقتضاء الدين عن الدين يأتي على وجه المقاصة في العين وفي العرض وفي الطعام كان يكون لك دين على إنسان وله عليك مثله فتسقط ما لك عليه في مقابلة ما له عليك ويسقط ما له عليك في مقابلة ما لك عليه فهذا الإسقاط الذي حصل من

الجزء: 3 - الصفحة: 51

المتداينين يسمى مقاصة ويجبر الممتنع منها عليها وقوله ويقتضي مبني للنائب والدين نائب عن الفاعل وقوله يفي معناه يأتي غير ممنوع بالشروط الآتية ثم شرع في بيان مسائلها وبدا بالعين فقال (فما يكونان به عينا إلى ... مماثل وذي اختلاف فصلا) (فما اخلاف وحلول عمه ... يجوز فيه صرف ما في الذمة) يعني أن الدينين إذا كان عينا فتارة يكونان متماثلين كذهب وذهب وتارة يكونان متخالفين كذهب وفضة هذا معنى قوله فصلا بالبناء للنائب وتفصيله إن كانا متماثلين فيأتي الكلام عليهما وإن كانا متخالفين كان يكون دين أحدهما دنانير ودين الآخر دراهم جازت المقاصة إن كانا حالين لأنه صرف والصرف من شرطه المناجزة ولو في الذمة والمناجزة لا تكون إلا بحلول الأجل من الجانبين، وقوله اختلاف في البيت الثاني فاعل بفعل محذوف تقديره عمه يفسره الفعل المذكور وباء به بمعنى في ومفهوم قوله وحلول عمه أن الدينين إذا لم يعمهما الحلول بأن بقيا على أجلهما أو حل أجل دين أحدهما ولم يحل أجل دين الآخر فإن المقاصة لا تجوز وهو كذلك لعدم المناجزة المشترطة في الصرف كما مر ثم أشار إلى حكم الدينين المتماثلين من العين فقال (وفي تأخر الذي يماثل ... ما كان أشهب بمنع قائل) يعني أن الدينيين إذا كانا من جنس واحد كذهب وذهب أو فضة وفضة ولم يحلا أو حل أجل أحدهما ولم يحل أجل الآخر فإن المقاصة لا تجوز عند اشهب وكيف يقول بالمنع وتجوز عند ابن القاسم وهو المشهور.
وما في قوله ما كان اشهب استفهامية لا نافية ثم صرح بمفهوم قوله وفي تأخر الذي يماثل فقال (وفي اللذين في الحلول اتفقا ... على جواز الانتصاف اتفقا) يعني أن الدينين الذين هم من عين وكنا من جنس واحد كذهب وذهب أو فضة

الجزء: 3 - الصفحة: 52

وفضة واتفق أجلهما بالحلول فإن الانتصاف بين المتداينين بالمقاصة جائز باتفاق اشهب وابن القاسم وألف اتفقا الأول يعود على اللذين وألف اتفقا الثاني ضمير يعود على اشهب المصرح به وابن القاسم المفهوم من النص الخارجي ثم شرع في بيان ديني العرض فقال (وذاك في العرضين لا المثلين حل ... بحيث حلا أو توافق الأجل) يعني أن المقاصة في العرضين غير المثلين كثوب وسيف أو جبة وعمامة جائزة بشرط حلول الدينين معا أو توافق أجلهما حين المقاصة وإن اختلفا في الأجل لم تجز ومفهوم قوله لا المثلين أن العرضين المتفقين في الجنس والصفة والقدر تجوز المقاصة فيهما مطلقا سواء كانا من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض حل أجلهما أم لا أو حل أجل أحدهما دون الآخر، وقوله وذاك الإشارة راجعة إلى الانتصاف في البيت قبله وهو مبتدأ وجملة حل بمعنى جاز خبره والجار والمجرور متعلق به وضمير حلا يعود على العرضين وتوافق الأجل فعل وفاعل ثم أخذ يتكلم على المقاصة في ديني الطعام وهما أم من سلف وأما من بيع وبدا بالأول فقال (وفي توافق الطعامين اقتفى ... حيث يكونان معا من سلف) (وفي اختلاف لا يجوز إلا ... إن كان كل منهما قد حلا) يعني أن الطعامين إذا كانا من سلف واتفقا في الجنس كقمح وقمح أو تمر وتمر فالانتصاف بين المتداينين بالمقاصة جائز مطلقا سواء حلا معا أو لم يحلا أو حل أحدهما دون الآخر وإن كانا مختلفين بالجنس كقمح وتمر فلا يجوز الانتصاف بالمقاصة إلا إذا حلا معا لأن المبادلة في الطعام يشترط فيها أن تكون يدا بيد ولو في الذمة كما تقدم في ديني العين المختلفة الجنس، وقوله اقتفى بالبناء للنائب معناه اتبع وضميره يعود على الانتصاف وضمير يجوز يعود على الانتصاف أيضا وألف حلا للإطلاق ثم أشار إلى المقاصة في ديني الطعامين من بيع فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 53

(وأن يكونا من مبيع ووقع ... فيه بالإطلاق اختلاف امتنع) يعني أن الطعامين إذا كانا من بيع واختلفا جنسا كقمح وتمر أو صفة كشعير وسلت فإن المقاصة فيهما ممنوعة بالإطلاق سواء حلا أو أحدهما أم لا وقوله فيه متعلق بوقع وضميره يعود على مبيع المتضمن البيع وبالإطلاق متعلق بامتنع ثم أشار إلى مفهوم اختلاف الطعامين وهو المقاصة في ديني الطعامين المتماثلين فقال (وفي اتفاق أجلي ما اتفقا ... هو لدى اشهب غير متقا) يعني أن الانتصاف بين المتداينين غير ممنوع عند اشهب في الطعامين من بيع إذا كانا مؤجلين واتفقا في الأجل والجنس والصفة والقدر بناء على أن هاته المسألة من باب الإقالة وهي مبنية على المعروف وأولى في الجواز عنده أن حلا معا وعند ابن القاسم لا يجوز لعلل ثلاث بيع الطعام قبل قبضه وطعام بطعام نسيئة ودين بدين وهو المشهور فكان على الناظم الاقتصار عليه أو ذكره مع قول اشهب وقوله هو مبتدأ عائد على الانتصاف المتقدم وغير متقى مضاف ومضاف إليه خبره والمجرور بفي والضرف متعلقان بمنفي وما واقعة على الطعامين وجملة اتفقا من الفعل والفاعل صلة ما تم شرع في بيان المقاصة في الطعامين من بيع وقرض فقال (وشرط م من سلف وبيع ... حلول كل واتفاق النوع) (والخلف في تأخر ما كانا ... ثالثها مع سلم قد حانا) أي حل تضمن كلام الناظم في هذين البيتين قول ابن سلمون وإن كان الدينان طعاما وكانا من بيع وقرض فإن لم يختلفا وكانا حالين جازت المقاصة وإن اختلفا لم تجز بوجه وإن كانا مؤخرين أو أحدهما فثلاثة أقوال المنع لابن القاسم والجواز لاشهب والثالث إنه إن كان السلم حالا جازت وإلا فلا اه وقول الناظم وشرط ما مضاف ومضاف إليه مبتدا ومن سلف وبيع بيان لما الواقعة على الطعامين وقوله حلول كل مضاف ومضاف إليه خبر واتفاق النوع معطوف عليه وقوله والخلف في تأخر ما كانا الخ أي كيفما

الجزء: 3 - الصفحة: 54

كان التأخير في طعام البيع أو في طعام القرض أو فيهما معا (واعلم) أن الأبيات الاثنى عشر التي تضمنت أحكام المقاصة قسم الناظم فيها الدينين إلى ثلاثة أقسام لأنهما إما أن يكونا عينا أو طعاما أو عرضا وكل منهما إما من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض فهذه تسع صور وفي كل منها إما أن يتفق الدينان في النوع والصفة والقدر وإما أن يختلفا في النوع أو في الصفة أو في القدر فهذه أربع صور في تسع بست وثلاثين صورة تضرب في ثلاثة أحوال الأجل إما أن يحلا معا ويحل أحدهما فقط أو لا يحل واحد منها فتحصل مائة صورة وثمان صور تؤخذ كلها من كلام الناظم منطوقا ومفهوما منها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع كما رأيت والله أعلم ثم قام يتكلم عن الحوالة فقال

فصل في الحوالة

قال القاضي عياض وغيره الحوالة مأخوذة من التحول من شيء إلى شيء لأن الطالب تحول من طلبه لغريمه إلى غريم غريمه اه وهي في الاصطلاح قسمان حوالة إذن وحوالة قطع كما يأتي هذا آخر النظم والذي تكلم عليه الناظم في هذا الفصل حوالة القطع وهي التي يشترط في صحتها الشروط الآتية وعرفها ابن عرفة بقوله هي طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى ولا ترد المقاصة إذ ليست طرحا بمثله في أخرى لامتناع تعلق الدين بذمة من هو له اه فقوله طرح الدين الخ هو من إضافة المصدر إلى مفعوله والتقدير الحوالة طرح المحال الدين عن ذمة المحيل بسبب وجود مثله في ذمة أخرى وهي ذمة المحال عليه واحترز بقوله في أخرى من المقاصة فإنها وإن كان فيها طرح بمثله لكن ليس الطرح في ذمة أخرى وبعبارة أخرى إن كلا من الحوالة والمقاصة فيه طرح بمثله لكن في الحوالة طرح عن ذمة وتعلق بذمة أخرى وفي المقاصة طرح عن ذمة ولم يتعلق بذمة أخرى لأن الدين لا يتعلق بمن هو له كما قال وإنما يتعلق بمن هو عليه (والأصل) في مشروعيتها قول رسول الله صلى

الجزء: 3 - الصفحة: 55

الله عليه وسلم مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع الحديث فالمطل بفتح الميم من مطله بدينه إذا سوفه بوعد الوفاء مرة أخرى ومعناه أن تأخير الغني أداء الدين لربه مع حلوله ظلم حرام باتفاق ولفظ اتبع بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ما قبل ءاخره مبني للنائب وأحدكم هو نائب للفاعل وقوله فليتبع بسكون لام الأمر وفتح أول الفعل وسكون ثانيه وفتح ما قبل ءاخره مبني للفاعل أي من طلب منه أن يكون تابعا لغيره بدينه فليتبع، وحكمها الندب عند أكثر الشيوخ وقال بعضهم هي مباحة وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها كما في ابن راشد، وحكمة مشروعيتها الرفق والتوسعة فلهذا استثنيت من بيع الدين بالدين وبيع العين بالعين غير يد بيد كما استثنيت الشركة والتولية والإقالة من بيع الطعام قبل قبضه لما فيها من المعروف وأركانها أربعة المحيل والمحال والمحال عليه والمحال به، وشروطها ستة وجود الدين وحلول المحال له ورضى المحيل والمحال فقط وتساوي الدينين وأن لا يكونا طعامين من بيع والصيغة وتكلم الناظم على جميعها منطوقا ومفهوما سوى الشرط الأخير وبدا بالشرطين الأول فقال (وامنع حوالة بشيء لم يحل ... وبالذي حل بالإطلاق أحل) يعني أن الحوالة التي تبرأ بها ذمة المحيل تمنع إذا كانت بدين لم يحل أجله لأنه يكون من بيع الدين بالدين ومن بيع العين بالعين غير يد بيد وهو منهي عنه وإنما رخص في ذلك مع الحلول كما قال وبالذي حل بإطلاق أحل أي أجز الحوالة بالدين الذي حل أجله مطلقا كان الدين الذي في ذمة المحال عليه حالا أم لا لأنه إذا كان حالا فظاهر وإن لم يحل فهو زيادة معروف لأنه قبل أمرين الحوالة والتأخير (وبعبارة) أخرى أنه يشترط في الحوالة وجود دين للمحيل في ذمة المحال عليه وكذا للمحال على المحيل وإلا كانت وكالة لا حوالة وإن لم يوجد دين في الصورة الأولى كانت حمالة لا حوالة ولو وقعت بلفظ الحوالة كما يشترط حلول الدين المحال له وهو الدين الذي للمحال على المحيل لأنه إذا لم يكن حالا أدى إلى تعمير ذمة بذمة فيدخله ما

الجزء: 3 - الصفحة: 56

وقع النهي عنه من بيع الدين بالدين ومن بيع الذهب بالفضة أو الكفر لا يا بيد إن كان الدينان من عين إلا أن يكون الدين المنتقل إليه حالا ويقبضه قبل الافتراق كالصرف فيجوز وإما حلول الدين الذي على المحال عليه في غير مسألة العين المذكورة فلا يشترط كما علمت ثم أشار إلى ما يفهم منه الشرط الثالث فقال (وبالرضى والعلم من محال ... عليه في المشهور لا تبال) يعني أن المحال عليه لا يشترط علمه بالحوالة ولا رضاه بها على القول المشهور لأنه محل التصرف كما في ابن راشد كما لا يشترط حضوره في البلد ولا إقراره لو سئل في القول المشهور المعمول به ورجح بعضهم مقابله ومال إليه التسولي لاكنه لا يعول عليه كما في حاشية المهدي مستوفى فشد يدك عليه ولا تغتر بأبحااث التسولي مع الرهوني والله الموفق للصواب وإنما يشترط رضى المحال عليه إذا كانت عدواته بينه وبين المحال سابقة على وقت الحوالة بل لا تصح على المشهور وأما لو حدثت بعد الحوالة فهل يمنع من اقتضاء دينه لئلا يبالغ في إيذائه بشدة مطالبته فيوكل من يقتضيه عنه أو لا يمنع لأن الحوالة سابقة تردد وظاهر كلام ابن القصار أنه لا يمكن من الاقتضاء بنفسه كما في الزرقاني.
وقول الناظم لا تبال أي لا تعتبر رضى المحال عليه شرطا من شروط الحوالة فرضاه وعدم رضاه على السواء لأنه محل التصرف كما مر.
ومفهوم النظم أن المحيل والمحال لا بد من رضاهما وهو كذلك قال صاحب المختصر شرط الحوالة رضى المحيل والمحال فقط اه قال في التوضيح لا خلاف في اشتراط رضى المحيل لأن الحق متعلق بذمته فلا يجبر على أن يعطيه من ذمة أخرى وأما رضى المحال فهو مبني على مذهب الجمهور من عدم وجوب قبول الحوالة وأما على مذهب أهل الظاهر فلا لوجوب ذلك عليه وأما رضى المحال عليه فلا يشترط على المشهور وحكى ابن شعبان قولا باشتراط رضاه والأول أظهر وعلى المشهور فيشترط في ذلك السلامة من العداوة كما تقدم قاله مالك ثم أشار إلى الشرط الرابع فقال (ولا يجوز أن يحال إلا ... فيما يجانس لدين حلا)

الجزء: 3 - الصفحة: 57

يعني أن الحوالة لا تجوز إلا إذا كان دين المحيل مماثلا لدين المحال قدرا وجنسا وصفة فلا يحال بدينار مثلا على دينارين وتجوز على إحدهما ويبقى الآخر لصاحبه ولا بعين على عرض وبالعكس ولا بقمح جيد مثلا على أدون منه وبالعكس قال البناني نقلا عن المقدمات من الشروط أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة لا أقل ولا اكثر ولا أدنى ولا أفضل لأنه إن كان أقل أو أكثر أو مخالفا له في الجنس والصفة لم تكن حوالة وكان بيعا على وجه المكايسة فدخلها ما نهي عنه من بيع الدين بالدين أيضا اه ولا تجوز بذهب عن فضة وعكسه إلا أن يقبض المحال به عاجلا لأنه صرف لا بد فيه من التناجز وإلى هذا أشار الناظم بقوله (ولا تحل بأحد النقدين في ... ثانيهما إلا أن القبض اقتفى) ومعنى اقتفى اتبع والقبض فاعل بفعل محذوف والتقدير أن اتبع القبض بحضرة الثلاثة في مجلس لم يطل فيه التقابض فاحل وإلا فلا وأشار إلى الشرط الخامس بقوله (وفي طعام ما إحالة تفي ... إلا إذا كانا معا من سلف) يعني أن الحوالة في الطعام لا تجوز سواء اتفق الطعامان أم لا استوت رؤوس أموالهما أم لا حلا أو أحدهما أم لا إلا إذا كانا معا من سلف فتجوز وإن لم يحل الدين المحال عليه لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه بخلاف طعام البيع وقوله ما إحالة تفي فما نافية وتفي مضارع وفي أي لا تتم الحوالة في الطعامين إلا إذا كانا معا من سلف فإن كان أحدهما من بيع والآخر من سلف فأشار إلى حكمها فقال (وفي اجتمعا سلم وقرض ... يشترط الحلول في ذي القبض) يعني أن الطعامين إذا كان أحدهما من بيع والآخر من سلف جازت الحوالة بشرط حلول الدين المحال به كما هو الموضوع وحلول الدين المحال عليه كان هو السلم أو القرض وأنه لا بد من حلولهما معا عند ابن القاسم وإلا فلا تجوز وعند مالك وجميع أصحابه إلا ابن القاسم تجوز وإن لم يحل أجل المحال عليه بمنزلة ما إذا

الجزء: 3 - الصفحة: 58

كانا معا من سلف قال ابن يونس وقولهم أصوب فعلم من هذا أن ما درج عليه الناظم في هذا الفرع ضعيف قال الشيخ مياره مراده بذي القبض الدين المقبوض حسا وهو ما على المحال عليه وكذلك يشترط حلول الدين المحال به ولا أشكال إلا أنه لما قدم اشتراط الحلول في المحال به لم يحتج إلى إعادته (ولما) قدم أنه لا يشترط حلول المحال عليه وهو مشترط في الطعامين أحدهما من بيع والآخر من سلف احتاج إلى التنصيص عليه ولم يسعه السكوت عنه وعلى ذلك نبه بقوله وفي اجتماع سلم وقرض البيت اه يعني على مذهب ابن القاسم كما مر (الشرط السادس) صيغتها قال ابن عرفة ما دل على ترك المحال دينه في ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه ابن رشد لا تكون إلا بالتصريح بلفظ الحوالة أو ما ينوب منابه كقوله خذ منه حقك وأنا برئ من دينك وشبهه اه بناني (فروع الأول) قال ابن جزي الحوالة على نوعين إحالة قطع وإحالة إذن فأمما إحالة القطع فلا تجوز في المذهب إلا بشروط حلول الدين المحال به ومساواة الدينيين في القدر والصفة وأن لا يكونا طعامين أو أحدهما من سلم.
وأما حالة الآذن فهي كالتوكيل على القبض فتجوز بما حل وبما لم يحل ولا تبرأ بها ذمة المحيل حتى يقبض المحال من المحال عليه ماله ويجوز للمحيل أن يعزل المحال في الإذن عن القبض ولا يعزله في إحالة القطع اه (الثاني) فائدة إحالة القطع البراءة من الدين قال مالك إذا أحالك غريمك على من له عليه دين فرضيت باتباعه برئت ذمة غريمك ولا ترجع عليه في غيبة المحال عليه أو عدمه ولو غرك غريمك من عدم يعلمه أو بفلسه فلك طلب المحيل ولو لم يغرك أو كنتما عالمين بفلسه كانت حوالة لازمة لك اه مواق (الثالث) لو دفع المحال عليه الدين بعد الإحالة للمحيل قال الحطاب لم أر فيه نصا والظاهر أنه أن علم بالحوالة لزمه غرمه للمحتال وإلا لم يلزمه (الرابع) إذا صدرت الحوالة بين المحيل والمحال بصيغتها فلما قبض المحال القدر الذي احتال به قال له المحيل إنما احتلك لتقبضه لي على سبيل الوكالة وعلى سبيل أنه سلف مني لك وقال المحال إنما قبضته من الدين الذي لي عليك فإن القول

الجزء: 3 - الصفحة: 59

في ذلك قول المحال بيمينه تغليبا لجانب الحوالة بشرط أن يكون القابض ممن يشبه أن يكون له قبل المحيل سبب وإن لم يشبه فالقول قول المحيل ويحلف ما أدخله إلا وكيلا أو متسلفا اه خرشي (الخامس) لو أحال بائع على مشتر بالثمن ثم رد البيع بعيب أو استحق فإن الحوالة تنفسخ عند الجمهور وهو المختار كما في الحطاب وغيره (السادس) قال بهرام في الشامل لو أحاله بعشرة فظهر له أن على الغريم خمسة فقط تمت الحوالة فيها وصار الباقي حمالة اه قال المازري فلو جحد المحال عليه الدين فاختار بعض أشياخنا أنه لا يوجب الرجوع على المحيل لأن المحال فرط إذا لم يشهد على المحال عليه فكأنه لما قبل الحوالة برئت ذمة المحيل وفرط في الإشهاد فصار كالمتسلف لماله بعد القبض فمصيبة الجحود منه ولا أعرف لما لك في هذا نصا اه مواق (ولما) فرغ من الكلام على الحوالة شرع يتكلم على بيع الخيار والثنيا فقال

فصل في بيع الخيار والثنيا

اعلم أن لكل واحد منهما أبحاثا تخصه فأما أبحاث الخيار فأربعة (البحث الأول) في معناه لغة واصطلاحا (البحث الثاني) في أصل مشروعيته (البحث الثالث) في حكمته (البحث الرابع) في حكمه (فأما) معناه في اللغة فهو الاختبار ومنه يقال له خيار الرؤية كذا في المصباح، وفي اصطلاح الفقهاء ثلاثة أقسام خيار الشرط ويسمى خيار التروي وخيار النقيصة أي العيب ويسمى الخيار الحكمي وخيار المجلس الذي لم يصحبه عمل عندنا بحسب ظاهره وإذا أطلق الخيار عندنا لا يتصرف إلا للخيار الشرطي وهو الذي ذكره الناظم في هذا الفصل.
وعرفه الإمام ابن عرفه بقوله بيع وقف بته أولا على إمضاء يتوقع فقوله وقف بته يخرج به بيع البت وقوله أولا يخرج به ما كان فيه خيار غير مدخول عليه أولا وهو الخيار الحكمي فإن بته لم يوقف أولا بل آخر فيقال فيه بيع آل إلى خيار فهو متأخر عن العقد وسببه الذي هو وجود

الجزء: 3 - الصفحة: 60

العيب متقدم عليه بخلاف الخيار الشرطي فسببه الذي هو الشرط مقارن للعقد وقوله وقف بالتخفيف وقوله أولا متعلق بوقف (وأما) الأصل في مشروعيته فقوله عليه الصلاة والسلام المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار فحمله بعض العلماء منهم الإمام الشافعي على ظاهره وقال لولا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاز الخيار أصلا لا في ثلاث ولا في غيرها أي لأنه غرر فهو مستثنى من بيع الغرر كذا في الزرقاني وهو غير معمول به عند أبي حنيفة رضي الله عنه أيضا وهو قول الفقهاء السبعة وحمل الإمام مالك التفرق في الحديث على التفرق بالقول (قال) ابن راشد بعد كلام طويل في المسألة ولقائل أن يقول نفس الحديث يقتضي الخيار بتمام الإيجاب والقبول وإن لم يتفرقا ويتضح ذلك بتمهيد ثلاث قواعد أصولية (القاعدة الأولى) أن اسم الفاعل حقيقة في الحال مجز في المضي على الأصح (القاعدة الثانية) أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم (القاعدة الثالثة) أن العلة إذا ذهبت ذهب معلولها إذا تقرر هذا وجب أن يحمل لفظ المتبايعين على حالة التبايع إذ هو الحقيقة وأما إذا تم الإيجاب والقبول بينهما فلا يطلق عليهما مبتايعان إلا مجازا عملا بالقاعدة الأولى والخيار حكم رتب على وصف التبايع الحقيقي فوجب أن يكون له علة عملا بالقاعدة الثانية ثم إذا ذهب ذلك الوصف الحقيقي وجب أن ينتفي حكم الخيار عملا بالقاعدة الثالثة اه.
فما قاله تأييد لقول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه (وأما) حكمة مشروعيته فإن الخيار في البيع لا يخلو من غرر إذ لا يدري كل واحد من المبايعين ما يصير له وفي أي وقت يكون له وإنما جوزته السنة لحاجة الناس إلى ذلك لأن المبتاع قد يحتاج إلى اختبار المبيع وإلى اختبار الثمن وربما لا يستقل بنفسه وكذا البائع فشرع الخيار لهما رفقا بهما وكان القياس جوازه في النكاح والصرف لأن احتياج الرجل إلى تعرف حال المرأة أكثر مما يحتاج إليه في السلعة لاكن البيع لما كان طريقة المكايسة شرع ذلك فيه والنكاح لما كان مبينا على المكارمة والمواصلة لم يشرع فيه وأما الصرف فلم يشرع

الجزء: 3 - الصفحة: 61

فيه لأنه ينافي المناجزة المشروعة فيه ويكون الخيار لأحد أمور ثلاثة (الأول) ليتأمل في الثمن هل هو كثير أو غير كثير (والثاني) ليوافق نفسه في العزم على الشراء مع علمه بالثمن من الغلاء والرخص (والثالث) ليختبر المبيع فالدار يختبر بناؤها وجيرانها والدابة يختبر سيرها وقوتها ونشاطها وأكلها وحالها في وقوفها ووضع ءالتها عليها وما أشبه ذلك (وأما) حكم الشرع فيه فقد أشار إليه الناظم بقوله (بيع الخيار جائز الوقوع ... لأجل يليق بالمبيع) (كالشهر في الأصل وبالأيام ... فير غيره كالعبد والطعام) (وهو بالاشتراط عند العقد ... ولا يجوز فيه شرط النقد) يعني أن بيع الخيار جائز وقوعه بين الناس بالإجماع لأن قوله عليه الصلاة والسلام إلا بيع الخيار يدل على الخيار مطلقا كان أو مقيدا ولا خلاف فيه على الجملة قال ابن راشد كأن يقول رجل لآخر اشترى منك هذا الشيء وأنا عليك فيه بالخيار إذا ضربا لذلك لأجلا معلوما بالشرط حين العقد أو بالعادة إلى ما تختبر فيه تلك السلعة كشهر في دار ولا يسكنها وكثلاثة في سفينة أو كتاب أو ثوب ولا يلبسه فإن شرط لبسه فسد البيع وعليه كراء اللبس وفي الرطب والفواكه والخضر ما لا يقع فيه تغيير ولا فساد وإن ضربا للخيار أجلا مجهولا كقولهم إلى أن تباع السلعة كما يقع بكثرة فسد البيع وإن وقع بالخيار ولم يقع تعيين مدة لا معلومة ولا مجهولة فالعقد صحيح ويجعل لها أجل يناسبها مما تقدم ولو زيد في مدة الخيار مما هو مقدر لها عند العلماء فسد البيع ولا يجوز في بيع الخيار اشتراط تعجيل الثمن قبل انقضاء الأجل فإن وقع فسد البيع وإن أسقطاه وأما تعجيله تطوعا بلا شرط فهو جائز (تنبيهات) الأول لم يذكر الناظم ما يقطع الخيار وقاطعه أما قول أو فعل أو ترك فالقول نحو رضيت والفعل

الجزء: 3 - الصفحة: 62

كإجارته أو كرائه أو التسوق به أو لبسه والترك كانقضاء مدة الخيار والمبيع تحت يد من له الخيار ولا بد من انقضاء اليومين بعدها لأنه لو أراد الرد بعد مدة الخيار لكان له الرد في الغد والغدائين كما في النفراوي (الثاني) الذي يكون عنده المبيع زمن الخيار من المتبايعين إن كان الخيار لاختبار الثمن أو للتروي في إمضاء العقد وعدم إمضائه فالسلعة تكون عند البائع عند التشاح وإن كان لاختبار أكل الدابة أو لبنها ونحو ذلك مما تقدم فمحلها عند المشتري ويلزم البائع تسليمها له أن بين ذلك عند العقد أو كانت العادة جارية بتسليمها للمشتري للاختبار فإن وقع العقد على السكوت ولم تكن عادة لم يلزمه تسليمها وإن ادعى كل واحد منهما تقيض قصد صاحبه فسخ البيع إلا أن يتفقا على شيء (الثالث) إذا تعيب المبيع في أيام الخيار بأمر سماوي فحكمه حكم ما كان به قبل البيع لأن في ضمان البائع فهي مصيبة نزلت به وتكون الغلة له.
وإذا تلف فإن قامت بينة على تلفه بأمر سماوي في أيام الخيار لم يكن لواحد منهما مقال وإن ادعى من هو بيده إنه تلف فإن كان البائع والخيار له فلا مقال للمبتاع وإن كان الخيار للمبتاع والمبيع مما يغاب عليه واختار الإمضاء فله تحليف البائع ثم إذا حلف برئ وإن نكلغرم ولا ترد هذه اليمين لأنها للتهمة وإن كانت بيد المشتري والسلعة مما لا يغاب عليه صدق بعد يمينه ولا ضمان عليه إلا أن يأتي البائع بما يدل على كذبه وإن كان مما يغاب عليه ضمنه ما لم تقم له بينة على تلفه، وإذا تنازعا في وقت تلف المبيع فقال المبتاع في أيام الخيار وقال البائع بعدها فالقول قول البائع لأن المبتاع يدعي نقض البيع فعليه البينة كما في لب اللباب والله الموفق للصواب (ولما) فرغ من الكلام على الخيار شرع يتكلم على أبحاث الثنيا وتعرف بالإقالة عند بعض الناس فقال (والبيع بالثنيا لفسخ داع ... والخرج بالضمان للمبتاع) (ولا كراء فيه هبه لأجل ... أولا وذا الذي به جرى العمل)

الجزء: 3 - الصفحة: 63

(والشرح للثنيا رجوع ملك من ... باع إليه عند إحضار الثمن) فالثنيا بضم الثاء مع الياء والثنوي بالفتح مع الواو كما في المصباح ومعناها في اللغة الرجوع إلى ما سلف ومنه ثني عنانه وثنيت الحديث فكأن البائع رجع عن بيعه وقد نهي عليه الصلاة والسلام عن بيع الثنيا كما في الفايق ومعناها في العرف أن يقول البائع للمشتري حين العقد متى أتيتك بالثمن أو إلى أجل كذا عاد المبيع لي هذا معنى قول الناظم والشرح للثنيا البيت فلو صدر به لكان أولى فإن تبايعا على ذلك فسخ البيع لورود النهي عنه كما مر ولا يرد المبتاع الغلة التي حدثت عنده ولا كراء عليه في مقابلة الانتفاع بالمبيع وسواء كانت الثننيا مطلقة أو مقيدة هذا هو المشهور وبه جرى العمل لأن المبيع دخل في ضمانه أما إذا اشترى الأصول وفيها ثمار مأفورة واشتراطها ثم فسخ البيع فإنه يردها لأنه دفع لها حصة من الثمن فإذا عاد إليه ثمنه بجملته فمن حق البائع أن يعود إليه أصله بثمره ومحل فسخ بيع الثنيا ما لم يفت المبيع وفوته أما بخروجه عن ملكه وأما بحوالة الأسواق في غير الأصول وأما الأصول فلا يفتيها إلا الهدم والبناء والغرس وفيه تفصيل محصله إن عظمت مؤنته وكان الغرس محيطا بالأرض فاتت كلها وأن كان البياض أكثرها وإن كان في ناحية منها فإن كان فوق نصفها فات جميعها كذلك وإن كان أقل من ربعها فلا يفوت منها شيء وترد كلها ويرجع المشتري بقيمة غرسه قائما وإن كانت تلك الجهة الربع فأكثر إلى النصف فاتت تلك الجهة فقط والبناء كالغرس في هذا التفصيل ولا يفيتها حوالة الأسواق ولا طول الزمان بلا حد على القول المشهور المعمول به وقول الناظم بالثنيا الباء سببية أو بمعنى على والمعنى واحد وهو الدلالة على الشرطية بحيث لولا الثنيا لما وقع البيع أما إذا كانت الثنيا خارجة عن العقد ومنفصلة عنه فالحكم فيها هو ما أشار إليه الناظم بقوله (وجاز أن وقع بعد العقد ... طوعا بحد أو بغير حد) (وحيثما شرط على الطوع جعل ... فالأحسن الكتب بعقد مستقل)

الجزء: 3 - الصفحة: 64

يعني أن البيع إذا وقع صحيحا بتل ابتلا وطاع المشتري بالثنا بعد انعقاد البيع وانبرامه جاز الاستثناء بمعنى الثنيا وأمضى وسواء كان لأحل أو لغير أجل إلا أن كتبه في رسم مستقل أحسن من كتبه في رسم البيع لأنه يبعد تهمة الشرطية المفسدة للبيع وقول الناظم وحيثما الثنيا على الطوع جعل، لكان أولى قاله مياره ثم قال الناطم (والقول قول مدع للطوع ... لا مدعي الشرط بنفس البيع) يعني أن المتبايعين إذا اختلفا في الثنا فقال أحدهما وقعت طوعا بعد تمام العقد وقال الآخر بل وقعت شرطا في أصل العقد فلولاها ما وقع البيع وإنما كتبت طوعا خوفا من الفساد فإن القول لمدعي الطوع لأنه ادعى الصحة التي هي الأصل في العقود وهل بيمين أو بدون يمين قولان وما درج عليه الناظم من أن القول لمن ادعى الطوع تبعا لغيره ليس عليه عمل بل الذي جرى به العمل أن القول لمن ادعى الشرط لغلبة الفساد في العقود وقلة الديانة ولو كتبت الثنيا بعقد مستقل فإنه لا يفيد شيئا ويعد تحيلا لتصحيح الفاسد كما هو مشاهد ما لم يطل الزمن بين العقدين كما تقدم في شروط النكاح مستوفى فراجعه هناك إن شئت تمام الفائدة والله الموفق للصواب (تنبيهان الأول) إذا وقعت الثنيا جائزة فتارة تكون مقيدة بمدة وتارة تكون مطلقة فإذا كانت مقيدة بمدة فإن المشتري لا يجوز له البيع لغير البائع ويرد بيعه فيها أو بعدها بيوم ويأخذه البائع إن أراد لا بعد زيادة على يوم وإذا كانت مطلقة غير مقيدة بأجل فإنه يجوز للمشتري أن يبيعه لغير بائعه إلا إذا قام عليه البائع حين أراد التفويت فله منعه بالحاكم إذا كان ماله حاضرا فإن باعه بعد منع الحاكم رد البيع وغن باعه قبل أن يمنعه الحاكم نفذ البيع وإذا مات البائع المتطوع له بالثنيا فإن ورثته يقومون مقامه في التفصيل المتقدم وإن مات المشتري الذي تطوع بها بطل حكمها على القول المشهور لأنها كهبة لم تقبض إلا إذا أحضر البائع الثمن قبل انقضاء الأجل أو عنده أو أحضره في حياة المتطوع في المطلقة فلم يقبله حتى مات أو انقضى الأجل في المقيدة بأيام زايدة

الجزء: 3 - الصفحة: 65

على ما تقدم فإن البائع أو ورثته ينفعهم ذلك بعد ثبوته شرعا ويرد إليهم الاصل بذلك ولا يفوت عليهم بموته ولا بانقضاء الأجل (الثاني) اختلف فيمن باع عقارا أو غيره وطلب من المشتري الإقالة فقال له أخاف أن تبيعه لغيري فقال له أن بعته لغيرك فهو لك بالثمن الأول أو بالذي أبيعه به فإقالة المشتري على هذا الشرط فالمشهور من المذهب فساد هذه الإقالة لما في ذلك من التحجير وهي بيع من البيوع فإذا نزلت فسخت ما لم تفت بالبيع ونحوه فتصح كذا في البرزلي ثم قال الناظم

فصل في بيع الفضولي وما يماثله

فالفضولي بضم الفاء أصله في اللغة جمع فضل كفلوس جمع فلس وقد استعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه ولهذا نسب إليه على لفظه فقيل فضولي لمن يشتغل بما لا يعنيه لأنه جعل علما على نوع من الكلام فنزل منزلة المفرد كذا في المصباح والمشهور رحمته إلا على من يصلح به ذلك ويرتضيه قال عليه الصلاة والسلام من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقول الناظم وما يماثله أي يماثل بيع الفضولي كالهبة واستفادة الزوج مال زوجته وقسم تركة المديان ورب الدين حاضر ساكت بلا مانع كما يأتي (ثم) أن الذي يباع عليه ماله لا يخلو إما أن يكون حاضر ساكت با مانع كما يأتي (ثم) إن الذي يباع عليه ماله لا يخلو إما أن يكون حاضرا مجلس العقد أو غائبا عنه ثم يبلغه وفي كل من الوجهين إما أن يقر البائع بالملكية لصاحب ذلك الشيء أو يدعيه لنفسه وإلى الأول بقسميه أشار الناظم بقوله (وحاضر بيع عليه ماله ... بمجلس فيه السكوت حاله) (يلزم ذا البيع وإن أقر من ... باع له بالملك أعطي الثمن) (وإن يكن وقت المبيع بائعه ... لنفسه ادعاه وهو سامعه) (فماله إن قام أي حين ... في ثمن حق ولا مثمون) يعني أن من بيع عليه ماله وهو حاضر في المجلس ساكت بلا عذر من خوف على

الجزء: 3 - الصفحة: 66

نفسه أو على ماله لا يغير ولا ينكر ثم قام بعد انعقاد البيع وأراد الرجوع فيه بدعوى عدم الرضى فإنه لا سبيل له إلى نقضه وإنما له أخذ الثمن فقط حيث أقر له البائع بالملك وأما إذا باعه وهو ينسبه لنفسه ويقول إنما أبيع مالي ورب الملك حاضر كذلك ثم قام يطلبه بعد فإن كان قيامه قبل السنة وأثبت أنه ملكه والبائع لا زال ينسبه لنفسه وعجز عن الطعن فيما أثبته المالك فإن البائع يقضي عليه بدفع الثمن للمالك ولا ينقض البيع لأنه بسكوته لزمه وأما إذا كان قيامه بعد السنة من يوم البيع فم يكن له حق لا في ثمن ولا في مثمن وقول الناظم أي حين بالنصب على الضر فيه أي بعد حين وهو السنة وسيأتي الكلام على حكم من كان سكوته لعذر ثم أشار إلى الثاني بقسميه فقال (وغائب يبلغه ما عمله .... وقام بعد مدة لا شيء له) (وغير من في عقدة البيع حضر ... وبالمبيع بائع له أقر) (وقام بالفور فذا التخيير في ... إمضائه البيع أو الفسخ اقتفى) (وإن يقم من بعد أن مضى زمن ... فالبيع ماض وله أخذ الثمن) (إن كان عالما بفعل البائع ... وساكت لغير عذر مانع) يعني أن من بيع عليه ماله بدعوى البائع أن الملك له ثم يبلغه ذلك ولم يقم إلا بعد انقضاء مدة الحيازة الآتي بيانها فإنه لا شيء له لا في ثمن ولا في مثمن ولو أثبت أصله ملكه ومفهوم قوله بعد مدة أنه إن قام قبلها كان على حقه وهو كذلك إلا أنه إن قام بالفور كان له النظر في إمضاء البيع وأخذ الثمن من البائع أو فسخه وإن قام بعد العام ونحوه لم يكن له إلا الثمن فقط وإن لم يقم إلا بعد انقضاء مدة الحيازة فكما تقدم (فقوله) وغير من في عقدة البيع حضر يغني عنه قوله وغائب يبلغه الخ لأن موضوع المسألة في الذي لم يحضر مجلس العقد وقوله إن كان عالما بفعل البائع شرط في إمضاء البيع بعد العام فمفهومه إن لم يعلم فإن البيع لا يمضي عليه وهو

الجزء: 3 - الصفحة: 67

كذلك ثم إنه إذا قام بالفور أو علم وسكت أياما قليلة كان له الفسخ أو الإمضاء وإن كثرت الأيام فليس له إلا الثمن ولو تجاوزت مدة الحيازة فإن ذلك لا يضره لأن البائع في هاته المسألة مقر له بالملك فلا يبطل عليه حقه بطول الزمان وقوله وساكتا لغير عذر مانع مفهومه أنه إذا كان سكوته لعذر مانع له من رد فعل البائع كخوفه على نفسه أو على أخذ بقية ماله من سطوة البائع أو المشتري فله القيام وهو كذلك إذا أشهد أنه غير راض بالبيع وقام بفور زوال العذر فإن سكت حتى مضت مدة الحيازة بطل حقه إذا كان البائع ينسبه لنفسه كما تقدم في التفصيل والبيان وقوله أو الفسخ بالجر معطوف على إمضائه وقوله من بعد أن بفتح الهمزة ثم شرع في بيان ما يماثل بيع الفضولي فقال (وحاضر لواهب من ماله ... ولم يغير ما رأي من حاله) (الحكم منعه القيام بانقضا ... مجلسه إذ صمته عين الرضى) (والعتق مطلقا على السواء ... مع هبة والوطء للإماء) يعني أن الفضولي إذا وهب ملك غيره والمالك حاضر في المجلس ساكت بلا مانع ولم يغير ولم ينكر ما رءاه من فعل الواهب حتى انقضى المجلس فالحكم منع المالك من رد الفعل إذا أراده رده ولزمته الهبة لأن سكوته بلا عذر يعد منه رضى بهبة الفضولي وقيامه بعد ذلك يعد منه ندامة فلا يقبل منه وسواء نسبة الفضولي لنفسه أو نسبه لمالكه ولا شيء له في مقابلة الموهوب وكذا إذا أعتق الفضولي رقيق الغير فإنه يلزمه كلزوم الهبة المذكورة في المثال على السواء وسواء كان العتق ناجزا أو لأجل هذا معنى قوله مطلقا أو ادعى رجل ملكية أمة الغير بهبة مثلا وذكر أنه كان وطئها ومالكها حاضر ساكت كذلك ثم قام بعد انقضاء المجلس ينازع فإنه لا حق له لأن سكوته لغير عذر يعد منه رضي وفي هذا الفرع احتمالات وتأويلات كما في حاشية المهدي فاقتصرت على بعضها وكلها من جهة الفقه صحيحة ومفهوم قوله حاضر أنه إذا كان غير حاضر

الجزء: 3 - الصفحة: 68

فله القيام وهو كذلك لكن بشرط أن يكون قيامه بفور علمه كاليومين والثلاثة وحينئذ يكون له الفسخ والإمضاء وإلا لزمه ذلك ولا شيء له لأن الفضولي فوته عليه بغير عوض ومسألة الأمة تجري مجرى الاستحقاق كما يأتي في بابه.
وقول الناظم ماله ضميره يعود على حاضر وكذلك ضمير بغير وضمير حاله يعود على واهب وضمير منعه يعود على حاضر أيضا والقيام بالنصب مفعول ثان للمصدر الذي هو منعه المضاف إلى مفعوله الأول وفاعل المصدر ضمير تقديره هو يعود على الحكم وبانقضاء متعلق بالقيام وضمير مجلسه يعود على العقد وضمير صمته يعود على حاضر وقوله (والزوجة استفاد زوج مالها ... وسكتت عن طلب لما لها) (لها القيام بعد في المنصوص ... والخلف في السكنى على الخصوص) (كذاك ما استغله من غير أن ... متع إن ماتت كمثل من سكن) (فيه الخلاف والذي به لعمل ... في الموت أخذها كراءها ما استغل) يعني أن الزوج إذا استفاد مال زوجته باستغلال أو حرث أو كراء وقبض الكراء أو استخلص ديونها ونحو ذلك وسكتت عن طلبه لما ثبت لها عليه من الحقوق المذكورة وغيرها ثم إنها إذا قامت تطلبه لحقها بعد سكوتها فلها ذلك ولو كانت رشيدة طال الزمن أو قصر هذا هو المنصوص من قول مالك رضي الله تعالى عنه بلا خلاف إلا في مسألتين (إحداهما) استغلاله بالسكنى معها في دارها فقيل لها الكراء إذا قامت تطلبه به وهو موسر حين السكنى معها وإلا فلا شيء عليه وقيل لا كراء لها عليه ولو سفيهة ولو كانت تسكن بالكراء إلا أن تبين له ذلك وعلى هذا اقتصر الشيخ خليل فقال وإن تزوج ذات بيت وإن بكراء فلا كراء إلا أن تبين اه وهذا هو المشهورة وبه الفتوى (والثانية) ما استغله الزوج من غير أن تبيح له ذلك الاستغلال بوجه المتعة بعد عقد النكاح كما مر في بابه وقامت تطلبه بعد موته فقيل لا كراء لها فيما استغله

الجزء: 3 - الصفحة: 69

الزوج وقيل لها ذلك وهو القول الراجح وبه العمل وإلى هاتين المسألتين أشار الناظم بقوله والخلف في السكنى إلى ءاخر الأبيات الأربعة مع بيان ما جرى به العمل في أخذ كراء ما استغل قال الشيخ مياره ومفهومه أنها لا تأخذ كراء ما سكن ومفهوم الموت أنها ترجع في حياته في السكنى يعني على أحد قولين كما تقدم وترجع في غيرها كما مر ومفهوم قوله من غير أم متع أن ما أمتعته به من سكنى واستغلال بعد عقد نكاحها فلا رجوع لها به عليه (وقوله) عن طلب لمالها فالأم من لها حرف جر مفتوح متعلق بمحذوف صلة ما وقوله من غير أن متع بفتح الهمزة وقوله إن مات بكسر الهمزة وضمير فيه يعود على ما استغله وقوله كذاك أي كالخلاف الواقع في السكنى (تنبيه) قد تقدم الكلام على اختلاف الزوجين في القبض وعدمه فيما تولاه الزوج لزوجته في باب الوكالة فليراجع هناك عند الحاجة إليه وقوله (وحاضر لقسم متروك له ... عليه دين لم يكن أهمله) (لا يمنع القيام بعد أن بقي ... للقسم قدر دينه المحقق) (ويقتضي من ذاك حقا ملكه ... بعد اليمين أنه ما تركه) يعني أن من حضر قسم متروك عن ميت له عليه دين وهو عالم بدينه ساكت بلا عذر ثم قام يطلب بعد أن اقتسم الورثة أو الغرماء ما اقتسموه من التركة فله القيام بدينه إن بقي من التركة قدر الدين أو أكثر للقسم في المستقبل وسكوته لا يكون مانعا له من القيام لأنه يقول إنما كان سكوتي لكون الباقي بلا قسم فيه وفاء لديني ويقضي له به بعد يمينه إن سكوته وقت قسم ما قسم من التركة لم يكن إسقاطا لحقه ولا تركا له ويحلف يمينا أخرى وهي يمين القضاء أنه لم يقبض دينه ولا شيئا منه ولا تركه ولا أحال عليه، ومفهوم إن بقي قدر دينه أنه إن بقي أقل لا يأخذ إلا ذلك الأقل بعد اليمينين أيضا فإن لم يبق من التركة شيء فلا قيام له إلا إذا ادعى عدم العلم بدينه وقال ما علمت الدين إلا حين وجدت الوثيقة فيكون له القيام ويقضي له بحقه بعد

الجزء: 3 - الصفحة: 70

الحلف على عدم العلم بالوثيقة ويمين القضاء وكذا إذا كان سكوته لعذر كخوفه من ظالم يتمنع الورثة به أو كان هو أحد الورثة فإذا زال المانع كان له القيام بعد حلفه إنه ما ترك القيام إلا لكذا ويقضي له بحقه بعد يمين القضاء وقول الناظم له الضمير يعود على حاضر وضمير عليه يعود على الميت الذي يترك المال المفهوم من السياق ثم قال

فصل في بيع المضغوط وما أشبهه

أي هذا فصل في بيان حكم من بيع ماله بسبب الظلم وما أشبهه من بيع الإنسان ما غصب منه وأشار إلى الأول بقوله (ومن يبع في غير حق شرعي ... بالقهر ما لا تحت ضغط مرعي) (فالبيع إن وقع مردود ومن ... باع يحوز المشتري دون ثمن) يعني أن من أكره على دفع مال ظلما حتى باع ملكه لا داء المال خائفا على نفسه من القتل أو العذاب فإنه بيعه غير لازم لعدم تكليفه لأنه مكره بالضغط عليه والمكره غير مكلف وله رد الشيء المشتري منه عند زوال القهر بدون ثمن وسواء قبضه البائع ودفعه للظالم أو قبضه الظالم بنفسه إذا كان المشتري عالما بالضغط وإلا فلا يأخذه ربه إلا بالثمن هكذا قيد به الشارح كلام والده وكذا لو أكره على بيع ملكه بدون وجه شرعي فله رد البيع عند زوال الظلم ويرد ما قبضه من الثمن لمن قبضه منه.
ومفهوم قوله في غير حق شرعي أن المكره على بيع ماله لحق شرعي فإنه لا يعد إكراها كمن أكره على بيع ملكه لقضاء دين أو نفقة زوجته أو توسعة طريق أو مسجد ونحو ذلك ويجوز شراؤه وبيعه ماض اتفاقا ومفهوم وصف الضغط بالمرعي أن الضغط الذي ليس بمرعي شرعا لا يسمى إكراها ولا يعتبر وذلك كمن باع ملكه حياء أو خوفا على أجنبي ثم إن الضغط تارة يكون على البيع وتارة يكون على سببه كما علمت فإن كان على البيع فهو غير نافذ اتفاقا وإن كان على سببه ففيه خلاف وما درج عليه الناظم هو القول

الجزء: 3 - الصفحة: 71

المشهور وقيل لازم نافذ والذي اشترى منه مأجور لأنه أنقذه من عذاب أهل الشرور والفجور وبه العمل وقوله يحوز من الحوز وقوله المشتري بفتح الراء أي يرد البائع الملك المشتري منه ويحوزه ثم أشار إلى ما يشبه بيع المضغوط فقال (والخلف في البيع لشيء مغتصب ... ثلثها جوازه ممن غصب) يعني أن الشيء المغصوب اختلف في جواز الإقدام على بيعه على ثلاثة أقوال قيل يجوز مطلقا وقيل يمنع مطلقا وقيل يجوز بيعه للغاصب دون غيره وهذا التفصيل هو المشهور ومفهوم قوله ممن غصب أنه لا يجوز بيعه لغير الغاصب قبل قبضه وهو كذلك لأنه شراء ما فيه خصومة والمشهور منعه كما تقدم ثم قال

فصل في مسائل من أحكام البيع

أي هذا فصل في بيان أحكام مسائل متفرقة من باب البيع كالبيع على المولى عليه وبيع المريض وابتياعه وبيع الحاكم والورثة على البراءة وبدأ بحكم الأول فقال (اب على بنيه في وثاق ... حجر له يبيع بالإطلاق) (وفعله على السداد يحمل ... وحيث لا رد ابنه ما يفعل) (وبيع من وصي للمحجور ... إلا لمقتض من المحظور) (وجاز بيع حاضن بشرط أن .. أهمل محضون ولا يعلو الثمن) (عشرين دينارا من الشرعي ... فضية وذا على المرضي) قد تقدم الكلام على بيع الفضولي وهو من يتولى العقد بدون وكالة ولا ولاية والكلام في هذه الأبيات على من يتولى عقد البيع على غيره بسبب ولايته عليه وهو الأب والوصي والكافل وكذلك القاضي ومقدمه (فأما) الأب فإنه يجوز له البيع على صغار بنيه

الجزء: 3 - الصفحة: 72

وأبكار بناته وعلى البالغ المولى عليه والشراء لهم وفعله أبدا محمول على السداد حتى يثبت خلافه فإن ثبت خلاف السداد رد ابنه بعد رشده ما فعله ونقضه هذا معنى قول الناظم وحيث لا رد ابنه ما يفعل أي حيث لا سداد في البيع رد ابنه ما فعله ونقضه ويرجع المشتري على الأب بالثمن.
وأما الوصي فهو كالأب في الحمل على السداد فيفعل في مال محجوزه ما يفعله الأب أن لو كان حيا لاكن لما كان أقل رتبة من الأب لا يجوز له أن يبيع مال اليتيم إلا لسبب من الأسباب وهي الاحتياج إلى النفقة والكسوة والمسكن وغزارة الثمن بأن يكون زائدا على الثلث وخوف السقوط إذا لم يكن له مال يصلحه منه أو يكون مشتركا وتعذرت قسمته فيريد أن يشتري له ملكا مستقلا والخوف من سلطان وأن يكون الملك مثقلا بالخراج أو الإنزال فيريد أن يشتري له ملكا حرا وإن لا يكون مما تعود عليه فائدة فيستبدل بثمنه ما فيه فائدة وإن تكون الدار المعدة لسكناه لا؟ ؟ بين قوم فاسقين أو أجنبيين كاليهود فيشتري له دارا بين قوم صالحين أو مستورين وأن يكون هو أولى بالبيع من غيره للضرورة إذا كانت له أملاك وإن ثمنه الذي أريد بيعه به بلغ قيمة المبيع.
وأما الحاضن ففي بيعه مال محضونه أربعة أقوال الجواز إذا أحسن النظر ولم يتهم والمنع والجواز في بلد لا حاكم فيه والجواز في يسير الثمن وهو القول المرتضي كما قال الناظم وبه العمل وقد بين اليسير بقوله عشرين دينارا الخ وذلك بعد ثبوت الكفالة وإهمال اليتيم (وأما) القاضي والمقدم فحكمهما واحد وهو جواز البيع على اليتيم المهمل اتفاقا بعد ثبوت السبب بالشهادة العادلة وسمي الشهود لا بمجرد الذكر ويضمن الشهود شهادة السبب والإذن ممن له النظر في رسم البيع تصحيحا للعقد وقطعا للنزاع من المولى عليه بعد رشده هذا ما يتعلق بكلام الناظم بالنظر إلى الأمر القديم والذي عليه عمل تونس وتوابعها اليوم أن الأب والوصي والكافل حكمهم حكم المقدم من قبل القاضي وإن كل واحد منهم لا يجوز له أن يفوت مال محجوره إلا بعد مشورة القاضي ليثبت الموجب للبيع لديه وإن ماله إذا كان عينا يكون مؤمنا تحت نظر القاضي يضعه تحت يد من كان معينا لذلك لقلة

الجزء: 3 - الصفحة: 73

أمانتهم وكثرة ضررهم بمحاجيرهم فهو من باب سد الذرائع الذي هو قاعدة من قواعد المذهب فقد تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور قاله عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ومع هذا التشديد والاحتياط لم ينقطع تحيلهم على أكل أموالهم بالباطل فإنا لله وإنا إليه راجعون واعلم أن هذا العمل جدير بالإتباع لما فيه من دفع الضرر وجلب المصلحة وترك النزاع إلى غير ذلك من مهمات الأمور فهو فعل مبرور وصاحبه مأجور وقول الناظم وثاق بفتح الواو وكسرها وقوله (وما اشترى المريض وما باعا ... إن هو مات بأبى الامتناعا) (فإن يكن حابي به فالأجنبي ... من ثلثه يأخذ ما به حبي) (وما به الوارث حابي منعا ... وإن يجزه الوارثون اتبعا) يعني أن ما اشتراه المريض أو باعه في حال مرضه ولو كان مخوفا ومات منه فإن شراءه أو بيعه جائز نافذ لا يمنع ولا يفسخ لأنه لا حجر على المريض في المعاوضات بخلاف التبرعات كما يأتي هذا أن اشترى أو باع بالقيمة أما أن أشتري شيئا بأكثر من ثمنه بكثير بقصد نفع البائع أو باع بأقل من قيمته بكثير بقصد نفع المشتري وظهرت المحاباة منه بذلك فإن كان الذي حاباه أجنبيا فالشراء أو البيع نافذ ويكون ما حابى به من الثلث فإن حمله الثلث أو كان أقل منه مضى وإن كان أكثر من الثلث فللورثة رد الزائد ولهم إمضاؤه أما إذا لم يقصد بذلك نفع البائع أو المشتري بأن وقع منه ذلك جهلا بقيمته فهو غبن لا رد به على المشهور المعمول بهه كما يأتي وإن كان الذي حاباه وارثا ردت المحاباة فقط وصح ما عداه وإذا أجازت الورثة فعله فيهما فإنه ينفذ ويصح بشرط الحوز لأنه ابتداء عطية (تنبيه) ما تقدم للناظم إنما هو في المحاباة في ثمن المبيع وأما إن كانت المحاباة في عين المبيع مثل أن يقصد إلى خيار ما يملكه فيبيعه من ولده بمثل الثمن أو أكثر فللورثة نقض البيع في ذلك قاله اللخمي والتونسي وغيرهما كما في التسولي نقلا عن الفائق وقوله ثلثه بسكون اللام وحبي مبني للنائب وقوله

الجزء: 3 - الصفحة: 74

(وكل ما القاضي يبيع مطلقا ... بيع البراءة به تحققا) (والخلف فيما باعه الوصي ... أو وارث ومنعه مرضي) (إلا بما البيع به يكون ... برسم أن تقضي به الديون) يعني أن كل ما يبيعه القاضي من عقار أو حيوان أو رقيق أو عروض أو غير ذلك سواء باعه على يتيم أو على مفلس أو على غائب هذا معنى قوله مطلقا فهو بيع براءة وإن لم يبين وليس للمشتري رد بعيب قديم يجده فيما اشتراه وهو منه بعقد الشراء إلا بالاستحقاق فإنه يرجع بثمنه وما ذكره الناظم من أن بيع القاضي على البراءة في كل شيء هو أحد روايتين عن مالك وعلها اعتمد الناظم وبها العمل واختلف في بيع الوصي أو الوارث هل هو بيع براءة فلا رد للمبتاع بالعيب القديم أو ليس على البراءة فله الرد وكون بيعهما ليس على البراءة هو القول المرضي أي المعمول به إلا إذا بينا أن المبيع ارث وكان لقضاء حق على الميت أو الإنفاق على اليتيم أو تنفيذ وصية لا لمجرد الانفصال بين الورثة فالمرضي من القولين حينئذ أن يكون بيعهما على البراءة فقول الناظم إلا بما البيع الخ مستثنى من قوله ومنه المرضي إلا في هذه الصورة التي يكون فيها البيع برسم لقضاء دين فلا يكون المنع مرضيا بل كونه على البراءة هو المرضي لا أنه مستثنى من الخلاف حتى يرد عليه ما أورده التاودي كما في حاشية المهدي ولما كان في كلام الناظم نوع تعقيد مع عدم شموله لما قررنا به كلامه لو قال بدل البيت الأخير وإن يكن مع البيان يقتبل ... لدفع حق وبه جرى العمل لكان أوضح ثم قال

الجزء: 3 - الصفحة: 75

فصل

أي هذا فصل في بيان بعض شروط العاقد المتقدمة أول الباب (ومن أصم أبكم العقود ... جائزة ويشهد الشهود) (بمقتضى إشارة قد أفهمت ... مقصوده وبرضاه أعلمت) (وإن يكن مع ذاك أعمى امتنعا ... لفقده الأفهام والفهم معا) (كذلك للمجنون والصغير ... يمنع والسكران للجمهور) يعني أن ما يعقده الأصم الأبكم من بيع وابتياع ونكاح كما تقدم في بابه وتبرع من هبة وصدقة إلى غير ذلك جائز لازم ويعتمد الشهود على فعل ذلك بإشارته التي تفهم الشاهد مقصوده وتدل على رضاه قطعا وإن يكن مع الصمم والبكم العمى امتنع كل عقد في حقه لعدم وجود الإفهام منه للشاهد عليه والفهم له وحينئذ يكون النظر له مع ذلك في ماله وغيره للقاضي وكذا يمتنع العقد من الصغير والمجنون الذين لا يميزان اتفاقا وكذا السكران الذي لا تمييز عنده إذ كان سكره بحرام يعلمه عند جمهور العلماء بعد أن يحلف بالله إنه ما عقل وقت فعله فإذا كان عنده نوع من التمييز صح عقده اتفاقا وإنما الخلاف في اللزوم وعدمه والمعتمد عدم اللزوم أما إذا كان سكره بحلال أو بخمر يظنه غيره فإن بيعه لا يصح اتفاقا هذا كله بالنسبة إلى عقده وإقراره وأما جنايته وعتقه وطلاقه وحده على الزنى وغيره فإنها لازمة له وإليها أشار الشيخ ابن عاشر بقوله لا يلزم السكران إقرار عقود ... بل ما جنى عتق طلاق وحدود فهذا مذهبنا وقيل لا يلزمه شيء وقيل يلزمه كل شيء وقيل تلزمه الأفعال ولا تلزمه الأقوال فالمذاهب أربعة انظر بسطها في الخطاب أول البيوع إن شئت وقول الناظم

الجزء: 3 - الصفحة: 76

أفهمت وأعلمت وامتنعا الأفعال الثلاثة مبنية للفاعل وألف امتنعا للإطلاق وقوله كذاك الإشارة راجعة للحكم السابق وهو امتناع العقد وقوله للمحجور متعلق بيمنع والأم بمعنى من والصغير والسكران مجروران بالعطف على المجنون وللجمهور متعلق بيمنع أيضا والأم بمعنى عندكما في التصريح ثم قال (وذو العمي يسوغ الابتياع له ... وبيعه وكل عقد اعمله) (وبعضهم فرق بين من ولد ... أعنى ومن عماه من بعد وجد) يعني أن الأعمى يجوز شراؤه وبيعه وكل عقد اعمله من نكاح وهبة وغير ذلك من المعاوضات والتبرعات وقال بعض العلماء إن ولد أعمى وفي معناه من عمي صغيرا فلا يصح بيعه ولا ابتياعه وإن طرأ عليه ذلك بعد الإبصار صح بيعه وشراؤه وفي المقصد المحمود فيمن ولد أعمى لا تجوز معاملته في بيع ولا ابتياع لجهله بالمبيع وإجازه الشيخ أبو الحسن فيما يرجع إلى الذوق واللمس دون ما يرجع إلى اللون والشكل وهو أحسن اه ثم قال

فصل في اختلاف المتبايعين

تشبيه متبايع بالياء بدون همز واختلافهما أما في قدر الثمن أو في جنسه أو في الأجل أو في انقضائه أو في قبض الثمن أو المبيع أو في الصحة والفساد أو في تابع المبيع وتكلم الناظم على هذه الأنواع كلها على هذا الترتيب وبقي عليه اختلافهما في أصل العقد فالقول لمنكره إجماعا أو في البيع والرهن فالقول لمدعي الرهن ماا لم يفت العقار بيد مدعي الشراء بالغرس والهدم والبناء والمدعي عالم ساكت بلا مانع أو في البت والخيار فالقول لمدعي البت ما لم يغلب البيع بالخيار فيكون القول لمدعي الخيار هذا كله مع عدم البينة كما هو ظاهر فلو قال الناظم وإن هم في أصل البيع اختلفا ... فمن نفاه منهما فيقتفي

الجزء: 3 - الصفحة: 77

وذاك مع يمينه كما يجب ... وإن أراد قلبها فتنقلب والقول قول مدعي الرهان ... ما لم يفت بالغرس والبنيان إلا إذا كان لعذر يسمع ... فإن قوله به لا يقطع كالمدعي للبت لا الخيار ... ما لم يكن هناك عرف جار ويقول (وحيثما اختلف بائع ومن ... منه اشترى إن كان في قدر الثمن) (ولم يفت ما بيع فالفسخ إذا .... ما حلفا أو نكلا قد أنفذا) (والبدء بالبائع ثم المشتري ... في الأخذ واليمين ذو تخير) (ثم لكل واحد بعد الرضى ... وقيل إن تحالفا الفسخ مضى) (وقيل لا يحتاج في الفسخ إلى ... حكم وسحنون له قد نقلا) د (وإن يفت فالقول للذي اشترى ... وذا الذي به القضاء قد جرى) الأبيات الستة يعني أن المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن مع عدم فوات المبيع بأن قال البائع بعته بعشرة مثلا وقال المشتري بل بثمانية وكذا اختلافهما في الجودة والرداءة على المعتمد لأنه يؤل إلى الاختلاف في القدر فإنهما يتحالفان ويفسخ العقد بينهما كما إذا نكلا معا عن اليمين ويقضي للحالف على الناكل والبدء بالبائع على المشهور وقيل بالمشتري وقيل يقرع بينهما وقيل يخبر الحاكم وعلى المشهور من تبدئة البائع فهل هي من باب الأولى أو من باب الواجب قولان كما في القلشاني فيحلف البائع أنه ما باع إلا بعشرة ثم يقال للمشتري إن شئت فخذه بالعشرة فإن أخذه بها فظاهر وإلا حلف أنه ما اشتراه إلا بثمانية ويفسخ البيع بينهما إذا اتفقا على فسخه وإن لم يتفق على فسخه فلكل واحد منهما الرضى بعد التحالف كما قال الناظم فلمن شاء إن يلزم الآخر مقالته فله ذلك وقيل إن تحالفا فالفسخ مضي يعني بحكم حاكم

الجزء: 3 - الصفحة: 78

وهو القول الراجح وقيل لا يحتاج في الفسخ إلى حكم بل بمجرد حلفهما ينفسخ العقد وليس لواحد منهما الرضى بعد ذلك فحمل كلام الناظم على هذه الأقوال الثلاثة مع عدم التكلف أولى فالأول منه لابن عبد الحكم والثاني لابن القاسم والثالث لسحنون هذا كله إذا كان المبيع قائما فإن فات بشيء من المفوتات كالاستهلاك وحوالة السوق فإن القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه مع يمينه على القول الذي به القضاء وإلا حلف البائع إن أشبه ويأخذ ما قال وإن نكل أخذه المبتاع بما قال بدون يمين وإن أتى كل واحد منهما بما لا يشبه فعلى المبتاع القيمة بعد أن يصفه إلا أن تقوم بينة بخلاف وصفه فيكون الحكم عليها (وقوله) انفذا بالبناء للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على الفسخ وألفه للإطلاق وقوله وسحنون بالرفع مبتدأ وجملة قد نقلا من الفعل ونائب الفاعل خبره وله بمعنى عنه متعلق بنقلا وألفه للإطلاق (ولما) فراغ من الكلام على اختلافهما في قدر الثمن مع وجود المبيع أو فواته شرع يتكلم على اختلافهما في جنس الثمن مع وجود المبيع أو فواته أيضا فقال (وإن يكن في جنسه الخلف بدا ... تفاسخا بعد اليمين ابدأ) (وما يفوت واقتضى الرجوعا ... بقيمة فذاك يوم بيعا) يعني أن المتبايعين إذا اختلف في جنس الثمن وكذا في صنفه كان يدعي أحدهما أن البيع وقع بعين ذهب أو فضة وادعى الآخر أنه وقع بعرض أو طعام أو ادعى أحدهما أن البيع وقع بذهب وادعى الآخر أنه وقع بفضة فالحكم في ذلك أنهما يتحالفان ويتفاسخان أبدا وسواء كان المبيع قائما أو فائتا أشبه أحدهما أم لا غذ ليس قول أحدهما بأولى من قول الآخر حتى ينظر للشبه مع الاختلاف في الجنس أو الصنف ونكولهما كحلفهما فإن كان المبيع موجودا رجع لبائعه وإن فات فالبائع يرجع فيه على المبتاه بمثله إن كان مثليا وبقيمته يوم بيعه إن كان مقوما ويصفه المبتاع كما تقدم فإن نكل أحدهما عما حلف على ضده الآخر قضى للحالف على الناكل وقوله

الجزء: 3 - الصفحة: 79

الرجوع مفعول اقتضى وفاعله ضمير تقديره هو يعود على الفوات المفهوم من فات وقوله فذاك الإشارة راجعة إلى اعتبار القيمة وقوله بيع بكسر أوله مبني للنائب ثم قام يتكلم على الاختلاف في الأجل وهو إما في أصله أو في قدره أو في انقضائه فقال (وحيثما المبيع باق واختلف ... في أجل تفاسخا بعد الحلف) (وقيل ذا إن ادعى المبتاع ما .. يبعد والعرف به قد عدها) (وإن يفت فالقول عند مالك ... لمالك نهج اليمين سالك) (وقيل للمبتاع والقولان .. لحافظ المذهب منقولان) (وفي انقضاء أجل بذا قضي ... متى يقول إنه لم ينقض) يعني أن المتبائعين إذا اختلفا في أصل الأجل كأن يقول البائع بالمعجل ويقول المشتري بل بالمؤجل أو اتفقا على التأجيل واختلفا في قدر الأجل كان يقول البائع إلى شهر ويقول المشتري بل إلى شهرين والمبيع قائم لم يفت فإنهما يتحالفان ويتفاسخان فيهما عند مالك وابن القاسم وقيل يكون هذا الحكم إذا ادعى المبتاع ما يبعد من الأجل ولم يكن بينهما عرف في ذلك المبيع يرجع إليه أما إذا كان بينهما عرف جار في ذلك فادعاه أحدهما فينبغي أن يكون القول قوله لأنه ادعى ما يشبه فإن فات المبيع بوده من وجوه القوت كالاستهلاك في الطعام وحوالة الأسواق في العروض والبيع والوقف في العقار ونحو ذلك فالقول قول البائع بيمينه عند مالك أيضا وقيل للمبتاع عند ابن القاسم فقط ونقل ابن رشد حافز مذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه هذين القولين في كتبه والمعتمد منهما أن القول للمبتاع إذا ادعى أمدا قريبا وإلا فالقول للبائع كل ذلك مع اليمين، وإن اختلفا في انقضاء الأجل بسبب اختلافهما في مبدئه هل هو أول الشهر أو نصفه مثلا ولا بينة لواحد منهما وفات المبيع فالقول للمبتاع بيمينه لأن الأصل عدم انقضاء المعاملة وقيل القول للبائع وبالأول القضاء كما قال

الجزء: 3 - الصفحة: 80

الناظم بذا قضي فإن الإشارة بذا راجعة إلى القول للمبتاع فإن أقام كل واحد منهما بينة عمل ببينة البائع لتقدم تاريخها كما في الزرقاني وقيل بالعكس كما تقدم في تعارض البينات عند قول الناظم.
وقدم التاريخ ترجيح قبل.
لامع يد والعكس عن بعض نقل وقوله متى يقول أهملت متى هنا حملا على إذا كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس على ما جاء في بعض الروايات وقوله نهج اليمين أي طريق اليمين معمول لسالك الذي هو حال من مالك الإمام لا مالك الذي هو البائع ووقف عليه بالسكون للوزن أو على لغة ربيعة ثم انشأ يتكلم على الاختلاف في قبض الثمن أو السلعة فقال (والقول قول مشتر بعد الحلف ... في القبض فيما بيعه نقدا عرف) (وهو كذا لبائع فيما عدا ... مستصحب النقد ولو بعد مدى) (كالدور والرقيق والرباع ... ما لم يجاوز حد الابتياع) (والقبض للسلعة فيه اختلفا ... جار كقبض حكمه قد سلفا) يعني إن المتبايعين إذا اختلفا في قبض الثمن فقال المشتري دفعت الثمن وقال البائع لم يدفع لي شيئا فالحكم في ذلك الرجوع للعرف الجاري بين الناس في ذلك المبيع فما جرت العادة بقبض صمنه حين العقد كاللحم والفواكه والخضر وما أشبه ذلك فالقول قول المشتري انه دفع الثمن للبائع مع يمينه وله قلبها وسواء كان الاختلاف بعد الافتراق أو قبله كثر المبيع أو قل ادعى الدفع قبل قبض المبيع أو بعده على القول المعتمد وما جرت العادة بأنه يباع وقد يتأخر قبض ثمنه لأسباب كالدور والحيوان وما أشبه ذلك فالقول قول البائع انه لم يقبض الثمن وسواء قام في الحين أو بعد زمن وقوع البيع ما لم يجاوز في ذلك حد الابتياع الذي لا يمكن الصبر إليه عادة بدون حد (فرع) إذا اشهد البائع بقبض الثمن ثم قام يطلبه وقال إنما أشهدت على نفسي

الجزء: 3 - الصفحة: 81

به ثقة مني بالمشتري فانه لا يصدق وإنما له اليمين على المشتري إن قام بالقرب كالعشرة الأيام على القول الذي به العمل كما تقدم في فصل الاختلاف في القبض من مسائل النكاح (وإذا) اختلفا في قبض المبيع فقال المشتري لم اقبضه وقال البائع بل أقبضته إياه فالحكم في ذلك كحكم اختلافهما في قبض الثمن فان كان المبيع مما جرت العادة بتسليمه للمشتري عند قبض ثمنه فالقول للبائع بيمينه وان كان مما جرت العادة بتراخي قبضه فالقول للمشتري بيمينه ما لم يجاوز في >لك حد الابتياع الذي لا يمكن الصبر إليه عادة بدون حد كما مر وقد حد بعضهم ذلك بالعام والعامين وحدها بعضهم بعشرين سنة وضعف هذا القول (فرع) قال ابن سلمون في رسم بيع الأرض والعقار ما نصه ومضى العمل بإلزام البائع الإنزال إذا طلب ذلك المبتاع فله ذلك إذا كان ما بينه وبين تمام العام فإذا انقضى العام لم يكن للمبتاع قيام وسقط عن البائع الطلب بذلك وكذلك إن اقر المبتاع بالملك للبائع فيلزمه التحديد ولا يلزمه الإنزال قرب أو بعد وكذلك إن انعقد في هذه الوثيقة انه عرف جميع ما ابتاعه وحدوده ونزل فيه وابرأ البائع من ذلك الإنزال والتحديد اهـ ونمه صاحب العمل الطلق قال شارحه قال ابن مغيث قال احمد بن محمد وان سقط من وثيقة الابتياع ذكر الإنزال فطلبه المبتاع بذلك لزمه أن ينزله في ذلك فان اختلفا أي في الحد فقال المبتاع من هنا إلى هنا ابتعت منك وقال البائع بل من هنا إلى خلاف ما قال المبتاع فان كان ذلك على قرب من تاريخ التبايع بينهما تحالفا وتفاسخا البيع إذا عدمت البينة في ذلك وان مضى لتاريخ البيع سنة سقط الإنزال وان كان في وثيقة الابتياع براءة الإنزال كان القول قول البائع مع يمينه قال غير واحد من الفقهاء وبه مضى العمل اهـ فإذا أراد المشتري أن يحل في العقار الذي اشتراه بعد السنة وجده بيد الغير فان كان سكوته لعذر شرعي فان حكم الإنزال لا يسقط عن المشتري كالشفعة وإلا كانت الخصومة مع من بيده الحوز ولا يفيده عقد الشراء إلا مع البائع لان الإنسان قد يبيع ما لا يملك وتكون النازلة من باب الاستحقاق الأتي بيانه فموضعها هناك والله اعلم

الجزء: 3 - الصفحة: 82

فقول الناظم في القبض أي قبض الثمن وقوله وهو كذا لبائع الضمير راجع للقول والتقدير كما أن القول للمشتري في المنيع الذي عرف بيعه بالقبض كذلك القول للبائع في عدم قبض ثمن المنيع الذي لم يعرف بيعه بالقبض ولا باستصحاب تعجيل ثمنه عند قبض المنيع بل تارة يقبض ثمنه وتارة لا يقبض كما مر وقوله مدى أي أزمان جمع مدة وقوله والقبض مبتدأ وجار خبره والقبض الذي سلف أي تقدم حكمه هو قبض الثمن ثم جعل يتكلم على اختلافهما في الصحة والفساد فقال (والقول قول مدع للأصل ... أو صحة في كل فعل فعل) (ما لم يكن هناك عرف جار ... على خلاف ذاك ذو استقرار) يعني أن المتخاصمين إذا ادعى احدهما البيع وانكره الأخر"فالقول قول منكره بيمينه لأنه الأصل أو ادعى الغريم خلاصه من الدين الذي عليه وادعى رب الدين عدم الخلاص معه فيه فالقول قول رب الدين بيمينه لان الأصل بقاء ما كان على ما كان أو ادعى احدهما إن البيع وقع على شرط كذا وانكره الأخر فالقول لمن انكر وقوع الشرط وقد تقدم شيء من هذا عند قول الناظم والمدعي عليه من قد عضدا ... مقاله عرف أو اصل شهدا والمدعى عليه باليمين ... في عجز مدع عن التبيين أو ادعى احدهما صحة العقد وادعى الأخر فساده لعدم توفر شروط صحته أو لاشتماله على شرط من شروط الفساد المتقدمة كان لا يبيع مثلا فان القول لمدعي الصحة لأنها الأصل في عقود المسلمين إلا إن يكون في ذلك الشيء المدعى فيه عرف جار بين الناس قد ثبت واستقر على خلاف الأصل بن كان الغالب عليها الفساد كما هو موجود بكثرة في العقود اليوم بل منذ أزمان فان القول حينئذ لمدعي ما يقتضيه العرف في كل عقد عقد بيعا كان أو غيره هذا كله إذا فات المبيع وإلا فيتحالفان ويتفاسخان وقوله ذاك الإشارة راجعة إلى المبيع وذاك الثاني إشارته راجعة إلى الأصل أو الصحة وقوله

الجزء: 3 - الصفحة: 83

ذو استقرار نعت ثان لعرف بعد نعته أولا بجار ثم اخذ يتكلم على اختلافهما في تابع المبيع فقال (وتابع المبيع كالسرج اختلف ... فيه يرد بيعه بعد الحلف) (وذاك إن لم يفت المبيع ... ويبدأ اليمين من يبيع) (وذا الذي قال به ابن القاسم ... وأن يفت فلاجتهاد الحاكم) يعني إن المتبايعين إذا اختلفا في تابع المبيع كالسرج والاكاف أي البردعة واللجام للدابة والثمرة المابورة وخلفة القصيل ونحو ذلك مما لا يتناوله المبيع إلا بشرط كما مر فادعى المشتري إن البيع وقع على الدابة بسرجها ولجامها أو باكافها أو على الشجر بثمره الموجود فيه أو على القصيل بخلفته وانقره البائع في ذلك فانهما يتحالفان ويتفاسخان ويبدأ البائع باليمين عند ابن القاسم كما سبق في الاختلاف في الثمن ويرد البيع من أصله وله قلب اليمين على المشتري هذا إذا لم يفت المبيع فان فات بأحد المفوتات المتقدمة فان الحكم في ذلك يكون لاجتهاد الحاكم فيمن يشبه منهما فان ظهر له إن الشبه للمشتري عمل على قوله مع اليمين وسواء أشبه البائع أيضا أم لا وان ظهر له أن الشبه للبائع قضى له بيمينه فان لم يشبها معا تحالفا ويبدأ المشتري كما مر ومضى بالقيمة ثم ذكر مسئلتين من المسائل التي يكون القول فيها لمدعي الأصل فأشار إلى الأولى منهما بقوله (وبيع من رشد كالدار ادعى ... بأنه في سفه قد وقعا) (للمشتري القول به مع قسم ... وعكس هذا لابن سحنون نمى) يعني إن من باع دارا لرجل مثلا قام عليه بدعوى إن البيع الذي صدر منه كان في حال سفهه قبل الترشيد الذي هو متصف به ألان وانه يريد إبطال البيع ورد المبيع إلى يده وأجابه المشتري بأنه ما اشتراه منه إلا بعد الترشيد وخروجه من

الجزء: 3 - الصفحة: 84

الولاية عليه وليس للشراء حجة مؤرخة تدل على تقدمه على تاريخ الترشيد أو تأخره فعلى البائع البينة انه باع ذلك قبل رشده لأنه مدع فان لم تكن له بينة فعلى المشتري اليمين انه باع وهو رشيد فان نكل حلف البائع وأخذ المبيع بعد رد الثمن إن صرفه في الشيء الذي لا بد له منه شرعا فان نكل عن اليمين بقي المبيع بيد المشتري.
وقال محمد ابن سحنون القول للبائع انه وقع منه البيع في حال السفه وعليه فالبينة على المشتري انه باع وهو رشيد والذي صدر به الناظم هو المعتمد لان الأصل في العقود للزوم والبائع يدعي عدمه فلهذا كان مطلوبا بالبينة لان دعواه على خلاف الأصل والمشتري مطلوب باليمين لأنه جاء على الأصل وليست هذه المسئلة كالتي بعدها من مسائل الصحة والفساد كما شرحه به بعض شراحه بل هما من مسائل اللزوم وعدم اللزوم لان بيع المميز والسفيه صحيح لاكنه غير لازم كما تقدم وقوله به الضمير للبيع والياء بمعنى في وقوله نمي أي نسب وأشار إلى الثانية بقوله (ومن يكن بمال غيره اشترى ... والمشترى له للأمر أنكرا) (وحلف الأمر فالمأمور ... منه ارتجاع ماله مأثور) (وماله شيء على من باعا ... ما لم يكن قد صدق المبتاعا) (وقيل بل يكون ذا تخير ... في أخذه من بائع أو مشتر) (والبيع في القولين لن ينتقضا ... والمشتري له المبيع مقتضي) يعني إن من اشترى شيئا بمال غيره وادعى أن ربه أمره بالشراء وانكره رب المال وقال ما أمرته بشرائه فرب المال مدعى عليه لأنه متمسك بالأصل وهو عدم الإذن والمشتري الذي هو مأمور بدعواه مدع فعليه البينة فان لم تكن له بينة في ذلك حلف الأمر ادعاه انه لم يأمره بالشراء واخذ ماله من المشتري المدعي انه مأمور وليس لرب المال رجوع على البائع بالمال على القول المروي عن اصبغ إلا أن يكون البائع صدق

الجزء: 3 - الصفحة: 85

المشتري في قوله إن رب المال أمره بالشراء فانه يرتجع منه ماله لزوما هذا هو القول المشهور وقيل إن رب المال مخير في اخذ ماله ممن شاء منهما سواء صدق البائع المشتري أو لم يصدقه فان أخذه من المشتري فلا كلام لان ما اشتراه يكون له وان أخذه من البائع رجع به على المشتري وعلى كل من القولين فان البيع لازم لا ينتقض بحال لصحته ولزومه وحينئذ فيكون المبيع للمشتري مقتضي أي مقبوضا (ومفهوم) قوله والمشترى بفتح الراء له أي رب المال للأمر انكرا انه إذا لم ينكر الأمر فانه يكون له وهو كذلك وقوله منه ضميره يعود على المأمور وارتجاع مضاف وماله مضاف إليه ومأثور أي مروي نعة لإرجاع كذا قال بعضهم والأحسن إن يكون فالمأمور مبتدأ أول وارتجاع مبتدأ ثان ومأثور خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر عن المبتدأ الأول والرابط بين المبتدأ والخبر الضمير المجرور بمن وضمير ماله بكسر اللام للأمر وضمير ماله بفتح اللام الجارة يعود على رب المال الأمر واسم يكن الآوى للبائع واسم يكن الثانية لرب المال وضمير أخذه للثمن وألف انكرا وباعا للإطلاق ولا للأمر زائدة ثم قال

﴿فصل في حكم البيع على الغائب﴾

وأما ما ذكره معه من الطلاق والعتق فهو استطراد لمناسبة وجود التفويت في كل (واعلم) إن الخصم إذا حضر وحده لدى القاضي فلا يخلو حال المطلوب إما إن يكون تحت حكم القاضي الذي رفع أمره إليه أو يكون خارجا عن حكمه فان كان تحت ولايته فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن يكون حاضرا معه في البلد فهذا يوجه القاضي إليه عونا يجلبه وإما إن يكون خارجا عن البلد قريبا منه مع امن الطريق فهذا يكتب القاضي إليه مراسلة بالأمر بالحضور لأنه في حكم الحاضر وإما إن يكون بعيدا عن البلد بعدا حسيا من جهة المسافة أو معنويا من جهة الخوف فالحكم في هذا أن يكتب القاضي لنائبه أو لأمثل القوم إن يفعل ما يجب فعله من النظر في حال الخصمين أو يوجه النازلة إلى محل الحكم كما هو معلوم عندنا بالقطر التونسي أدام

الجزء: 3 - الصفحة: 86

الله عمرانه وشيد أركانه بالعلم والعلماء بجاه سيد الأنبياء كما تقدم في فصل رفع المدعى عليه وهو قول الناظم ومن على يسير الأميال يحل ... فالكتب كاف فيه مع امن السبل ومع بعد أو مخافة كتب ... لأمثل القوم أن افعل ما يجب إما بإصلاح أو الإغرام ... أو أزعج المطلوب للخصام وان كان خارجا عن ولايته فله حالتان إما إن تكون غيبته عارضه لتجارة ونحوها وهذا هو المراد بالغائب هنا وإما إن تكون غيبته أصلية بان كان المحل الذي هو فيه وطنه فهذا يكون التحاقكم معه في بلده كما تقدم هذا كله إذا أريد الخصام معه وإما إذا أريد الحكم عليه وهو المراد هنا فله ثلاث حالات أيضا قريب غير القرب المتقدم ومتوسط وبعيد ثم شرع في بيانها فقال (لطالب الحكم على الغياب ... ينظر في بعد وفي اقتراب) (فمن على ثلاثة الأيام ... ونحوها يدعى إلى الأحكام) (ويعذر الحاكم في وصوله ... بنفسه للحكم أو وكيله) (بعد ثبوت الموجبات الأول ... كالدين والغيبة والتمول) (وما من الدين عليه قضيا ... وكالطلاق والعتاق امضيا) (وماله لحجة ارجآء ... في شأن ما جرى به القضاء) (إلا مع اعتقاله من عذر ... مثل العدو وارتجاج البحر) الأبيات الثمانية يعني أن الغائب الذي يريد القاضي الحكم عليه بطلب خصمه على مذهب مالك رضي الله تعالى عنه على ثلاثة أقسام كما قال ابن رشد لأنه لا يخلو إما

الجزء: 3 - الصفحة: 87

أن يكون قريبا كالثلاثة الأيام مع أمن الطريق وإما أن يكون بعيدا بعدا متوسطا كالعشرة الأيام وإما أن يكون بعيدا جدا كافريقية من المدينة أو مصر فأشار الناظم إلى القسم الأول بقوله فمن على ثلاثة الأيام الخ فهذا يعذر إليه بالكتب بأن يحضر مع خصمه للمحاكمة إما بنفسه أو يوكل فإن امتنع من الحضور حكم عليه في الدين ويباع عليه ماله من اصل وغيره؟ ؟ ؟ كما تقدم في الآجال وهو قوله وبيع ملك لقضاء دين قد أجلوا فيه إلى شهرين وكذا في استحقاق الأصول والعروض والحيوان ونحوها والطلاق والعتاق وغير ذلك معنى قوله مطلقا وذلك بعد إثبات الموجبات الأول التي يبني عليها القاضي حكمه فلهذا قيل فيها الأول فلا يباع ماله حتى يثبت الدين وغيبة المدين وامتناعه من الحضور وتسمية الشهود وملكه للمبيع واستمرار الملك وحيازة الشهود له وان يكون أولى بالبيع من غيره أو ءاخر ما يباع عليه والأعذار إليه بالإمهال بقدر ما يراه الموجب لتنفيذ الحكم عليه وكذا يحكم عليه بطلاق زوجته بعد ثبوت الزوجية واستمرارها وثبوت الشرط إن كان الطلاق به أو ثبوت الإعسار بالنفقة إن كان الطلاق به وغير ذلك مما تقدم في بابه وكذا يحكم عليه بعتق عبده بعد ثبوت الموجبات والأعذار كما تقدم ويمين القضاء على من ثبت له الحق وقد تقدم الكلام عليها عند قول الناظم وللتي بها القضا وجوب ... في حق من يعدم لو يغيب ولا ترحبي له حجة في جميع ما ذكر إلا لعذر بان كانت الطريق غير مأمونة ولا مسلوكة أو كان البحر لا يمكن الركوب فيه لكثرة الرياح فهذا يحكم عليه وترحبي حجته كما قال ابن رشد هذا كله جار على أعمال المتقدمين وأشار إلى القسم الثاني بقوله (والحكم مثل الحالة المقررة ... فيمن على مسافة كالعشره) (وفي استحقاق اصل اعملا ... والخلف في التفليس مع علام الملا) (وذا له الحجة ترجى والذي ... بيع عليه ماله من منقذ)

الجزء: 3 - الصفحة: 88

(ويقتضي بموجب الرجوع ... من الغريم ثمن المبيع) يعني أن من كانت غيبته متوسطة بين القرب والبعد وهو ما كان على العشرة الأيام ونحوها فإن حكمه حكم ما تقرر في قريب الغيبة في كونه يحكم عليه في كل شيء ما عدا الاستحقاق في الأصول فانه لا يحكم عليه به في غيبته وهل يفلس الغائب وإذا فلس حلت عليه ديونه كلها ومن وجد عنده سلعة بعينها أخذها أو حاصص بثمنها الغرمآء ويكون المدين الغائب الغيبة المتوسطة بعد الحكم عليه باقيا على حجته بخلاف قريب الغيبة الذي لم يكن عنده عذر كما مر فان قدم وأثبت البراءة من الدين فانه يرجع فيه على الغريم الذي هو رب الدين بثمن المبيع وليس له نقض البيع وقولا اعملا مبني للنائب وألفه للإطلاق وضميره نائب فاعل يعود على الحكم والإشارة بذا إلى الغائب غيبة متوسطة وقوله ما له من منقذ ما نافية وله جار ومجرور متعلق بمحذوف خبرها مقدم ومن حرف جر زائد ومنقذ بالقاف اسمها مؤخر وفاعل يقتضي ضمير الغائب وباء بموجب سببية تتعلق يقتضي وموجب الرجوع هو البراءة من الدين ومن الغريم أي رب الدين متعلق يقتضي أيضا وثمن المبيع مفعول به وأشار إلى القسم الثالث بقوله (وغائب من مثل قطر المغرب ... لمثل مكة ومثل يثرب) (ما الحكم في شيء عليه يمتنع ... وهو على حجته لم تنقطع) (والحكم ماض أبدا لا ينقض ... وما به افيت لا ينتقض) (لاكن مع براءة يقضى له ... بأخذه من الغريم ماله) يعني أن من كان منقطع الغيبة على مسافة بعيدة جدا مثل المدينة المنورة المسماة بيثرب أو مصر من المغرب أو تونس من الأندلس ونحو ذلك فانه يحكم عليه في كل شيء

الجزء: 3 - الصفحة: 89

من الديون والاستحقاق في الأصول وغيرها وترجى له الحجة فإذا قدم وأثبت براءته مما وقع الحكم عليه به فان بيع عليه شيء من ماله ثبت البيع ويرجع على غريمه الذي هو رب الدين بما قبضه من الثمن هذا وقد تقدم الكلام أوائل البيوع على عيوب الرقيق والحيوان ثم ذكر هنا عيوب الأصول والعروض فقال

﴿فصل في العيوب﴾

اعلم إن العيب الذي يوجد في الأصول لا يخلو من ثلاثة أوجه إما يسير جدا وإما متوسط وإما كثير جدا متفاحش وقد أشار الناظم إلى الأول منها بقوله (وما من الأصول بيع وظهر ... للمشتري عيب به كان استتر) (فان يكن ليس له تأثير ... في ثمن فخطبه يسير) (وما لمن صار له المبيع ... رد ولا بقيمة رجوع) يعني إن من اشترى دارا مثلا فوجد بها عيبا يسيرا كان مستترا على المشتري وقت التقليب كهدم الشرافات فان البيع ثابت لا يرد بحال ولا يرجع المشتري بقيمته على البائع لان خطبه وأمره يسير لا يعتبر لأنه لا يؤثر في الثمن شيئا إن اطلع عليه قبل العقد وأشار إلى الوجه الثاني بقوله (وان يكن ينقص بعض الثمن ... كالعيب عن صدع جدار بين) (فالمشتري له الرجوع هاهنا ... بقيمة العيد إذا تعينا) يعني إن من اشترى ربعا فوجد به صدعا ونحوه في حائط لم يطلع عليه ولم تبلغ قيمته قدر ثلث الثمن كما يأتي فان البيع لا ينقض وإنما يرجع المشتري على البائع بقيمته فان قال له البائع أردد علي ملكي وخذ مالك أو امسك ولا شيء لك لم يكن له ذلك على القول المشهور ومقابله إن البائع لا يجبر على رد قيمة العيب وهو بالخيار

الجزء: 3 - الصفحة: 90

إن شاء رد القيمة وان شاء قال للمشتري اصرف علي المبيع وخذ جميع ثمنك إلا إن يفوت المبيع فيتعين الارش قال المازري وهو مقتضى القياس قال الشيخ مياره وهو الذي جرى به العمل عندنا بفاس والضمير في يكن وينقص بفتح أوله وضم ثالثه يعود على العيب وبعض الثمن بالنصب معمول لينقص وأشار إلى الثالث بقوله (وان يكن لنقص ثلثه اقتضى ... فما علا فالرد حتم بالقضا) يعني إن من اشترى حانوتا مثلا فوجد به عيبا خطيرا يخاف على المحل السقوط منه أو كان العيب واجهة دار إذا كان المبيع دارا تبلغ قيمته ثلث الثمن فأكثر فهذا يثبت للمشتري الرد به ويرجع بجميع ثمنه على البائع فان كان الثمن عينا رجع بمثله وان كان عرضا رجع في عينه إن كان قائما وان فات بحوالة سوق رجع بقيمته وان كان مما يكال أو يوزن رجع في عينه فان تغير سوقه أو استهلك رجع بمثله كما يرجع على البائع بما دفعه لكمكاس إذا كان مدلسا ولا يرجع البائع على السمسار كما يأتي إلا إذا كان مثله في العلم فيرجع البائع به عليه كما في لب اللباب ثم قال (وكل عيب ينقص الاثمانا ... في غيرها رد به ما كانا) (وبعضهم بالأصل عرضا الحقا ... في أخذ قيمة على ما سبقا) يعني إن من اشترى أي شيء كان من غير الأصول فوجد به عيبا يحط من ثمن المبيع فله الرد به مطلقا سواء نقصت قيمته عن عشر الثمن أو زادت عليه هذا معنى قوله رد به ما كانا أي قليلا كان أو كثيرا بشرط كون العيب مما يخفى عند التقليب ويقوم بالفور كما يأتي قريبا هذا هو المشهور وبعضهم الحق العرض بالأصل في اخذ قيمة العيب إن كان متوسطا وفي الرد به إن كان قدر الثلث فأكثر على نحو ما سبق وقوله عرضا مفعول مقدم بالحقا وفاعل الحقا ضمير يعود على بعضهم وبالأصل متعلق به والقه للإطلاق كألف كانا وسبقا (ولما) كان الاختلاف بين المتبايعين تاره يكون في وجود العيب وعدم وجوده وتارة يكون في قدمه وحدوثه وقلته وكثرته وان ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 91

يقتضي طلب الحجة من مدعيه على منكره فان لم يجدها فيرجع إلى إخبار من له النظر والمعرفة بالعيوب من الأمناء العارفين أشار إليه الناظم بقوله (ثم العيوب كلها لا تعتبر ... إلا بقول من له بها بصر) يعني إن المبتاع إذا قام على البائع بعيب وجده في المبيع وادعى البائع انه لا عيب فيه وقت البيع وانه حدث عنده أو وافقه على وجود العيب غير انه خالفه في الكثرة فان الحاكم يكلف المبتاع بثبوت ما ادعاه حيث أراد الرد بالكثير أو أخذ الارش في المتوسط فإذا طلب إثباته بمن له النظر أجيب إلى مطلبه ويعين له القاضي اعرف الناس من العدول إن كانوا وإلا فمن غيرهم وان مشركين كما مر عند قوله ويثبت العيوب أهل المعرفة ... بها ولا ينظر فيهم لصفه فان اخبروه بما ينتفع به المبتاع وطلب البائع الأعذار فيهم بمن هو اتقى واعرف مكنة القاضي من ذلك واجله كما مر في الآجال فان عجز عن الطعن فيهم حكم عليه بعد الأعذار إليه بابقيت لك حجة (تنبيه) قد تقدم الكلام على المبتاع وهو إن كان غير عارف بالعيوب فانه يرجع بالعيب ظاهرا كان أو خفيا وان كان عارفا بها فلا رجوع له بالعيب الظاهر اتفاقا وفي رجوعه بالعيب الخفي خلاف ثم شرع يتكلم على بعض موانع الرد بالعيب وهي إما قول كان يطلع المبتاع عليه ويقول رضيت به أو سكوت أو فعل واليهما أشار الناظم بقوله (والمشتري الشيء وبعد يطلع ... فيه على عيب قيامه منع) (إلا على الفور ومهما استعملا ... بعد إطلاعه المعيب بطلا) (كاللبس والركوب والبناء ... والهدم والجماع للإماء) يعني إن من اشترى شيئا فاطلع فيه على عيب قديم يوجب الرد أو الارش فان قيامه على البائع به ممنوع لا تسمع دعواه عليه فيه إلا إذا قام بالفور كاليومين والثلاثة إن

الجزء: 3 - الصفحة: 92

كان سكوته بعد الإطلاع عليه لعذر خوف كما مر فله القيام وكذا لا قيام له إذا استعمل المعيب استعمالا يدل على رضاه به كلبس الثوب أو عرضه للبيع وكذا ركوب الدابة في الحضر اختيارا لا في سفر أو عمل بها ما يحسن هيأتها ومما يدل على الرضى الهدم والبناء وجماع الجارية ونحو ذلك وحينئذ فلا شيء له من ارش ولا من غيره وفي نوازل العيوب من البرزلي سئل هاشم بن احمد عمن ابتاع إملاكا على الحرية من رجل ثم طولب بعشور فقام على البائع بذلك فأنكر البيع فأثبته المشتري وان على الأملاك عشورا قديمة فاعذر للبائع قلم يكن له مدفع إلا انه اثبت إن المشتري اعتمر وعرض للبيع بعد إطلاعه على العيب فأجاب بأنه إذا اثبت المشتري العيب والبيع ولم يكن للبائع مدفع إلا ما ذكر بعد إنكاره البيع فانه تناقض منه لأنه كذب بينته حين إنكاره البيع وارى إن يقضي عليه ولا تسمع له حجة بعد هذا وبه قال جميهم اهـ وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قول الناظم ومنكر للخصم ما ادعاه البيتين وقوله المعيب معمول لاستعملا وألفه للطلاق كألف بطلا وقوله (وكامن يبدو مع التغيير ... كالسوس لا يرد في المأثور) يعني إن من اشترى شيئا فوجد به عيبا لا يظهر إلا بتغيير ذاته كسوس الخشب ومرارة الفقوس والبطيخ وفساد داخل الجوز ونحوه فليس للمشتري إن يرد به في القول المروي في المذهب إلا إذا ثبت إن البائع يعلم ذلك وكتمه فله الرد حينئذ وله تحليفه إن اتهمه بالعلم وكذا إذا باع زريعة للزراع يعلمها لا تنبت فلمن اشتراها منه الرجوع عليه بثمنها لتدليسه فان كانت قائمة ردها عليه بعينها وان زرعها والحالة ما ذكر فلا شيء على المشتري ومن اشترى رحى فوجدها متربة فانه يردها مطلقا علم بها البائع أو لمي علم لأنها لا ينتفع بها ثم قال (والبق عيب من عيوب الدور ... ويوجد الرد على المشهور) يعني أن من اشترى دارا أو سريرا فوجد بما ذكر بقا كثيرا فله الرد به لأنه من

الجزء: 3 - الصفحة: 93

العيوب التي توجب رد المبيع على القول المشهور وبه القضاء وكذا من اشترى ثوبا فوجد به قملا أو صيبانا كثيرا فله الرد به لأنه عيب يحط من الثمن ثم قال (وأجرة السمسار تسترد ... حيث يكون للمبيع رد) يعني إن من اشترى ملكا ثم رده على بائعه بحكم حاكم بعيب أو فساد ونحوهما وكان البائع قد دفع للدلال جعلا الذي عبر عنه الناظم بالأجرة فان البائع له إن يرد الجعل الذي دفعه للدلال إذا كان غير مدلس إما إذا كان مدلسا فلا رد لأنه ادخل السمسار في التعب وهو ظالم في تدليسه كما إذا كان الرد بدون حكم حاكم فلا رد له لأنه كالإقالة كما في ابن رحال وإما الإجارة فأنها لا ترد مطلقا والفرق بينهما إن الاجارة في مثل هذا عبارة عن العوض الذي يعطى للدلال على المنادات مدة معلومة سواء بيع ذلك الشيء أم لا وإما الجعل فهو عبارة عن العوض المعلق على البيع فان لم يحصل بيع فلا شيء له كما هو معلوم وحيث وقع رد المبيع أوجب فكأنه لم يحصل بيع البتة فلهذا كان للبائع استرجاعه إذا دلس ولم يعلم بتدليسه لأنه أتعبه والله اعلم قال (وحيثما عين قاض شهدا ... للعيب فالأعذار فيهم عهدا) يعني إن القاضي إذا عين شهودا من أهل المعرفة ليخبروه بحال المبيع الذي وقع النزاع فيه بين المتداعيين فإذا اخبروه بشيء وكتبه فانه يمكن من أراد الطعن فيه بالأعذار من جهة المعرفة كما مر أو بكثرة الكذب لا من جهة العدالة كما تقدم فان أتى من طلب الأعذار فيهم بمن هو اعلم واتقى منهم واخبره بنقيض ما اخبره به الآخرون فانه يسمع منه ما أتى به بما ينفعه وإلا حكم عليه بعد إتمام موجبات الحكم وقول الناظم عهدا أي علم جوازه من الايمة ثم قال

﴿فصل في الغبن﴾

بفتح الغين وسكون الباء وهو في اللغة من غبنه في البيع والشراء غبنا من باب ضرب

الجزء: 3 - الصفحة: 94

مثل غلبه فانغبن وغبنه أي نقصه وغبن بالبناء للمفعول فهو مغبون أي منقصوص في الثمن أو غيره قاله صاحب المصباح.
وفي الاصطلاح هو عبارة عن بيع شيء معلوم ذاتا وصفة بأقل من قيمته بكثير فيغبن البائع أو شراؤه بأكثر من قيمته بكثير لغير حاجة عرضت فيغبن المشتري وفي جواز القيام به وعدم الجواز قولان احدهما يجوز القيام به لاكن بشروط ثلاثة واليه ذهب الناظم رحمه الله تعالى فقال (ومن بغبن في مبيع قاما ... فشرطه إن لا يجوز العاما) (وان يكون جاهلا بما صنع ... والغبن في الثلث فما زاد وقع) (وعند ذا يفسخ في الأحكام ... وليس للعارف من قيام يعني انه يجوز للمغبون القيام بالغبن بائعا كان أو مشتريا إذا لم يمض عليه عام بعد البيع أو الشراء وان يكون المغبون منهما جاهلا بالقيم والأثمان وان يكون الغبن ثلثا فأكثر فإذا اجتمعت هذه الشروط المذكورة فسخ العقد لا لكونه فاسدا بل هو عقد صحيح لاكنه غير لازم من جهة النقص فلهذا يجوز لكل واحد منهما الرضى بعد الإطلاع وكذا إذا فات ببيع ونحوه مضى بالثمن لا بالقيمة والقول الثاني عدم جواز القيام بالغبن وهو المشهور وبه العمل إلى الآن وهذا الخلاف إنما هو في حق الرشيد إذا باع ماله واشترى لنفسه وإما الوكيل أو الوصي إذا باع أو اشترى لموكله أو لمحجوره بما لا يتغابن الناس بمثله ولو دون الثلث فانه يرد اتفاقا لان كل واحد منهما معزول عن المصلحة المرجوحة وكذلك يرد البيع إذا كان المعقود عليه مجهولا لم تعلم حقيقته لا بالمشاهدة ولا بالصفة لفساده كما تقدم في شروط البيع وقول الناظم في الثلث بسكون اللام وقوله وليس للعارف من قيام تصريح بفهوم قوله وان يكون جاهلا بما صنع للتوكيد ثم قال

الجزء: 3 - الصفحة: 95

﴿فصل في الشفعة﴾

(اعلم) رزقني الله وإياك التوفيق والهداية إلى أحسن طريق إن أبحاث الشفعة ستة (الأول) في معناها لغة واصطلاحا (والثاني) في أركانها (والثالث) في أسبابها وشروطها وموانعها (والرابع) في حكمها (والخامس) في حكمتها (والسادس) في اصل مشروعيتها (فإما) معنى الشفعة في اللغة هو قول صاحب المصباح شفعت الشيء شفعا من باب نفع ضممته إلى الفرد وشفعت الركعة جعلتها اثنتين ومن هنا اشتقت الشفعة وهي مثل غرفة لان صاحبها يشفع ماله بها وهي اسم للملك المشفوع مثل اللقمة اسم للشيء الملقوم وتستعمل بمعنى التملك لذلك الملك ومنه قولهم من ثبتت له شفعة فاخر الطلب بغير عذر بطلت شفعته ففي هذا المثال جمع بين المعنيين فان الأولى للمال والثانية للتملك ولا يعرف لها فعل اهـ. ونقل ابن ناجي الشفعة بسكون الفاء وضمها.
وقال ابن رشد الأصل في تسمية اخذ الشريك الشقص الذي باع شريكه من المشتري بالثمن الذي اشتراه به شفعة هو إن الرجل في الجاهلية كان إذا اشترى حائطا أو منزلا أو شقصا من حائط أو منزل اتاه المجاور أو الشريك فيشفع إليه في أن يوليه إياه ليحصل له الملك أو يندفع عنه الضرر حتى يشفعه فيه فسمي ذلك شفعة وسمي الأخذ شفيعا والمأخوذ منه مشفوعا عليه اهـ فتكون مأخوذة من الشفاعة كذا قال بعضهم (وفي) حاشية قنون على الزرقاني قيل من الشفع بمعنى الزيادة لأنه يزيد مال شريكه لماله ومنه قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة أي يزد عملا صالحا لعمله كذا في بعض التفاسير اهـ (وإما) معناها في الاصطلاح فقد عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي استحقاق شريك اخذ مبيع شريكه بثمنه اهـ أي للشريك اخذ مبيع شريكه من المشتري بثمنه الذي وقع البيع به أو تركه له بسبب الاستحقاق الذي ثبت له بالبيع هذا هو المراد بالاستحقاق هنا لا الاستحقاق الأتي في بابه وعرفها الشيخ خليل بقوله الشفعة اخذ شريك ممن تجدد ملكه اللازم اختيارا

الجزء: 3 - الصفحة: 96

بمعاوضة عقارا بمثل الثمن أو قيمته أو قيمة الشقص اهـ. وأما أركانها فخمسة المأخوذ منه والأخذ والمأخوذ والمأخوذ به والصيفة (فأما) المأخوذ منه فهو الشريك الذي تجدد ملكه بالشروط الآتية لا المجاور خلافا لأبي حنيفة رضي الله عنه وعن سائر الايمة وأما الأخذ فلا يتوجه له أخذ المبيع بالشفعة كما في ابن راشد إلا عند وجود المقتضى وهو وجود الشرط والسبب وانتفاء المانع (والسبب نفس) البيع ويشترط في كونه سببا خمسة شروط أن يكون الشفيع مالكا للرقبة وان يخرجه البائع عن ملكه بمعاوضه من بيع ونحوه وأن يكون البيع صحيحا إذ لا شفعة في الفاسد إلا بعد الفوات وأن يكون لازما فلا شفعة في الخيار إلا بعد لزومه وان يكون الملك سابقا على البيع فلو اشترى رجلان دارا صفقة واحدة فلا شفعة لاحدهما على الأخر.
وأما الشروط فأربعة (الأول) أن يشفع ليملك لا لبيع (الثاني) بقاء الحصة التي يستشفع بها (الثالث) معرفة الثمن (الرابع) أن يكون البيع ثابتا (فرع) لو باع عامل المغارسة نصيبه بعد تمام العمل المشترط بينه وبين مالك الأرض فلرب الأرض أخذه بالشفعة ولو باعه قبل تمام العمل فلرب الأرض أن يرده إليه بالشفعة لأن العامل له أن يبيع قبل ذلك على طريقة ابن رشد المعمول بها وستأتي في فصل الاغتراس (وأما) المانع فهو التصريح بالإسقاط أو ما يقوم مقامه كما يأتي (وأما) المأخوذ فهو العقار وما الحق به كما سيذكره في النظم (وأما) المأخوذ به فهو ما دفعه المشتري للبائع أو لغيره كأجر كاتب الوثيقة وثمن الرق وغيرهما من المصاريف الأتي ذكرها في ءاخر بيت من الفصل ثم أن المدفوع لا يخلو أما أن يكون مثليا أو مقوما أو غيرهما فإن كان مثليا كالدراهم والحبوب فعلى الشفيع مثله للمشتري نقدا إن كان البيع نقدا أو إلى أجل أن كان البيع إلى أجل بشروطه الآتية ءاخر الفصل وبرهنه وضامنة إن كان كذلك وإن كان مقوما كالأصول والعروض فعليه قيمة ذلك الأصل أو العرض للمشتري يوم البيع كما يدفع للمشتري قيمة ما أحدثه من حفر بئر وغرس وبناء قائما لا منقوضا وإن كان غير مثلي ولا مقوم

الجزء: 3 - الصفحة: 97

كالشقص الدفوع للزوجة مهراً أو للزوج خلعاً أو صلحاً عن دم عمداً فالشفعة تكون بقيمة الشقص المدفوع لما ذكر لأن النكام والخلع ودم العمد لا ثمن لها معلوم كما ياتي في كلام الناظم.
وفي الحطاب من نكح على تفويض فدفع لزوجته شقصا قيل بنائه شفع فيه بقيمته فان دفعه بعد بنائه شفع فيه بمهر المثل اتفاقا فيهما والشقص بكسر الشين العجمة هو النصيب اهـ (وأما) الصيغة فهو كل ما يدل على الأخذ بالشفعة كالبيع.
ويملك الشفيع الشقص بأحد أمور ثلاثة أما بحكم وأما بدفع الثمن وإن لم يرض به المشتري وإما بالأشهاد بمحضر المشتري على القول الراجح كما لابن عبد السلام بناء على انها بيع وهو المشهور لا أنها استحقاق فقط حتى لا يشترط حضوره كما لابن عرفه (وأما) خفية فإنه باق على شفعته ويسكت حتى يجاوز الأمد المسقط للشفعة في حق الحاضر ثم يقوم بطلبها فلا ينفعه ذلك كما في الزرقاني وغيره وإنما لا ينفعه إذا كان لغير عذر وإما إذا كان لعذر فإن شفعته لا تسقط كما يأتي (وأما) حكمها فبالنسبة للشفيع الجواز على الأصل وبالنسبة للمشتري وجوب التسليم عند وجوب السبب والشرط وانتفاء المانع كما في لب اللباب (وإما) الحكمة فيها من الشارع فلدفع ضرر الشركة التي لا تخلو من نزاع وضياع المال المشترك غالبا (وإما) الأصل في مشروعيتها فقد ثبت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة فيما لم ينقسم بين الشركاء فإذا وقعت الحدود وصرف الطرق فلا شفعة ولذا قال في التوضيح لا خلاف بين الايمة في وجوب الشفعة وإلى هذا الأصل اشار الناظم بقوله (وفي الأصول شفعة مما شرع ... في ذي الشياع وبحد تمتنع) (ومثل بئر وكفحل النخل ... تدخل فيها تبعا للأصل) (والماء تابع لها فيه احكم ... ووحده أن أرضه لم تقسم) يعني أن الشفعة إنما شرعت في الأصول كما مر في الحديث والأصول هي الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر ونحوهما إذا كانت باقية على الإشاعة بين الشركاء فإذا قسمت

الجزء: 3 - الصفحة: 98

ووضعت الحدود وجعل لكل قسم منها طريق ثم باع أحدهم ما خرج له بالقسمة فإن الشفعة تمتنع لمن كان شريكه لأنه صار جارا والجار لا شفعة له وسيأتي أيضاً هذا حكم العقار الذي ينقسم وليس تابعا في الانتفاع به لغيره كالدور والارضين والأشجار (وأما) ما كان تابعا لغيره وملازما له بحيث لا ينقل عنه كالبئر وفحل النخل والماء فإن الشفعة تجب فيه ما دام أصله على الشياع وبيع معه كما تجب إذا بيع التابع وحده والمتبوع باق على حاله لم ينقسم وإما أن قسم المتبوع وهو الأرض ونحوها وبقي التابع لها مشاعاً فباع أحد الشركاء نصيبه منه فلا شفعة فيه فهذه ثلاثة أوجه تجب الشفعة في الأولين منها دون الثالث على خلاف فيه يأتي بيانه.
وقوله فيها الضمير يعود على المذكورات وضمير لها للأصول وضمير فيه ووحده وأرضه يعود على الماء.
وبعبارة أخرى أحكم بالشفعة في الماء إذا بيع مع متبوعه أو بيع التابع وحده وسواء كان ماء أو غيره حيث لم يقسم متبوعه فإن قسم المتبوع وبقي التابع على الشياع فلا شفعة (فرع) لو أشترك جماعة في إنزال أرض محبسة وبنوا فيها دارا مثلا فإذا باع أحدهم حصته في البناء فلشريكه الأخذ بالشفعة اهـ من فتاوي عليش نقلا عن حواشي الأمير (قلت) ووقع الحكم بها في تونس (فرع) قال مالك في المدونة إن حبس أحد الشريكين حظه في دار على رجل وولده وولد وولده فباع شريكه في حظه فليس للذي حبس ولا للمحبس عليه اخذه بالشفعة إلا أن يأخد المحبس فيجعله فيما جعل نصيبه الأول اهـ مواق (فرع) لو أعمر إنسانا إنسانا جزاأ مشاعا من دار وله فيها شريك فباع شريكه فللمعر بكسر الميم أن يأخذ بالشفعة لأن الحصة ترجع إليه بعد موت المعمر بفتح الميم قال ابن الحاجب قال الناظم (والفرن الوحمام والرحى القضا ... بالأخد بالشفعة فيها قد مضى) يعني إنه اختلف في الأصول التي لا تراد إلا للاستغلال ولا تقبل القسمة كالفرن والحمام والدار الصغيرة والحانون وفحل النخل وما أشبه ذلك مما لا ينقسم إلا على ضرر فالمشهور

الجزء: 3 - الصفحة: 99

عدم الشفعة فيه والذي مضى به الحكم والقضاء من الخلاف وجوبها كما قال الناظم وقوله (وفي الثمار شفعة أن تنقسم ... وذا إن المشهور في ذاك التزم) (ومثله مشترك من الثمر ... لليبس إن بدو الصلاح قد ظهر) معناه أن الثمرة إذا بيعت مع أصولها وكانت مؤبرة سواء بدا صلاحها أم لا فإن الشفعة واجبة فيها إن كانت أصولها قابلة للقسمة على شرط ابن القاسم الذي هو المشهور المقابل للقول المتقدم الذي به القضاء وتكون الشفعة فيها بطرقي التبع للأصل إما أن لم تكن مؤبرة عند بيعها مع أصلها فإن الشفيع يأخدها بطريق الاستحقاق لا بطريق الشفعة كما في المقدمات وذا تجب الشفعة فيها إذا بيعت مفردة بعد بدو صلاحها سواء كان أصلها قابلاً للقسمة أم لا وسواء كان الشركاء يملكون الأصل أم لا كأصحاب الحبس والمساقاة ما لم تبلغ منتهاها سواء يبست بالفعل أم لا فإذا بلغت منتهاه وهي بيد المشتري فلا شفعة فيها في الصورتين لاكن يحط عن الشفيع في الصورة الأولى ما ينوب الثمرة من الثمن إن أزهت أو أبرت يوم البيع لأن لها حصة من الثمن ويأخذ الأصل بما ينوبه وإن أشترى أصلها وليس عليها ثمر أو عليها ثمر لم يؤبر فلشفيع أخذها مع الأصل أيضا ما لم تيبس وحيث أخذها رجع المشتري على الشفيع بالمؤنة من علاج وتابير وسقي ونحو ذلك إن أبرت أو أزهت وأما قبل ذلك فلا رجوع له بالنفقة لإنه لم ينشأ عن عمله شيء كذا في البناني (قال) الزرقاني والقول له فيما انفق إن لم يتبين كذبه.
وقوله أن تنقسم فإن بكسر الهمزة شرطية وفي تنقسم ضمير يعود على الأصول وذا إشارة إلى إشتراط القسم في الأشجار التي هي فيه.
وقوله أن الشهور في ذاك التزم أي أن روعي القول المشهور في اشتراط القسم في أشجارها وإن لم يراع المشهور فقولان أحدهما لا شفعة فيها مطلقا والثاني لا شفعة فيها إن لم يكن الأصل بينهما إما إن كان الأصل بينهما ففيها الشفعة سواء كان الأصل قابلا للقسم

الجزء: 3 - الصفحة: 100

أم لا فيكون موافقا لما به القضاء من عدم اشراط قبول قسم الأصول كما تقدم.
وقوله بدو بضم أوله وسكون ثانيه فاعل بفعل محذوف يفسره الفعل المذكور تقديره ظهر قال الناظم رحمه الله تعالى (ولم تبح للجار عند الأكثر ... وفي طريق منعت وأندر) (والحيوان كله والبئر ... وجملة العروض في المشهور) (وفي الزروع والبقول والخضر ... وفي مغيب في الأرض كالجزر) (ونخلة حيث تكون واحده ... وشبهها وفي البيوع الفاسدة) (ما لم تصحح فبقيمة تجب ... كذاك ذو التعويض ذا فيه يجب) (والخلف في صنف المقاثئي اشتهر ... والأخذ بالشفعة فيه المعتبر) الأبيات الستة يعني أن الجار لا شفعة له فيما باعه جاره عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وغيرهما خلافا لأبي حنيفة كعلوا على سفل فإنه لا شفعة لصاحب العلو في السفل إذا بيع ولا شفعة لصاحب السفل في بيع العلو لإنهما جاران وإنه لا شفعة في الطريق التي يمر عليها الشركاء المختصين بها لدورهم أو أرض بينهم قسمت وصار يمر لملكه من جهة أخرى ثم باع نصيبه من الطريق وإنه لا شفعة في الأندر بفتح الهمزة وفتح الدال وهو موضع يجمع فيه الزرع يكون بين جماعة.
وإنه لا شفعة في الحيوان كله (ولا) في البئر التي قسمت أرضها وبقيت على الشياع (ولا) في العروض في القول المشهور (قال) مالك ومن كان بينه وبين رجل عرض مما لا ينقسم فأراد بيع حصته قيل لشريكه بع معه أو خذ بما يعطى فإن رضي وباع حصته مشاعة فلا شفعة لشريكه.
وقال ابن سهل مذهب مالك إن ما كان لا ينقسم من عروض وغيرها إلا بضرر بيع واقتسم الشركاء ثمنه ومن أراد منهم أخذه بما بلغه من الثمن فذلك له فإن تشاحوا

الجزء: 3 - الصفحة: 101

فيه تزايدوا حتى يقف على ءاخر الزيادة فيأخذه ويؤيدي لهم انصباءهم كذا في المواق.
ولا شفعة في الزرع والبقول والخضر ومغيب في الأرض كالجزر والفجل والبطاطة.
ولا في النخلة الواحدة ونحوها من الأشجار ولا في المبيع بيعا فاسداً ما لم يبق قبل فسخه بيد مشتريه بمفوة فيصح بالقيمة وبها تكون الشفعة للشريك.
واختلف في أصناف المقاثئي بالهمز كالفقوس والبطيخ والباذنجان والمشهور الراجح وجوب الشفعة فيها وقوله ونخلة الخ خلاف المعمول به وقد تقدم بيانه.
وقوله كذاك الإشارة راجعة للشقص ذو التعويض.
وقوله ذا إشارة إلى الأخذ بالشفعة بقيمة العرض المدفوع في الشقص لا قيمة المبيع.
وقوله فيه الضمير يعود على ما دفع من المعرض ونحوه ثم شرع في موانع الشفعة ومسقطاتها فقال (والترك للقيام فوق العام ... يسقط حقه مع المقام) (وغائب باق عليها وكذا ... ذو العذر لم يجد إليها منفذا) يعني أن الشفعة إذا وجبت للشريك الحاضر وسكت عن طلبها فوق العام بالشهرين والثلاثة من يوم علمه بالبيع مع قدرته على القيام بها من غير عذر شرعي فإن شفعته تسقط وظاهر النظم إنها لا تسقط إلا بما زاد على العام وإما بمجرد مضيه فلا تسقط وهو كذلك على أحد قولين لاكن القول الذي جرى به العمل واستمر سقوطها بمجرد مضي العام وإما قبل انقضائه ولو لم يبق منه غلا شيء يسير من ءاخر يوم منه فإن شفعته لا تسقط وعليه اليمين إذا بعد ما بين العلم وقيامه كالسبعة الأشهر إنه ما سكت بقصد تركها إن أتهمه المشتري وكان ممن يتهم.
ومحل اشتراط مضي العام إذا لم يبن المشتري أو يغرس مع علمه وإلا فتسقط شفعته ولا ينتظر مضي العام.
وإما الغائب عن البلد وقت البيع أو بعده وقبل علمه به فإن شفعته لا تسقط ولو طالت غيبته وهو عالم بالشراء ما لم يمض عليه العام من وقت علمه بعد حضوره وإلا فإن شفعته تسقط إذا كان سكوته لغير عذر إما إذا كان لعذر كخوفه على نفسه أو ماله أو كان المشتري ممن لا تناله الأحكام أو كان غير قادر على القيام بالشفعة كالحاضر المريض

الجزء: 3 - الصفحة: 102

والصغير والبكر المهملين والضعيف فإن شفعتهم لا تسقط بمضي العام وإن حكمهم حكم الغائب وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وكذا.
ذو العذر لم يجد إليها منفذا) ولهم بعد زوال العذر ما للحاضر القادر الذي لم يمنعه من القيام مانع (تنبيه) إذا وجبت شفعة لغائب أو عاجز او مهمل فإن كان لهم مال يوم البيع أو أكتسبوه داخل السنة كانت لهم الشفعة وإلا فلا شفعة لهم على ما به العمل وقيل المعتبر يوم النظر لا يوم البيع ومال إليه التسولي وفي ميله إليه نظر كما في حاشية المهدي قال (والأب والوصي مهما غفلا ... عن حدها فحكمها قد بطلا) يعني أن المولى عليه إذا وجبت له شفعة فلم يقم بها أبوه أو وصيه وسكتا عنها حتى انقضت السنة فإن حكمها يبطل ولا شفعة له بعد الرشد ولو كان السكوت غيره نظر لأن الحاجر لا يجب عليه أن يشتري لمحجوره (قال) الرهوني في حاشيته على الزرقاني إنه لا فرق بين السكوت والإسقاط وإن العمل على سقوطها مطلقا لنظر ولغير نظر وما في خليل خلاف المعتمد اهـ وهل سكوت مقدم القاضي عن الأخذ بالشفعة لمحجوره مثل سكوت الأب أو الوصي طريقتان مرجحتان والذي عليه عمل تونس عذم مساواته لهما وإن سكوته المدة المذكورة لا تسقط شفعة المحجور وله القيام بها بعد الرشد قال (وإن ينازع مشتر في الانقضا ... فللشفيع مع يمينه القضا) يعني إذا وقع نزاع بين المشتري والشفيع في مانع الشفعة كان يقول المشتري انقضت السنة ولم تشفع فقد سقطت شفعتك ويقول الشفيع بل لم تنقض ولا زلت على شفعتي وطلب منه تسليم الشقص ولم تكن لواحد منهما بينة فالقول قول الشفيع بعدم انقضائها مع اليمين (قال) ابن رحال وفي ابن يونس وإما الشفعة فالقول قول الشفيع إنه لم يمض ما ينقطع في مثله الشفعة لأنها وجبت له بقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أدعى قطعها فعليه البيان اهـ ولهذا توجهت على الشفيع اليمين لأنه مدعي عليه وله قلبها وكانت البينة على المشتري لأنه مدع قال

الجزء: 3 - الصفحة: 103

(وليس الاسقاط بلازم لمن ... اسقط قبل البيع لأعلم الثمن) (كذاك ليس لازما من اخبرا ... يثمن أعلا وبالنقص اشترا) يعني أن الشريك إذا قال لمن يريد شراء شقص شريكه اشتر فقد سلمت له الشفعة وأشهد بذلك فله القيام بعد الشراء بطل ورد المال وكان على شفعته كذا في الحطاب نقلا عن المدونة.
وقوله لأعلم الثمن أي لا أن أسقط الشفعة بعد البيع وقبل العلم بالثمن فإنها تسقط فعلم بالخفض عطف على البيع.
وقوله (كذاك ليس لازما) البيت يعني أن الشفيع إذا أخبر بأن الشقص بيع بمائة مثلا فأسقط شفعته ثم تبين إنه بيع بخمسين فإن الإسقاط لا يلزمه وله الشفعة بيمينه إنه ما سلم إلا لكثرة الثمن فالتشبيه بقوله كذاك راجع للمسئلة الأولى وهي عدم لزوم الإسقاط قبل البيع وكذا إذا أخبر الشفيع بتجزئة الشقص المبيع فأسقط شفعته ثم بان إنه لم يجزأ فلا يلزمه الإسقاط أو أخبر الشريك بأن حصة شريكة اشتراها فلان فسلم له فظهر إنه اشتراها مع غيره فله القيام وأخذ الحصة كاملة ولا يلزمه التسليم للواحد كذا في المواق نقلا عن المدونة وقوله ليس فيه ضمير يعود على الإسقاط واخبرا مبني للنائب قال (وشفعة في الشقص بعطى عن عوض ... والمنع في التبرعات مفترض) يعني أن أحد الشريكين إذا دفع شقصه في مقابلة حق غير مالي كما إذا كان صداقا أو خلعا أو صلحا عن دم عمدا فإن الشفعة تكون لشريكه بقيمة الشقص كما تقدم أول الفصل لأن هذه المذكورات وما شبهها لا ثمن لها معلوم حتى تكون لها قيمة معلومة فلهذا وجب المصير إلى قيمة المبيع.
وقوله والمنع في التبرعات مفترض يعني أن الشفعة لا تكون في التبرعات المحصنة كالهبة لغير ثواب والوصية ونحوهما وإنما تكون في المعاوضات وإما فير غيرها من التبرعات فهي ممنوعة على القول المشهور الذي درج عليه الناظم وقيل تجب فيها الشفعة بالقيمة وليس عليه عمل قال

الجزء: 3 - الصفحة: 104

(والخلف في أكرية الرباع ... والدور والحكم بالامتناع) يعني أن أهل المذهب أختلفوا في وجوب الشفعة في أكرية الرباع وعدم وجوبها والذي به الحكم والقضاء عدم وجوبها (قال) الشيخ مياره قيد بعضهم الخلاف في الكراء بما إذا انفرد عن بيع الأصل إما معه فلا خلاف في الشفعة كمن له شقص في أرض فاكراه لاجنبي ثم باع الشقص المكترى فإن لشريكه الشفعة في بيع الشقص وفي كرائه من غير خلاف انظر مجال المكناسي اهـ قال (وليس للشفيع من تأخير ... في الأخذ أو في الترك في المشهور) يعني أن المشتري إذا طلب من الشفيع الأخذ بالشفعة أو إسقاطها لدى القاضي فطلب الشفيع الإمهال لينظر في ذلك وامتنع المشتري من إمهاله فإن القاضي يجبره على الأخذ بالشفعة أو تركها ولا يؤخر ولو ساعة على القول المشهور وإن قال أخذت وطلب الإمهال للنقد فإنه يؤجل ثلاثا قال المواق ما نصه ابن رشدان وقفه الحاكم فقال أخذت وقال المشتري سلمت فعجز عن الثمن بيع عليه بمثل ماله والثمن ولا رد لواحد منهما في الأخذ والتسليم إلا بتراضيهما وإن سكت المشتري ولم يقل سلمت فأجله الحاكم في الثمن فلم يأت به إلى الأجل فللمشتري بيع مال الشفيع أو أخذ شقصه اهـ وإنما تلزمه الشفعة إن قال شفعت إذا عرف الثمن فإن لم يعرفه فله إن يرجع بعد معرفته قال الناظم (ولا يصح بيع شفعة ولا ... هبتها وارثها لن يبطلا) يعني أن الشفعة لا يجوز بيعها ولا هبتها لأن الشريك إنما جعلت له الشفعة ليزول عنه الضرر بدخول من لم يعهد شركته ولا عرف معاملته وربما طالبه بالقسمة إلى غير ذلك ولأنه إذا رضي بقطع حقه من تملك الشقص كان المشتري أولى لثبوت ملكه عليه كذا في ابن رحال نقلا على المدونة ولهذا لا يجوز لمن له الشفعة أن يشفع ليبيع كما تقدم في الشروط وما نقله التسولي عن المنجور من تمكين الشفيع من الشفعة ليبيع

الجزء: 3 - الصفحة: 105

لا يعتمد عليه والمعتمد إنه لا يمكن من ذلك كما في البناني والرهوني وقد نقل الحطاب كلام لب اللباب المتقدم مقتصرا عليه والله الموفق للصواب وإما ارثها عمن وجبت له إذا مات قبل الأخذ فإنه صحيح جائز لا يبطل لأن من مات عن حق فلورثته القيام به قال (وحيثما في ثمن الشقص اختلف ... فالقول قول المشتري بعد الحلف) (إن كان ما أدعاه ليس يبعد ... وقيل مطلقا ولا يعتمد) (وابن حبيب قال بل يقوم ... وبإختيار للشفيع يحكم) حاصل ما في هذه الأبيات الثلاثة من المسئلة إن المشتري والشفيع إذا اختلفا في الثمنا لذي وقع به الشراء فالقول قول المشتري فيما يشبه بيمينه سواء أشبه الشفيع أم لا وإن أدعى ملا يشبه وأدعى الشفيع ما يشبه فإن القول للشفيع بيمينه فإن لم يشبها معا حلفا ويأخذ الشفيع الشقص بالقيمة أو يترك وإن نكل احدهما وحلف الأخر كان القول للحالف وإن أتى بما لا يشبه لأن صاحبه قد أمكنه بنكوله من دعواه كذا في الحطاب ونكولهما كحلفهما هذا هو المشهور وقيل قول المشتري مطلقا بيمينه أشبه أولا وليس بمعتمد وقيل يقوم الشقص قيمة عدل ويخير الشفيع إما أن يأخذ أو يترك وهذا قريب من الأول بل هو أقرب من جهة العمل.
وفي الطاب الشيخ وغيره أعدل الأقاويل أن تسقط الشفعة كنسيان الثمن اهـ (قلت) فلو قال الناظم هكذا وحيثما في ثمن الشقص اختلف ... فالقول قول المشتري بعد الحلف إذا أتى بمشبه وإلا ... فالقول للشفيع قد تجلى إن كان ما أدعاه مما يرتضى ... وإلا فالحلف لكل بالقضا وإن يكن حلفهما قد استقر ... فالرد للقيمة هو المعتبر ثم الشفيع بعد ذو اختيار ... في الأخذ أو في الترك في المختار

الجزء: 3 - الصفحة: 106

لوفى بالقول المشهور ويقتصر عليه (فرع) قال في المعيار وفي نوازل ابن الحاج إذا ادعى المشتري إنه اشترى مقسوما وقال الشفيع بل اشتريت مشاعا إن القول قول الشفيع وعلى المدعى للقسمة البينة قال ولو أدعى المشتري إنها قسمة بت وادعى الشفيع إنها كانت قسمة اغتلال واستمتاع لمكان القول قول الشفيع وعلى المشتري البينة إنها كانت قسمة بت اهـ (فرع) وسئل ابن الحاج عن اختلاف الشفيع والمشتري (فأجاب) إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن وطال خصامهما في ذلك ووقعت الغلة ثم حكم بالشفعة فالغلة للمشتري (فرع) إذا أدعى الشفيع ليأخذ بالشفعة فإن أقر له المتبايعان بالبيع فالأمر واضح وإن أنكر أحدهما وأقر الأخر او أنكرا معا فلا شفعة ولا يمين على القول المعتمد قال (ومن له الشفعة مهما يدعي ... بيعا لشقص حيز بالتبرع) (فما ادعاه فعليه البينة ... وخصمه يمينه معينة) يعني إذا وقع نزاع بين من له الشفعة والذي تملك الشقص من شريكه فإدعى الشفيع إن الشقص تملكه بالشراء وطلب أخذه بالشفعة وأدعى حائزه إنه ملكه بالتبرع بهبة لغير ثواب ونحوها فعلى الشفيع البينة إنه حازه بمعاوضة مبينة لا إجمال فيها فإن أثبت ما أدعاه على الوجه الأتم وعجز المدعى عليه عن الطعن فيها كانت له شفعته وإن لم تكن له بينة على دعواه فعلى الحائز المدعى عليه اليمين إنه صار إليه بدون عوض تسقط شفعة الشريك فإن نكل عنها وجب الشفعة للمدعي بمجرد نكوله ولا تنقلب هذه اليمين لإنها للتهمة وتكون بقيمة الشقص وحينئذ فيكون له الأخذ أو الترك هذا كله إذا لم يكثر التحيل على إسقاط الشفعة بإظهار التبرع وإلا وجب الحكم بالشفعة على القول بإن التبرعات فيها الشفعة بالقيمة كما مر والمدار في ذلك على قرائن الأحوال (وفي) نوازل المعيار (وسئل) أبو عمر بن المكوي بكسر الميم وسكون الكاف عن مسئلة وهو أن يحي بن تمام اشترى حصة من حمام فيه شريك وأشهد

الجزء: 3 - الصفحة: 107

البائع ليحي في الظاهر إنه تصدق عليه به ليقطع بذالك الشفعة فقام الشريك يطلب الشفعة (فأجاب) فقهاء سبتة بعدم الشفعة وقال الشفيع للقاضي لا أرضى إلا بفتوى فقهاء الحضرة فرفع إليهم السؤال على وجهه وبدأ بابي عمر بن المكوي (فأجاب) هذه حيلة من حيل الفجار وأرى الشفعة واجبة فلما رأى ابن تمام جوابه قال هذا عاب لا يطار تحت جناحه والحق خير ما قيل هات المال وخذ حمامك اهـ وفي ابن ناجي مثله فانظر إلى هؤلاء الناس رحمهم الله كيف كانوا (فرع) وفي شرح ابي عبد الله محمد بن علي المصري التوزري المعروف بإبن الشباط على المنظومة الشقراطسية في مدح خير البرية (مسئلة) من له نصف دار شائع فتصدق بنصف نصيبه على رجل وباع منه النصف الأخر من نصيبه فإن تضمن ذلك كتاب واحد فهو أمر بين في التحيل على إسقاط الشفعة ويكون الثمن الذي سمي ثمن جميع نصيب البائع وتجب الشفعة بذلك للشفيع في جميع نصيب البائع وإن كانا بكتابين وتاريخين فتكونف ي المفرد بالشراء الشفعة وإما ما أفرد بالصدقة ففيه الشفعة بقيمته بعد أن يحلف المتصدق عليه إن صدقة حقيقه لم تؤخذ في بيع الشقص الأخر ولا وقع في ذاك شرط ولا حيلة لقطع الشفعة فإن نكل عن اليمين لم يعط قيمة الشقص ويضم للبعض الأخر كالصورة المتقدمة وكذلك إذا تقدم البيع وتأخرت الصدقة وإذا كان المتصدق عليه والمشتري له صغيرا وحاز له وليه فاليمين على ابيه اهـ وقوله فما ادعاه أي الذي ادعاه الشفيع قال (والشقص لاثنين فاعلى مشترى ... يمنع أن يأخذ منه ما يرى) (إن كان ما اشتري صفقة وما ... في صفقات ما يشاء التزما) يعني إن من باع شقصا لرجلين فأكثر في صفقة واحدة ثم أراد الشفيع أن يشفع ما بيد بعض المشتريين دون بعض بغير رضاه فليس له ذلك وإنما الواجب له أن ياخذ جميع الشقص بالشفعة أو يتركه لمن اشتراه وإما أن كان الشراء في صفقات فللشفيع

الجزء: 3 - الصفحة: 108

أخذ ما شاء وترك ما شاء.
وقوله إلتزما الفه للإطلاق وفاعله ضمير يعود على الشفيع وما يشاء مفعوله مقدم ويشاء صلة ما والعائد محذوف أي يشاءه قال (والشركاء للشفيع وجبا ... إن يشفعوا منه بقدر الأنصبا) يعني أن الشفعة إذا وجبت لاثنين فأكثر من الشركاء فأخذ واحد منهم المبيع بالشفعة فإن لمن بقي من شركائه إن يدخل معه في الشفعة بقدر نصيبه فمن كان له الربع فله الربع ومن كان له الثمن فله الثمن وهكذا ولهذا كان أهل السهم الواحد في الميراث أحق بالشفعة فيه ممن عداهم من أهل السهام كالزوجات إذا ورثن الربع أو الثمن فإذا باعت أحداهن نصيبها فإن من لم تبع منهن الشفعة وهي أحق به من غيرها من أصحاب الميراث وكذلك الأخوة للإم إذا باع أحدهم نصيبه من الثلث فإن من لم يبع منهم أحق بالشفعة من غيرهم ولا يدخل الأجنبي مع الورثة فيما وقع بينهم وبعبارة أخرى إن الشركة في العقار لو حصلت بوراثة لكان المشارك في السهم أولى من غير المارك فيه كما لو ورث ثلاث بنين دارا ثم مات أحدهم عن أولاد فإن أحد الأولاد إذا باع نصيبه كان أخوته أولى من الأعمام ولو باع أحد الأعمام لدخل أولاد أخيهم معهم ولا يختص بقية الأعمام كوارث فإنه يدخل على موصى لهم بعقار باع أحدهم فلا يختص بالشفعة بقية الموصى لهم بل يدخل معهم الوارث ولا يدخل الموصى لهم مع الوارث على المشهور ثم بعد الموصى لهم المشارك الأجنبي أن أسقطوا حقهم فإذا كانت دار بين اثنين مثلا مات أحدهما عن زوجتين وعمين وموصى لهم فإذا باعت إحدى الزوجتين اختصت الأخرى بالشفعة فإن لسقطت حقها فالشفعة للعمين دون الموصى لهم والمشارك الأجنبي فإن اسقطا حقهما فللموصى لهم دون الأجنبي فإن اسقطوا حقهم فيها فللاجنبي فالمراتب أربعة قال (وما بعيب حط بالإطلاق ... عن الشفيع حط بإتفاق) يعني إن من أشترى شقصا فوجد به عيبا فقام به على البائع فحط عنه بعض الثمن في

الجزء: 3 - الصفحة: 109

مقابلة العيب فإن ذلك يحط عن الشفيع فيشفع بالذي بقي بعد الحط وسواء كان العيب الذي وجده به يوجب القيمة أو يوجب الرد وصالحه على بعض الثمن أو حدث عند المشتري عيب يمنع الرد فأخذ قيمة العيب القديم فإن ذلك كله يحط عن الشفيع ويتنزل منزلته وإلى هذا أشار بالاطلاق من غير خلاف قال (ولا يحيل مشتر لبائع ... على الشفيع لاقتضاء مانع) يعني إن من اشترى شقصا إلى أجل فللشفيع أن يأخذه بالشفعة إلى ذلك الأجل فإن قال البائع للمشتري أنا أرضى أن يكون مالي على الشفيع إلى الأجل لم يجز لإنه فسخ ما لم يحل من دينه في دين على رجل ءاخر قاله ابن القاسم كما في المواق وقوله (لاقتضاء مانع) أي بسبب مانع وهو عدم حلول الدين المحال به قال (وليس للبائع إن يضمن عن ... مستشفع لمشتر منه الثمن) معنى البيت هو ما قاله ابن سلمون ونصه قال ابن رشد في مسائله لا يجوز للذي باع شقصا بثمن إلى أجل أن يتحمل بالثمن للمشتري عن الشفيع إلى الأجل لأن له في ذلك منفعة إذ لعل الشقص لا يساوي الثمن فإن لم يشفع الشفيع لم يجد هو عند المشتري وفاء بثمنه عند حلول الأجل والحمالة معروف كالقرض لا يجوز أن يؤخذ عليها عوض ولا يجر بها نفعا اهـ قال (ويلزم الشفيع حال ما اشتري ... من جنس أو حلول أو تأخر) (وحيثما الشفيع ليس بالملي ... قيل له سق ضامنا أو عجل) يعني أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة من المشتري فإنه يتنزل منزلته ويلزمه ما التزمه من جنس الثمن أو قيمته أو قيمة الشقص كما تقدم بيانه وأجله إن كان مؤجلا وهو ملي وإلا لزمه ضامن بالمال أو رهن يساوي قيمة الشقص أو أكثر فإن لم يأت بشيء من ذلك لزمه تعجيل الثمن فإن لم يقدر على التعجيل فلا شفعة له إلا إذا تساويا عدما

الجزء: 3 - الصفحة: 110

فله الشفعة على القول المختار لإنه موسر بجميع ذلك النصف الذي يستشفع به والنصف الذي استشفعه كما في المواق وقول الناظم الشفيع مفعول به مقدم وحال أي صفة فاعل مؤخر وهو مضاف وما أي الثمن مضاف إليه واشترى بالبناء للنائب ونائب الفاعل ضمير يعود على الشقص وجملة أشتري صلة ما والعائد محذوف تقديره به ومن جنس وما عطفت عليه بيان لحال ثم قال (وما ينوب المشتري فيما اشترى ... يدفعه له الشفيع محضرا) يعني أن جميع ما دفعه المشتري من المصاريف على الشقص الذي اشتراه من أجرة عدول وثمن الكاغذ ومكس واجرة دلال اعتيدت أو اشترطت ونحوها فإن الشفيع يدفعه للمشتري حاضراً من غير تأخير (فرع) ذكر صاحب المعيار أثر هذا الكلام مسئلة فقال (وسئل) فقهاء طليطله عن المشتري يكري الشقص المشترى من دار أو أرض أو حانوت لأعوام ثم يقوم الشفيع يطلبه بالشفعة (فأجاب) ابن عتاب وابن القطان وابن مالك له الأخذ بالشفعة وإن يفسخ الكراء اهـ وقيل لا فسخ وقيل غير ذلك لعدم وجود نص في عين النازلة (ولما) جرى ذكر القسمة في الشفعة ناسب أن يذكر عقبها القسمة فقال

﴿فصل في القسمة﴾

(تمهيد مفيد) أعلم أن أبحاث القسمة ستة (الأول) في معناها لغة واصطلاحا (والثاني) في أصل مشروعيتها (والثالث) في حكمها (والرابع) في حكمتها (والخامس) في أركانها (والسادس) في أقسامها (أما) معناها في اللغة فقال صاحب المصباح قسمته قسما من باب ضرب فرزته أجزاء فانقسم والموضع مقسم كمسجد والفاعل قاسم وقسام مبالغة والاسم القسم بالكسر ثم أطلق على الحصة والنصيب فيقال هذا قسمي والجمع أقسام مثل حمل وأحمال واقتسموا المال بينهم والإسم القسمة وأطلق على

الجزء: 3 - الصفحة: 111

النصيب أيضا وجمعها قسم مثل سدرة وسدر اهـ. وقال في المغرب وهو كتاب في اللغة القسم بالفتح قسم القسام المال بين الشركاء فرقة بينهم وعين انصباءهم ومنه القسم بين النساء والقسم بالكسر النصيب اخـ خرشي.
وفي الاصطلاح عرفها الإمام ابن عرفة بقوله تصيير مشاع من مملوك مالكين فأكثر معينا ولو باقتصاص تصرفه فيه بقرعة أو تراض (فقوله) تصيير مشاع مضاف ومضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله الأول ومفعوله الثاني معينا والفاعل محذوف تقديره إنسان أي جعل إنسان عارف بحقائق الأشياء وقيمتها شيئاً مشاعا مملوكا لمالكين فأكثر معينا ويجوز تقدير الفاعل القاسم كما في بعض الشروح ويعرف بالتعريف المذكور ونحوه وحينئذ ينتفي الدور الذي توهمه بعضهم بإنفكاك الجهة على أن الدور إنما يكون في الحدود الحقيقة وإما الحدود المجازية التي هي رسوم في الحقيقة كما هنا فلا يلزم فيها ذلك لإنها من باب تبديل لفظ بلفظ مرادف له أشهر منه كما هو مقرر في محله وفي المشاع فهو الذي ليست له صورة بخلاف المعين (وقوله) من مملوك بيان لمشاع ومتعلق به.
وقوله معينا يخرج به ما صيره القاسم غير معين بأن كان مجهولا ويأتي مثاله قريبا ويدخل قسم ما على مدين لمورثهم ولو غائبا ولا يجوز قسم الذمم بأن يتبع كل واحد مدينا للخطر ويخرج بقوله مالكين فأكثر تعيين ما كان لمالك واحد كتعيين معتق أحد عبدين احدهما وتعيين المشتر أحد ثوين أحدهما.
وقوله ولو باقتصاص تصرف يشير به إلى قسمة المهاباة الآتية فما قبل المبالغة محذوف والتقدير هذا إذا صير القاسم المشاع معينا باقتصاص في الرقاب بقرعة أو تراض بل ولو كان التعيين باقتصاص في المنافع فقط مع بقاء الأصل مشاعا (وأما) الأصل في مشروعيتها فبالكتاب والسنة إما الكتاب فقول الله تعالى نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا وقال تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى.
وإما السنة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وقال إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.
وإما حكمها فالجواز بالإجماع لورودها في الكتاب والسنة بشرط السلامة من الجهالة والربى وأتلاف المال

الجزء: 3 - الصفحة: 112

أما الجهالة كما لو ورث رجلان دارا غائبة أن يقسماها ابن القاسم إلا أن توصف لهما ومنعه سحنون ولو وصفت وأما الربى فكاقستامهما تمرا أو زرعا قبل بدو صلاحه على شرط التبقية وأما اتلاف المال فكقسمة النخلة الواحدة التي تثمر خشبا وكقسمة الؤلؤة وحكى القاضي عياض فيها ينقص من ثمنه كثيرا كالياقوتة الكبيرة والجمل النجيب يقسم لحما كذا في التوضيح نقلا عن ابن راشد (وأما) حكمة مشروعيتها فلدفع التشاجر والتنازع بين الشركاء (وأما) أركانها فثلاثة القاسم والمقسوم والمقسوم عليهم (وأما) أقسامها بطريق البسط فاربعة قسمة مهاياة ولا تكون إلا بالمراضاة والمهاياة إما في الأزمان وأما في الأعيان فالمهاياة في الأزمان كان يتفقا على أن يستخدم أحدهما الدابة أو يسكن الدار أو يحرث الأرض مدة من الزمان والأخر مثلها أو أقل أو أكثر والمهاياة في الأعيان كان يستخدم هذه دابة وهذا دابة أو يسكن هذا دارا وهذا دارا أو يزرع هذا أرضا وهذا أرضا ويكون شهرا فأقل في الاستخدام وسنة أو أكثر في الدور والارضين وإما بالاستغلال فإنه لا يجوز لما فيه من الخطر والجهالة فلربما أرض أحدهما تساوي كراء أكثر من أرض الآخر أو تبقى بدون كراء (قال) الحطاب (تنبيه) قال في اللباب المقسوم لهم الشركاء المالكون فلا يقسم لغير المالك كالمحبس عليهم قسمة قرعة ولا مراضاة ولا يمنع أن يقسم بينهم قسمة مهاياة في الأزمان في الدور والأرضين دون الشجر اهـ. وفي مسائل القسمة من البرزلي (مسئلة) في المجموعة اختلف في قسمة الحبس قسمة اغتلال فكرهه قوم وأجازه ءاخرون ويحتمل أن يريد الأرض لا الشجر لنصهم على منع قسمة الشجر اهـ محل الحاجة من الحطاب بنصه ولم يتعرض الناظم لهذا القسم وإنه تعرض للأقسام الثلاثة الباقية وهي قسمة تعديل وتقويم وقرعة وقسمة تعديل وتقويم بمراضاة وقسمة مراضاة من غير تعديل ولا تقويم ولكل قسم منها أحكام تخصه وقد أشار الناظم إلى بيان حكمها وعدد أقسامها فقال (ثلاث القسمة في الأصول ... وغيرها تجوز مع تفصيل)

الجزء: 3 - الصفحة: 113

يعني أن القسمة في الأصول وغيرها من الحيوان والعروض جائزة وهي ثلاثة أقسام أشار إلى القسم الأول منها بقوله (فقسمة القرعة بالتقويم ... تسوغ في تماثل المقسوم) يعني أن قسمة القرعة لا تجوز في القول المشهور إلا فيما تماثلت أنواعه أو تقاربت كثياب الكتان والقطن من نوع البز أي الثياب والتفاح والرمان من نوع الشجر عند الاحتياج إلى الجمع فيقسم العقار وما أشبهه من المقومات بالقيمة لا بالعدد ولا بالمساحة إن اختلفت أجزاؤه فإن اتفقت فلا يحتاج إلى تقويم بل يجوز فسمه عددا ومساحة لأن معرفة الأجزاء لا تتوقف على تقويم كما في الحطاب وحيث اختلفت الأجزاء واحتيج إلى القيمة فتجمع الدور على جهة والارضون على جهة والاجنات على جهة والإبل على جهة والبقر على جهة والغنم على جهة والخيل والبراذين على جهة والبغال على جهة والحمير على جهة كبيرها وصغيرها سواء يضم بعضه إلى بعض وكتب العلم على جهة والثياب على جهة وكذا بقية المقومات وإنه لا يضم جنس إلى ءاخر في هذه القسمة ثم بعد ذلك يقسم ما يراد قسمه من كل نوع بالقيمة على أقلهم نصيبا ويقترعون فغن كان هناك نوع لا يقبل القسمة على أقلهم نصيبا أو لا يقبلها أصلا فإنه لا يضم إلى غيره بل يترك حتى يتراضوا على شيء أو يباع ويقسم ثمنه بينهم ويشترط في جمع الدور والارضين التساوي في الرغبة والنفاق وأن تكون في جهة واحدة أو في جهات متقاربة وإلا فلا جمع ويقسم كل واحد بإنفراده إن قبل القسم وإلا فعل به مثل ما تقدم (وأما) الاجنات فإن كان أشجارها مختلفة مختلطة كاجنات بلاد قسطيلية المعروفة الآن بالجريد بالقطر التونسي قسم ما فيها بالقيمة للضرورة وإن كان كل صنف منها في حائط كما في بعض البلدان قسم بإنفراده فإن لم يقبل القسمة حيث لم يحصل لكل واحد من الشركاء ما يرتفق به أو حصل للبعض دون البعض ضم إلى ما يقاربه كالرمان والتفاح والخوخ والأجاص ونحو ذلك ثم إذا توفرت شروط

الجزء: 3 - الصفحة: 114

الجمع وامتنع بعض الشركاء منه وطلب أن يقسم كل وحده وقال غيره يجمع فالقول لمن طلب الجمع ثم أشار الناظم إلى بعض أحكام هذا القسم فقال (ومن أب ىلقسم بها فيجبر ... وجمع حظين بها مستنكر) (كذاك في اختلاف الأجناس وفي ... مكيل أو موزون المنع اقتفى) يعني أن الشريكين إذا طلب أحدهما القسم بالقرعة وامتنع الأخر منها فإن الممتنع يجبر عليها أن انتفع بما ينوبه (قال) ابن رشد الذي جرى به العمل عندنا أن الدار لا تقسم حتى يصير لكل واحد من الشركاء من المساحة والبيوت ما ينتفع به ويستتر فيه عن صاحبه كذا في المواق وحيث أريد القسم بحكم أو بدون حكم فلا يجوز جمع حظ اثنين فيها ولو رضيا بذلك على المشهور إلا أن يكونا كالزوجين فانهما يجمعان في الثمن أو الربع وكذلك الأخوة للأم فإنهم يجمعون في الثلث والأخوات فيجمع لهن في الثلثين وليس لأحدهم أن يقسم له بانفراده بل يقسم له ولمن شاركه في الفرض مع العصبة ثم بعد اخراج حظهم يقاسمهم إن شاء على نحو ما تقدم من كلام ابن رشد ولم ينبه الناظم على هذا الاستثناء والكمال لله تعالى ثم صرح بمفهوم قوله تسوغ في تماثل المقسوم وهو إنه إذا اختلفت أجناس المقسوم لم تجمع للقسم فقال (كذاك في اختلاف الأجناس) يعني كما لا يجوز جمع حظين في قسم القرعة إلا ما استثني كذلك لا يجوز جمع الأجناس المختلفة التي لم تتقارب البتة فيها وإن عدلت وقومت على القول المشهور لأن ذلك من الخاطرة ويقسم كل جنس على حدة كما مر.
وإنه لا يجوز قسم المكيل والموزون جزافا بالقرعة إلا إذا كان ذلك بعد الكيل والوزن فإنه يجوز.
وقد أجاز مالك رضي الله تعالى عنه فيما لا يكال من الطعام الذي لا يجوز الفضل فيه وإنما يباع وزنا كاللحم والخبز وفيما لا يباع لا وزنا ولا كيلا أن يقسم بالتحري وذلك فيما قل لأن التحري يحيط به فإذا كثر لم يجز اقتسامه بالتحري (فرع) وفي نوازل القسمة من المعيار (وسئل) فقهاء قرطبة

الجزء: 3 - الصفحة: 115

عن الشريكين يطلب أحدهما القسمة فيتغيب الأخر (فأجاب) ابن لبابة وابن وليد وابن غالب إذا تغيب أحد الشركاء عن الحضور للقسمة وظهر ذلك للقاضي بإتصال تغيبه أو بطول التردد في طلبه لحضوره فلم يحضر أمر القاضي بالقسم عليه ووكل له من بقبض نصيبه فيبعث قاسما يرضاه ورجلين يعمل عليهما يحضران القسم ووكيلا يوكله للغائب وكالة يشهد له بها ويجري في ذلك الكتب الذي بسببه وكله من ثبوت التغيب عنده فما حصل للغائب قبضه وكيله وكان قبضه بأمر القاضي كقبضه لنفسه لو كان حاضرا أهـ قال (ولا يزيد بعضهم شيئا ولا ... يزاد في حظ لكي يعدلا) يعني أنه لا يجوز في قسمة القرعة أن يزيد بعضهم شيئا من الدراهم لكون القسمة الأخرى أحسن أو أكثر ثمنا من هذه وعن اللخمي جواز الزيادة اليسيرة مما لا بد منه ولا يتفق في الغالب أن تكون قيمة الدارين سواء (قلت) وكلامه حسن بن وكذا لا يزاد شيئ من التركة مخالف لجنس المقسوم في حظ ليقع التعادل لأنه ممنوع والف يعدلا المبني للنائب ضمير المثتنى يعود على الحظين قال (وبين أهل الحجر ليس يمتنع ... قسم بها ومدعي الغبن سمع) يعني إنه يجوز قسم الحاجر من أب أو وصي أو مقدم القاضي على محجوره بالقرعة بعد إتمام الموجبات الآتية وإن من أدعى الغبن فيها سمعت دعواه ويكلف بإثباته إن أنكر شريكه وجود الغبن فإذا اثبته بشهادة أهل المعرفة ولو لم يبلغ الثلث بطلت القسمة لأن كل واحد من الشركاء دخل على قيمة مقدرة وذرع معلوم فإذا وجد نقصا من ذلك كان له الرجوع وتعاد القسمة ما لم يفت المقسوم ببناء أو هدم أو حوالة سوق في غير العقار وإلا وجبت في ذلك القيمة يقتسمونها فإن فات البعض اقتسموا الذي لم يفت مع قيمة ما فات (قال) الإمام ابن عرفة وفوته بالبيع لغو ما لم يفت ببناء مبتاعه فإن فات به رجع ذو النقص على بائعه فإن وجده عديما رجع على مبتاعه اهـ

الجزء: 3 - الصفحة: 116

فإن عجز عن إثبات الغبن بالبينة حلف المنكر وتمت القسمة وإن نكل نقضت هذا كله إذا قام بالغبن فيما قرب وإما ما بعد أمره وطال تاريخه كالسنة فلا قيام فيه بغبن كذا في الحطاب قال (وهذه القسمة حيث تستحق ... يظهر فيها إنها تمييز حق) يعني أن هذه القسمة التي تكون بالتعديل والتقويم والقرعة حيث يستحقها من طلبها من الشركاء ويجبر عليها من امتنع منها الذي يظهر فيها عند توفر شروطها إنها تمييز حق لا بيع قال ابن رشد والأظهر في قسمة القرعة إنها تمييز حق وفي قسمة التراضي بعد التقويم والتعديل إنها بيع من البيوع وإما قسمة التراضي دون تقويم ولا تعديل فلا اختلاف إنها بيع من البيوع فلها حكمه في العيوب والاستحقاق ثم شرع في القسم الثاني فقال (وقسمة الوفاق والتسليم ... لكن مع التعديل والتقويم) (جمع لحظين بها لا يتقى ... وتشمل المقسوم كلا مطلقا) (في غير ما من الطعام الممتنع ... فيه تفاضل ففيه تمتنع) (واعملت حتى على المحجور ... حيث بدا السداد في المشهور) (وما مزيد العين بالمحظور ... ولا سواه هبه بالتأخير) (ومن أبي القسم بها لا يجبر ... وقائم بالغبن فيها يعذر) الأبيات الستة يعني أن الشركاء يجوز لهم أن يقسموا ما بينهم من الأملاك قسمة تسليم ومراضاة بأن يسلم كل واحد منهم لصاحبه ما أراده بعد التعديل والتقويم ويجوز فيها جمع حظين والأشياء المختلفة والأصناف المتباينة والبعيد والقريب من الدور والارضين والاجنات كل ذلك لا يتقى ولا يمنع هذا معنى قوله (وتشمل)

الجزء: 3 - الصفحة: 117

المقسوم كلا مطلقأ) ثم استثنى منه (في غير ما من الطعام الممتنع) فإن قسمته إذا أدت إلى ربي الفضل فإنها تمتنع كان يكون بين رجلين وسق شعير ونصف وسق قمحا فيقومان الوسق بعشرة دراهم ونصف الوسق بعشرة أيضا على أن يأخذ احدهما وسق الشعير والأخر نصف الوسق من قمح فهذا ممنوع لما فيه من التفاضل بين القمح والشعير وهما جنس واحد على المشهور أو يكون بينهما وسقان على أن يأخذ احدهما وسق القمح ويزيد لصاحب الشعير دراهم ونحوها فلا يجوز أيضاً لأن وسق القمح بيع بوسق الشعير وشيء ءاخر فحصل التفاضل (ومفهوم) قوله في غير ما من الطعام الممتنع فيه تفاضل إنه يحوز في الطعام الذي لا يمنع فيه التفاضل وهو كذلك كان يكون بين رجلين وسق من تمر ونصف وسق من قمح فيقومان الوسق بعشرة دراهم ونصف الوسق بعشرة دراهم أيضاً على أن يخرج أحدهما بوسق التمر والآخر بنصف الوسق من القمح لأنهما جنسان واختلاف الأجناس يجوز فيه التفاضل إذا كان يدا بيد كما مر.
وقوله (واعملت حتى على المحجور) البيت يعني إنه يجوز للحاجر قسم المراضاة مع شركاء محجوره بعد التعديل والتقويم إذا كان ذلك صلاحا وسدادا في القول المشهور المعمول به في القديم وأما في زماننا هذا فلا يكون له ذلك استقلالا بل لا بد له من مشورة القاضي بناء على القول المقابل فيترجح على غيره لما يقتضيه حال الزمان ولو كان الشريك غير الوصي وقوله (وما مزيد العين بالمحضور) يعني إنه يجوز في قسمة المرضاة المذكورة أن يزيد أحدهما دراهم أو دنانير لكون القسمة الأخرى أحسن أو أكثر ثمنا كما يجوزان يزاد شيء من التركة مخالف لجنس المقسوم في حظ من الحظوظ ليقع التعادل بخلاف قسمة القرعة كما مر (وقوله) ومن أبى القسم بها لا يجبر يعني أن هذه القسمة لما كانت بيعا على المشهور فإنه لا يجبر على أحد على بيع ملكه إلا في مواضع تقدم الكلام عليها وهذه ليست منها وإنما يقع الجبر على قسمة القرعة لإنها تتميز حق كما مر وقوله (وقائم بالغبن فيها يعذر) يعني أن من قام بالغبن في هذه القسمة فإن قيامه به يسمع ولو لم يبلغ الثلث بناء على إنها تمييز حق

الجزء: 3 - الصفحة: 118

ويكلف بإثباته على نحو ما تقدم (تنبيه) قال ابن رحال قول ميارة والتعديل هو التقويم الخ كلام الفقهاء فيه عطف التقويم على التعديل والأصل فيه التغاير والذي يظهر من كلامهم أن التعديل هو جعل هذا يقابل هذا عند الشروع في القسمة ثم بعد ذلك يقوم الشيء وما جعل في مقابلته وهكذا رأيت الناس يقسمون الغنم ونحوها والتقويم في الحقيقة هو ميزان لما عدل هل أصيب في التعديل أم لا وفي الوثائق المجموعة في قسمة دار ما نصه بعد أن عدل قيمتها بالذراع وبنيانها بالتقويم هذا لفظه فجعل التعديل في الأرض والتقويم في البنيان هذا يدل على التغاير في الجملة فافهم اهـ ثم شرع في الثالث فقال (وقسمة الرضى والاتفاق ... من غير تعديل على الاطلاق) (كقسمة التعديل والتراضي ... فيما عدا الغبن من الأغراض) (ومدع غبنا بها أو غلطا ... مكلف أن رام نقضا شططا) يعني أن قسمة المراضاة من غير تعديل ولا تقويم جائزة كما جازت قسمة التعديل والتقويم بالمراضاة على الاطلاق في جميع أحكامها المتقدمة إلا القيام بالغبن فإنه ممنوع لأن كل واحد من الشركاء علم بأخذ ما خرج له لا على قيمة مقدرة ولا على ذرع معلوم فهي كبيع المساومة باتفاق وهو لا قيام فيه بالغبن ولو بلغ الثلث على القول المشهور المعمول به كما تقدم فإذا وقع ونزل وقام مدعي الغبن أو الغلط وأراد نقض القسمة فلا تسمع دعواه لما فيها من إرادة الكم بما هو ممنوع وهو يكلف الحاكم شططا وظلما وهذا البيت تصريح بمفهوم قوله فيما عدا الغبن وقوله مكلف بكسر اللام خبر عن قوله مدع قال (وقسمة الوصي مطلقا على ... محجوره مع غيره لن تحظلا) يعني أ، المحجور إذا كان مشاركا لغير حاجره وطلب أحدهما القسمة فإن حاجره

الجزء: 3 - الصفحة: 119

يقسم عليه بدون حظل ولا منع كانت بالقرعة أو بالمراضاة بنوعيها لاكن بعد مشورة القاضي كما تقدم وإن كان مشاركا لحاجره وأراد القسمة معه فأشار إليه بقوله (فإن يكن مشاركا لمن حجر ... في قسمة فمنعه منها اشتهر) (إلا إذا أخرجه مشاعا ... مع حظه قصدا فلا امتناعا) (ويقسم القاضي على المحجور مع ... وصيه عند اقتفاء من منع) (كذا له القسم على الصغار ... وغائب منقطع الأخبار) يعني أن المحجور إذا كان مشاركا لوصيه فإنه لا يجوز لوصيه أن يقسم له معه ولو ظهر السداد على القول الراجح المعمول به وإنه لا بد من الرفع للقاضي فيقدم من يقسم بينه وبين محجوره فإن لم يرفع أمره للقاضي فسخت القسمة إلا إذا وجدها القاضي سدادا وأقرها فإنها تمضي ووجه المنع إنه باع مال محجوره من نفسه وذلك لا يجوز هذا إذا لم يكن معهما شريك ءاخر فإن كان معهما غيرهما وخرج للوصي ومحجوره حظهما على الشياع جاز لعدم التهمة ثم إنه إذا أراد أن يقاسمه ليمتاز كل واحد بحظه رفع أمره للقاضي وإليه أشار الناظم بقوله (ويقسم القاضي على المحجو رمع.
وصيه) البيت وكذلك يقدم القاضي من يقسم على الصغار الأيتام المهملين وعلى الغائب الذي انقطع خبره أو علم خبره وبعدت غيبته كالعشرة الأيام أو اليومين مع الخوف وإلا فينتظر (فرع) لو وقع القسم على غائب واستعمل الحاضر نصيبه وترك نصيب الغائب فلما قدم الغائب أراد نقص القسمة بدعوة الغبن وامتنع الأخر من نقضها وأنكر دعوى الغبن فإنها لا تنقض ولا تسمع لمدعي الغبن دعوى ولا بينة وإنه حكم مضى كما في المعيار.
وقوله فإن يكن أي الوصي وقوله في قسمة على حذف مضاف أي قابل قسمة أو المراد بها المقسوم وضمير منعه للوصي وضمير منها يعود على القسمة وضمير أخرجه يعود على نصيب المحجور المفهوم من السياق وضمير وصيه يعود على المحجور وقوله عند اقتفاء من منع أي يقسم القاضي على

الجزء: 3 - الصفحة: 120

المحجور مع وصيه عند إتباع من منع قسم الحاجر مع محجوره وإما على القول بجواز قسمه معه كبيعه لنفسه فلا يحتاج إلى الرفع للقاضي والخلاف في المسئلة شهير ويترجح الرفع للقاضي في هذا الزمان كما تقدم وقول الناظم له ضميره يعود على القاضي والحظل معناه المنع قال (وحيث كان القسم للقضاة ... فبعد إثبات لموجبات) (ويترك القسم على الأصاغر ... لحال رشد أو لوجه ظاهر) يعني أن القسم إذا كان موكلا للقضاة لكون الملك الذي أريد قسمه مشتركا بين الوصي ومحجوره أو بين حاضر وغائب أو بين رشيد وصغير مهمل وطلبوا القسمة بينهم فإن القضاة لا يأمرونهم بالقسم إلا بعد إثبات الموجبات وهي ثبوت الشركة والحجر وإهمال اليتيم والغيبة وبعدها حسا أو معنى وطلب الشريك القسمة وملكية الشيء الذي أريد قسمه كل ذلك بالشهادة العادلة ويعبر عنها بوثيقة السبب ويجوز للقاضي أن يترك القسم على الأصاغر لأحد أمرين أما لزمن رشدهم فيقسمون لأنفسهم أن شاءوا وأما لمصلحة ظاهرة كان يكون بقآء حظهم على الشياع أحسن من قسمه خوفا من الضياع ونحوه ثم قال (ومن دعا لبيع مالا ينقسم ... لم يسمع إلا حيث أضرار حتم) (مثل اشتراك حائط أو دار ... لا كالرحى والفرن في المختار) (وكل ما قسمته تعذر ... تمنع كالتي بها تضرر) (ويحكم القاضي بتسويق ومن ... يريد أخذه يزيد في الثمن) (وإن أبوا بيع عليهم بالقضا ... واقتسموا الثمن كرها أو رضى)

الجزء: 3 - الصفحة: 121

الأبيات الستة يعني أن الشريك إذا طلب من شركائه بيع ما لا ينقسم أصلا كالفرس الواحد أو النخلة الواحدة أو ينقسم بفساد كالخف الواحد والدار والبستان الذين لا يقسمان على أقل الأنصباء بحيث لا يصير لصاحب الحظ القليل ما ينتفع به لم يسمع قوله ويبيع حظه مفردا إن شاء حيث لم يتحد مدخله مع شركائه ولشريكه الشفعة إذا كان أصلا ثم أن قول الناظم ما لا ينقسم شامل لجميع ما تقدم وسواء كان الملك الذي لا يقبل القسمة من الرباع المتخذة للغلة كالأكراء أو المتخذة للانتفاع بها بأعيانها كالسكنى ثم إخراج هذا الثاني من العموم المذكور بقوله إلا حيث إضرار حتم الخ فإن دعواه تسمع بأن كان يحصل للشريك ضرر في دوام الشركة في بستان أو دار لا يقبلان القسمة فيجاب إلى ذلك إن اتحد مدخلهما وأما ما كان متخذا للغلة كالفرن والحمام والحانوت ونحوها مما لا يقبل القسمة إلا بفساد فإن شريكه لا يجبر على البيع معه ولو أتحد مدخلهما في القول المختار عند بعض العلماء وما درج عليه الناظم من التفرقة بين رباع الغلة وغيرها تبعا لطريقة ابن رشد خلاف المذهب بل المذاهب الاطلاق وإنه لا فرق بينهما كما قاله ابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهما وبه العمل لاكن بشرط اتحاد المدخل لقول القاضي عياض يجب أن يكون الحكم بالبيع فيما ورث أو اشتراه الاشراك جملة في صفقة ومن دخل على الشركة فلا جبر له كما في المواق (وفي) بيوع الحاوي ما نصه قلت والذي جرى به عمل القضاة الآن بتونس إنه إذا اشترى الجزء بانفراده إن لا يجبر من سبقه على البيع وللسابق في الملك أن يجبر المحدث على البيع ولو كان شراءهم جميعا أو وراثتهم واحدة فإن قبل القسم أجبر عليه من أباه وإن لم يقبل القسم فمن دعا إلى البيع فالقول قوله اهـ برنامج عظوم القرواني وقال الشيخ مياره ءاخر شرحه على الزقاقية وينبني على اشتراط اتحاد المدخل إنه لو ورث ثلاثة دارا مثلا أو ملكوها بشراء دفعة واحدة فباع أحدهم نصيبه منها لأجنبي وأسقط شريكاه الشفعة للمشتري ثم أراد الشريكان أو أحدهما البيع فله أن يصفق على شريكه لأتحاد مدخله معه ويصفق على المشتري الأجنبي لاتحاد مدخله

الجزء: 3 - الصفحة: 122

مع البائع له لأنه فرعه ولو أراد المشتري بيع حصته لم يكن له جبر شريكي البائع له على البيع معه لدخوله وحده فلم يتحد مدخله مع مدخل بقية إشراكه وكذا لو مات أحد الشركاء الثلاثة فورثه زوجته وأولاده مثلا فأراد الأثنان الباقيان أو أحدهما التصفيق على الزوجة والأولاد المذكورين فله ذلك كما كان له ذلك على مورثهم إن لو كان حبا لإتحاد مدخله معه ولو أرادت الزوجة أو الأولاد التصفيق على شريكي مورثهم لم يكن لهم ذلك لدخولهم وحدهم حين مات مورثهم فلم يتحد مدخلهم ومدخل شريكي مورثهم وهذا معنى قولهم في ضابط بيع الصفقة يجبر الدخيل للأصيل ولا يجبر الأصيل للدخيل وهو مبني على طريقة عياض من اشتراط اتحاد المدخل وبه العمل ولا فرق في الدخل أن يكون دخوله بشراء أو أرث أو هبة (تنبيه) إنما يجبر الدخيل للأصيل ما لم يبعض الأصيل حصته أما إن بعضها فلا يجبر له الدخيل اهـ (وحيث) كانت القسمة متعذرة ورفعوا أمرهم إلى القاضي لينظر في أمرهم وثبت عنده ملكهم فإنه يحكم بتسويق جميع الملك المشترك بينهم الذي وقع النزاع فيه وسواء كان متخذا للغلة أو متخذا للانتفاع به بعينه بشرط اتحاد مدخلهم كما تقدم ومن أراد أخذه منهم يزيد في الثمن فإن سلمه له شريكه فالأمر ظاهر وإلا تزايدوا حتى يقف على أحدهم فيأخذه بما وقف به عليه وإن أبوا التسويق لغرض من الأغراض كان يكونوا من أهل الهيئات قومه أهل المعرفة فإذا وقع تسليمه لواحد منهم فذاك وإلا تزايدوا حتى يقف على أحدهم ويؤدي نصيب من ترك أخذه وإن أبوا كلهم من أخذه بما قومه أهل البصر بيع عليهم بالقضاء كرها أو طوعا واقتسموا ثمنه (قال) ابن فرحون ءاخر باب القسمة والأشياء التي لا تنقسم أو في قسمها ضرر يجبر على البيع من أباه إذا طاب أحدهما البيع وإنما جبر على البيع من أباه دفعا للضرر اللاحق للطالب لأنه إذا باع نصيبه مفردا نقص ثمنه وإذا قلنا يجبر على البيع فإنه إذا وقف المبيع على ثمن وأراد طالب البيع أخذه بما وقف عليه لم يمكن من ذلك لأن الناس قد يتحيلون بطلب البيع إلى إخراج الناس من أملاكهم

الجزء: 3 - الصفحة: 123

وأما إن طلب الشراء من أبى البيع فله ذلك اهـ (فرع) قال ابن سهل في أحكامه في أوائل كتاب الدعاوي في دار بين ورثة يسكنها بعضهم وبعضهم يسأل أخلاءها لبيعها ودعا ساكنيها إلى غرم كرائها على الإباحة للتسويق (فأفتى) ابن عتاب إذا ةلم تحمل القسمة فإنها تخلى من جميعهم لتسوق خالية إلا أن يوجد من يكتريها من غير الورثة على شرط التسويق فكترى منه إذا أمن منه الميل إلى بعض الورثة ولم يكن من ناحية أحدهم ولا من سببهم اهـ حطاب.
وقول الناظم إضرار بكسر الهمزة وقوله تعذر حذف منه إحدى التاءين أصله تتعذر بفتح التاء وقوله تمنع بضم أوله مبني للنائب وقوله بقضي بضم أوله وفتح ثانيه أي يدفع ومعنى يذر يترك وقوله بيع بكسر أوله قال (والرد للقسمة حيث يستحق ... من حصة غير يسير مستحق) يعني أن الشركاء إذا اقتسموا فيها بينهم من الملك ثم استحق من حقة احدهم غير يسير بأن كان كثيرا كالثلث والنصف لا الربع فإن القسمة ردها مستحق ولا يتعين عليه فسخها بل له ابقاؤها على حالها ولا يرجع على شريكه بشيء ولا فسخها ويرجع شريكا بقدر نصف ما بيد صاحبه (قال) الحطاب اهر كلامه إنه لا فرق بين أن يكون شائعا من جميع المقسوم أو من حصة أحدهم أو معينا وليس كذلك وإنما هذا الحكم إذا استحق معين أو شائع من حصة أحدهم فيفصل فيه على ما ذكر وأما إذا استحق منه جزء شائع من جميع المقسوم فلا كلام لأحد الشريكين على صاحبه لأنه استحق من نصيب أحدهما مثل ما أستحق من نصيب الآخر اهـ فهذا أحسن ما يحمل عليه كلام الناظم من الأقاويل ومفهوم قوله غير يسير إنه إذا استحق اليسير كالربع فاقل فإن القسمة لا ترد وهو كذلك اتفاقا ويرجع على شريكه بقيمة نصف ما قال الجزء المستحق (قال) الونشريسي في المعيار (وسئل) سعيد بن حسان عن الرجل يقلب أي يحرث ارضا مبيعة بينه وبين إشراكه جميعا أو بعضها ثم يقسم هل يقضى

الجزء: 3 - الصفحة: 124

له على الورثة بقيمة عمله وكيف لو زبلها أيضاً ثم قسمت هل له قيمة زبله وعمله وكيف لو استحقها مستحق هل يقضى له عليه بذلك أم لا (فأجاب) أما في الوارث مع ورثته فلا شيء له في القليب ولا في المزبل وأما المستحق فيقضي له عليه بقيمة قليبه وزبله (وسئل) ابن أبي زيد من دار بين رجلين مشاعة عدى على أحدهما غاصب قاهر فغصبه نصيبه مشاعا هل للأخر أن يكري نصيبه أو يبيعه أو يقاسم فيه (فأجاب) بأنه لا سبيل إلى القسم فيه ما دام الأخر ممتنعا من الأحكام وله أن يبيع نصيبه أو يكريه وقد اختلف في الكراء والثمن هل للمغصوب منه فيه مدخل فقيل إنه يدخل معه فيه إذا لم يتميز نصيب المغصوب وقيل لا مدخل له معه إذ غرض الغاصب حظ هذا دون هذا وهذا أشبه بالقياس (وسئل) أبو عبد الله الحفار على أصل من التوت له ثلاثة أفراع بين ثلاثة أشخاص فاقتسموها فرعا فرعا فملك فرعان بالريح وبقي واحد فأراد صاحبا الفرعين للذين هلكا أن يشتركا معه في الفرع الآخر إذ الأصل واحد (فأجاب) قسمة الشجرة بالأفراع إنما يكون قسمة اغتلال خاصة وأما قسمة الملك فلا بل الشجرة بينهم وما بقي من فروعها فهو بينهم وما ذهب من أفراعها بينهم اهـ. وقول الناظم والرد مبتدأ ومستحق بفتح الحاء خبره ومتعلقه محذوف تقديره لمن أستحق من يده قال (والغبن من يقوم فيه بعدا ... إن طال واستغل قد تعدا) يعني أن الشركاء قد اقتسموا فيما بينهم من الربع والعقار وغيرهما وأخذ كل واحد نصيبه وطال الزمن وأستغل كل واحد منهم ماله غلة ثم قام أحدهم بالغبن وأراد نقض القسمة فقد تعدى بقيامه وال تسمع دعواه والطول في ذلك السنة فأكثر ومثل الطول الهدم والبناء والغرس كما تقدم وقوله بعد ألف للأطلاق وهو مضاف وأن بفتح الهمزة وما دخلت عليه في تأويل مصدر مضاف إليه أي بعد طول قال (والمدعي لقسمة البتات ... يومر في الأصح بالإثبات)

الجزء: 3 - الصفحة: 125

يعني أن الشركاء إذا اتفقوا على وقوع القسمة بينهم واختلفوا في وجهها فأدعى بعضهم إنها قسمة بت وادعى الأخر أنها قسمة انتفاع واغتلال فالقول لمدعي قسمة الانتفاع وعلى مدعي البت البينة في القول الأصح المعمول به فإن اثبت دعواه فالأمر واضح وإلا فلا شيء له إلا اليمين على مدعي الاستغلال هذا إذا لم تمض مدة الحيازة بشروطها الآتية وإلا فالقول لدعي قسمة البت بيمينه.
وإذا اختلفا في أصل القسم بأن ادعاه أحدهما وانكره الآخر فالقول لمنكره اتفاقا (قال) في المعيار (وسئل) بن المكوي عن رجل توفى وترك ابنا ذكرا وبنات فقسم مع أخواته بعد أن خرجن إلى أزواجهن وملك أربعين سنة ثم إن الأخوات قمن عليه فقلن نصيبنا في مكان كذا وكذا ولم نقسم معك قسمة بتل إنما كنت أنت قد أخت ما أردت وأخذن نحن ما أردنا إلى اليوم وغرس الأخ واظهر ويدعي البتل في القسم فعرفنا بالواجب (فأجاب) عليه إثبات قسمة البت وإلا حلف له الأخوات على أنكار ذلك وقسمن معه ولهن رد اليمين عليه إن شئن (ولما) فرغ من الكلام على قسمة الأصول التي لم يكن بها زرع ولا ثمر شرع يتكلم على إرادة قسمها إذا كان بها زرع أو ثمر ولها ثلاثة أوجه وهي أما إن يراد قسمة الأصول والزرع أو الثمار معا أو يراد قسمة الأصول فقط أو قسمة الثمار فقط وأشار إلى الأول منها بقوله (ولا يجوز قسم زرع أو ثمر ... مع الأصول والتناهي ينتظر) يعني أن قسمة الأرض مع زرعها والأشجار مع ثمرها لا تجوز بل تقسم الأرض وحدها والأشجار وحدها وينتظر يبس الزرع والثمر فيقسم بالكيل أو بالوزن أو يباع ويقسم ثمنه (تنبيه) لا يشترط في الكيل أو الوزن أن يكون بالمعيار الشرعي بل يجوز بالمعلوم والمجهول كصاع ورطل وسلة وحجر فالمدار على التساوي وأشار إلى الثاني فقال (وحيثما الأبار فيهما عدم ... فالمنع في قسة الأصل منحتم)

الجزء: 3 - الصفحة: 126

(ومع ما بور يصح القسم في ... أصوله لا فيه معها فأعرف) يعني أن الأرض إذا أريد قسمها وكان فيها زرع مستكن لم يظهر للعيان أو كان في الأشجار ثمرة غير ما بورة وأريد قسمها كذلك فلا تجوز قسمة الأرض ولا قسمة الأشجار بحال حتى يظهر الزرع وتوبر الثمرة فيجوز القسم حينئذ وينتظر طيب الزرع والثمر كما مر وحاصل البيتين أن الأصول التي لم يوبر ما فيها من الزرع أو الثمار لا يجوز فسمها لا وحدها ولا مع ما فيها من الزرع أو الثمار لأن قسمها وحدها فيه استثناء ما لم يوبر والمشهور منعه وقسمها مع ثمرها فيه بيع طعام وعرض بطعام وعرض وجعل الثمر طعاما لأنه يؤل إليه قال ابن سلمون وإذا كان في الأرض زرع مستكن أو في الأصول ثمرة غير ما بورة فلا تجوز القسمة في الأرض والأصول بحال حتى توبر الثمرة ويظهر الزرع لأن ذلك مما لا يجوز استثناؤه يعني في البيع حكى ذلك سحنون في الثمر قال ابن أبي زمنين وهو بين صحيح على أصولهم والزرع عندي مثله وإن كان الزرع ظاهرا أو الثمر ما بورا قسمت الأرض والأصول خاصة ولا تجوز قسمة الزرع والثمر معها ويبقى ذلك حتى يصير الزرع حبا وتجذ الثمرة فيقسم ذلك بالكيل أهـ وضمير أصوله يعود على المابور وكذلك ضمير فيه وضمير معها بسكون العين للأصول وأشار إلى الثالث فقال (وقسم غير التمر خرصا والعنب ... مما على الأشجار منعه وجب) يعني أن قسم غير التمر والعنب من الثمار التي على أصولها من تين وزيتون وجوز ولوز وفول وقمح وشعير في الفدادين بالخرص والتقدير واجب المنع وأما التمر والعنب فإن قسمهما بالخرص والتقدير جائز بشروط أربعة أن تكون حاجة الشريكين مختلفة بأن يكون أحدهما يأكل والآخر يبيع وأن يكون المقسوم قليلاً بالعرف وأن يكون قد حل بيعه ببدو صلاحه وأن يكون بسرا أو رطبا فلو كان بينهما بسر ورطب على أن لأحدهما البسر وللأخر الرطب لا يجوز للتفاضل كما لا يجوز

الجزء: 3 - الصفحة: 127

قسمها بالخرص إذا انتهى طيبهما لأن في قسمتهما بالخرص انتقالا من اليقين وهو القسمة بالكيل أو الوزن إلى الشك وهو قسمهما بالخرص كذا قال بعضهم (وفي العيار) وسئل ابن الحاج عن المتقاسمين يقتسمان الحائط ثم ثمرته بعد الزهو بالخرص فاجيح أحدهما هل فيه جائحة أم لا (فأجاب) إذا أجيح أحدهما فقال ابن الماجشون لا جائحة فيه وهو قول سحنون وكان القسم عندهما تمييز حق لا كالبيع وأما على مذهب ابن القاسم فإنه قد سلك بالقسمة تمييز حق تارة وبيعا تارة أخرى وقد أجاز قسمة النخل وفيها ثمر لم يؤبر ولو كان بيعا ما جاز لأن كل واحد منهما باع نصيبه بنصيب صاحبه على أن يستثنى ثمرته التي لم تؤبر وقال في البلح الكبير والصغير إن القسمة تنتقض فيه بالازهاء فلو كان تمييز حق لم تنتقض لأن حق كل واحد إنما نصيبه في ملكه ولم يشتريه اهـ (وفيه أيضا) وسئل فقهاء قرطبة عن كرم بين رجلين أراد أحدهما لما طلبت ثمرته أن يبيع نصيبه وأراد الأخر أكل نصيبه (فأجاب) ابن مالك بإنه يقسم بالخرص (وأجاب) ابن عتاب وابن القطان بإنه لا يقسم بينهما ولا بد أن يجتمعا على البيع أو يبيع أحدهما من صاحبه فكان ابن مالك ينكر هذا وكان ابن القطان ينكر على ابن مالك جوابه اهـ والموافق لكلام الناظم هو قول ابن مالك وقد علمت أن من شروط قسم العنب بالخرص اختلاف الحاجة كما هنا (ثم) قال (وسئل) سيدي عيسى الغبريني عن القسمة بمجهول الوزن أتجوز أم يجري الأمر على الخلاف في القسمة هل هي بيع فيمنع الأمر أم تمييز حق فيجوز وهو مرتضى بعض شيوخنا بالمغرب معللا بأن المطلوب في القسمة المساواة وهي حاصلة بالمكيال المجهول (فأجاب) القسمة بالمكيال المجهول والوزن المجهول في المدخر وفي غير المدخر الربوي وغيره جائزة إذا كانت صبرة واحدة اتفاقا والله أعلم (وسئل) أيضا عن قسمة التين الأخضر هل بالعدد أم بالسلة على إجازة السلم فيها وهل يجوز لأحد الشريكين أن يأخذ نصيبه اليوم من الجنة المشتركة ويبقى شريكه إلى غد وبعد غد فيأخذ نصيبه في قسمة الفول الأخضر هل هو بالوزن

الجزء: 3 - الصفحة: 128

وينزع من جرابه ويقسم كيلا وهل يأخذ أحد الشريكين أيضاً نصيبه اليوم والأخر غداً وهل الحفرة التي يتخذها أهل المغرب كافية في قسمة الفول أو لا (فأجاب) قسمة الفول والتين بالحفرة في الفول والسلل في التين إذا كانت تضبط التساوي جائز كله وهو راجع إلى القسمة بالمكيال المجهول وأما أخذ أحدهم ما يجني اليوم والأخر ما يجني غدا فقط فظاهر النصوص عدم جوازه اهـ محل الحاجة بنصه وقول السائل أو ينزع من جرابه المراد بجراب الفول قشره الأعلى والسلة وعاء يحمل فيه الفاكهة يعرف عند قوم بالسناج بتشديد النون وعند ءاخرين بالقرطلة بفتح اللام مشددة تكون من قصب في الغالب (فرع) قال الحطاب مسئلة قال البرزيلي وسئل ابن أبي زيد عن الأندار إذا جمعتها السيول في موضع واحد بعد الخلط فقيل يقبل قول الحراثين إذا قالوا هذا أندر فلان وقالوا رأيناه وقد قلع الماء إياه وكيف قسمة الشعير والزيتون عند الخلط وهل يصدق كل واحد منهم عما كان في أندره ويحلف أو لا فأجاب إن كان إنما اختلط بشهادة الحراثين وهم عدول فهي جائزة وأما غير العدول فشهادتهم غير جائزة وأرباب الزيتون ونحوه أن تقارروا بينهم على شيء معلوم فهو كذلك وأن تجاهلوا فليس إلا الإصلاح قلت كثيراً ما يقع عندنا بتونس تأتي السيول بالزيتون في تلك الأودية وحكمه هكذا وكذا ما أختلط على يد اللصوص من الزرع والزيتون على هذا المنوال وكذا ما وقع في الرواية في السفن إذا اختلط فيها الطعام المشحون فإنه يقبل كل واحد فيما ذكر بعد يمينه إذا أدعى ما يشبه وهذا كله يجري على أصل واحد اهـ (ثم) شرع يتكلم على ما يطرأ على القسمة المقتضي لنقضها وهو خمسة استحقاق وقد تقدم الكلام عليه وعيب وحكمه حكم الاستحقاق قلة وكثرة ودين ووارث ووصية وإليها أشار بقوله (وينقض القسم لوارث ظهر ... أو دين أو وصية فيما اشتهر) (إلا إذا ما الوارثون باؤا ... بحمل دين فلهم ما شاؤا)

الجزء: 3 - الصفحة: 129

يعني أن الورثة إذا اقتسموا التركة ثم ظهر بعد ذلك وارث معهم فإنها تنقض لأجله إذا كان المقسوم كدار فإن كان غير عقار فلا تنقض ويرجع على كل واحد بما أخذه زائداً على حقه وكذلك تنقض إذا هر دين أو وصية ما لم تلتزم الورثة بأداء الدين أو الوصية إذا كانت بعدد وإلا فلا نقض إذ لا حق لهما في عين التركة ولهذا إذا كانت الوصية بالثلث مثلا فإن القسمة تنقض لأن الموصى له عنده حق في عين التركة وقوله باؤا معناه رجعوا بتحمل الدين أو الوصية أو هما معاً قال (والحلي لا يقسم بين أهله ... إلا بوزن أو بأخذ كله) يعني أن التركة إذا كان فيها حلي ذهب أو فضة أو هما معاً فإن أمكن قسمة بالوزن قسم به ويأخذ كل واحد من الورثة نصيبه منه أو يأخذ أحد الورثة جميعه ويأخذ الآخر ما شاء من المتاع ولا يجوز لأحد الورثة أن يأخذ شيئاً من العين مع ما يجب له من العروض أو الأصول لما فيه من يبع عين بعين وعرض وهو ممنوع قال (وأجر من يقسم أو يعدل ... على الرؤس وعليه العمل) (كذلك الكاتب للوثيقة ... للقاسمين مقتف طريقه) يعني أن أجرة القاسم والمقوم للأصول وغيرها وأجرة كاتب الوثيقة تكون على عدد رؤس المستحقين على القول الذي جرى به العمل وقيل إنها تكون على قدر الانصباء.
وهو الذي عليه العمل اليوم وقوله مقتف طريقه بالتاء المبدلة هاء للوقف أي كاتب الوثيقة متبع طريقة للقاسمين في أخذه الأجرة على الرؤس قال (وأجرة الكيال في التكسير ... من بائع توخذ في المشهور) (كذاك في الموزون والمكيل ... الحكم ذا من غير ما تفصيل) يعني أن أجرة كيل الأرض وقيسها بذراع ونحوه وأجره الوزن والكيل سواء كان طعاما أو غيره كل ذلك على البائع في القول المشهور إلا لشرط أو عرف فتكون على

الجزء: 3 - الصفحة: 130

المشتري وهذه المسألة حقها أن تذكر في مسائل البيوع ولعله ذكرها هنا جمعا للنظائر والله أعلم وقوله من غير ما تفصيل ما زائدة قال

﴿فصل في المعاوضة﴾

وهي في الاصطلاح ما كان الثمن والمثمن فيها غير ذهب ولا فضة وقد تطلق على بيع الحبس ليعوض بثمنه غيره فهي نوع من أنواع البيع وصورها خمسة وعشرون صورة من ضرب خمسة وهي أصول أو عروض أو طعام أو ثمر أو حيوان في مثلها وكلها جائزة إذا توفرت شروطها وإليها أشار الناظم بقوله (يجوز عقد البيع بالتعويض ... في جملة الأصول والعروض) (ما لم يكن في الأصل زرع أو ثمر ... لم يؤبرا فما انعقادها يقر) (وصح بالمابور حيث يشترط ... من جهة أو بقيا معا فقط) يعني أن معاوضة الأصول بالأصول والعروض بالعروض ونحوهما مما تقدم جائزة على تفصيل في معاوضة الأصول بمثلها وهو أن الأصلين الذين وقع العقد عليهما إما أن يكون في كل واحد منهما زرع أو ثمر لم يؤبر أو ابر أو لم يكن فيهما شيء فإن كانا خاليين من ذلك فالمعاوضة جائزة وإن كان فيهما غير المابور فلا تجوز فإن وقعت فلا يقر انعقادها ولا يثبت بل تفسخ وجوبا لأن البائع لا يجوز له استثناؤه ولا للمشتري اشتراطه وإن كان فيهما ما بور فإن باع أحدهما أرضها بزرعها أو أشجاره بثمرها وباع له الأخر في مقابلة ما ذكر أرضه أو أشجاره فقط وأبقى زرعه أو ثماره لنفسه أو أبقى كل واحد منهما غلته لنفسه جازت المعاوضة في الصورتين فإن اشترطا معا فإن كانا من جنس واحد منعت لأنه عرض وطعام بعرض وطعام وإن كانا من جنسين كأرض فيها زرع بشجر فيه ثمر جازت بناء على أن النظر للجزاف قبض وهو القول المشهور فقد حصلت المناجزة المطلوبة في بيع الطعام بالطعام وقوله فقط راجع لقوله من جهة قال

الجزء: 3 - الصفحة: 131

(وسائغ للمتعاوضين ... من جهة فقط مزيد العين) (لأجل ما كان من التفضيل ... بالنقد والحلول والتأجيل) يعني إنه يجوز لأحد المتعاوضين إذا أخذ أفضل مما أخذه صاحبه أن يزيده في مقابلة تلك الأفضلية ما يتفقان عليه من العين ليحصل التساوي بينهما ولا فرق بين أن تكون تلك الزيادة نقداً أو بالحلول يدفعها له متى شاء أو مؤجلة بأجل معلوم كل ذلك جائز أما إذا كانت الزيادة من الجانبين فإن المعاوضة لا تجوز لأنه عرض وعين بعرض وعين قال (وجائز في الحيوان كله ... تعاوض وإن يكن بمثله) يعني أن المعاوضة في الحيوان كله جائزة هذا إذا كانا من جنسين كجمل وفرص بل وإن كانا من جنس واحد مع اتفاقهما في القدر كفرس بمثله فإن اختلفا في القدر كفرس في فرسين جازت المعاوضة إن عجلا معاً وإلا منع لأنه مع تعجيل الفرسين ضمان بجعل ومع تأخيرها سلف بزيادة ومحل المنع إذا لم تختلف منفعتهما أما إذا اختلفت منفعتهما جازت المعاوضة لأن اختلاف المنفعة يصير الجنس الواحد كالجنسين كما يأتي في السلم والله تعالى أعلم قال

﴿فصل في الاقالة﴾

وهي عبارة عن رد المبيع إلى ملك البائع كما في ابن راشد وعرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي ترك المبيع لبائعة بثمنه وأكثر استعمالها قبل قبض المبيع وهي رخصة وعزيمة اهـ فتكون رخصة إذا وقعت في الطعام قبل قبضه وعزيمة أي جائزة مباحة فيما عداه داخلة في أقسام الحكم الشرعي لا خارجة عنها فهي بيع من البيوع والأصل فيه الجواز وأختلف فيها إذا وقعت بمثل الثمن هل هي بيع أو حل للبيع والمشهور إنها بيع إلا في الطعام فتجوز فيه قبل قبضه بشرط أن تكون في جميعه وإلا فلا تجوز.
وإلا في

الجزء: 3 - الصفحة: 132

الشفعة فليست بيعا ولا حلا للبيع بل هي باطلة من أصلها لتعلق حق الشفيع بالمبيع إذا لو كانت بيعا لخير الشفيع في الأخذ بالشفعة بالبيع الأول أو الثاني ليكتب عهدته على من أخذ ببيعه مع إنه يأخذ بالبيع الأول ويكتب عهدته على المشتري ولو كانت حلا للبيع لسقطت الشفعة مع إنها لا تسقط بها لأنها كالعدم.
وإلا في المرابحة فهي فيها حل للبيع ويظهر أثرها فيمن اشترى سلعة بعشرة مثلاً وباعها مرابحة بخمسة عشر ثم وقعت الإقالة بينهما فيها فإنه لا يجوز له أن يبعيها ثانياً مرابحة إلا على أن رأس مالها عشرة ولا يبيعها على أن رأس مالها خمسة عشر إلا إذا بين أو افترقا وتباعد ذلك ثم بعد ذلك تقايلا فهو بيع مبتدأ وإن سمياه إقالة وله أن يبيع على الثمن الأخير كما في ابن راشد.
وينبني على إنها بيع وجوب اشتمالها على شروط البيع وتتوجه اليمين على منكرها وعلى إنها حل للبيع فلا بد من شروط التبرع بحيث لا تصح إلا ممن له التبرع وهو الرشيد ولا تتوجه اليمين على منكرها هذا كله إذا وقعت بمثل الثمن وأما إذا وقعت بأقل من الثمن أو أكثر فهي بيع اتفاقا وحينئذ فيتحرز فيها من بيع الطعام قبل قبضه ومن بيع وسلف كما لو أسلم إليه في عروض أو طعام ثم أقاله قبل الأجل أو بعده من بعض ويأخذ منه بعضا لم يجز لأنه بيع وسلف مع ما في الطعام من بيعه قبل قبضه ويتحرز فيها من سلف بمنفعة كما يأتي في النظم (والأصل) في مشروعيتها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من إقالة أو شركة أو تولية (قال) ابن راشد وإذا جاز ذلك في الطعام جاز في غيره بطريق الأولى وقد ندب صلى الله عليه وسلم البائع إلى الإقالة فقال من أقال نادما أقاله الله يوم القيامة الحديث (قال) مالك رضي الله تعالى عنه أجمع أهل العلم على أن لا بأس بالإقالة وإلى هذا أشار الناظم بقوله (إقالة تجوز فيما حلا ... بالمثل أو أكثر أو أقلا) يعني أن الإقالة جائزة في بيع الأصول وغيرها في الذي حل ثمنه بمثل الثمن الأول أو أكثر للسلامة من التهمة أو أقل إذا كان غير طعام وإما الإقالة في الطعام فلا تجوز

الجزء: 3 - الصفحة: 133

قبل قبضه إلا بمثل الثمن لأنها إذا لم تكن بمثله كانت بيعا لا إقالة كما تقدم وبيع الطعام قبل قبضه ممنوع وسيأتي مفهوم قوله حل وما فيه من التفصيل قال (وللمقال صحة الرجوع ... بحادث يحدث في المبيع) يعني أن البائع إذا تقابل مع المشتري فوجد بالمبيع عيباً حادثاً بعد بيعه فله الرجوع به وإن كان قديماً قبل البيع ولم يعلم به واحد منهما فلا قيام له به إلا أن تكون الإقالة بالزيادة على الثمن الذي باع به فله الرجوع بها فقط بعد أن يحلف إنه لم يعلم بالعيب فإن نكل عن اليمين فلا رجوع وهي يمين تهمة لا تنقلب وضمير منه وبعلمه عائد على العيب قال (والفسخ في إقالة مما انتهج ... بالصنعة التغيير كالغزل انتسج) (إلا إذا المقال بالرضي دفع ... لمن أقال أجرة بما صنع) يعني أن الإقالة إذا وقعت في المبيع غير المثلي وتغير بسبب صنعة دخلته كغزل وقع نسجه فإنها لا تجوز وتنفسخ إذا وقعت إلا إذا دفع البائع للمشتري أجر عمله فإنها تجوز وتمضي.
وقوله انتهج أي سلك مبني للفاعل وفاعله ضمير المبيع والتغيير بالنصب على إنه مفعول مطلق على حذف مضاف أي انتهج المبيع منهج التغيير ثم صرح بمفهوم قوله حل في البيت الأول فقال (ولا يقال حيث لم يأت أجل ... بثمن أدنى ولا وقت أقل) (أو ثمن أكثر منه لأمد ... أبعد مما كان فيه المعتمد) (وهي إذا كانت بمثل المال ... جائزة في كل حال حال)

الجزء: 3 - الصفحة: 134

يعني أن من باع سلعة إلى أجل ثم وقعت فيها الإقالة فلا يخلو الأمر إما أن يتقايلا بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر فهذه ثلاث صور وفي كل صورة إما أن تكون الإقالة نقدا أو لدون الأجل الأول أو للأجل نفسه أو لأبعد منه فهذه أربع صور تضرب في الثلاثة المتقدمة فتكون اثنتي عشرة صورة يمنع منها ثلاث صور وهي ما عجل فيه الأقل وبيانها إن البائع إذا أسترد السلعة أما بأقل نقداً أو بأقل إلى أجل دون الأجل الأول فهاتان صورتان أو بأكثر إلى أجل أبعد من الأجل الأول فإن المشترى في هاته الصورة يدفع عند حلول الأجل للبائع عشرة مثلاً فإذا حل الأجل الثاني يقبض من البائع اثني عشر فهو سلف جر نفعا في الصور الثلاث وهو ممنوع ولو لم يقصدا ذلك سدا لزريعة الربي هذا إذا أختلف الأجلان والثمنان كما علمت فإن استوى الثمنان جازت الإقالة مطلقا نقداً أو إلى أجل دون الأجل الأول أو للأجل نفسه أو لأبعد منه فهذه أربع صور جائزة وإليها أشار الناظم بقوله (وهي إذا كانت بمثل المال ... جائزة في كل حال حال) يعني نقداً أو إلى أجل الخ الصور الأربع وكذا تجوز بأقل للأجل نفسه أو لأبعد منه أو بأكثر نقداً أو لدون الأجل الأول أو للأجل نفسه فهذه خمس صور جائزة أيضاً فإذا ضمت إلى الأربعة المتقدمة كانت الصور الجائزة تسعة وضابط هذه المسئلة كما في بيوع الاجال إنه إذا استوت الأثمان والاجال فأنظر إلى اليد السابقة بالعطاء فإن خرج منها قليل ورجع إليها كثير بالمنع وإلا فالجواز وذلك لأن الفقهاء قالوا إن الخارج من اليد والعائد إليها يعد لغوا فكأنه من أول الأمر دفع إليه دراهم سلفاً فمنع هذا لتهمة سلف بمنفعة وقوله يقال من الإقالة ثم قال (ومشتر أقال مهما اشترطا ... أخذ المبيع أن يبع تغبطا) (بالثمن الأول فهو جائز ... والمشتري به المبيع حائز)

الجزء: 3 - الصفحة: 135

يعني أن المشتري إذا أقال البائع على شرط وهو إنه مهمى باع ذلك الشيء فهو أحق به بالثمن الأول ثم إنه باع ذلك فأراد المشتري المقيل فسخ البيع والأخذ بشرطه فله ذلك لأن اشتراط أخذ المبيع بالثمن الأول إذا بيع جائز على القول المعتمد وإذا جاز ذلك فالمشتري حائز ملكية المبيع بشرطه فهو بمنزلة الرهن قال بعضهم إنما يكون له الأخذ بشرطه مع عدم الطول إذا كان التعليق بمثل إن وأما إذا كان التعليق بمثل مهما فله الأخذ بشرطه طال الزمن أو لم يطل (قلت) هذا صحيح بالنظر إلى اللف وأما بالنظر إلى مقاصد الناس فلا لأنهم لا يفرقون بين الكليات والجزئيات فأدوات التعليق كلها عندهم على السواء كما قالوا في العطف بالواو وثم في مسئلة الحضانة.
وقيل يفسد البيع بهذا الشرط ويفسخ لما فيه من التحجير ما لم يفت وشهر كما في الحطاب وضمير به يعود على الشرط المفهوم من اشترطا قال (وسوغت إقالة فيما اكترى ... إن لم يكن أعطى الكراء المكتري) يعني أن من أكترى دارا أو غيرها ولم ينقد الكراء فإنه يجوز له أن يتقايل مع المكتري سكن أو لم يسكن ومفهوم الشرط فيه تفصيل وهو أن نقد المكتري الكراء ولم يسكن فالإقالة جائزة أيضاً وإن سكن بعض المدة فلا تجوز لأنه يؤدي إلى كرآء وسلف والجمع بينهما ممنوع على المشهور كما تقدم أوائل البيوع (تنبيه) أجر ما يحتاج إلى أجرة يكون على سائل الإقالة لا على المقيل لأنه فعل معروفاً فهي كالقرض فالأجرة فيه على المقترض لا على المقرض ومثلهما التولية والشركة ثم قال

﴿فصل في التولية والتصيير﴾

أما التولية فقد عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي تصيير مشتر ما أشتراه لغير بائعه بثمنه اهـ. فقوله لغير بائعه تخرج به الإقالة وقوله بثمنه يخرج به البيع إذا صيره له بأكثر من ثمنه أو بأقل منه.
وإما التصيير فهو دفع شيء معين ولو عقارا في دين سابق.
والأصل في مشروعيتها وحكمهما الحديث السابق ولما ذكرت التولية مع

الجزء: 3 - الصفحة: 136

الإقالة ذكرها عقبها وقدمها على التصيير خوفاً من الفصل بينهما وبدا في النظم بالتولية كما فعل في الترجمة فقال (تولية المبيع جازت مطلقا ... وليس في الطعام ذاك متقى) يعنى أن من أشترى شيئاً فإنه يجوز له أن يوليه بثمنه لغير بائعه مطلقاً سواء كان طعاما أو غيره قبل القبض أو بعده وليست التولية في الطعام قبل قبضه مما هو ممنوع ومتقى بل هي جائزة كالشركة فيه والإقالة لأن الثلاثة معروف وإحسان رخص فيها النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم إلا إذا كانت بأكثر من الثمن أو أقل فلا تجوز فيه قبل قبضه لأنها خرجت عن الرخصة إلى البيع المحض فإن كانت لبائعه فهي الإقالة المتقدمة ولو سميت تولية ولما فرغ من الكلام على التولية شرع يتكلم على التصيير فقال (والشرط في التصيير أن يقدرا ... دين والأنجاز لما تصيرا) (والعرض صيره بلا منازعة ... والحيوان حيث لا مواضعه) (وجائز فيه مزيد العين ... حيث يقل عنه قدر الدين) يعني أنه يشترط في صحة التصيير أمران معرفة قدر الدين المصير فيه الشيء لأنه بيع والبيع لا بد فيه من معرفة المعقود عليه كما مر إلا في مسئلة التمخي الآتية وقبض الشيء المصير كله ناجزاً خوفاً من فسخ دين في دين وهو ممنوع فيكون فاسدا وإنه يجوز تصيير العروض والحيوان على اختلاف أنواعهما بلا منازعة في ذلك ولا خلاف إلى الأمة التي تفتقر إلى المواضعة عند أمينة وما لا يقبض في الحال كالدار الفائبة والمبيع على الخيار فإنه لا يجوز لعدم المناجزة وإذا كانت الدار المصيرة مثلا قيمتها أكثر من الدين فإنه يجوز للمصير له أن يزيد المصير بكسر الياء شيئاً من العين ليكمل به قيمة الدار زيادة معجلة أو مؤجلة على ظاهر النظم وقيل لا بد من التعجيل وقوله يقدرا وتصيرا مبنيان للنائب والفهما للإطلاق والعرض والحيوان يجوز نصبهما ورفعهما

الجزء: 3 - الصفحة: 137

والأول أرجح كما هو معلوم في باب الاشتغال وضمير فيه يعود على التصيير وضمير عنه يعود على ثمن الشيء المصير قال (والخلف في تصيير ما كالسكنى ... أو ثمر معين ليجنى) يعني إنه اختلف في تصيير ما هو منفعة كسكني دار مثلاً من كل ما لا يقبض دفعة واحدة بل يكون قبضه شيئاً فشيئاً فابن القاسم يمنعه ولو وقع الشروع في قبض المنفعة أثر العقد لأن قبض الأوائل عنده ليس قبضاً للأواخر فيكون فسخ دين في دين وأشهب يجوزه لأن قبض الشيء عنده قبض لجميع منافعه وكذلك اختلفا في تصيير ثم شجر معين ليجتنى شيئاً فشيئاً كالتين فابن القاسم يمنع تصييره وأشهب يجيزه ولهذا قلت في الشرط الثاني من شرطي التصيير المتقدمين قبض الشيء المصير كله احترازا من قبضه شيئاً فشيئاً جريا على قاعدة ابن القاسم المشهورة (تنبيه) الذي جرى به العمل افتقار التصيير إلى الحوز لأن صحته متوقفة عليه وسواء كان الدين ثابتاً ببينة أو باعتراف هذا إذا لم يكن هناك من يدعي أن التصيير وقع توليجا وإلا فلا بد من ثبوت الدين بالبينة وعدم المحاباة كما في المعيار نقلاً عن ابن الحاج وهذه المسئلة كثيرة الوقوع ممن لا يخاف الله ليا كل أموال الناس بالباطل أو يمنع ميراث أحد الورثة قال (وأمتنع التصيير للصبي ... إن لم يكن ذا أب أو وصي) يعني إن من عليه دين لصبي مهمل فلا يجوز له أن يصير له شيئاً من ماله في مقابلة دينه لأن من شرط صحة التصيير القبض والصبي لا يقبض لنفسه لأن قبضه كالعدم فيدخله فسخ دين في دين كما مر وحيث كان لا يقبض لنفسه فيقدم له القاضي مقدماً يقبض له إذا راءه مصلحة فإن كان له أب أو وصي نظر في ذلك فإن راءه مصلحة قبضه له وإلا فلا قال (والأب كالوصي في التصيير ... تمخيا بالجهل للمحجور) يعني إنه يجوز للأب أو الوصي أن يصير لمحجوره ما يتحرى به براءة ذمته حيث

الجزء: 3 - الصفحة: 138

جهل قدر الدين الذي عليه لمحجوره أو جهل أصله فالأول واجب والثاني مندوب ويصح قبضه لمحجوره الشيء الذي صيره له بالأشهاد ما لم يكن دار سكناه وإلا فلا بد من إخلائها إلا إذا تسوغها بعدلين فإن سكناه بها حينئذ لا يضر ويصح التصيير وقوله تمخيا أي تبريا (فرع) اتفق ابن القاسم وسحنون على أن لا شفعة في التمخي فعلله ابن القاسم بجهل الثمن وعلله سحنون بأنه صدقة ويصح التوفيق بينهما بأن القائل بجهل الثمن حيث كان له أصل والقائل بالصدقة حيث لم يكن له أصل فيحملان على الوفاق وحيث كان الحوز لا بد منه فلا فائدة في هذا الخلاف (ولما) فرغ من الكلام على بيوع النقد والاجال شرع في بيان السلم فقال

﴿فصل في السلم﴾

بفتح السين واللام (وأبحاثه ستة) الأول في معناه لغة واصطلاحا (والثاني) في أصل مشروعيته (والثالث) في حكمه (والرابع) في حكمته (والخامس) في أركانه (والسادس) في شروطه (فإما) معناه في اللغة فهو السلف قال في المصبح السلم في البيع مثل السلف وزنا ومعنى وأسلمت إليه بمعنى أسلفت أيضاً والسلم أيضاً شجر العضاء الواجدة سلمة مثل قص وقصبة وبالواحدة كني فقيل أبو سلمة وأم سلمة والسلمة وزان كلمة الحجر وبها سمي ومنه بنو سلمة بطن من الأنصار والجمع سلام وزان كتاب والسلام بفتح السين شجر والسلام اسم من سلم عليه والسلام اسم من أسماء الله تعالى قال الهيلي وسلام اسم رجل لا يوجد بالتخفيف إلا عبد الله بن سلام وإما أسم غيره من المسلمين فلا يوجد إلا بالتثقيل والسلم بكسر السين وفتحها أي مع سكون اللام الصلح ويذكر ويؤنث سالمه مسالمة وسلاما وسلم المسافر يسلم من باب تعب سلامة خلص ونجي من الآفات فهو سالم وبه سمي وسلمه الله بالتثقيل في التعدية والسلامي بضم السين أنثى قال الخليل هي عظام الأصابع وقال قطرب السلاميات عروق ظاهر الكف والقدم وأسلم لله فهو مسلم وأسلم دخل في دين الإسلام اهـ ما به الحاجة

الجزء: 3 - الصفحة: 139

وفي مثلثات قطرب.
تحية المرء السلام.
وأسم الحجارة السلام.
والعرق في الكف السلام.
رووه في لفظ النبي.
فالأول بالفتح والثاني بالكسر والثالث بالضم (قال) ابن راشد وحكى ابن بشير في الأنوار البديعة عن بعض المتقدمين كره أن يقول أسلمت وإنما يقول أسلفت ولذلك لم يقل في مصدره إسلاما على ما يقتصيه الفعل الرباعي قال وهذا منه تورع من ابتذال لفظة لها معنى شريف في الشريعة في تصرف ديناري اهـ (وفي) الحطاب قال ابن عبد السلام وكره بعض السلف لفظة السلم في حقيقته العرفية التي هي أحد أنواع البيع ورأى إنه إنما يستعمل لفظة السلف أو التسليف صوناً منه للفظ السلم عن التبذل في الأمور الدنيوية ورأى إنه قريب من لفظ الإسلام ثم قال والصحيح جوازه لاسيما وغالب استعمال الفقهاء إنما هو صيغة الفعل مقرونة بلفظ في فيقول أسلم في كذا فإذا أرادوا الاسم أتوا بلفظ السلم وقال ما يستعملون الإسلام في هذا الباب اهـ. وفي الاصطلاح عرفه ابن راشد بقوله هو بيع دين بعين مقبوضة في المجل أو ما قرب منه (وقال) ابن عرفة في تعريفه هو عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين (فقوله) عقد معاوضة جنس يشمل السلم وغيره من أنواع المعاوضة وتخرج التبرعات إذ لا معاوضة فيها كالهبة ونحوها.
وقوله يوجب عمارة ذمة يخرج به المعاوضة في المعينات.
وقوله بغير عين يخرج به البيع بثمن مؤجل.
وقوله ولا منفعة يخرج به الكراء المضمون وما أشبهه من المنافع.
وقوله في الذمة غير متماثل العوضين يخرج به السلف (وأما) الأصل في مشروعيته فبالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى وأحل الله البيع وقال عز وجل يأيها الذين إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه هذه الآية تجمع الدين كله.
وأما السنة فقد ورد في الصحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وروي عنه عليه الصلاة والسلام إنه أشترى عبداً بعبدين أسودين (وأما) حكمه فقد انعقد الإجماع على جوازه لأنه معلوم من

الجزء: 3 - الصفحة: 140

الدين بالضرورة كما في الفائق.
وقال المشذالي في حاشيته في أول السلم الأول صرح في المدونة بأنه رخصة مستثنى من بيع ما ليس عندك اهـ. حطاب (وأما) الحكمة في مشروعيته فلتهيل الاسترزاق للمحتاجين لأنه لا يقع إلا منهم في الغالب وحفظا من بيع أملاكهم بسبب دين ونحوه من الأمور التي تكون باعثه على التسبق على الطعام ونحوه (وأما) أركانه فستة العقد والمسلم بكسر اللام وهو المتري والمسلم إليه وهو البائع والمسلم بفتح اللام وهو العوض المعبر عنه براس مال السلم والمسلم فيه وهو المبيع إلى أجل والصيغة وهو كل ما يدل عليه كالبيع وللموثقين في ذلك عبارات يكتبونها بحسب ما هو المتعارف عندهم (وأما) شروطه فسبعة منها ما هو مختص ومنها ما هو مشترك كما ستعرفه وقد أشار إليها الناظم فقال (فيما عدا الأصول جوز السلم ... وليس في المال ولا كن في الذمم) (والشرح للذمة وصف قاما ... يقبل الالتزام والالزاما) (وشرط ما يسلم فيه أن يرى ... متصفا مؤجلا مقدرا) (بوزن أو كيل وذرع أو عدد ... مما يصاب غالباً عند الأمد) (وشرط رأس الماس أن لا يحظلا ... في ذاك دفعه وأن يعجلا) (وجاز إن أخر كاليومين ... والعرض فيه بخلاف العين) يعني أن السلم جائز فيما عدا الأصول من عرض وطعام وعين وثمار وحيوان فهذه أقسام البيع المتقدمة.
ولا يكون المسلم فيه من هذه الأقسام الخمسة معيناً كما قال الناظم وليس في المال يعني به المعين بل إنما يكون المسلم فيه منها ديناً في الذمة وكونه ديناً في الذمة هو (الشرط الأول) من شروط المسلم فيه (والذمة) وصف اعتباري كالطهارة قائم بالإنسان يقبل الالتزام لما التزمه اختيارا كنفقة على فقير وصلاة وصوم ونحو ذلك ويقبل الإلزام لما ألزمه الحاكم إياه من أرش جناية أو عيب أو طلاق بسببه

الجزء: 3 - الصفحة: 141

إلى غير ذلك.
وإنما يكون ممنوعاً في المعين لأنه إن كان ملكا للمسلم إليه وشرط التأجيل أو قصده منع لأنه شراء معين يقبض إلى أجل بعيد وإن قصد تعجيله فلا معنى لتسميته سلما بل هو بيع معجل جائز.
وإن كان ملكاً لغيره فلا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عندك (قال) ابن راشد رحمه الله تعالى (فائدة) بيع ما ليس عنده على ثلاثة أوجه جائز ومكروه ومختلف فيه (فالجائز) أن يبيعه ما ليس عنده إلى أجل بنقد وهو السلم (والمكروه) أن يبيعه ما ليس عنده نقداً أو إلى أجل بثمن إلى أجل.
والمختلف فيه أن يبيعه ما ليس عنده نقداً بنقد فقيل مكروه وقيل حرام اهـ (الشرط الثاني) من شروط المسلم فيه أن يكون مضبوطاً بصفاته التي تختلف باختلافها القيمة في السلم عادة بحيث تكون معلومة لهما ولغيرهما لأنه متى أختص المتعاقدان بعلمها دل ذلك على ندورها والندور يقتضي عزة الوجود فيؤدي ذلك إلى التنازع فتنتفي الرخصة التي هي أصله وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وشرط ما يسلم فيه أن يرى متصفا الخ) ولهذا منع السلم في الأصول المفهوم من قوله (فيما عدا الأصول جوز الخ) فمفهومه أن الأصول لا يجوز فيه السلم وهو كذلك لأنها وأن كانت تضبط بالصفة لتشاح الناس في مواضعها واختلاف أغراضهم فيها فلا بد من تعيينها دفعاً لكثرة الخطر وإذا عين موضعها خرج عن كونه سلماً في الذمة وصار في معين كما يمنع السلم في ما لا يمكن وصفه كتراب المعدن فإنه لا يسلم فيه عين ولا عرض لأن صفته لا تعرف فإن عرفت بتجربة جاز أن يسلم فيه عرض ونحوه لا غين لئلا يدخله الربى (الشرط الثالث) من شروط المسلم فيه أن يكون مؤجلا بأجل معلوم للمتعاقدين وإليه أشار الناظم بقوله مؤجلا وسواء كان الأجل حقيقيا وأقله نصف شهر إلا أن يشترط أن يقبض المسلم فيه ببلد غير بلد العقد على مسافة كيومين ذهاباً فقط ويخرج المسلم إليه بالفور لدفع المسلم فيه فرارا من جهالة زمن القبض وإلا فلا بد من التأجيل بنصف شهر فأكثر أو حكميا كمن لهم عادة بوقت القبض فلا يحتاج إلى ضرب أجل قاله اللخمي (الشرط الرابع) من شروط المسلم فيه أن يكون مقدرا

الجزء: 3 - الصفحة: 142

بكيل أو وزن أو ذرع أو عدد وإليه أشار بقوله (مقدار بوزن الخ) (الشرط الخامس) من شروط المسلم فيه أن يكون موجودا في الغالب عند حلول أجله المعين بينهما كما مر في الأجل الحقيقي أو الحكمي وإليه أشار بقوله (مما يصاب غالبا عند الأمد) وسواء كان يملكه البائع أم لا (قال) في المدونة ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها لا يشترط أخذ سلمه إلا في أبانه وإن شرط اخذه في غير أبانه لم يجز لإنه شرط ما لا يقدر عليه اهـ مواق (فرع) مرتب فإن انقطع المسلم فيه الذي له وقت معين يوجد فيه لفوات أبانه بسبب البائع خير المشتري في الفسخ عن نفسه فيرجع بعين ماله إذا كان المسلم فيه طعاماً ولا يجوز أخذ غيره لما يلزم عليه من بيع الطعام قبل قبضه وفي البقاء لعام قابل وإن كان التأخير بسبب المشتري فإنه لا يخير بل يبقى لعام قابل لظلمه البائع بالتأخير فتخييره زيادة ظلم قاله ابن عبد السلام وكذا إذا غفلا معاً حتى فات الأبان بانقطاعه بأمر سماوي كجائحة ولم يقبض شيئاً من المسلم فيه أما إن قبض منه شيئاً وجب التأخير لأن السلم يتعلق بذمة المسلم إليه فلا يبطل ببطلان الأجل كالدين والقول لمن دعا إلى التأخير إن لم يتراضيا بالمحاسبة وإلا عمل بها سواء كان رأي المال مثلياً أو مقوماً إذ لا يتهمان في المحاسبة على البيع والسلف لأن انقطاعه من الله تعالى وكذلك إذا كان الانقطاع لهروب أحدهما فإن التهمة أيضاً منتفية أما لو سكت المشتري عن طلب البائع حتى ذهب الأبان فلا يجوز تراضيهما بالمحاسبة لإتهامهما على البيع والسلف وإذا رضيا بالمحاسبة فلا يجوز له أن يأخذ بقية رأس ماله عرضاً ولا غيره لأنه بيع الطعام قبل قبضه أي إذا كان المسلم فيه طعاماً كما هو الموضوع قاله الخرشي وغيره (الشرط السادس) وهو ما كان مشتركاً بين المسلم فيه ورأس المال أن لا يكونا طعامين ولا نقدين لما في المدونة أن الطعام بالطام إلى أجل لا يصح كانا من صنف واحد أو من صنفين مختلفين كانا أو أحدهما مما يدخر أو لا يدخر أو مما يكال أو يوزن أو يعد وكذلك جميع التوابل واللحمان والحيتان وجميع الأدام والأشربة عدا

الجزء: 3 - الصفحة: 143

الماء ولا يجوز ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا أحدهما بالأخر نسا لا على الوجه الذي يجوز نقداً ولا على خلافه ولا الدنانير والدراهم في الفلوس (فان) قيل هذا الشرط غير مختص بالسلم بل يعم السلم وغيره كما تقدم في البيوع فلأي شيء ذكر هنا (أجيب) بأن ذكر الطعامين والنقدين هنا ليس مقصوداً بالذات وإنما أصل الكلام أن يقال أن لا يؤدي السلم إلى شيء ممنوع وغير ذلك من العبارات كما في الحطاب وإلى هذا المعنى أشار الناظم بقوله (وشرط رأس المال أن لا يحلا ... في ذاك دفعه) أي وشرط رأس المال أن لا يمنع دفعه في المسلم فيه كما يشترط في المسلم فيه أن لا يمنع دفعه في رأس المال.
وإنه لا يسلم شيء في أكثر منه أو أجود لأنه سلف بمنفعة ولا في أقل منه ولا أدنى لأنه ضمان بجعل إلا أن تختلف منافع الجنس الواحد فيجوز حينئذ سلمه في أكثر منه وفي أقل وفي أجود وفي أردأ لأن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد كالجنسين كالسبق في الخيل والحمل في الإبل والقوة على الحرث والعمل للبقر وكثرة اللبن في الغنم والكبر والصغر في الآدمي والغنم ورقيق القطن وغليظه ورقيق الكتان وغليظه وكذا الحرير والصوف كما في الحطاب (الشرط السابع) المختص برأس المال أن يكون كله مقبوضاً خوفا من الدين بالدين وجاز تأخيره ثلاثة أيام ولو بشرط على المشهور وإليه أشار الناظم بقوله (وأن يعجلا ... وجاز إن أخر كاليومين) وأدخلت الكاف الثالث فإن كانت الزيادة أكثر من ثلاثة أيام وأن بلا شرط فسد العقد إذا كان رأس المال عيناً فإن كان عرضاً حاضراً جاز فيه التأخير أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط وإليه أشار بقوله (والعرض فيه بخلاف العين) يعني أن العرض الحاضر يجوز تأخيره في السلم أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط كما مر بخلاف رأس المال العين فإنه لا يجوز فيه ذلك كما علمت والله أعلم (ولما) فرغ من الكلام على بيع الذوات شرع يتكلم على بيع المنافع وهو أنواع كالبيع وبدأ بالكراء فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 144

﴿باب الكراء وما يتصل به﴾

أما الكراء فهو في اللغة الأجر قال في المصباح الكراء بالمد الأجرة وهو مصدر في الأصل من كاريته من باب قتل والفاعل مكار على النقص والجمع مكارون ومكارين مثل قاضون وقاضين ومكاريون بالتشديد خطأ واكريته الدار وغيرها أكراء فأكتراه بمعنى أجرته فاستأجر والفاعل مكتر ومكر بالنقص أيضاً وجمعهما كجمع المنقوص اهـ. وفي اصطلاح الفقهاء المعاوضة على منافع غير الآدمي كراء والمعاوضة على منافع الآدمي جعل أو إجارة ثم عرف كل واحد من الثلاثة بتعريف يخصه فعرف الإمام ابن عرفة الكراء بقوله الكراء عقد على منافع غير ءادمي أو ما يبان به وينقل غير سفينة اهـ فخرج بقوله منافع البيع ونحوه وخرج بقوله غير ءادمي منفعة الآدمي فإنها جعل أو إجابة كما مر وقوله أو ما يبان به وينقل عطف على غير وغير الآدمي هو ما كان كالدور والأرضين والذي يبان به وينقل ما كان كالدابة والثوب وءالات الصنائع فهذه كلها من باب الكراء وخرج بقوله غير سفينة السفينة فإن العقد عليها يسمى جعلاً على أحد قولين وذهب غيره إلى أنها من باب الكراء وهو القول الراجح كما في ابن رحال وعليه درج صاحب المختصر فقال ككراء السفن وقول المدونة من اكترى سفينة الخ قال التاودي ولو قال عقد على منافع غير ءادمي وسفية لأفاد وتبعه التسولي (قلت) ولو حذف غير سفينة أيضاً لكان جارياً على القول الراجح.
وأركانه ستة العقد والمكري وهو بائع المنفعة والمكتري بكسر الراء وهو مشتريها والمكترى بفتح الراء وهو ما اشتريت منفعته والعوض ويطلق عليه الكراء والصيغة أو ما يقوم مقامها كاكري وأكترى وسوغ وتسوغ وقبل بالتشديد وتقبل إلى غير ذلك مما هو مصطلح عليه.
وقوله (وما يتصل به) أي بالكراء من اختلاف المتكاريين وكراء الرواحل والإجارة والجعل والأبواب المستثناة من أصول ممنوعة كالمساقاة والمغارسة والقراض وأدخل معها الشركة وعقد لكل منها فصلا يخصه وغرر هذه المسائل اهر لأن العامل فيها لا يدري

الجزء: 3 - الصفحة: 145

هل يكون له شيء أم لا وعلى تقدير تحصيله هل يعلم مقداره قلة وكثرة وإنما اغتفرت لشدة الحاجة إليها (ولما) كان الكراء على ثلاثة أوجه وجيبة وهو ما كانت المدة فيه محدودة معينة كهذا اليوم أو هذا الشهر أو شهر كذا أوهذا العام أو عام كذا أو مشاهرة وهو ما كانت مدته محدودة غير معينة نحو كل يوم بكذا أو كل شهر بكذا أو مركب منهما كهذا العام كل شهر منه بكذا ألم الناظم بجميعها وأشار إلى الأول منها فقال (يجوز في الدور وشبهها الكرا ... لمدة حدت وشيء قدرا) (ولا خروج عنه إلا بالرضى ... حتى يرى أمده قد انقضا) يعنى أن كراء الدور ونحوها من الحوانيت والحمامات والأفران والأرضين لمدة محدودة معينة وعوض معلوم كالثمن جائز فإذا وقع العقد على هذا الوجه وأراد أحد المتكاريين فسخه قبل انقضاء المدة فليس له ذلك إلا برضى صاحبه فيكون إقالة بشرطها المتقدم قال ابن يونس وإن اكترى منه سنة بعينها أو شهرا بعينه فلا يكون لاحدهما فسخه إلا أن يتراضيا على ذلك جميعاً قال ابن حبيب وكذا لو قال ستة أشهر أو سنة كذا فهذا كله وجيبة لازمة إلا أن يشترط الخروج لمن شاء فيلزمها ذلك ولا يجوز فيه حينئذ النقد أي لتردده بين السلف والكراء ويجوز في الأول النقد والتأخير ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه اهـ مواق وأشار إلى الوجه الثاني والوجه الثالث فقال (وجائز أن يكترى بقدر ... معين في العام أو في الشهر) (ومن أراد أن يحل ما أنعقد ... كان له ما لم يحد بمدد) (وحيثما حلح الكرا يدفع من ... قد اكترى منه بقدر ما سكن) (كذاك أن بعض الكراء قدما ... فقدره من الزمان لزما)

الجزء: 3 - الصفحة: 146

يعني إنه يجوز للإنسان أن يكترى داراً مثل مشاهرة كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا فإذا وقع العقد على هذا الوجه وأراد أحدهما فسخه فله ذلك في الدار ونحوها أما إذا كان المكترى أرضاً فتلزمهما السنة بجراثتها كما يلزمهما الكراء إذا حدت الشهور مثلاً بالعام كمن اكترى دارا ثلاث سنين كل سنة بكذا كما هو موجود عندنا فقوله كل سنة بكذا من المشاهرة وحدها بثلاث سنين وجيبة فهذا هو الوجه الثالث وحكمه حكم الأول وليس مستغنى عنه لأنه نوع بخصوصه.
وإذا فسخ الكراء في المشاهرة فإن المكتري يدفع للمكري كراء قدر المدة التي سكنها فإن نقد شيئاً من الكراء وسكن بعض المدة فإنه يلزمه أن يسكن بقدر ما نقده في المستقبل ولو تراضينا على الفسخ فليس لهما ذلك لأنه كراء وسلف كما تقدم عند قوله وسوغت إقالة فيما اكتري ... إن لم يكن أعطى الكراء المكتري فإن لم يسكن جاز كمن لم يعط الكراء أصلا كما مر (تنبيه) ظاهر النظم إن من أراد أن يحل ما أنعقد من الكراء كان له ذلك سواء سكن بعض المدة التي سماها أم لا إلا إذا نقد كراها أو كان المكترى أرضا وحرثها فإنه يلزمه وهو كذلك على القول المشهور ومقابله قولان (أحدهما) إنه يلزمهما أقل ما سمياه فإن قال كل شهر بكذا لزمه شهر أو كل سنة بكذا لزمه في سنة (وثانيهما) إنه يلزمهما الأقل أن شرع في السكنى فإذا سكن بعض الشهر في المشاهرة أو بعض السنة في المسانهة ولو يوماً واحداً لزم كل منهما بقية الشهر أو السنة وليس لأحدهما الفسخ إلا برضى صاحبه هذا هو القول المعتمد وبه جرى العمل.
وقوله حل الكراء فعل ونائب فاعل أي فسخ الكراء وقوله قدما فعل ماض مبني للنائب وألفه للإطلاق وألفه للإطلاق كألف لزما قال (وشرط ما في الدار من نوع الثمر ... إذا بدا الصلاح فيه معتبر) (وغير بادي الطيب أن قل اشترط ... حيث يطيب قبل ما له ارتبط) (وما كنحل أو حمام مطلقاً ... دخوله في الأكترآء متقى)

الجزء: 3 - الصفحة: 147

يعني أن من أراد كراء دار فيها شجر أو نحل أو حمام وأراد اشتراطه وضمه إلى الدار ففيه تفصيل وهو أن الشجر إذا كان فيه ثمر قد بدا صلاحه جاز اشتراط ثمره قليلا كان أو كثيراً لأنه جائز البيع وجمع البيع مع الكراء غير ممنوع وإن كانت الأشجار فيها ثمر لم يبد صلاحه أو ليس فيها ثمار أصلا جاز اشتراطها أيضاً لاكن بشرط أن تكون قليلة قدر ثلث مجموع الكراء مع قيمة الثمرة وتطيب قبل انقضاء مدة الكراء وإنما جاز اشتراطها مع عدم وجودها أو كانت موجودة ولم يبد صلاحها وإن بيعها قبل ذلك لا يجوز لأنها محل ضرورة.
وإما النحل وطير الحمام فلا يجوز اشتراطهما مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً لأنهما ليسا من نفس الدار كالشجر.
وقوله قبل ما له ارتبط أي قبل انقضاء الأمد الذي ارتبط إليه فاللام في له بمعنى إلى واشترط وارتبط مبنيان للنائب وضميرهما يعود على غير بادي الطيب قال (وجاز شرط النقد في الأرجاء ... بحيث لا يخشى انقطاع الماء) (وبالدقيق والطعام تكترى ... والبد بالزيت وينقد الكرا) يعني أن اشتراط النقد في كراء الرحي إذا أمن انقطاع الماء الذي تطحن به كما إذا كانت تطحن بالدواب جائز فغن لم يؤمن انقطاع الماء لم يجز تعجيل النقد إلا تطوعا وإنه يجوز كراء الرحي بالدقيق وكرا البد بالزيت وتعجيل الكراء بشرط وبلا شرط وقوله الأرحاء بفتح الهمزة جمع رحى وتكترى مبني للنائب والبد بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال المهملة المعصرة قال

﴿فصل في كراء الأرض وفي الجائحة فيه﴾

أي هذا فصل في بيان ما يجوز كراء الأرض به وما لا يجوز وبيان ما يكون جائحة في الكراء وما لا يكون جائحة وبدا بالأول فقال (والأرض لا تكرى بجزء تخرجه ... والفسخ مع كراء مثل مخرجة)

الجزء: 3 - الصفحة: 148

ولا بما تنبته غير الخشب ... من غير مزروع بها أو القصب) (ولا بما كان من المطعوم ... كالشهد واللبن واللحوم) يعني أن الأرض لا يجوز أن تكرى بجزء مما تخرجه مما زرع فيها ككرائها لمن يزرعها قمحاً أو خضراً ونحوهما على أن لربها الربع منه مثلاً أو بما تنبته مما هو من روع في غيرهما كقطن وكتان لا يصلحان للزراعة فيها وأولى في المنع إذا كانا يصلحان للزراعة فيها إلا الخشب والقصب ونحوهما من صنوبر وحلفاء وغير ذلك من الأشجار والنباتات التي يطول مكثها في الأرض فإنه يجوز كراؤها به.
وإنه لا يجوز كراؤها بالطعام وسواء كان مما يخرج منها كالقمح والبطيخ والفلفل والملح ونحوها أو لا ينبت فيها ولا يخرج منها كالشهد واللبن واللحم فإنه إذا وقع كراؤها بذلك كله وعثر عليه قبل الفوات فسخ وإن فات فعلى المكتري كراء مثلها ليخرج به المتكاريان من منع كراء الأرض بالطعام ونحوه مما تقدم.
وحاصل مذهب مالك رضي الله تعالى عنه أن الأرض لا تكرى إلا بالدنانير والدراهم والعروض وغيرها من أقسام البيع ما عدا الطعام وما الحق به وما تنبته مما لا تطول إقامته فيها.
وذهب بعض العلماء إلى جواز كرائها بكل شيء ولو طعاما أو جزءاً مما يخرج منها وبه قال الليث وتبعه على ذلك جمهور علماء الأندلس قال ابن رحال وهو الراجل ويجوز الإقدام عليه ابتداء وقيل غير ذلك كما هو مبسوط في المقدمات.
وقول الناظم مخرج بفتح الميم والراء أي تلك القيمة هي وجه الخروج من المنع وغير منصوب على الاستثناء من عموم ما أو على الحال والخشب بفتحتين والشهد بضم الشين وفتحها معروف واحدته شهدة بفتح الشين وكسرها قال (وتكترى الأرض لمدة تحد ... من سنة والعشر منتهى الأمد) يعني إنه يجوز كراء الأرض لمدة محدودة أقلها بما يتاتي الانتفاع به كسنة وأكثرها عشر سنين كما قال الناظم وسواء كانت أرض بعل أو سقي.
وقال المتيطي الذي

الجزء: 3 - الصفحة: 149

عليه العمل وبه الحكم إنه يجوز كراء الرباع العشر سنين والعشرين سنة وأزيد من ذلك ولا بأس بتعجيل الوجبة كلها اهـ وفي تعجيل الكراء تفصيل وهو أن كان تعجيله وطعاً جاز مطلقاً وإن كان بشرط جاز النقد في الأرض المأمونة الري دون غيرها ولا يجبر المكتري على دفع الكراء إلا إذا رويت الأرض رية لا تحتاج معها إلى زيادة قال (وإن تكن شجرة بموضع ... جاز أكتراؤها بحكم التبع) يعني أن من اكترى أرضاً وفيها شجرة أو أكثر فإنه يجوز للمكتري أن يشترط ثمرها لنفسه لأنها تابعة للأرض غير مقصودة لذاتها وتقدم شرط الجواز عند قوله وشرط ما في الدار من نوع الثمر البيت فما كان هناك يكون هنا نصاً سواء وكررها هنا للتنصيص على حكمها خوفاً من أن يتوهم أن حكمهما مختلف على أن التنصيص في كل شيء مطلوب بقدر الإمكان حتى لا يكون بعد البيان قال (ومكتر أرضاً وبعد أن حصد ... أصاب زرعه انتثار بالبرد) (فنابت بعد من المنتثر ... هو لرب الأرض لا للمكتري) يعني أن من أكترى أرضاً فزرعها ولما تم الزرع وحصده أو أراد حصاده أصابه البرد بفتحتين وهو المعروف عندنا بالحجر فانتثر حبه فيها ثم نبت في العام القابل فإنه يكون لرب الأرض كالذي جره السيل إليه لا للمكتري هذا هو المشهور بناء على أن الأرض مستهلكة وأما على أنها مربية فهو للمكتري وعليه كراء السنة كما إذا زرعه ولم ينبت ثم نبت في العام القابل فعليه كراء السنة الماضية وكراء السنة التي هو فيها إن كان لغير عطش أما إذا كان لعطش فعليه كراء عام واحد وبعد أن بفتح دال بعد وهمزة أن وبعد الثانية بالبناء على الضم والمنتثر بكسر الثاء المثلثة قال _وجائز كراء الأرض بالسنه ... والشهر في زراعة معينه) يعني إنه يجوز كراء الأرض لمدة معينة كشهر أو سنة في التي تزرع بطونا من الخضر

الجزء: 3 - الصفحة: 150

والبقول بكراء معين فإن تمت المدة وله فيها زرع لم يستكمل فليس لرب الأرض قلعه وعليه تركه إلى تمامه وعلى المكتري كراء مدة استكماله على حساب ما أكترى ثم شرع في الثاني وهو الجائحة فقال (وبتو إلي القحط والأمطار ... جائحة الكرا ومثل الفار) (ويسقط الكرآء إما جمله ... أو بحساب ما الفساد حله) (وليس يسقط الكرا في موجد ... بمثل صر أو بمثل برد) يعني أن من أكترى أرضاً للزراعة ولم يتمكن من الإزدراع ماء فيها بأن توالي عليها القحط والجدب بعدم المطر أو بتعذر إجراء العين أو إخراج ماء البئر أو توالت عليها الأمطار حتى غمرها الماء أو منعته فتنة من الإدزراع أو هلك الزرع بالفار والدود فإن الكرآء يسقط عن المكتري إما جملة حيث لم يتمكن من العمل فيها أو تمكن وهلك الجميع أو بقي شيء منه لا عبرة به في العادة لقلته وإن سلم منه ما له بال لزمه من الكراء بحساب ذلك وسقط عنه كراء ما لم يسلم ولو قل وإما إذا هلك الزرع لا بسبب الأرض ولا بما يرجع إليها كما إذا أصابه برد أو صر بكسر الصاد وهو البرد الشديد والجليد أو أصابه حر شديد أو غاصب أو سارق أو جيش أو جراد بعد الابان لا قبله ومنعه من الإزدراع خوف إذايته أو إذاية ولده ما ينبت فلا كراء عليه ثم قال

﴿فصل في أحكام من الكراء﴾

لو قال في كراء العروض وأحكام من الكراء لأنهما المذكوران في هذا الفعل لوفى بالمراد قاله التسولى وإلى الأول منهما أشار بقوله (والعروض إن عرف عيناً فالكرا ... يجوز فيه كالسروج والفرا)

الجزء: 3 - الصفحة: 151

(ومكتر لذاك لا يضمن ما ... يتلف عنده سوى أن ظلما) (وهو مصدق مع اليمين ... وإن يكن من ليس بالمأمون) يعني إنه يجوز كراء ما تعرف عينه ولا يلتبس بغيره من العروض كالسروج والحلي والثياب والفراء وهو بالمد قصره لضرورة الوزن جمع فرو كدلو وهو ما يلبس من جلود السباع غالبا ومفهوم قوله أن عرف عيناً إن ما لا تعرف عينه من العروض كبعض الأواني والقدور ونحوها مما يقرب من المثليات جداً لا يجوز كراؤه لأنه قد يتصرف فيه بالبيع ونحوه ويرد مثله مع الكراء فيكون سلفاً جر نفعاً فيتهمان على ذلك من أول الأمر على أن يسلفه ماعوناً ويرد له مثله مع شيء ءاخر وهو الكراء في الظاهر وهو عين النفع.
وما درج عليه الناظم من التفرقة بين ما تعرف عينه من العروض فيجوز كراؤه وما لا تعرف عينه فلا يجوز كراؤه هو أحد قولين في المسئلة ومقابله الجواز مطلقا وهو المشهور فحقه أن يقتصر عليه أو يذكر القولين معاً وينص على المشهور والعذر له رحمه الله تعالى وأما الدنانير والدراهم فهي غير داخلة في العروض فلا يصح أن تكون مفهوم الشرط إذ لا يصح كراؤها بحال لأن كراءها سلف بمنفعة ظاهر لا خفاء فيه وهو عين الريي ثم إن المكتري إذا ادعى ضياع ما أكتراه ولم تقم له بينة على ضياعه فإنه مصدق بيمينه سواء كان مأموناً أو غير مأمون فيحلف يميناً واحدة لقد ضاع وما أخفاه وإن ضياعه ليس بسببه ولا بتعديه ويبرأ من الضمان وعليه من الكراء قدر ما انتفع كما لو قامت على ضياعه بينة فإن نكل عن اليمين ضمنه مع جميع الكراء ولا تنقلب لأنها يمين تهمة كما لو تسبب في ضياعه ببينة أو باعترافه وقوله يتلف بفتح اللام وقوله أن بكسر الهمزة شرطية وظلما فعل الشرط وألفه للإطلاق وفاعله ضمير تقديره هو يعود على المكتري وجواب الشرط محذوف تقديره فإنه يضمن وإلى الثاني أشار بقوله (والمكتري إن مات لم يحن كرا ... واستؤنف الكراء كيف قدرا)

الجزء: 3 - الصفحة: 152

(حيث أبي الوارث إتمام الأمد ... واستوجبوا أخذ المزيد في العدد) (والنقص بين العددين إن وجد ... له وفآء من تراث من فقد) يعني أن من أكترى عقاراً أو غيره لمدة معينة بكراء معين يدفعه مشاهرة فسكن بعض المدة ثم مات فإنه لا يحل عليه كراء ما لم يسكنه بل يبقى على حاله ثم إن التزمت الورثة بأداء الكراء من أموالهم فلهم ذلك لأن كل من مات عن حق فهو لورثته ويتنزلون منزلته وإن لم يريدوا ذلك وامتنعوا من قبوله فلرب الدار إقالتهم وله استئناف كرائها لما بقي من المدة المضروبة مع الميت فإذا وقعت المناداة عليها ووقف السوم وانتهى فإن كانت فيه زيادة فهي مستوجية للورثة وإن كان فيه نقص عن الكراء الذي أكترى به الميت وقف من تركته قدر النقص ويدفع للمكري عند وجوبه فإن لم يوجد له وفآء في التركة فهي مصيبة نزلت به ولا يرجع على الورثة بشيء (تنبيه) إذا أكرى مستحق وقف ومات قبل انقضاء مدة الكراء وانتقل الاستحقاق لمن في طبقته أو لمن يليه ولو بقي من المدة يسير انفسخ الكراء فيما بقي بخلاف موت الناظر إذا لم يكن من أهل الوقف أو المالك فإنه لا ينفسخ لأن المالك له التصرف في نقل النفعة أبدا ومستحق الوقف إنما له التصرف فيها مدة حياته فقد تبين إنه أكرى ملكه وملك غيره كذا في الحطاب وغيره (وقوله) لم يحن بالنون من حان بمعنى حل فلو عبر بيحل باللام لكان أولى بالمبتدي.
وقوله والنقص بين العددين أي بين العدد الأول الذي وقع الكراء به للمين والعدد الثاني الذي وقع الكراء به بعد موته.
وقوله تراث بضم أوله معناه مال قاله الله تعالى ويأكلون التراث أكلاً لما الاية قال (وفي امرئى ممتع في المال ... يموت قبل وقت الاستغلال) (وقامت الزوجة تطلب الكرا ... قولان والفرق لمن تأخرا) (وحالة المنع هي المستوضحة ... وشيخنا أبو سعيد رجحه)

الجزء: 3 - الصفحة: 153

(وشيخه محمد بن بكر ... إلى الممات مال عند النظر) (فإن تكن والإزدراع قد مضى ... ابانه فلا كراء يقتضى) (وإن تكن ووقت الإزدراع ... باق فما الكرآء ذو امتناع) الأبيات الستة يعني أن من متعته زوجته بنحو أرض يستغلها ثم يموت بعد الإزدراع وقبل الاستغلال الذي هو يبس الزرع ثم تقوم الزوجة على الورثة تطلب كراء أرضها على الأيام الباقية بعد موت زوجها إلى إنتهاء الزرع لأنها متعت زوجها لا ورثته ونازعها الورثة في ذلك ففي المسئلة ثلاثة أقوال (أحدها) لا كراء لها ورحجه أبو سعيد فرج أبن لب وارتضاه الناظم حيث قال (وحالة المنع هي المستوضحة الخ) تبعاً لشيخه أبي سعيد ووجه رجحانه أن الزوج لما حرث الأرض حاز منفعة السنة كلها فلهذا كانت حالة المنع مستوضحة (ثانيها) لها كراء تلك المدة لأنها متعت زوجها لا ورثته كما قالت ولا يسقط حقها إلا بالأمر البين (ثالثها) الفرق بين أن يموت بعد فوات وقت الإزدراع فلا كراء لها وقبل فواته فلها كراء ما بقي إلى الطيب وهذا القول لأبي عبد الله محمد بن بكر بفتح الباء وتشديد الكاف شيخ أبي سعيد بن لب كما قال الناظم ورجع قوله ومال إليه عند النظر والتأمل واستمر على اختياره ولم يتغير فيه اجتهاده إلى أن مات.
وإليه أشار الناظم بقوله (والفرق لمن تأخرا) ثم فسر الفرق بقوله (فإن تكن والإزدراع قد مضى) الخ البيتين فكان على الناظم أن يقدمها على البيتين قبلهما لما فيهما من تفسير القول الثالث ويكون الكلام هكذا والفرق لمن تأخرا ... فإن تكن والإزدراع قد مضى الخ وضمير تكن يعود على الوفاة قال (وفي الطلاق زرعه للزراع ... ثم الكراء ما له من مانع) (وخيرت في الحرث في إعطاء ... قيمته والأخذ للكراء)

الجزء: 3 - الصفحة: 154

يعني أن من طلق زوجته بعد زرع الأرض التي متعته بها وقبل انتهاء الزرع فإن زرعه يكون له ويلزمه من الكراء بقدر مدة ما بين وقت الطلاق ووقت الحصاد تنسب تلك المدة من العام ويؤخذ هذا الكرآء على قدر تلك النسبة كما في ابن سلمون وسيأتي إنه لا شيء لها بعد التناهي فإن حرث الأرض ولم يزرعها كانت الزوجة مخيرة في إعطاء قيمة الحرث وتتمسك بمنفعة أرضها أو تسليمها للزوج وأخذ الكراء منه قال (وحيثما الزوجة ماتت فالكرا ... على الأصح لازم من عمرا) (بقدر ما بقي للحصاد ... من بعد رعي حظه المعتاد) يعني أن من متعته زوجته أرضاً يستغلها ثم ماتت بعد أن عمرها بالإزدراع وقبل انتهاء الزرع قام عليه ورثتها يطلونه بكراء باقي المدة وامتنع الزوج من ذلك فالحكم في النازلة أن الزوج يلزمه كراء باقي المدة من يوم موتها إلى حصاد الزرع من بعد طرح حضه المعتاد له في الإرث من نصف أو ربع على القول الأصح لأنها أعطته منفعة ما تملك وقد انتهى ملكها بموتها ومقابل الأصح لا شيء على الزوج من الكراء وهو قول ابن لب في الفرع المتقدم وقيل ينظر إلى زمن موتها فإن كان قبل انقطاع الابان فالكراء وإن كان بعدا لإنقطاع فلا كراء وهو ما أختاره ابن بكر وإن كان بعد الحرث فقط خير الوارث في دفع قيمة الحرث وأخذ الأرض أو تسليمها للزوج وأخذ الكراء ففي هذا الفرع الأقوال الثلاثة المتقدمة وخالف الناظم شيخه فيه لعله ثم فرق بين حياتها وموتها والله أعلم هذا كله إذا وقع الموت أو الطلاق قبل انتهاء الزرع وأما إذا وقع بعد تناهيه فقد أشار الناظم إلى حكمه فقال (وأن تقع وقد تناهى الفرقة ... فالزوج دون شيء استحقه) (ونزل الوارث في التأنيث ... وعكسه منزلة الموروث) يعني أن الزوجين إذا وقعت الفرقة بينهما بموت أحدهما أو بموتهما أو بطلاق بعد

الجزء: 3 - الصفحة: 155

انتهاء الزرع ويبسه فإن الزوج أو وارثه استحق الزرع بدون شيء وقوله ونزل الورث البيت (قال) ابن سلمون وحكم ورثة من مات منهما حكم موروثه إن كان انقطاع الزوجية بينهما بالموت اهـ وقول الناظم الفرقة فاعل تقع وجملة وقد تناهى حال من الفاعل (ثم) قام يتكلم على اختلاف المتكاريين فقال

﴿فصل في اختلاف المكري والمكتري﴾

واختلافهما أما في قدر المدة أو في قدر الكراء أو في القبض ولم يذكر الاختلاف في أصل العقد بأن ادعى رجل على ءاخر كراء شيء فأنكره فلو قال الناظم والمدعي اكتراء شيء أو كرا ... تلزمه بينة إن انكرا فإن نفاها يحلف المنكر أو ... يقلبها عن خصمه كما رووا فإن نفاها المدعي ونكلا ... عن اليمين قوله قد بطلا ويقول (القول للمكري مع الحلف اعتمد ... في مدة الكراء حيث ينتقد) (ومع سكنى مكتر وما نقد ... تحالفا والفسخ في باقي الأمد) (ثم يؤدي ما عليه حلفا ... في أمد السكنى الذي قد سلفا) (وأن يكونا قبل سكنى اختلفا ... فالفسخ مهما نكلا أو حلفا) (والقول في ذلك قول الحالف ... وفي لاحق الزمان أو في السالف) الأبيات الخمسة يعني أن المتكاريين إذا اتفقا على عقد الكراء وقدر العوض واختلفا في قدر المدة فقال المكري شهر واحد وقال المكتري بل شهران اثنان ولم تكن لوحد منهما بينة فإن القول للمكري بيمينه إذا قبض الكراء الذي هو متفق عليه وظاهره سواء سكن المكتري الشهر الذي يدعيه المكري أو لم يسكن اشبهت دعواه

الجزء: 3 - الصفحة: 156

أم لا لاكن الظاهر بل المتعين اعتبار الشبه وسواء اشبه المكنري أم لا وهو أمر لا يخفى أما أن سكن الكتري الشهرين في المثال المذكور فيكون القول له لأن جانبه ترجح بحيازة السكنى التي يدعيها ومفهوم قوله حيث ينتقد أن الكراء إذا لم ينتقد والمكتري ساكن في الدار فإنهما يتحالفان ويبدأ المكتري باليمين فإذا حلفا معاً أو نكلا معاً فسخ العقد في باقي المدة ثم يؤدي المكتري ما حلف عليه في مدة السكنى التي سلفت وإذا حلف أحدهما ونكل الأخر قضي للحالف على الناكل كما يأتي.
وأن كان اختلافهما قبل السكنى والمكتري لم ينقد شيئاً من الكراء كما هو موضوع المسألة فالكم في ذلك الفسخ أيضاً إذا حلفا أو نكلا ويقضي للحالف على الناكل كما مر ومن تمام هذه الأبيات قوله الآتي كذلك حكمه مع ادعائه البيت الخامس مبيناً.
وقوله الحلف بسكون اللام.
وقوله اعتمد مبنى للنائب وألف حلفاً في البيت الثالث للإطلاق وفيه ضمير يعود على مكترِ.
وقوله في لاحق الزمان أو في السالف مختص بالاختلاف بعد السكنى ثم اشار إلى اختلافهما في قدر الكراء فقال (وإن يكن في القدر قبل السكنى ... تحالفا والفسخ بعد سنا) (وإن يكن من بعد سكنى اقسما ... وفسخ باقي مدة قد لزما) (وحصة السكنى يؤدي المكتري ... إن كان لم ينقد لباقي الأشهر) (والقول من بعد انقضاء الأمد ... للمكتري والحلف إن لم ينقد) (كذاك حكمه مع إدعائه ... لقدر باقي مدة اكترائه) يعني أن المتكاريين إذا اختلفا في قدر الكراء فقط كان يقول المكتري كراء المسكن مثلاً عشرون للشهر ويقول المكتري بل بخمسة عشر للشهر ولم تكن بينة لكل منهما تصدته في دعواه قفي ذلك تفصيل يرجع إلى ثلاثة أحوال (أحدها) أن يختلفا قبل السكنى ففي هذا يتحالفان والبداءة بالمكري كما مر ويتفاسخان ونكولهما كحلفهما ويقضي

الجزء: 3 - الصفحة: 157

للحالف على الناكل كما تقدم (ثانيها) أن يختلفا بعد الشروع في السكنى ففي هذا الحال يتحالفان أيضاً على نحو ما تقدم ويفسخ الكراء فيما بقي من الدة ويؤدي الكتري كراء ما سكن على حساب ما حلف عليه إذا لم ينقد الكراء لماضي المدة فإن نقد لها قدراً معلوماً كان القول قول المكري (ثالثها) أن يختلفا بعد انقضاء أمد السكني ففي هذا الحال يكون القول في ذلك قول المكتري مع يمينه مع الشبه أما أن اتفقا على قدر المدة واختلفا في انقضائها لعدم اتفاقهما على مبدئها فهي مسئلة أخرى تضمن معناها البيت الأخير والحكم فيها أن القول للمكتري بيمينه وله قلبها على المكري فإن نكل عنها قضي للمكتري بما قاله فالتشبه في قوله كذاك راجع لكون القول قول المكتري المفهوم من اكترائه بيمينه وعليه ترجع الضمائر الثلاثة في حكمه وإدعائه واكترائه فالبيت الأخير من تمام ما اشتملت عليه الأبيات السابقة على هذه الأبيات فكان على الناظم ذكرها هناك وإنما ذكرته متصلاً بهذه ولم نفصله عنها كما فعل الشيخ ميارة خوفاً من طول الفصل بالشرح والمشروح بين المشبه والمشبه به فيتحير الطالب.
وقوله سنا ءاخر البيت الأول بضم السين وألفه للإطلاق معناه شرع ثم أخذ يتكلم عل باختلافهما في القبض والجنس فقال (والقول في القبض وفي الجنس لمن ... شاهده مع حلفه حال الزمن) يعني أن المتكاريين إذا اختلفا في قبض الكراء أو في جنسه أو فيهما معا ولم تكن لواحد منهما بينة فإن القول لمن شهد له حال الزمن والمكان بيمينه بناء على أن العرف كشاهد واحد ففي الاختلاف في قبض الكراء يعتبر فيه الزمان قرباً وبعداً أو العادة وفي الاختلاف في الجنس يعتبر فيه تعامل أهل المكان في ذلك الزمان أيضا.
وقوله شاهده مبتدأ وحال الزمن خبره والجملة صلة من ومع حلفه بسكون اللام متعلق بمحذوف حال من القول ثم شرع يتكلم على كراء الرواحل والسفن فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 158

﴿فصل في كراء الرواحل والسفن﴾

فالرواحل جمع راحلة وهي الناقة النجيبة والمراد بها هنا الدابة من حيث هي والسفن جمع سفينة وفصلهما عما قبلهما لأن لهما إحكاماً تخصهما وقد شرع في بيانها فقال (وفي الرواحل الكراء والسفن ... على الضمان أو بتعيين حسن) (ويمنع التجيل في المضمون ... ومطلقاً جاز بذي التعيين) يعني أن كراء الرواحل والسفن على ضربين مضمون ومعين ولكل واحد منهما أحكام تخصه فالكراء المضمونهو الذي لم تعين فيه الدابة أو السفينة بالإشارة إليها كأن يقول إنسان لأخر اكتري منك دابتك أو سفينتك أو دابة أو سفينة ولو كانت حاضرة بالمجلس حيث لم تعين بالإشارة إليها ولو كان المكتري يعرفها قبل ذلك ولا يجوز في هذا العقد تأخير الكراء كما قال الناظم لأنه يؤدي إلى دين بدين وحينئذ فلا بد من تعجيله إلا إذا شرع في السفر وكما لا يلزم تعيين المركوب لا يلزم تعيين الراكب لا بشخصه ولا بصنفه عند عقد الكراء بل يصح عقده على حمل آدمي لاكن لا يلزمه حمل عظيم الجثة أو المريض ونحوهما في كراء الدابة بخلاف ما لو وقع العقد على حمل رجل فأتى له بامرأة فله الامتناع من حملها فإذا ماتت الدابة أو تعيبت فأن المكري يلزمه أن يأتي بغيرها للمكتري جباً عليه لعدم فسخ الكراء لأنه مضمون بخلاف المعين كما يأتي إلا إنه إذا قدم له دابة فركبها فليس له أن يأتي للمكتري بمثلها إلا برضاه وإذا مات الراكب أو تعذر ركوبه لم ينفسخ الكراء وإن ورثته أو الحاكم يكترون مكانه غيره ممن هو مساو له أو دون (والكراء) المعين هو ما كانت الدابة أو السفينة حاضرة فيه وأشير إليها كهذه الدابة أو هاته السفينة ويجوز أن يكون الكراء فيه نقداً أو مؤجلا كما قال الناظم فإذا ماتت الدابة أو تعذر سيرها قبل إتمام المسافة انفسخ الكراء ويرجعان إلى المحاسبة بحساب ما سار من الطريق وما بقي منها سهولة

الجزء: 3 - الصفحة: 159

وصعوبة ويجوز له قبول غيرها أن لم ينقد الكراء أو نقد واضطر كما إذا كان في مفازة ونحوها من المواضع التي لا يجد فيها دابة (وقوله) وفي الرواحل متعلق بمحذوف خبر مقدم والسفن معطوف عليه الكراء مبتدأ مؤخر.
وقوله حسن بضم السين فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود على تعيين والجملة من الفعل والفاعل صفة لتعيين قال (وحيث مكتر لعذر يرجع ... فلازم له الكراء اجمع) يعني أن من اكترى دابة أو سفينة لركوب ونحوه إلى موضع كذا بكراء معلوم قم حصل له عذر كمرض يمنعه من الانتفاع بما اكتراه فإن الكراء لازم له ولا ينقص عليه منه شيء.
ومفهوم قوله لعذر إنه إذا تخلف لغير عذر فإن الكراء كله يلزمه من باب أولى وله كراء الدابة ونحوها في مثل ما اكتراها له وإذا مات فلورثته أو الحاكم ذلك كما تقدم قال (وواجب تعيين وقت السفر ... في السفن والمقر للذي اكتري) (وهو على البلاغ أن شيء جرى ... فيها فلا شيء له من الكرا) يعني أن من اكترى سفينة ومثلها الدابة فالواجب عليه أن يعين وقت السفر لاختلاف الأزمنة بالنسبة لوقت السفر وعظم الخطر في بعضها دون بعض فإذا وقع تعيينه علم كل واحد من المتكاريين قدر الكراء مما يزيده حال الزمان وينقصه ويجب عليه أيضاً تعيين المحل الذي أراد السفر إليه وهو الذي عبر عنه الناظم بالمقر وإن كراءها على البلاغ كالجعل فإنه لا أجرة فيه إلا بإتمام العمل فإن غرقت السفينة في اثناء الطريق فلا كراء وإن شحطت فلا كراء أيضاً ما لم يقرب محل النزول وإلا فيلزمه من الكراء قدر ما انتفع به ولا ضمان على صاحبه إذا غرق ما فيها من طعام وغيره حيث لم يتسبب في ذلك وإلا ضمنه وقوله السفن بسكون الفاء وقوله فيها الضمير يعود على السفن وضمير له يعود عل ىلمكري (ولما) فرغ من الكلام عل ىلكراء شرع يتكلم على الإجارة فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 160

﴿فصل في الإجارة﴾

قد تقدم أول باب الكراء أن العقد على منفعة غير الآدمي يسمى كراء في الاصطلاح والعقد على منفعة الآدمي يسمى جعلا أو إجارة وأبحاثها ستة (الأول) في معناها لغة وإصطلاحاً (والثاني) في أصل مشروعيتها (والثالث) في حكمها (والرابع) في حكمتها (والخامس) في أركانها (والسادس) في مسائلها (فأما) معناها في اللغة فقال في القاموس الأجر الجزاء على العمل كالإجارة مثلثه اهـ (وقال) القرافي في الذخيرة ويقال آجر بالمد والقصر فأنكر بعضهم المد وهو منقول ولما كان أصل هذه المادة الثواب على الأعمال وهي منافع خصصت الإجارة ببيع المنافع على قاعدة العرف في تخصيص كل نوع تحت جنس باسم ليحصل التعارف عند الخطاب قال وقد غلب وضع الفعالة بالكسر للصنائع نحو الصناعة والخياطة والتجارة والفعالة بالفتح لأخلاق النفوس نحو السماحة والشجاعة والفصاحة والفعالة بالضم لما يطرح من المحقرات نحو الكناسة والقلامة والفضالة والنخالة كذا في الحطاب.
ومعناها في الاصطلاح فقال فيه ابن عرفه بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشيء عنها بعضه يتبعض بتبعيضها اهـ فأخرج بقوله منفعة الذوات.
وأخرج بقوله ما أمكن نقله كراء الدور والأرضين.
واخرج بقوله غير سفينة كراء السفن وغير منصوب على الحال.
وأخرج بقوله ولا حيوان لا يعقل كراء الرواحل فإن ذلك كله من باب الكراء لا من باب الإجارة وأما بيع منفعة الحيوان العاقل فهي الإجارة المقصودة بالتعريف (وقوله) بعوض هو أحد أركان الإجارة ثم وصفه بكونه غير ناشيء عنها ليخرج به القراض والمساقاة والمغارسة.
وأخرج بقوله يتبعض بتبعيضها الجعل.
وقوله بعضه ضميره يعود على العوض وضمير بتبعيضها يرجع إلى الإجارة أي يتبعض عملها (قال) الإمام ابن عرفة إنما ذكرته خوفاً من نقض عكس الحد أي يكون غير جامع لأجل قوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على

الجزء: 3 - الصفحة: 161

أن تأجرني ثماني حجج لأن هذه الصورة اجمعوا على أنها إجارة عوضها البضع وهو لا يتبعض فلو اسقطت قولى بعضه وقلت بتبعض بتبعيضها لخرجت هذه الصورة من الحد فكان غير منعكس اهـ رصاع.
وعرفها ابن راشد فقال حقيقة الإجارة تمليك منفعة عين معلومة زمنا معلوما بعوض اهـ (وأما) الأصل في مشروعيتها فبالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى فإن ارضعن لكم فئاتوهن أجورهن وقوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي الآية المتقدمة (وأما) السنة فقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وفعلها الصحابة وقال عليه الصلاة والسلام من استأجر اجيراً فليعلمه أجره وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطي بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر جيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره رواه البخاري (وفيه) حديث الرقية بالفاتحة المشهوران أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله (وأما) حكمها فقال ابن عرفة هي جائزة إجماعاً.
وقال ابن العربي وأنكرها الأصم وهو عن الشريعة أصم.
وقال الصقلي خلاف الأصم فيها لغو لأنه مبتدع.
وقال ابن راشد حكمها الجواز ابتداء واللزوم بنفس العقد ما لم يقترن بها ما يفسدها كالسلف كان يدفع لحائك ينسج له ثوباً بعشرة على أن يسلفه رطلا من غزل وذلك غير جائز لأنه سلف وإجاره (وأما) الحكمة في مشروعيتها فلتتعاون ودفع الحاجات وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله ورفعا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً الاية (وقال) ابن العربي أن الله سبحانه شرع البيع والابتياع في الأموال لاختلاف الأغراض وتبدل الأحوال فلما دعت الحاجة إلى انتقال الأملاك شرع لها سبيل البيع وبين أحكامه ولما كانت المنافع كالأموال في الحاجة إلى استفائها إذ لا يقدر كل أحد أن يتصرف لنفسه في جميع أغراضه نصب الله تعالى الإجارة في استفاء المنافع بالأعواض لما في ذلك من حصول الأغراض اهـ (وأما) أركانها فستة العقد والمستأجر والأجير والأجرة والمنفعة والصغة (أما) العقد فيشترط فيه أن لا يكون في وقت نهي وأن لا يقترن به ما يفسده كما مر (وأما) المستأجر والأجير المعبر عنهما بالعاقد

الجزء: 3 - الصفحة: 162

فشرط صحة عقدهما التمييز ولزومه الرشد (وأما الأجرة) فهي كالثمن فيما يحل ويحرم هذا هو المذهب قال ابن عبد البر في الاستذكار وذهب أهل الظاهر وطائفة من السلف إلى جواز المجهولات في الإجارة من البدل وأجازوا أن يعطي حماره لمن يسقي عليه أو يعمل بنصف ما يرزق بسعيه على ظهره ويعطي الحمام لمن ينظر فيه بجزء منه مما يحصل منه كل يوم قياساً على القراض والمساقاة قالوا وأباح الله إجارة المرضع وما يأخذه الصبي من لبنها مع اختلاف أحوال الصبيان في الرضاع واختلاف البان النساء وورد القرءان بجوازه اهـ مواق وفي هاته الرواية فسحة لمن جرت عادتهم بذلك للضرورة.
وأما المنفعة فيشترط فيها أن تكون معلومة تتقوم وأن تكون مباحة وأن يقدر على تسليمها وأن تكون مما تحصل به المنفعة للمستأجر فلا تصح الإجارة على منفعة مجهولة وقولي تتقوم احترازا من منفعة الجعالة فإنها لا تتقوم ولا تصح ايضاً الإجارة على صياغة أواني الذهب والفضة ولا على الغناء والنياحة ولا استئجار الأعمى للخط ولا الأخرس للخصام ولا الاستئجار على العبادات كالصوم والصلاة (فائدة) مرتبة على قولي تتقوم قال ابن العربي الفرق بين الإجارة والجعالة أن الإجارة يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين والجعالة يتقدر فيها الجعل والعمل غير مقدر اهـ (وأما) الصيغة فهي التلفظ بمادة الإجارة أو ما يقوم مقامها من كل ما يدل على الرضى كالبيع وقد نظمت هذه الأركان فقلت أركانها عقد وأجر منفعه ... وءاجر ومؤجر لينفعه وصيفة ومثلها ما يكتفي ... به عن اللفظ يكون ذا وفا (وأما) مسائلها فهي كثيرة وقد ذكر الناظم منها ما تدعو حاجة الحكام إليه وهو المقصود من هذا الرجز فقال (العمل المعلوم من تعيينه ... يجوز فيه الأجر مع تبيينه) (وللأجير أجرة مكمله ... إن تم أو بقدر ما قد عمله)

الجزء: 3 - الصفحة: 163

يعني أن الإجارة جائزة بشرط تعيين العمل كخياطة وبناء ورضاع ورعي غنم ونحوها وبيان قدر الأجر وجنسه وصفته بياناً حقيقاً أو حكمياً كما إذا كانت عادة قوم إعطاء اجر معلوم على عمل معلوم لا يزيد عنه ولا ينقص بحيث لا يقع فيه بين الأجير والمستأجر نزاع فإنه يجزئى عن البيان بالكلام والغالب في هذا أن يكون في الأمور التي ليس لها بال ثم أن أتم الأجير عمله أستحق أجرته كاملة وإن لم يتمه كان له من الأجرة بقدر عمله وسواء كان عدم الإتمام لعذر أو لغير عذر على القول المشهور المعمول به ويجبر على إتمام العمل كرضاع ونحوه إن كان لغير عذر لأن عقد الإجارة لازم لكل واحد منهما كالبيع فإذا حصل السكوت حتى انقضى الأجل انفسخت الإجارة فيما بطل وليس عليه قضاءه بأيام آخر وله أجرته على قدر عمله كما مر ثم شرع يتكلم على اختلاف المتئاجرين فقال (والقول للعامل حيث يختلف ... في شأنها قبل الفراغ إن حلف) (وإن جرى النزاع قبل العمل ... تحالفا والفسخ بين جلي) يعني أن العامل والمعمول له إذا اختلفا في شأن الأجرة ففيه تفصيل وهو إن كان اختلافهما بعد الفراغ من العمل فالقول قول العامل بيمينه إذا أدعى ما يشبه وسواء أدعى المعمول له ما يشبه أم لا وإلا رد لأجرة مثله أن لم يدع المعمول له ما يشبه وإلا كان القول له بيمينه ويقضى للحالف على الناكل وإن كان اختلافهما قبل العمل تحالفا وفسخت الإجارة بينهما ونكولهما كحلفهما ويقضى للحالف على الناكل كما تقدم وهذا كله مع عدم البينة وإلا كان العمل عليها.
وقول الناظم يختلف بالبناء للنائب وتعبيره بالشأن شامل لجميع الإختلافات التي تقع بين المتئاجرين فهو كالترجمة لما بعده وإليه أشار الناظم بقوله (وإن يكن في صفة المصنوع ... أو نوعه النزاع ذا وقوع)

الجزء: 3 - الصفحة: 164

(فالقول للصانع من بعد الحلف ... وذاك في مقدار أجره عرف) (فإن يكن منه نكول حلفاً ... رب المتاع وله ما وصفا) يعني أن الصانع والمصنوع له إذا تنازعا في صفة المصنوع أو في نوعه أو في قدر الأجرة ولم تكن بينة لواحد منهما في ذلك فأن القول في الفروع الثلاثة قول الصانع بيمينه فإن نكل عن اليمين حلف المصنوع له ويقضى له بما قال فأن نكل عنها قضي للصانع بما قال وألف حلفاً ووصفا للإطلاق قال (والقول قول صاحب المتاع في ... تنازع في الرد مع حلف قفي) يعني أن الصانع وصاحب المتاع إذا تنازعا في رد المتاع وعدم رده كان يقول الصانع رددت إليك متاعك ويقول صاحب المتاع لم ترده إلي فإن القول قول صاحب المتاع بيمينه وسواء قبض الصانع المتاع بأشهاد أم لا عمله بأجر أو بدون أجر هذا إذا كان من المنتصبين للصنعة بين الصنعة بين الناس لأنه ضامت وأما غير المنتصف فسيأتي الكلام عليه في فصل العارية قال (والقول للأجير إن كان سأل ... بالقرب من فراغه أجر العمل.) (بعد يمينه لمن يناكر ... وبعد طول يحلف المستاجر) يعني أن الأجير والمستأجر إذا تنازعا في قبض الأجرة وعدم قبضها كان يقول الأجير ما دفع إلي المستأجر من أجرتي شيئاً وطلب الخلاص معه فيه وقال المستأجر في جوابه دفعت إليه أجره كاملاً ولم يبق له في ذمته من أجره شيء ففي المسئلة تفصيل وهو أن كان قيام الأجير بالقرب من فراغه من العمل كاليومين والثلاثة قالقول قوله بيمينه وإن كان قيامه بعد طول بأن زاد على الثلاثة أيام فالقول للمستأجر بيمينه هذا إذا توصل صاحب المتاع بمتاعه وإلا فالقول قول الأجير بيمينه ولو طال الزمان جدا قال (والوصف من مستهلك لما تلف ... في يده يقضى به بعد الحلف)

الجزء: 3 - الصفحة: 165

(وشرطه إتيانه بمشبه ... وإن لجهل أو نكول ينتهي) (فالقول قول خصمه في وصفه ... مستهلكا بمشبه مع حلفه) يعني أن الصانع إذا ادعى هلاك الشيء المصنوع ولم تقم على هلاكه بينة فإنه يضمنه لاكن بشرطين أحدهما أن يكون من المنتصبين للصنعة بين الناس (وثانيهما) أن لا يكون الشيء المصنوع ببيت صاحبه أو بحضرته وإلا فلا ضمان عليه إلا إذا تسبب في هلاكه فإنه يضمنه سواء كان عمداً أو خطأ وسيأتي الكلام على غير المنتصب للصنعة والرامي وحارس الحمام وغيرهم في فصل العارية والوديعة والأمناء (ثم) أن أتفق الصانع والمصنوع له على صفة الشيء المستهلك فإنه يقول مثله إن كان من المثليات أو قيمته إن كان من المقومات وإن اختلفا في وصفه بأن وصفه مالكه بأحسن مما وصفه به صانعه فالقول للصانع بيمينه إنه كان على ما وصفه به إذا أتى بما يشبه فأن أتى بما لا يشبه أو أتى بما بشبه ونكل عن اليمين حلف رب المتاع وقضي له بما قال أن أشبه وإن لم يشبه واحد منهما أو جهلا صفته معاً فإن الصانع تلزمه قيمة شيء وسط من جنسه هذا إذا كان الصانع يعمل بنفسه إما إذا كانت له صناع يعملون بإشارته فإن كان هو الذي يتولى المعاملة والقبض والدفع فالخصومة معه والضمان عليه كما مر وإن كان الذي تولى ذلك هو الأجير فالخصومة معه والضمان عليه لا على مستأجره صاحب الحانوت كما في نوازل الإجارات من المعيار.
وقول الناظم والوصف مبتدأ ومن مستهلك بكسر اللام سماه به لهلاك الشيء تحت يده بدعواه متعلق بمحذوف صفة للمبتدأ ولما تلف متعلق بالوصف وجملة يقضى به خبر المبتدأ وقوله في وصفه مستهلكا بفتح اللام ثم ذكر الناظم قاعدة في بيان ما يلزم مدعي الهلاك إذا ضمن فقال (وكل من ضمن شيئاً أتلفه ... فهو مطالب به أن يخلفه) (وفي ذوات المثل مثل يجب ... وقيمة في غيره تستوجب)

الجزء: 3 - الصفحة: 166

يعني أن كل من أدعى تلف شيء من المال تحت يده سواء كان صانعاً أو غيره ووجب عليه ضمانه فإنه مطلوب بأخلافه لربه فإن كان من المثليات لزمه مثله وإن كان من المقومات ضمن قيمته وقوله يخلفه بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره من أخلف الرباعي وتستوجب بضم أوله وفتح ما قبل ءاخره مبني للنائب وصميره يعود على قيمة (ولما) فرغ من الكلام على الإجارة شرع في بيان الجعل فقال

﴿فصل في الجعل﴾

قال في المصباح والجعل بالضم الأجر يقال جعلت له جعلاً والجعالة بكسر الجيم وبعضهم يحكي التثليث والجعيلة مثل كريمة لغات في الجعل وأجعلت له بالألف أعطيته جعلاً فأجتعله هو إذا أخذه اهـ (وقال) الإمام ابن عرفة في تعريفه الجعل عقد معاوضة على عمل ءادمي يجب عوضه بتمامه لا بعضه ببعضه اهـ فقوله رحمه الله تعالى عقد جنس للمعرف وغيره من العقود.
وقوله معاوضة يخرج به التبرعات كالصدقة.
وقوله على عمل يخرج به العقد على الذوات.
إضافة عمل إلى ءادمي يخرج به الكراء (وقوله) يجب عوضه بتمامه يخرج به القراض والمساقاة والمزارعة لجواز عدم الربح وعدم الغلة والزرع.
وقوله لا بعضه ببعضه تخرج به الإجارة لوجوب بعض العوض إذا ترك الأجير العمل قبل تمامه كما تقدم.
وعرفه ابن راشد بقوله الجعل إعطاء أجرب في مقابلة عمل بشرط التمام.
والأصل في مشروعية الكتاب والسنة (أما) الكتاب فقول الله تعالى قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير الآية فجعل لمن جاء بصواع الملك الذي فقدوه ادعاء حمل بعير من الطعام ولم يقدر له مدة ولم يقع تعيين أحد بخصوصه (وأما) السنة فقوله صلى الله عليه وسلم يوح حنين من قتل قتيلاً فله سلبه.
وحكمة مشروعيته الرفق ودفع الحاجة كما في لب اللباب.
وأركانه خمسة العقد والعاقد والمعقود به والمعقود عليه والصيغة (أما) العقد فشرطه أن لا يقع في وقت نهي وأن لا يقترن بسلف كما

الجزء: 3 - الصفحة: 167

مر (وأما) العاقد فيتناول الجاعل والمجعول له ويشترط فيهما أهلية الاستيجار ولا يشترط في المجعول له أن يكون معيناً كما تقدم في الأية (وأما) المعقود به فيشترط فيه أن يكون معلوماً منتفعاً به طاهراً مقدوراً على تسليمه وفي جواز الجعل بجزء منه خلاف (وأما) المعقود عليه فيشترط فيه أن يكون مما لا يلزم المجعول له عمله فإن كان مما يلزمه لم يجز أخذ الجعل عليه كان يجد بعيراً شارداً لأن رده واجب عليه قال ابن سلمون ومن رد ءابقا أو ضالة من غير عمل فلا جعل له على رده ولا على دلالته لوجوب ذلك عليه اهـ. وأن يكون مما يجوز له عمله فلا يجوز الجعل على إتيان بخمر أو زانية.
وأن يكون مما ينتفع به الجاعل على أحد قولين ولم ينقل ابن يونس إلا القول بعدم الجواز مقتصرا عليه قال عبد الملك من جعل لرجل جعلا على أن يرقى إلى موضع من الجبل سماه له إنه لا يجوز ولا يجوز إلا فيما ينتفع به الجاعل يريد لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
وفي ابن عات لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الرجل لأنه لا يعرف حقيقته ولا يوقف عليه ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور انظر الأكمال عند قوله صلى الله عليه وسلم من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل كما في الواق (وفي) الحطاب قال الآبي ولا يحل ما يأخذه الذي يكتب البراءات لراد التليفة لأنه من السحر وأما ما يؤخذ على حل المعقود فأن كان برقية بالرقي العربية جاز وإن كان بالعجمية لم يجز وفيه خلاف وكان الشيخ ابن عرفة يقول أن تكرر منه النفع بذلك جاز اهـ. ويشترط في المعقود عليه أيضاً أن يكون مما لا ينتفع الجاهل به إلا بعد تمامه فلا يجوز الجعل على حفر بئر في أرض يملكها كما يأتي.
وأن يكون العمل غير مقدر بزمن كما ستعرفه وفي اشتراط كونه غير كثير وعدم اشتراطه وصحح قولان (وأما) الصيغة فهي لف الجعل أو ما يدل عليه ويكتفي به دلالة واضحة على تمليك المنفعة بعوض بشرط التمام وقد نظمن هذه الأركان فقلت

الجزء: 3 - الصفحة: 168

أركانه عقد وعاقد عوض ... وعمل معين لمن نهض وصيغة ومثلها ما يكتفي ... والله يعطي أجره لمن عفا قال (الجعل عقد جائز لا يلزم ... لاكن به بعد الشروع يحكم) (وليس يستحق مما يجعل ... شيئاً سوى إذا يتم العمل) (كالحفر للبئر ورد الأبق ... ولا يحد بزمان لاحق) يعني أن الجعل عقد جائز عند توفر شروطه وانتفاء موانعه لاكنه غير لازم قبل الشروع في العمل منحل من جهة العامل والجاعل وأما بعد الشروع فيه فإنه يحكم بلزومه من جهة الجاعل فقط وإن العامل لا يستحق شيئاً من الجعل إلا بتمام العمل لقول الله تعالى ولمن جآء به حمل بعير فمفهومه إنه لم يأت به فلا شيء له وأما بعد تمام عمله فإنه يستحق جعله المسمى له كاملاً ومحل كون العامل لا يستحق شيئاً من الجعل إلا بعد تمام العمل أم لم ينتفع الجاعل بعمله وإلا فأنه يستحق بنسبة عمل الثاني وسواء كان عمل الثاني قدر عمل الأول أو أقل أو أكثر مثل أن يجعل للأول عشرة دراهم على تبليغ خشبة إلى موضع كذا فبلغها نصف المسافة مثلا وتركها ثم جعل لأخر عشرة على تبليغها فأن الأول يستحق عشرة وهكذا ولا مفهوم للإستيجار بل لو بلغها إنسان بدون أجر فإنه يستحق قيمة عمله لأن المدار على الانتفاع وقد حصل كما في الأجهوري ثم مثل الناظم للجعل بمثالين قال (كالحفر للبئر ورد الأبق) فإما حفر البئر لإخراج الماء فيشترط فيه أن يكون في أرض موات لا في أرض مملوكة لأنه على تقدير عدم تمام عمله يذهب عمله باطلاً مع انتفاع الجاعل به في أرضه إلا إذا جاعل غيره على التمام فإنه يستحق بنسبة عمل الثاني كما في المثال المتقدم (وأما) رد الأبق فيشترط فيه جهل مكانه كالبعير الشارد فإن علما أو أحدهما مكانه فسخ العقد فإن لم يعثر عليه حتى تم العمل فإن كان العالم هو الجاعل والجاهل

الجزء: 3 - الصفحة: 169

العامل فله الأكثر من الجعل وأجرة مثله وأن أنفرد العامل بالعلم فلا شيء له وقيل له بقدر تعبنه وإذا تنازعا في العلم وعدمه فالقول لمن أدعى عدم العلم منهما لأن الأصل في العقود الصحة ما لم يغلب الفساد وأن الجعل لا يجوز فيه ضرب الأجل لأن المجعول له يكون له الترك متى شاء فلا وجه لتحديده بزمن ولما فيه من زيادة الغرز إذ ربما ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب عمله باطلا أو يتم العمل قبل انقضائه فيأخذ شيئاً لا يستحقه لأنه يأخذ الجعل كاملاً لتمام العمل ويسقط عنه عمل بقية الأجل إلا إذا شرط العامل على الجاعل ترك العمل متى شاء فإنه يجوز ضرب الأجل.
وأن اشتراط النقد في الجعل لا يجوز لأنه يؤدي إلى التردد بين السلفية والثمينة وأما تعجيله على الطوع فهو جائز (وأعلم) أن النسبة بين الجعل والإجارة العموم والخصوص الوجهي على التحقيق وبيانه أن العمل المجاعل عليه بعضه تصح فيه الإجارة والجعل كحفر بئر في أرض موات لأنه أن عين فيها مقدارا مخصوصاً من الأذرع كان إجارة وإن عاقده على إخراج الماء كان جعلا.
وبعضه لا تصح فيه الإجارة وذلك كالمعاقدة على إحضار عبد ءابق أو بعير شارد ونحوهما من كل ما يجهل فيه العمل وبعضه لا تصح فيه الجعالة وتتعين فيه الإجارة وذلك كالمعاقدة على عمل في أرض مملوكة للجاعل كحفر بئر فيها قاله النفراوي على الرسالة (ولما) فرغ من الكلام على الجعل شرع يتكلم على المساقاة فقال

﴿فصل في المساقاة﴾

هو مصدر مفرد ينصب بالفتحة على الأصل (قال) القاضي عياض هي مشتقة من سقي الثمرة إذ هي معظم عملها وأصل منفعتها.
وقال الرصاع نقلاً عن الجوهري إن المساقاة استعمال رجل رجلاً في نخل أو كرم يقوم بإصلاحها ليكون له سهم معلوم من غلتها قال وهذا قريب من الحقيقة الشرعية إلا أن فيه قصورا عنها فإنها أعم لأنها لا تختص بالنخل والكرم فيكون في الشرع تعميم لما خصصته اللغة اهـ. وعرفها

الجزء: 3 - الصفحة: 170

الإمام ابن عرفة بقوله هي عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجاره أو جعل فيدخل قولها لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل ومساقاة البعل اهـ (فقوله) لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل يدخل فيه عقدها بلفظ عاملتك على طريق سحنون فإنها تنعقد عنه بغير لفظ ساقيتك كعاملتك وارتضاها جمع كثير من الشيوخ قائلاً وهي المذهب خلافاً لإبن القاسم القائل بإنها لا تنعقد إلا بلفظ ساقيتك (وقوله) لا من غير غلته يخرج به ما لو كان الجزء من غير الثمرة فلا تصح لخروجها عن المساقاة ككونها بدراهم أو عرض وإنما تكون إجارة تجري عليها إحكامها (وحكمها) الجواز بدليل ما في الصحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقي أهل خيبر في النخل على أن لهم نصف الثمرة بعملهم والنصف يؤدونه له صلى الله عليه وسلم أو لأصحابه.
وحكمه مشروعيتها دفع الحاجة كما في لب اللباب.
ولهذا استثنيت من أصول أربعة ممنوعة (الأول) الإجارة بمجهول (والثاني) المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها (الثالث) بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها (الرابع) الغرر لأن العامل لا يدري أتسلم الثمرة أم لا (قال) ابن شاس المساقاة سنة على حيالها.
وقال ابن راشد حكمها الجواز ابتدائ واللزوم إذا وقعت وإلى هذا أشار الناظم بقوله (إن المساقاة على المختار ... لازمة بالعقد في الأشجار) (والزرع لم ييبس وقد تحققا ... قيل مع العجز وقيل مطلقا) (والحقوا المقاثي بالزرع موما ... كالورد والقطن على ما قدما) يعني أن عقد المساقاة على الأشجار والنبات وأن بعلا لازم لكل من المتعاقدين بنفس العقد كالبيع وإن لم يحصل شروع في العمل على القول المختار وهو المشهور وبه العمل ومقايله لا تلزم إلا بالشروع في العمل كالجعل.
وإنها تكون في عمل الأشجار سواء عجز ربها عن القيام بها أم لا وتكون في الزرع بشروط أربعة بزيادة شرط

الجزء: 3 - الصفحة: 171

على ما في النظم (أحدها) أن لا يبدو صلاحه وهو مراد الناظم باليبس (وثانيها) أن يبرز من الأرص ويتحقق خروجه منها (وثالثها) أن يخاف عليه الموت بترك السقي (ورابعها) أن يعجز ربه عن القيام به هذا هو القول المشهور وقيل تجوز مطلقاً عجز ربه عن القيام به أولاً فيكون كالأشجار والحقت المقاثي وما أشبهها كالكتان والبصل بالزرع في جواز مساقاتها بالشروط المذكورة.
وقوله وما كالورد ظاهره إنه معطوف على المقاثي بدليل قوله على ما قدما فيكون حكمه حكم المقاثي في الإلحاق بالزرع بشروطه ويجوز عطفه على الأشجار على أن ما مبتدأ وعلى ما قدما خبره وهو من جهة الراجحية أحسن لقول الشيخ خليل مشبها في الصحة ما نصه كزرع وقصب وبصل ومقثأة أن عجز ربه وخيف موته وبرز ولم يبد صلاحه وهل كذلك الورد ونحوه والقطن أو كالأول وعليه الأكثر تأويلان (قال) انب رحال فقوله كزرع التشبيه بقوله إنما تصح مساقاة شجر وقوله كزرع ظاهره كان بعلاً أو لا وهو كذلك.
وقوله وعليه الأكثر هذا هو الراجح فإن الخلاف في هذه الأشياء كثير اهـ فقال (وامتنعت في مخلف الاطعام ... كشجر الموز على الدوام) (وما يحل بيعه من الثمر ... وغير ما يطعم من أجل الصغر) يعني أن المساقاة ممتنعة في عمل الأشجار التي يكون إطعامها يخلف بعضه بعضاً لا ينقطع على الدوام كالموز وفي عمل الأشجار التي حل بيع ثمرها والزرع الذي بدا صلاحه لأن المشقة ترتفع عن ربه بالبيع على المشهور وفيما لا يطعم من الشجر لصغره لأن خدمته بدون شيء يحصل له تكون من الباطل إلا إذا كان على وجه الطواعية أو تبعا لغيره من جميع ما منع أو كان على سبيل الإجارة بجزء منه أو من غيره فإنه يجوز والتبعية أن يكون التابع الثلث فأقل كما يأتي مثاله في البياض.
وقوله مخلف بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره مخففا من أخلف الرباعي.
وقوله وغير ما يطعم بالجر عطف على مخلف أو على ما يحل بيعه قال

الجزء: 3 - الصفحة: 172

(وفي مغيب في الأرض كالجزر ... وقصب السكر خلف معتبر) يعني إنه وقع خلاف بين أهل المذهب في مساقاة ما كان غائباً في الأرض كالجزر واللفت والفجل ونحوها كالبطاطة وقصب السكر فقيل بالجواز وهو المشهور بشروط الزرع المتقدمة وقيل بعدم الجواز.
وقوله مغيب بضم أوله وكسر ما قبل ءاخره مشدداً جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم وخلف بضم أوله وسكون ثانيه أي خلاف مبتدأ مؤخر ومعتبر صفته قال (وإن بياض قل ما بين الشجر ... وربه يلغيه فهو مغتفر) (وجاز أن يعمل ذاك العامل ... لاكن بجزء جزئها يماثل) (بشرط أن يكون ما يزدرع ... من عنده وجزء الأرض تبع) (وحيثما أشترط رب الأرض ... فائدة فالفسخ أمر مقضي) يعني أن البياض الذي يكون في الجنات سواء كان بين الأشجار أو منفرداً عنها بناحية يجوز لربه الغاؤه للعامل وهو أحسن إذا قل كان يكون كراؤه منفرداً مائة درهم مثلاً والثمرة وحدها تساوي مائتين بعد إسقاط ما أنفق عليها فيختص به العامل ويزرع فيه ما شاء وسواء كان بشرط أو بلا شرط.
ومفهوم قوله قل إنه إذا لم يكن قليلاً بان زاد على الثلث لم يجز الغاءه للعامل وهو كذلك ويبقى لربه يعمل فيه مزارعة او بأجر مع من شاء فإن اشترطه العامل فسدت المساقاة كما يأتي ولو بعد العمل ويكون له أجر مثله في خدمته ومساقاة مثله في الشجر.
ويجوز لرب الأرض إدخال البياض القليل المتقدم في المساقاة لأنه في حكم التابع وتكون فائدته بينما لاكن بشروط (أحدها) أن يكون عمله فيه بجزء يماثل جزء المساقاة كربع وربع أو ثمن وثمن فلو كان على الثمن في الثمرة والربع أو النصف في البياض كما يوجد في بعض البلدان ففيه ثلاثة أقوال المنع لإبن القاسم والكراهة لأصبغ والجواز لغيرهما

الجزء: 3 - الصفحة: 173

وإليه رجع أصبغ وهو الذي عليه عمل الناس فلا يشوش عليهم بقول ابن القاسم المشهور كما في المسناوى وذلك لقول الفقهاء أن ما جرى عليه عمل الناس وصادف قولاً ولو خارج المذهب جاز ويقع الحكم على مقتضاه (وثانيها) أن تكون الزريعة من عند العامل لأنها من جملة مؤنة المساقاة فلو كانت من عند ربه أو من عندهما فسدت لخروجت الرخصة عن محلها بناء على أنها لا تتعداه وأما على القول بأنها تتعداه فلا تفسد خصوصا إذا كانت الحاجة داعية لذلك بأن جرى بها عرف بلد (وثالثها) أن يكون جزء الجنان الذي هو البياض تبعاً لقيمة ثمرة الحائط كالمثال المتقدم وهذا الشرط مستغنى عنه بقوله قل اللهم إلا أن يكون قصده بذلك زيادة البيان والإيضاح (ورابعها) أن لا يشترط ربه فائدته لنفسه فإن اختل شرط من هذه الشروط فسدت على القول المشهور ويرد العامل إلى مساقاة مثله في الشجر وأجر مثله في البياض وقيل لا تفسد على نحو ما تقدم وقيل يجوز لربه اشتراطه لنفسه لأن العامل لا يتكلف له واختلاف العلماء فيه رحمة والله أعلم بالصواب قال (ولا تصح مع كراء لا ولا ... شرط البياض لسوي من عملا) (ولا اشتراط عمل كثير ... يبقى له كمثل حفر البئر) يعني أن المساقاة لا يصح جمعها مع الكراء في عقد واحد عند ابن القاسم لأن الكراء بيع والبيع يمتنع جمعه معها كما تقدم وتصح عند أشهب ولا تصح المساقاة على أن يشترط البياض القليل لغير العامل كان يكون مشترطاً لرب الأرض كما مر أو لأجنبي والعمل على العامل وقيل يجوز ذلك كما سبق ولا تصح مع اشتراط عمل كثير ينشئه العامل كحفر بئر وبناء حائط أو طابية وما أشبه ذلك وأما العمل القليل الذي هو مفهوم العمل الكثير فهو جائز اشترط عليه أو لم يشترط كالعمل الكثير الذي هو من لوازم عمل المساقاة مما يحتاج إليه الحائط وما الحق به من سقي وآبار وتنقية مناقع

الجزء: 3 - الصفحة: 174

الشجر ومجاري المياة والحصاد والدراس ونحوها كله على العامل كما عليه إقامة الأدوات من الدلاء والمساحي والإجراء وسائر ما يحتاج إليه مما يتوقف عليه العمل وكذلك لا تصح على إشتراط اختصاص أحدهما بكيل أو عدد أو بثمر نخلة ونحوها ويكون الباقي بينهما هذا إذا وقع في صلب العقد كما قال وإما إذا وقع بعده تطوعاً فإنه جائز وإنما كان ذلك مفسداً مع الشرط عند ابن القاسم وإما عند غيره فلا فساد وعليه عمل الناس ولا جناح على من عمل به خصوصاً مع الضرورة.
وقوله ولا توكيد لقوله لا التي قبلها.
وقوله وال شرط بالجر عطف على كراء وكذا ولا اشتراط ولا اختصاصه وجملة قد عقد من الفعل والفاعل صلة ما أي من النخيل الذي قد عقد عليه رب الحائط أو العامل المساقاة وأولى في المنع إذا كان من غيرها على مذهب ابن القاسم.
وفي المعيار عن أبي سعيد فرج أبن لب أن ما أرتكبه الناس وتقادم في عرفهم وجرى به عملهم ينبغي أن يلتمس له وجه شرعي ما أمكن على خلاف أو وفاق إذ لا يلزم ارتباط العمل بمذهب معين ولا بمشهور من قول قائل اهـ. والله أعلم فهذا هو الفقه المناسب لإجراء العمل بالشريعة السمحاء خصوصا في هذا الزمان فليس كل حافظ فقيه ولا كل من بيده سبحة نزيه قال (وهي بشطر أو بما قد اتفق ... به وحد أمد بها يحق) يعني أن من شرط صحة المساقاة بيان القدر الذي يأخذه العامل ولو أتى على جميع الثمرة كما تقدم عن أبن عرفة في التعريف وكونها بالنصف أولى للسنة كما مر ويتشرط في صحتها أيضاً بيان أمدها الذي تنتهى إليه فأن لم يبينا مدتها فهي إلى الجذاذ (وقوله) اتفق بالبناء للنائب وقوله به أي عليه وحد مبتدأ وأمد مضاف إليه وجملة يحق بها خبره قال (والدفع للزكاة إن لم يشترط ... بينهما بنسبة الجزء فقط) يعني أن المساقاة إذا أنعقدت بين رب الحائط ونحوه والعامل ولم يشترط احدهما على الآخر دفع الزكاة ولا جرى بينهم عرف في ذلك بإخراج الزكاة من نصيبه فإنها تخرج

الجزء: 3 - الصفحة: 175

ابتداء من كامل الثمرة أو الزرع ثم يكون الباقي بينهما على ما اتفقا عليه وحيث وقع إخراج الزكاة من الكامل فقط أعطى كل واحد منهما ما وجب عليه من الزكاة بقدر نصيبه هذا معنى قوله بنسبة الجزء فقط يعني جزء الغلة لا أقل ولا أكثر.
وفهم من قوله إن لم يشترط إنه إذا أشترط العامل أو رب الحائط أن دفع الزكاة يكون على أحدهما جاز وهو كذلك والعرف كالشرط (وفي المدونة) لا بأس أن تشترط الزكاة في حظ أحدهما لأنه يرجع إلى جزء معلوم ساقي عليه فإن لم يشترط شيئاً فشأن الزكاة أن يبدأ بها ثم يقتسمان ما بقي قال (وعاجز عن حظه يكمل ... بالبيع مع بدو الصلاح العمل) (وحيث لم يبد ولا يوجد من ... ينوب في ذاك مناب مؤتمن) (فعامل يلغى له ما انفقا ... وقول خذ ما ناب وأخرج متقى) يعني أن العامل إذا عجز عن عمل المساقاة فأن كان ذلك بعد بدو صلاح الثمرة فإن حظه يباع بغير طعام ويستأجر بثمنه أجير أمين يكمل بقية العمل وإن بقي فيه فضل كان له وإن نقص كان في ذمته وأن كان عجزه عن إتمام العمل قبل بدو الصلاح فإن وجد من يقوم مقامه فلا إشكال وإن لم يوجد من يقوم مقامه في ذلك من الأمناء فلا شيء له ولا عليه وتكون خدمته وتفقته ملغاة لا عبرة بها ولا يجوز له أن يعطيه ثمناً في مقابلة نصيبه من الثمرة لأنه من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها هذا معنى قوله (وقول خذ ما ناب وأخرج متقى) أي ممنوع ومن باب أولى إذا قال له ذلك في الاختيار (قال) مالك في المدونة ومن ساقيته حائطك لم يجز أن يقيلك على شيء تعطيه إياه كان قد شرع في العمل أم لا لأنه غرر أن أثمر النخل فإنه بيع الثمر قبل زهره وإن لم يثمر فهو أكل المال بالباطل اهـ مواق ثم قال الناظم

﴿فصل في الاغتراس﴾

وترجم له بعض الفقهاء بالمغارسة وعرفها الإمام ابن عرفة بالتقسم وهو أحد أقسام

الجزء: 3 - الصفحة: 176

التعريف العشرة فقال المغارسة جعل وإجارة وذات شركة اهـ فالجعل كان يقول رجل لأخر أغرس في أرضي هذه زيتوناً أو نخيلا مثلاً ولك في كل شجرة تنبت كذا فهذا جعل تجري عليه أحكامه السابقة وسيأتي هذا في البيت الأخير من الفصل.
والإجارة كان يقول له أغرس في هذه الأرض عنباً أو تيناً عدده كذا ولك كذا فهذه إجارة محدودة بالعمل كخياطة الثوب فإذا غرسها استحق الأجر.
نبت أو لم ينبت.
والشركة أن يعطي رجل أرضه لأخر ليغرسها بجزء معلوم منها يستحقه بالإطعام أو بإنقضاء الأجل لها وهي لازمة بالعقد على الراجح ومقابله لا يحكم بلزومها على صاحب الأرض إلا بالشروع في العمل لأنها من باب الجعل وهو الظاهر وبه عمل تونس وهذا القسم هو المقصود هنا وإليه أشار الناظم بقوله (الاغتراس جائز لمن فعل ... ممن له البقعة أو له العمل) (والحد في خدمته أن يطعما ... ويقع القسم بجزء علما) (وليس للعامل مما عملا ... شيء إلى ما جعلاه أجلا) يعني أن الإنسان إذا كانت له أرض ولو حبسا فإنه يجوز له أن يعطيها لمن يعمل فيها على وجه المغارسة لاكن لا تصح إلا بشروط خمسة (أحدها) أن يكون ما يغرس فيها مما يطول مكثه فيها كالنخيل والزيتون أو لا يطول مكثه فيها جداً كالقطن والزعفران على أحد قولين (وثانيها) بيان ما يغرس فيها من الأشجار نوعاً لا عددا إذا كان غير معلوم عندهم وإلا فلا يلزمه بيانه (وثالثها) بيان حد خدمة الغارس كان يجعلا ذلك إلى الإطعام وهو الأولى أو إلى أن يبلغ أربع سنين أو أكثر أو قدر قامة مثلاً مما لا يطعم فيه الغرس قبل ذلك وإلا فلا تجوز (ورابعها) بيان القدر الذي يأخذه الغارس في مقابلة عمله (وخامسها) أن يكون القدر المشترط له في الشجر والأرض معاً فإذا توفرت هذه الشروط صحت المغارسة ولزمت وبتمام عمله بلوغ الحد الذي اتفقا عليه تكون الأرض والشجر بينهما نصفين أو على ما اتفقا عليه من الأجزاء وأما قبل تمامه فليس

الجزء: 3 - الصفحة: 177

له في مقابلة عمله شيء لا من الأرض ولا من الشجر ولا من غيرهما وعلى هذا إذا باع نصيبه قبل ذلك لمن يقوم مقامه فليس له ذلك ويرد وهو كذلك على ما ذهب إليه ابن العطار غير إنه إذا مات عن ورثه فلهم أن يقوموا مقامه إلى تمام العمل وقال ابن رشد لا يمنع من البيع قبل تمام العمل وبه عمل تونس وهذا الخلاف مبني على قاعدة وهي أن ما قارب الشيء هل يعطى حكمه أم لا فذهب ابن رشد إلى الأول وذهب ابن العطار إلى الثاني.
وقول الناظم أوله العمل أو بمعنى الواو.
وقوله والحد مبتدأ وفي خدمته متعلق به وهو مصدر مضاف إلى فاعله الذي هو ضمير الغارس المفهوم من الإغتراس.
وقوله أن يطعما في تأويل مصدر خبر وألفه الإطلاق.
والتقدير والحد في خدمة الغارس البقعة أطعام الشجر والمراد بالبقعة الأرض قال (وشرط بقيا غير موضع الشجر ... لرب الأرض سائغ إذا صدر) قال صاحب المتيطية وأن تغارسا على أن يكون الشجر بينهما نصفين ولهما أصولهما من الأرض وبقية الأرض لربها جاز وقال ابن سلمون بعد ذلك وإن كانت على الشجر خاصة دون مواضعها من الأرض أو على الأرض دون الشجر لم تجز فإن نزل ذلك كان للعامل أجر عمله انتهى قال (وشرط ما يثقل كالجدار ... ممتنع والعكس أمر جار) يعني أن رب الأرض لا يجوز له أن يشترط على الغارس ما يثقل عليه عمله كبنيان جدار حول الأرض أو حفر بئر فيها أو تكون الأرض مشعرة كلها أو جلها بالحلفاء فيشترط عليه إزالة شعرائها وأشجارها ونحو ذلك مما تكثر نفقته ومشقته لأنه غرر فإن الغرس ربما لم يتم فترجع الأرض لربها وقد انتفع بالبنيان حولها أو حفر البئر فيها ونحو ذلك فيذهب عمله باطلا وأما العكس وهو اشتراط الشيء اليسير الخفيف كتنقية بعض المواضع من الشجر ونحوه ليغرس فيه أو ترميم ما أنهدم من جدار الجنان ونحو ذلك فجائز لأنه أمر متعارف وجار بين الناس فلا يضر اشتراطه قال

الجزء: 3 - الصفحة: 178

(وجاز أن يعطى بكل شجره ... تنبت منه حصة مقدره) يعني أنه يجوز لرب الأرض أن يعطي أرضه مغارسة على وجه الجعل كما تقدم كان يقول له أغرس لي هذه الأرض نخيلاً أو زيتوناً وما أشبه ذلك ولك في كل شجرة تنبت نصفها أو ربعها أو دينا ونحو ذلك فهذه جعالة محضة وقوله يعطى بالبناء للنائب ونائب فاعله ضمير الغارس وضمير منه للغرس وحصة مفعول ثان ليعطى وباء بكل للعوض ثم شرع يتكلم على المزارعة فقال

﴿فصل في المزارعة﴾

قال ابن عرفة هي الشركة في الحرث اهـ وقد دل على جوازها والترغيب فيها قوله صلى الله عليه وسلم لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو دابة أو شيء إلا كان له صدقة.
وفي الحطاب قال البرزلي في حديث ءاخر لا يقولن أحدكم زرعت وليقل حرثت فأن الزارع هو الله.
أبو هريرة لقوله تعلى أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (القرطبي) في تفسير قوله تعالى كمثال حبة أنبتت سبع سنايل الآية دليل على أن اتخاذ الحرث من أعلى الجرف المتخذة للمكاسب ويشتغل بها العمال ولهذا شرب الله بها المثل قال وفي الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها عنه صلى الله عليه وسلم قال التمسوا الرزق في خبايا الأرض يعني الزرع (وفي) حديث مدح النخل من الراسخات في الوحل والمطعمات في المحل اهـ (قال) والمزارعة من فروض الكفاية يجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار.
وعن عبد الله بن عبد الملك إنه لقي ابن شهاب الزهري فقال له دلني على مال أعالجه فانشأ يقول أقول لعبد الله يوم لقيته ... وقد شد احلاس المطي مشرقاً تتبع خبايا الأرض وأطلب مليكها ... لعلك يوماً أن تجاب فترزقا انتهى وحق الناظم أن يذكر هذا ال

فصل في الشركة

لأنه منها لاكن لما كانت له أحكام

الجزء: 3 - الصفحة: 179

وشروط تخصه أفرده بالذكر وعبر بالمفاعلة التي من شأنها أن تكون بين اثنين لأنها تتصور هنا في بعض الصور إذا كان الزرع بينهما على الأصل واطردت في بقيتها ولها صور كثيرة منها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع وقد اقتصر الناظم على بيان بعضها مما تدعوا الحاجة إليه في الغالب فقال (إن عمل العامل في المزارعه ... والأرض من ثان فلا ممانعة) (إن أخرجا البذر على نسبة ما ... قد جعلاه جزؤا ببنهما) (كالنصف أو كنصفه أو السدس ... والعمل اليوم به في الأندلس) يعني أن المزارعة إذا وقعت على أن يكون عمل اليد والبقر على أحد المتزارعين وعلى الآخر الأرض جازت إذا كانت الزريعة بينهما على ما اتفقا عليه في الزرع الذي يؤخذ وقت المصيف كان يتفقا على أن يكون الزرع بينهما إنصافاً مثلاً والزريعة كذلك أو يتفقا على أن لصاحب العمل والبقر أو الأرض ربعاً أو سدساً مما يحصل جاز أيضاً إذا أخرج صاحب الربع أو السدس من الزريعة قدر ما يخذه في فصل المصيف لا أقل ولا أكثر وإلى ذلك كله أشار الناظم بقوله (كالنصف أو كنصفه أو السدس) فما بعد الكاف مثال للجزء الذي دخلا على أخذه في وقته وظاهره إن ذلك جائز ولو كانت قيمة العمل مع البقر لا تعادل قيمة الأرض وبالعكس وهو كذلك على ما جرى به العمل في الأندلس.
ومفهوم قوله إن أخرجا البذر الخ إنهما إذا لم يخرجاه على النسبة المذكورة ودخلا على المناصفة بينهما فيما يحصل في المصيف ففيه تفصيل وهو إن كان مخرج ثلثي الزرع مثلاً هو رب الأرض فلا أشكال في الجواز لأن ما زاده من سدس البذر يكون في مقابلة العمل أو هبة أو إعانة فيكون مفهوم الشرط على هذا الوجه مفهوم موافقة.
وإن كان المخرج للثلثين هو العامل فإن كان على أن يأخذ كل واحد منهما قدر بذره جاز كما مر وهو منطوق الناظم وإن دخلا على أن يأخذ كل واحد منهما نصف الزرع وهو موضوع المسئلة امتنع لأن ما زاده العامل من

الجزء: 3 - الصفحة: 180

سدس البذر يكون في مقابلة الأرض فيؤدي إلى كراء الأرض بطعام وهو لا يجوز على المذهب كما مر فيكون مفهوم الشرط على هذا الوجه مفهوم مخالفة (وقول) إن عمل العامل الخ يجوز في أن المكسورة الهمزة أن تكون مخففة من الثقيلة مهملة والقرينة حالية والفاء في قوله فلا ممانعة زائدة لتزيين اللفظ ويجوز أن تكون شرطية بناء على جواز دخولها على الجملة الاسمية فتكون الفاء حينئذ رابطة للجواب وهو الأظهر وقوله جزؤا بضم الزاي وقوله كالنصف الخ أي وذلك كالنصف قال (والتزمت بالعقد كالإجارة ... وقيل بل بالمبذر للعمارة) يعني أن المزارعة تلزم المتزارعين بمجرد العقد وليس لأحدهما فسخها إلا برضى صاحبه كما في المتيطي وغيره على القول الراجح وبه القضاء وقيل لا تلزم إلا ببذر ما حرثاه وعليه اقتصر الشيخ خليل حيث قال لكل فسخ المزارعة ما لم يبذر اهـ فيظهر من اقتصاره عليه إنه القول المشهور قال ابن رحال في الحاشية إن ما يقتصر عليه خليل يعبر عنه ابن ناجي بالمشهور استقرينا ذلك من شروحه على المدونة والرسالة ولم يبق لنا شك في ذلك اهـ ولا يلزم من كونه مشهوراً أن يقدم على غيره دائماً إذ قد يكون مقابله غير مشهور لاكنه راجح إما لقوة دليله وإما لمصلحة عامة والقاعدة أن الراجح والمشهور إذا تعارضا يقدم الراجح وجوباً وقيل لا تلزم المزارعة إلا بالشروع فالأقوال ثلاثة (ولما) كان المراد بالعمل في الزارعة هو عمل الحرث لا غيره من حصاد ودراس وتصفية ونحوها وإنها لا تدخل في مطلق العمل عند السكت بل يكون ذلك عليهما معاً على قدر الانصباء إلا بشرط نبه عليه الناظم فقال (والدرس والنقلة مهما اشترطا ... مع عمل كانا على ما شرطا) يعني أن رب الأرض إذا شرط على العامل نقلة الزرع من الفدان إلى الأندر ودرسه كانا لازمين له على مقتضى الشرط وكذلك إذا جرت العادة بهما أو بغيرهما من اللوازم

الجزء: 3 - الصفحة: 181

هذا مذهب ابن القاسم وبه العمل وقال سحنون لا يجوز اشتراط ذلك لأنه مجهول وأختاره ابن يونس ثم قال (والشرط أن يخرج عن معمور ... مثل الذي الفى من المحظور) (وليس للشركة معه من بقا ... وبيعه منه يسوغ مطلقا) (وحيث لا بيع وعامل زرع ... فغرمه القيمة منه ما امتنع) يعني أن رب الأرض إذا حرث أرضه ثم عقد فيها مزارعة مع ءاخر واشترط عليه إنه يحرثها عند خروجه ويتركها على الحالة التي دخل عليها فإن ذلك لا يجوز وتفسخ الشركة به وهو معنى قوله وليس للشركة معه من بقا فعبر عن الفسخ بعدم بقاء الشركة وأما بيع رب الأرض العمارة من الشريك حين العقد فهو جائز مطلقاً سواء كان الثمن معجلاً أو مؤجلاً فإن لم يشترط عليه حرثها عند الخروج ولا باعها منه بلوقع السكوت عنها حتى زرعها العامل فقام رب الأرض عليه وطلب منه قيمتها فله ذلك ولا يمتنع على العامل غرم القيمة لأنها حق عليه طلبه مستحقه.
وقوله والشرط مبتدأ ومن المحظور متعلق بمحذوف خبره ومثله بالجر نعة لمعمور وضمير معه بسكون العين يعود على الشرط وضمير بيعه يعود على الحرث وضمير منه يعود على العامل وضمير فغرمه يعود على العامل أيضاً وضمير منه في البيت الأخير يعود على غرم القيمة وما نافية أي لا يمتنع على العامل غرم القيمة قال (وحق رب الأرض فيما قد عمر ... باق إذا لم ينبت الذي بذر) (بعكس ما كان له نبات ... ولم يكن بعد له ثبات) يعني أن العامل إذا حرث الأرض وزرعها فلم ينبت ما زرعه فيها لعدم المطر فحقه باق في العمارة وله أن يزرعها مرة أخرى أو يبيعها من رب الأرض أو من غيره قال الشارح وكان على الناظم أن يقول وحق ذا العامل بدل رب الأرض اهـ وحيث كان

الجزء: 3 - الصفحة: 182

هو المراد شرحت كلامه به وإما إذا نبت ما زرعه فيها وإصابته جائحة فمل يبق له حق ثابت فيها قال (واجز في البذر اشتراك والبقر ... إن كان من ناحية ما يعتمر) يعني إنه يجوز للمتزارعين عقد المزارعة على أ، يكون البذر والبقر مشتركاً بينهما ويكون العمل عليهما معاً أو على أحدهما ويكون على الأخر الأرض وهو معنى قوله من ناحية ما يعتمر أي الذي يعتمر يكون من جهة أحدهما فقط ولو كانت الأرض غير رخيصة كما تقدم.
وإن كان على أحدهما الأرض والبقر والبذر على الأخر عمل ايد فقط وهي مسئلة الخماس فأجازها بعض العلماء للضرورة ومنعها ءاخرون وبجوازها جرى العمل في القطر الأفريقي (وقوله) من ناحية بالتنوين خبر كان مقدم على أسمها وما أسمها وجملة يعتمر من الفعل ونائب الفاعل صلة ما الواقعة على الأرض قال (والزرع للزارع في أشياء ... ورب الأرض يأخذ الكراء) (كمثل ما في الغصب والطلاق ... وموت زوجين والاستحقاق) يعني أن من زرع أرض غيره وحده فأن الزرع يكون له ولرب الأرض كراء أرضه على تفصيل بيانه في أشياء مذكورة في أبواب متفرقة منها من غصب أرضاً أو تعدي على منفعتها وزرعها ولم يقم ربها حتى فات وقت الزراعة فعليه كراؤها لربها وإن قام عليه قبل فوات الوقت فإن كان الزرع لم ينبت أو نبت ولا ينتفع به أخذه رب الأرض بلا شيء وإن كان ينتفع به فرب الأرض مخير بين أن يأمره بقلعه أو يبقيه لنفسه ويدفع للزراع قيمته مطروحاً بعد إسقاط أجرة حصده وقيل الزرع لرب الأرض مطلقاً بلا شيء ولو فات وقت الابان لأن الغاصب ظالم والظالم لا حق له.
ومنها من أمتعته زوجته أرضاً فزرعها ثم طلقها أو مات عنها فالزرع له فات الوقت أو لم يفت نبت أو لم ينبت وفي الكراء إذا لم ييبس الزرع لباقي المدة الخلاف المتقدم في باب الكراء.
ومنها من استحقت من يده أرض بعد أن زرعها بشبهة ملك بأن

الجزء: 3 - الصفحة: 183

اشتراها أو ورثها أو وهبت له ولم يعلم بغصبها أو جهل حاله ولم يفت وقت الزراعة فالزرع له وعليه كراء هذه السنة فقط (وأما) بعد فوات الأبان فالزرع له ولا كراء عليه وهذا هو الفرق بين ذي الشبهة والغاصب قال بمرام في الشامل ولا شيء لمستحقها في زرع ذي شبهة ونحوه وأن فات أبانه وإلا فله كراء سنة اهـ قال (والخلف فيه هاهنا أن وقعا ... ما الشرع مقتض له أن يمنعا) (قيل لذي البذر أو الحراثة ... أو محرز لأثنين من ثلاثة) (الأرض والبذر والاعتمار ... وفيه أيضاً غير ذاك جار) يعني أن أهل المذهب أختلفوا في الزرع لمن يكون إذا وقعت المزارعة ممنوعة على ثلاثة أقوال قيل يكون الزرع لصاحب البذر ويؤدي لغيره قيمة ما أخرجه وقيل للذي حرث الأرض وقيل لمن حصل على أثنين من ثلاثة وهي الأرض البذر والحرث وهو القول الراجح (وقوله) الأرض والبذر والاعتمار الثلاثة بالجر بدل من ثلاثة وضمير فيه في الموضعين يعود على الزرع وضمير له عائد على ما الواقعة على عقد المزارعة قال (وقول مدع لعقد الأكترا ... لا الأزدراع مع يمين أوثرا) يعني أن رب الأرض والعامل إذا اختلفا في كيفية العقد فأدعى أحدهما أنه وقع على وجه الاكتراء وأدعى الآخر إنه وقع على وجه الأزدراع فالقول قول من أدعى الاكتراء بيمينه وسواء كان هو رب الأرض أو العامل وله قلب اليمين على صاحبه على نحو ما تقدم وقوله أوثرا بضم أوله وألفه للإطلاق أي روي عن ابن القاسم قال (وحيث زارع ورب الأرض قد ... تداعيا في وصف حرث يعتمد) (فالقول للعامل واليمين ... وقلبها إن شاء مستبين)

الجزء: 3 - الصفحة: 184

يعني أن العامل وصاحب الأرض إذا اخلتفا في صفة الحرث الذي دخل عليه العامل وأعتمد عليه في خدمته فقال رب الأرض إن العامل دخل على أن يحرث الأرض ثلاث مرات وقال العامل؟ ؟ ؟ دخل على أن يحرثها مرتين ولم تكن لواحد منهما بينة ولا عادة في ذلك فالقول للعامل بيمينه وله قلبها وقوله يعتمد مبني للنائب أي يقصد والجملة من الفعل ونائبة صفة لحرث ثم قال

﴿فصل في الشركة﴾

فيها ثلاث لغات إحداها وهي الفصحى على وزن نعمة ويليها على وزن تمرة ودونهما على وزن نبقة (والأصل) في مشروعيتها الكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى وأعلموا إنما غنمتم من شيء فإن الله خمسه الآية والأربعة الأخماس بين الغانمين على الشركة بينهم (وقال) تعالى حكاية عن أصحاب الكهب فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتنكم برزق منه وليتطلف.
وأما السنة فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يقول أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهم وفي رواية من بينهما (قال) ابن راشد حقيقتها معلومة.
وحكمها الجواز وحكمة مشروعيتها التنبيه على التعاون والتواصل اهـ (وأركانها) ثلاثة (الأول) الصيغة وهي لفظ أو ما يقوم مقامه يدل على أذن كل في التصرف ويكفي قولهما اشتركنا إذا فهم المقصود عرفا (والثاني) العاقد ويتناول كل واحد من الشريكين ويشترط فيه أن يكون من أهل الوكالة (والثالث) المشترك وهو المعقود عليه وهو إما مال كما في ءاية أصحاب الكهف وإما أبدان كما في ءاية الغنيمة وأما صالح لهما كما في الحديث ولكل واحد منهما أقسام وقد شرع الناظم في بيانها فقال (شركة في مال أو في عمل ... أو فيهما تجوز لا لأجل) (وفسخها إن وقعت على الذمم ... ويقسمان الربح حكم ملتزم)

الجزء: 3 - الصفحة: 185

يعني أن الشركة على أربعة أقسام (الأول) أن تكون في المال وهي إما شركة مغارسة أو مزارعة وقد تقدم الكلام عليهما أو مضاربة مأخوذه من الضرب في الأرض قال الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض الآية وهو القراض الآتي ذكره في الفصل بعد هذا (وإما) شركة مفاوضة وهي أن يطلق كل واحد من الشريكين التصرف لصاحبه في المال الذي أخرجاه يفعل فيه ما يشاء من أنواع المتاجر كلها غيبة وحضوراً وتكون يد كل واحد منهما كيد صاحبه فما فعله أحدهما يكون لازماً لصاحبه إذا كان عائداً على شركتهما بمصلحة وله أن يتبرع باليسير ويعير الشيء الخفيف للإستجلاب (وإما) شركة عنان بكسر العين وفتحها وهي التي لم يقع فيها إطلاق التصرف لكل واحد منهما بإنفراده بل شرط كل واحد على صاحبه أن لا يتصرف إلا بحضرته وموافقته وسميت بهذا الإسم لأن كل واحد من الشريكين قد صاحبه بالشرط وأخذه بيده أخذاً معنوياً فهي مأخوذه من عنان الدابة وهو اللجام (والثانية) الشركة في العمل وهي شركة الأبدان وسيأتي الكلام على شرطها في قول الناظم وحيثما يشتركان في العمل البيت (والثالثة) الشركة في المال والعمل معاً كان يخرجا مالا ويشتريا به ملفاً ونحوه ويخيطانه جبائب وبرانس ونحوهما ويبيعانها مخيطة وهكذا وهي إما مطلقة أو مقيدة كما مر.
وأن الشركة في هده الأقسام الثلاثة تكون لغير أجل لا لأجل لأن كل واحد منهما له أن يحل عن صاحبه ويقاسمه فيما بين أيديها من عين وعرض وغيرهما متى شاء كما في النهاية وحينئذ فلا فائدة في ضرب الأجل لعدم لزومه شرعاً (فرع) وفي ابن سلمون وسئل بعض فقهاء الشورى عن الرجل يجعل ديكا ويجعل الأخر دجاجة ويشتركان في الفلاليس فقال لا يجوز ذلك لأنهما لا يتعاونان على الحضانة قال فإن جعل أ؛ دهما حمامة أنثى والأخر ذكراً جازت الشركة لأنهما يتعاونان على الحضانة اهـ (والرابعة) شركة الذمم وهي شركة الوجوه على أحد التفسيرين فيها وهي أن يشتري الشريكان سلعة بلا مال والمشترى بينهما يقتسمان ربحه فإن وقعت على هذا الوجه فسخت لأن فيها ضماناً بجعل وإذا فسخت

الجزء: 3 - الصفحة: 186

فإن ما أشترياه يكون ربحه بينهما عل ىما تعاقدا عليه وخسارته عليهما كذلك.
وقوله وفسخها مبتدأ وقوله حكم ملتزم صفة وموصوف خبره (فرع) وفي الحطاب إذا قال رجل لأخر أقعد في حانوت وأنا ءاخذلك متاعاً تبيعه ولك نصف ما ربحت أو ثلثه لم يصلح ذلك فأن عملا عليه كان للذي في الحانوت أجر مثله ويكون الربح كله للذي أجلسه في الحانوت اهـ (ثم) شرع يتكلم عل ىما تجوز فيه الشركة وما لا تجوز فقال (وإن يكن في العين ذاك اعتمدا ... يجزان الجنس هناك أتحدا) يعني أن الأشتراك في الذهب والفضة يجوزان أتحد جنسهما كان يخرج هذا ذهبا وهذا ذهبا أو يخرج هذا فضة وهذا فضة بالإتفاق (وفهم) من قوله أن الجنس أتحد إنه لا يجوز مع أختلاف الجنس وهو كذلك على المشهور لأنه صرف وشركه وإذا لم يجز البيع مع الشركة كما تقدم فالصرف أولى بعدم الجواز ورجح جماعة من الفقهاء مقابله بدليل مالوا خرج هذا ذهبا وورقا وأخرج الأخر مثله ذهبا وورقا فإنه جائز اتفاقاً.
وقوله وإن يكن بالتحتانية فيه ضمير يعود على الإشتراك ويجوز ضبطه بالفوقانية وضميره يعود على الشركة والأول أولى لأنه أتى بإسم الإشارة بلفظ المذكر وقوله في العين ففي بمعنى الباء قال (وبالطعام جاز حيث أتفقا ... وهو لمالك بذاك متقى) يعني أ، الأشتراك بالطعام المتفق جنساً وصفه جائز عند ابن القاسم قياساً على الدنانير والدراهم فكما أغتفر فيها يغتفر في الطعامين وعند مالك لا يجوز وعبر عنه بقوله متقى لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه لأن كل واحد باع نصف طعامه بنصف طعام صاحبه ولم يحصل قبض حسا وابن القاسم لا يشترط أن يكون القبض حسياً بل القبض الحكمي وهو المناجزة يكفي عن الحسي.
ومفهوم قوله حيث أتفقا ان الطعامين إذا لم يتفقا جنساً أو صفة كان الإشتراط ممنوعاً وهو كذلك باتفاق

الجزء: 3 - الصفحة: 187

مالك وابن القاسم وإجازة سحنون إن اتفقا كيلا وقيمة.
وفاعل جاز ضمير يعود على الإشتراك وقوله وهو مبتدأ ومتقى أي ممنوع خبره والمجروران متعلقان به والإشارة بذاك راجعة للطعام المتفق قال (وجاز في العرض إذا ما قوما ... من جهة أو جهتين فأعلما) يعني أن الأشتراك بالعرض منجهة ومن جهة أخرى عين أو طعام بالعرضين من الجهتين وسواء كانا متفقين أو مختلفين إذا قوم ما أخرجه كل واحد من الشريكين في جميع ما ذكر والخسارة بقدر القيمة جائز وقول الناظم (كذا طعام جهة لا يمتنع ... وعين أو عرض لدى الأخرى وضع) معناه أن الإشتراك يجوز بالطعام من جهة وبالعين أو بالعرض من جهة أخرى وهذا البيت فيه شبه تكرار مع قوله في البيت قبله وجاز في العرض الخ وقوله لدى الأخرى متعلق بوضع وإنما لم يقل وضعا بألف التثنية لأن العطف باو وهو لا تجب فيه المطابقة قال (والمال خلطه ووضعه بيد ... واحد أو ف الأشتراك معتمد) يعني أن المال الذي أخرجه الشريكان يجب خلطه حسا كخلط دنانير بدنانير أو دراهم بمثلها أو حكما بأن يكون المال في حوز واحد أو في حوزهما معا بأن يجعلا المالين في بيت واحد ويقفلا عليه بقفلين وإن متفقين وبيد كل واحد منهما مفتاحه هذا معنى قوله أو في الإشتراك معتمد ثم أن خلط المالين ولو حكما إنما هو شرط في حصول الضمان منهما لأانه شرط في صحة الإشتراك فإن صحتها لا تتوقف عليه فإن لم يحصل خلط لا حقيقة ولا حكما فإن التالف منهما يكون من ربه وحده وما أشتري من السلع بالسالم يكون بينهما للزوم الشركة بالعقد على المشهور وعلى الذي تلف ماله نصف ثمن المشتري بالسالم إن كانت الشركة بالنصف وإلا لزمه بقدر حظه (فرع) سئل بعض العلماء عن ثلاثة أخوة فتحوا حانوتاً للتجارة بمالهم

الجزء: 3 - الصفحة: 188

فكان أحدهم بلي البيع والشراء حتى مات عن بنات وأخويه المذكورين فكان أحدهما بلي فيه التبايع حتى مات عن بنتين والأخ المذكور يتجر فيه كذلك وزاذ المال بيد هذا الأخير منهم فأخذ في شراء الجنات والفدادين وأولاد أخويه صغار في حضانته فأجاب بأن ما زاد من المال المدخول في الحانوت بينهم لأنهم قصدوا شركة المفاوضة في كل شيء وإن جميع ما أشتراه أحدهم يدخل فيه إشركاه وورثة الميت منهم بمنزلة أبيه حتى يقع القسم ومن أدعى منهم إنه قد أختص بما قولاه بالشراء من بعض الأملاك فلا ينفذ له لأنه مأذون له في المال ومن إذن له في حركة المال فلا يستبد بالربح ويكون الخيار للورثة بعد الرشد في الشركة وأخذ حصتهم من الثمن هذا إذا أدخلوا جمي عمالهم في الحانوت إما إذا لم يدخلوا جميعه بأن أبقى أحدهم أو كلهم لنفسه شيئاً من المال تحت يده أو كان قد استفاد شيئاً من المال بعد العمل في الشركة يعرف ذلك بالبينة فالقول قول متولي الشراء إن ثمتن ذلك ليس من مال الشركة بيمينه إن لم يقصد إدخاله في الشركة ويختص به عن إشراكه وكذلك إذا وقعت الشركة بين جماعة بالكتابة إذ لا فرق بينهما كما في المعيار ثم قال (وحيثما يشتركان في العمل ... فشرطه إتحاد شغل ومحل) يعني أن شركة العمل يشترط في جوازها شروط منها أن تكون الصنعة متحدة كنجارين ونساجين أو كان بين الصنعتين تلازم كغزال ونساج لا إن كانتا متباينتين كحداد ونساج فإنها لا تجوز (ومنها) أن يكون محلهما متحداً على القول المشهور المعمول به (ومنها) أن يتساويا في السرعة والإتقان أو يتقاربا وإلا فلا تجوز إلا إذا كان الربح بينهما على قدر عملهما فإنه جائز (ومنها) أن يكون إشتراكهما للتعاون على ترويج خدمتهما وكثرة الدخل لا على مجرد الخلطة للصحبة والإنس (ومنها) الإشتراك في ءالة العمل إما بملك أو بإكتراء من الغير وأما لو أخرج كل واحد ءالته أو كانت من عند أحدهما وءاجر شريكه نصفها فقيل بالواز وقيل بعدمه إبتداء لما في ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 189

من الجمع بين عقدين لا يجوز الجمع بينهما كما تقدم ويصح بعد الوقوع على القول المعتمد قال (وحاضر يأخذ فائداً عرض ... في غيبة فوق ثلاث أو مرض) يعني أن أحد الشريكين إذا غاب أو مرض في شركة العمل فإن كان تخلفه ثلاثة أيام فأقل فإنه يلغى وما يحصل للحاضر في غيبة شريكه أو مرضه يكون بينهما على ما وقع عليه الإتفاق لحقة الأمر في ذلك وإن كانت أكثر من ثلاثة أيام وهو منطوق الناظم فلا إلغاء ويختص به الحاضر هذا ظاهر كلامه وفي الحطاب إن الأجرة التي استفادها الحاضر تكون بينهما وللعامل على الغائب ونحوه أجر عمله.
وقوله وحاضر.
أي وعامل حاضر قال (ومن له تحرف أن عمله ... في غي روقت تجره الفائد له) يعني أ، أحد الشريكين في العمل إذا عمل بحرفته وصنعته في غير وقت العمل الذي يعمل فيه مع شريكه فإن ما أستفاده من ذلك يكون له وحده ثم شرع يتكلم على القراض الموعود بذكره فقال

﴿فصل في القراض﴾

وهو بكسر القاف مشتق من القرض وهو القطع سمي بذلك لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح وهذا إسمه عنذ أهل الحجاز ويقولون في كتبهم كتاب القراض وأهل العراق يسمونه مضاربة ويقولون في كتبهم كتاب المضاربة أخذوا ذلك من قول الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض وذلك أن الرجل في الجاهلية يدفع إلى الرجل ماله على الخروج به إلى الشام وغيرها فيشتري به المتاع على أن يأخذ جزءاً من ربحه فلما جاء الإسلام أقره النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا خلاف بين المسلمين في جوازه وهو رخصة مستثنى من الإجارة المجهولة ومن سلف جر

الجزء: 3 - الصفحة: 190

نفعاً للضرورة الداعية إليه إذ ليس كل أحد يقدر على تنمية ماله والتصرف فيه بنفسه (وعرفه) الإمام ابن عرفة بقوله تمكين مال لمن يتجربه بجزء من ربحه لا بلفظ الإجارة فيدخل بعض الفاسد كالقراض بالدين والوديعة ويخرج عنها قولها ومن أعطى رجلاً مالاً يعمل به على أن الربح للعامل ولا ضمان على العامل لا بأس به اهـ. واحترز بقوله بجزء من ربحه من الإجارة وإلا بضاع وهو أن يعطي الرجل ماله لأخر ليتجر له به على أجرة وكذا الشركة لأن الربح فيها نشأ عن المالين فلم يأخذ كل واحد منهما إلا ربح ماله وأشار الناظم إلى تعريفه وبيان ما يلزم به فقال (إعطاء مال من به يتاجر ... ليستفيد دافع وتاجر) (مما يفاد فيه جزءاً يعلم ... هو القراض ويفعل يلزم) يعني أن للقراض في إصطلاح الفقهاء هو إعطاء رجل مالاً لأخر يعمل به على وجه التجارة ليستفيد كل منهما جزءاً معلوماً كنصف أو ربع من ربحه بعد تحصيل رأس المال وإنه لا يلزم إلا بالشروع في العمل بسفر او انفاق المال في التجارة وإما قبل الشروع في العمل فلا يلزم ولكل واحد منهما فسخه ويرد العامل المال الذي قبضه ولو تزود للسفر ولما كان قوله إعطاء مال يشمل العروض والعين الغائبة والجزاف مع أن القراض بها لا يجوز نبه عليه بقوله (والنقد والحضور والتعيين ... من شرطه ويمنع التضمين) (ولا يسوغ جعله إلى أجل ... وفسخه مستوجب إذا نزل) (ولا يجوز شرط شيء ينفرد ... به من الربح وإن يقع يرد) يعني أن القراض يتشرط في صحته أن يكون بالنقد المسكوك الحاضر المعين قدره كمائة أو ألف لا بالعروض والطعام ونحوهما ولا بغير المسكوك من النقدين إن وجد وإلا فيجوز أن تعومل به (قال) النفراوي عند قول الشيخ وقد رخص فيه بنقار

الجزء: 3 - الصفحة: 191

الذهب والفضة والنقار بكسر النون القطع الخالصة من الذهب والفضة ومثلها التبر والحلي فأن حكم الجميع واحد في الجواز أن تعومل بها قال والحاصل إن غير المضروب من تبر ونقار وحلى لا يجوز جعله رأس مال إلا بشرطين التعامل به في بلد العمل وعدم وجود المسكوك وإن وقع شيء من ذلك رأس مال مع فقد الشرطين أو أحدهما مضى بالعمل وقيل بمجرد تمام العقد اهـ ولا يجوز القراض بالدين في الذمة وسواء كان على العامل أو على غيره فإن كان على العامل فإنه يبقى ديناً في ذمته والربح له والخسارة عليه وإن كان على غيره فله أجر مثله في إستخلاصه وقراض مثله في ربحه بعد الوقوع ولا يصح بالزاف لأن الجهل بمقدار المال يؤدي إلى الجهل بالربح وهذا يغني عنه قوله فيما تقدم جزءاً يعمل.
ولا يجوز في القراض إشتراط بضمان رأس المال على العامل عند التلف أو الخسارة أو عدم تصديقه إذا ادعى تلفه فإن وقع على هذا الشرط بطل الشرط فقط وقوله مقبول لأنه على الأمانة حتى يثبت خلافها ويكون فيه على قراض المثل إذا وقع على الضمان أو الخسارة ولا يجوز فيه ضرب الأجل كان يقول للعامل أعمل به سنة من الآن ولا تعمل به بعدها لأن الآجل ينافي ما جاء به فيكون مخرجاً له عن أصله ولا يجوز فيه إشتراط شيء من الربح ينفرد به العامل أو رب المال فإنه يرد وتقدم مثله في المساقاة وقوله وفسخه مبتدأ والضمي رالمضاف إليه يعود على العقد بشرط التضمين والأجل وعدم النقد والحضور الخ ومستوجب بفتح الجيم خبره ثم شرع يتكلم على اختلاف رب المال وعامل القراض فقال (والقول قول عامل أن يختلف ... في جزء القراض أو حال التلف) (كذاك في إدعائه الخسارة ... وكونه قراضاً أو إجاره) يعني أن رب المال وعامل القراض إذا اختلفا بعد الشروع في العمل فقال العامل أخذت المال على النصف من ربحه وقال رب المال بل أخذته مني على الثلث ولم تكن بينة فالقول للعامل إذا أدعى ما يشبه بيمينه وله قلبها على نحو ما تقدم وكذلك يكون

الجزء: 3 - الصفحة: 192

القول قول العامل في دعوى تلف المال والخسارة إذا بين الوجه ولم يظهر كذبه وإلا ضمن ولو قال ربن المال هو بضاعة بأجر وقال العامل هو قراض أو بالعكس فالقول للعامل بيمينه (تنبيه) لم يتكلم الناظم على حكم اختلافهما في الرد وعدمه كان يقول العامل رددته لربه ويقول ربه لم يرده إلى فالقول قول العامل بيمينه إن قبضه بغير إشهاد إما إذا قبضه بإشهاد للتوثق كما هو موجود اليوم فإنه لا يصدق ولا على رب المال اليمين في عدم القبض ولرب المال قلبها عليه قال (وليس للعامل في غير السفر ... نفقة والترك شرط لا يقر) يعني أن العامل لا يجوز له أن ينفق من مال القراض إلا في السفر وإما في الحضر فلا يجوز له ذلك فإن شرط رب المال على العامل أن لا ينفق منه في السفر مع أنه يحمل الإنفاق منه فإنه لا يجوز ولا يثبت القراض به وهو معنى قوله لا يقر وللعامل أجر مثله بعد العمل.
وقوله والترك شرط راجع لمفهوم قوله في غير السفر وإما في السفر فإنه ينفق منه وشرط ترك الإنفاق منه والحالة ما ذكر مفسد للعقد وإذا فسد فإنه لا يغر قال (وعند ما مات ولا أمين في ... وراثة ولا أتوا بالخلف) (رد لصاحبه المال ولا ... شيء من الربح لمن قد عملا) (وهو إذا أوصى به يصدق ... في صحة أو مرض يستوثق) يعني إن عامل القراض إذا مات ولم يكن في ورثته أمين يكمل العمل في المال ولا أتى ورثته بأمين عارف يخلفه فإن المال يرد إلى ربه ولا شيء لورثته من الربح في مقابلة ما عمله مورثهم ومفهومه إن لو كان فيهم أمين ولو دون مورثهم في الأمانة أو أتوا بأمين أجنبي ثمل مورثهم فيها وكان عارفاً بأحوال التجارة فإن الورثة يقضى لهم بإتمام العمل ويستحقون ما كان لمورثهم وهو كذلك.
وأن العامل إذا أوصى بإن عنده مالاً قراضاً لفلان ثم مات فإنه يصدق في ذلك ويخرج من رأس ماله وسواء

الجزء: 3 - الصفحة: 193

أوصى به في حال الصحة أو في حال المرض وظاهره إنه يصدق سواء عين المال أو لم يعين وسواء عرف أصل القراض أو لم يعرف كان عليه دين أو لا وهو كذلك على تفصيل فيه انظره في شرح التسولي (تنبيه) قال الشيخ ميارة ومن هلك وعليه قراض أو عنده وديعة لم يوجد في أمتعته ولا أوصى به فإن ذلك يكون في ماله ويحاصص به غرماءه قال البرزلي ولا يقضي على التركة بالربح إلا أن يتحقق اهـ قال (وأجر مثل أو قراض مثل ... لعامل عند فساد الأصل) يعني أن القراض إذا وقع فاسداً وعثر عليه بعد العمل فإن الواجب فيه الرجوع إلى أجر المثل أو قراض المثل والفرق بينهما أن أجر المثل في ذمة رب المال وقراض المثل في الربح فإن لم يكن ربح فلا شيء له وأجر المثل يحاصص بها الغرماء وقراض المثل يقدم فيه عليهم.
وقد ضبطت الصور التي يكون فيها قراض المثل في إحدى عشرة صورة كما في إبن راشد وإبن عرضون وغيرهما.
وهي القراض بالعروض والقراض بجزء مبهم.
والقراض إلى أجل.
والقراض على إنه لا يشتري إلا سلعة كذا مما لا يكثر وجوده وأشترى غير ما أمر به.
والقراض بدين يقبضه العامل من أجنبي ويتجر به.
والقراض على الضمان.
والقراض على أن يشتري عبد فلان ثم يبيعه ويتجر بثمنه.
والقراض على إنه يعطيه دنانير فيصرفها ثم يتجر بثمنها.
والقراض على أن يعطيه مالاً ليخرج به إلى بلد يشتري به متاعا.
وزيد عليها مسئلة الكتاب التي ليست من القراض الفاسد وهي إذا أختلاف في جزء من الربع وأتيا بما لا يشبه.
والذي حكاه ابن مغيث وأبو الحسن المتيطي أن قراض المثل في القراض الفاسد في أربعة مواضع لا غير وهي القراض بالعروض (أو) بالجزء المبهم (أو) أجل (أو) بضمان وما عدا هذه الأربعة ففيه أجر المثل وقد نظمت جميعاً على هذا الترتيب فقلت ولجر مثل في القراض إن فسد ... إلا في صورة وعشر قد ورد

الجزء: 3 - الصفحة: 194

يكون فيها بقراض مثله ... ككونه بعرض أو لجهله أو كان محدودا بوقت قدراً ... أو يشتري غير الموصوف للشرا أو كان بالدين الذي من أجنبي ... يقبضه أو بضمانه أبي أو يتشري عبداً لزيد قد عقل ... والتجر في ثمنه فقد حظل أو كان لا يبتاع إلا لاجل ... ثم أشترى بالنقد هكذا نقل أو كان في المال شريكاً يعتبر ... أو يعمل الصرف وفيه يتجر أو ياخذ المال على شرط السفر ... لبلدة يبتاع ما فيه نظر فمنع ذا من جهة التحجير ... لأنه ينقاد كالبعير ومثلها مسئلة الخصام ... في قد رجزء الربح للإمام وقد نفى قولهما المقام ... فهذه الغاية والتمام حمداً لربي الواحد القدير ... نسأله تكملة الأخير الحمد لله يقول كاتب هذا الكتاب فقير ربه عثمان بن المكي قد تم بإعانة الله تعالى الجزء الثالث من شرحي توضيح الأحكام على تحفة الحكام في سابع عشر ذي القعدة الحرام من عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة وألف من هجرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام

الحمد لله على أفضاله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحابته والناسجين على منواله هذا وأن النظارة العلمية قد اطلعت على ما كتبه الفاضل الزكي العالم المدرس الشيخ السيد عثمان بن المكي عل ىرجز ابن عاصم المسم ىبتحفة الحكام من البيوع إلى الحبس فألفته حسناً في بابه نافعاً لراغبيه وطلابه فلذا شكرت مؤلفه على حسن صنعة وأذنت له في نشره وطبعه رجاء لتعميم نفعه وكتب بالنظارة العلمية بالجامع الأعظم أدام الله عمرانه في يوم السبت 10 من حمادي الأولى سنة 1338 الموافق ليوم 31 من جانفي الأفرنجي سنة 1920 صح أحمد بيرم سالم بو حاجب محمد رضوان محمد الطاهر بن عاشور

الجزء: 3 - الصفحة: 195

لمالكه السعادة والسلامة ... وطول العمر ما غنت حمامه وعز دائم لا ذل فيه ... يصاحبه إلى يوم القيامة الجزء الرابع من توضيح الأحكام على تحفة الحكام تأليف العلامة التحرير والدراكة الشهير الشيخ سيدي عثمان بن المكي التوزري الزبيدي أحد أعيان المدرسين من الطبقة العلياء بجامع الزيتونة الأعظم بتونس عمره الله بدوام ذكره آمين

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف طبعة أولى بالمطبعة التونسية- نهج سوق البلاط عدد 57 - تونس سنة 1339

الجزء: 4 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم﴾ (ولما) فرغ الناظم رحمه الله تعالى من الكلام على المعاوضات وتوابعها شرع يتكلم على التبرعات ولواحقها فقال

﴿باب الحبس والهبة والصدقة وما يتصل بها﴾

أي من الفصول الآتي بيانها.
وابتدأ بالحبس الموقوف رقبته في الوجه الذي يعينه الواقف له لأنه أكثرها ثوابًا فالصدفة والهبة لاشتراك هذه الثلاثة في شرط الحيازة ثم اتبع الهبة بالاعتصار لأنه مخصوص بها عند الإطلاق ثم عطف على ذلك العمري وما ألحق بها من المنحة والاخدام ثم أفرد الإرفاق على حدة وكل ذلك من أنواع الهبة ثم أردفها بالحوز لمناسبته لما سبق من التبرعات لأنه شرط فيها ثم اتبعه بالاستحقاق لتعلق كثير من أحكامه بسبقية الحوز ثم ذكر بعد العارية والوديعة والأمناء فمناسبة العارية

الجزء: 4 - الصفحة: 2

لما سبق من التبرعات ظاهرة ومناسبة الوديعة للعارية في وقوع الضمان فيهما بموجباته واشتباه فصل الأمناء بهما في عدم الضمان بحكم الأمانة ثم الحق بذلك كله فصل القرض لاشتراكه مع أكثر فصول هذا الباب لانتفاع المقترض بما يقترضه من عين أو طعام ونحوهما كما ينتفع به مالكه كذا في الشارح.
ولكل واحد من هذه المذكورات شرح يذكر في محله إن شاء الله تعالى (فأما) الحبس ويعبر عنه بالوقف والصدقة فأبحاثه ثلاثة (الأول) في معناه لغة واصطلاحًا (والثاني) في حكم التحبيس (والثالث) في حكمة مشروعيته (فأما) معناه في اللغة فهو المنع قال صاحب المصباح الحبس أي بفتح أوله وسكون ثانيه المنع وهو مصدر حبسته من باب ضرب ثم أطلق على الموضع وجمع على حبوس مثل فلس وفلوس وحبسته بمعنى وقفته فهو حبيس والجمع حبس مثل بريد وبرد وإسكان الثاني للتخفيف لغة ويستعمل الحبس في كل موقوف واحدًا كان أو جماعة وحبسته بالتثقيل مبالغة وأحبسته بالألف مثله فهو محبوس (وقال) وقفت الدار وقفًا حبستها في سبيل الله وشيء موقوف ووقف أيضًا تسمية بالمصدر ولجمع أوقاف مثل ثوب وأثواب ووقفت الرجل عن الشيء منعته عنه اهـ. (وفي الاصطلاح) عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الوقف مصدرًا إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرًا واسمًا ما أعطيت منفعته الخ (فقوله) مدة وجوده مبني على أن الحبس لا يكون إلا مؤبدًا وإطلاق الحبس على غير المؤبد مجاز عنده كما صرح به في غير هذا فخرج بقوله مدة وجوده العارية والعمرى لأن المنفعة فيهما ليست مدة وجود ذلك الشيء بل العارية تنقضي بانقضاء مدتها والعمرى تنقضي بموت المعطى له (وخرج) بقوله لازمًا بقاؤه العبد المخدم ما دام حيًا يموت قبل موت سيده لأنه غير لازم بقاؤه في ملك معطيه لجواز بيعه برضى المعطي مع معطاه.
وأما إن مات سيده قبله فإنه يبطل إخدامه ويرجع لورثة السيد كما في الحطاب.
وقوله في ملك معطيه أي على المشهور ففي المقري وغيره وقف المساجد إسقاط إجماعًا كالعتق لا ملك لأحد فيها لقول الله تعالى وإن المساجد لله فلا تدعوا مع

الجزء: 4 - الصفحة: 3

الله أحدًا.
ولأنها تقام فيها الجماعات والجمعة والجمعة لا تقام في المملوكات أما وقف غيرها فهل يسقط أصل ملكه أو لا يسقطه وهو ظاهر المذهب خلاف.
وقوله ولو تقديرًا قال الاجهوري يحتمل ولو كان الملك تقديرًا ويحتمل ولو كان الإعطاء تقديرًا فالأول كقوله إن ملكت دار فلان فهي حبس.
والثاني كقوله داري حبس على من سيكون وعلى هذا فالمراد بالتقدير التعليق.
وقال عمر الفاسي قول ابن عرفة ولو تقديرًا كان الصواب إزالة ولو والله أعلم أهـ (قلت) ويوضح هذا قول الزرقاني عند قول المصنف والملك للواقف لا الغلة الخ فالمراد بالملك في جميع ذلك في شيء خاص وهو ما أشار له بقوله فله ولوارثه منع من يريد إصلاحه لا الملك الحقيقي اهـ (راما حكمه) فهو جائز عند أكثر العلماء فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس سبع حوائط وحبس عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعبد الله ابن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين دورا وحوائط واستشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أصبت مالا لم أصب أعجب إلي منه وأريد أن أتصدق به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس الأصل وسبل الثمرة (فكتب) هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على الفقراء وذوي القربى وفي سبيل الله وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف (وقد) قيل لمالك إن شريحا كان لا يرى الحبس ويقول لا حبس عن فرائض الله تعالى فقال مالك تكلم شريح ببلدة ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم وهلم جرا إلى اليوم وما حبسوا من أموالهم لا يطعن فيها طاعن وهذه صدقات النبي صلى الله عليه وسلم سبع حوائط وينبغي للمرء أن لا يحكم إلا فيما أحاط به خبرا.
وبهذا احتج مالك رحمه الله لما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد فقال هذه أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقاته ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن فقال حينئذ أبو يوسف رحمه الله كان أبو حنيفة يقول إنها غير جائزة وأنا

الجزء: 4 - الصفحة: 4

أقول إنها جائزة فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة رضي الله عنه إلى الجواز (وأما) حكمة مشروعيته فلتكثير الأجر وعموم النفع فهو من التبرعات المندوبة إذا كان على الوجه الشرعي (قال) الله تعالى وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا (وقد) نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جاربة أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (قال) الغزالي وليس الصدقة الجارية إلا الوقف (واعلم) إن مسائل هذا الباب كلها ترجع إلى قسمين أركان ولواحق فأما الأركان فأربعة (الركن الأول) المحبس وشرطه إن لا يكون مكرهًا عليه.
وأن يكون من أهل التبرع بما يريد تحبيسه فتدخل الزوجة والمريض في الثلث ويخرج المحجور عليه في القليل والكثير ولو أذن له حاجره كخروجهما فيما زاد على الثلث إلا إذا أجازه الزوج أو الوارث فأنه يلزم (فرع) لو حبس ذمي دارًا مثلًا على مسجد فإنه لا يصح لأن هذه الجهة يجب أن تخص بأفضل الأموال وأطيبها وأموال الكفار أبعد الأموال عن ذلك فيجب أن تنزه عنها المساجد كذا في ابن راشد نقلًا عن منتقي الباجي (الركن الثاني) الحبس وإليه أشار الناظم بقوله (الحبس في الأصول جائز وفي ... منوع العين بقصد السلف) يعني أن تحبيس الأصول جائز وذلك كالأراضي والديار والحوانيت والحوائط والمساجد والمقابر والطرقات والمصانع التي هي مجمع ماء المطر والآبار والقناطر لا ما كان كالمقطع فإنه لا يجوز تحبيسه لأنه لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه ولا يمكن خلفه فلا يبقى فيه حق للواقف كذا في المعيار هذا إذا كان الأصل غير شائع بل ولو كان شائعًا لا يقبل القسمة فإنه يجوز تحبيسه على القول المعمول به (قال) الزرقاني وعلى الصحة يجبر الواقف على البيع إذا طلبه شريكه ويجعل الواقف ثمن حصته في مثل وقفه وهل يجبر أم لا قولان اهـ وسيأتي تحبيس المشاع في كلام الناظم مشروحًا وكذلك

الجزء: 4 - الصفحة: 5

يجوز تحبيس الدنانير والدراهم لقصد السلف بشرط أن توضع تحت يد أمين بإشهاد على أن يسلفها لمن احتاج إليها بمن كان مليًا أما برهن أو حميل احتياطًا أو بلا شيء بحسب ما يراه الذي وضعت تحت يده (وقوله) الحبس بسكون الباء لغة كما مر.
وقوله منوع العين من إضافة الصفة إلى الموصوف أي العين المنوعة إلى ذهب وفضة (تنبيه) يشترط في صحة ما أريد تحبيسه أن يكون مملوكًا ذاتًا أو منفعة بان كان بكراء وسواء كانت مدة كرائه محدودة فإذا انقضت يرجع ملكًا لصاحبه أو كانت غير محدودة وهو ما كان على وجه الإنزال على القول المعمول به كما في البناني وغيره وأما الإنزال فإن كان على أصل حبس كما هو الغالب فلا يصح تحبيسه لأنه حبس والحبس لا يحبس وإن كان على أصل ملك كما يقع في بعض حوانيت السرقة وديار سكنى اليهود بتونس صح تحبيسه كما يصح تحبيس السلاطين إذا كان على وجوه البر وإلا فلا كتحبيس الفضولي لأنه ليس في مقابلة عوض ولو رضى المالك بخلاف البيع ثم قال (ولا يصح في الطعام واختلف ... في الحيوان والعروض من سلف) يعني أن تحبيس الطعام غير صحيح لأن المنفعة فيه هي استهلاك عينه وما درج عليه الناظم في هذا الفرع ضعيف والمذهب جواز الحبس فيه وفي كل ما لا يعرف بعينه إذا غلب عليه لأنه يؤتى بمثله بخلاف المقطع المتقدم فإنه لا يمكن الإتيان بمثله، واختلف المتقدمون رحمهم الله تعالى في تحبيس الحيوان والعروض والمشهور الجواز (وقوله) واختلف بفتح اللام فعل ماض من بفتح الميم اسم موصول فاعله وجملة سلف أي تقدم صلته (والركن الثالث) المحبس عليه وشرطه أن يكون من أهل التملك وهو ما يجوز صرف منفعته له أو فيه فالأول أشار إليه الناظم بقوله (وللكبار والصغار يعقد ... وللجنين ولمن سيوجد) يعني أنه يجوز الحبس على الإنسان مسلمًا كان أو كافرًا غير حربي كبيرًا كان أو صغيرًا غنيًا كان أو فقيرًا وعلى الجنين في بطن أمه وعلى من ليس بموجود أصلا كمن يولد

الجزء: 4 - الصفحة: 6

لزيد وزيد صغير فإنه يصح ويوقف لزومه والغلة إلى أن يولد فيعطاه ويلزم فإن آيس من الحمل أو مات في بطن أمه أو نزل ميتا بطل الحبس ورد لصاحبه ملكا.
وقول بعض العلماء أن الحبس على الحمل لا يجوز لا يعول عليه لجواز الحبس على الأعقاب وأعقاب الأعقاب الذين لم يكونوا بمخلوقين في حين التحبيس فكيف لا يجوز على ما في البطن وقد خلق كذا في المتيطية (والثاني) وهو ما يجوز صرف الغلة فيه وذلك كالمساجد والطرقات لانتفاع المارة بها لا ما لا يجوز صرف الغلة فيه كالكنائس ومجتمعات اللهو فإنه لا يجوز الحبس عليه ولا يصح ففي المعيار (وسئل) أبو إسحاق إبراهيم ابن فتوح عن زاوية محبسة على فقراء الوقت وتعطلت منذ زمان لعدم أصحاب الطريقة وتهدمت ولم يبق منها إلا قاعتها فهل يجوز بيع تلك القاعة وصرف ثمنها فيما هو لله تعالى من سبل الخيرات أو تترك على حالها إلى قيام الساعة أو ترد على ورثة من حبسها وعقبة بعد ثبوت ذلك وقد شاع إن امرأة من بني فلان حبستها فترد الآن لمن بقي من عقبها لما في تلك الطريقة بعد موت أصحابها القائمين بها على الحقيقة من البدع والأمور الشنيعة التي لا تجوز شرعًا وتنسب لأصحابها الذين لم يبق منهم إلا أخبارهم فيكون التحبيس باطلا لبطلان ما حبس عليه إذ ليس تلك الطريقة في الوقت كطريقة أربابها الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الصفة ومن بعدهم رضي الله عنهم (فأجاب) والله الموفق إنه إذا كان ما حبست عليه مما لا يجوز شرعًا فاللازم على هذا بطلان التحبيس وإذا كان التحبيس باطلًا كان باقيًا على ملكه أعني على ملك المحبس وإذا كان كذلك ورث عنه ما لم يخرج على ملك مالكه اهـ والصفة على وزن غرفة جانب من المسجد النبوي كالمجنبة عندنا بتونس (والركن الرابع) الصيغة نحو حبست ووقفت والأنسب الجمع بينهما لقول بعضهم أن حبس لا يدل على التأبيد أو تصدقت إن قارنها ما يدل على التأبيد نحو هذا صدقة على الفقراء لا يباع ولا يوهب أو يغتلونه أو ينفعون بالسكنى فيه أو يكون على غير معين نحو هذا صدقة على فلان وعقبة ومثل الصيغة ما يدل عرفًا على إعطاء المنفعة كالتخلية بين الذات الموقوفة وبين الناس

الجزء: 4 - الصفحة: 7

كالمسجد يبني ويفتح للصلاة فيه وما أشبهه من كل ما كانت منفعته عامة ولا يشترط في الحبس التأبيد بل يصح ويلزم مدة تعيينه سنة مثلًا ثم يكون بعدها ملكًا كما لا يشترط في صحته التنجيز بل يصح فيه الأجل إذا جاء العام الفلاني فداري مثلا وقف على كذا فيلزم إذا جاء الأجل الذي عينه فإن حدث دين على الواقف في ذلك الأجل لم يضر إذا حيز على الواقف في الأجل وكانت منفعته لغيره ولا يصح فيه شرط الخيار بل يبطل الشرط إن وقع ويلزم الحبس ولا يحتاج في إبطاله إلى حكم حاكم كذا في الفائق ولا يشترط فيه صحته قبول مستحقه إذ لو كان شرطا لما صح على الفقراء ونحوهم ولتعذره من المساجد والمقابر والطرقات ونحوها إلا المعين الرشيد فإنه يشترط قبوله حقيقة كأن يقول قبلت أو رضيت ونحوهما كالإشار المفهمة أو حكمًا كما لو قبضه من يد المحبس وصار يتصرف فيه فإنه يجزيء عن اللفظ اتفاقًا ولو لقادر عليه لأن القبض الإنشائي يستلزم القبول عرفا بخلاف ما إذا كان الشيء المحبس تحت يد المحبس عليه كما لو كان عنده بكراء أو وديعة ونحوهما من كل عقد لا تبرع فيه فإنه لابد من القبول حقيقة في جميع التبرعات على القول المشهور المعمول به وقيل لا يلزمه ذلك مطلقًا فإن تمادى على السكوت ولم يصرح بالقبول والمسألة بحالها حتى حصل موت أو تفليس بطل الحبس على المشهور فإن رد المعين الرشيد ولم يقبله جعل حبسًا على غيره باجتهاد الحاكم على القول المعتمد وقيل يرجع ملكا لصاحبه وإن كان المعين غير رشيد فإن وليه يقبله له فإن لم يكن له ولي أقام الحاكم من يقبل له كما يأتي (ولما) فرغ من الكلام على القسم الأول من الباب شرع يتكلم عن القسم الثاني وهو اللواحق وفروعه كثيرة غير محصورة بحد ولا بعد فمنها التنصيص على غلة الحبس وقت التحبيس.
ومنها إخلاء دار السكنى ليتم حوزها.
ومنها الشروط التي تقع في الحبس.
ومنها ألفاظ الحبس.
ومنها الحوز ومن يصح قبضه ومن لا يصح.
ومنها حكم تحبيس الجزء المشاع.
ومنها حكم ما إذا ضاق الحبس على المحبس عليهم.
ومنها بيع المحبس عليه الحبس وما يترتب عليه.
ومنها بيع الحبس إذا صار لا ينتفع به فيما جعل له.
ومنها قسمته للانتفاع وقد ذكرها الناظم على هذا الترتيب فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 8

(ويجب النص على الثمار ... والزرع حيث الحبس للصغار) يعني أن من أراد تحبيس أشجار أو أرض وفيها ثمار أو زرع مأبور وكان المحبس عليه إذ ذلك صغيرا من أولاده بحيث يكون هو الحائز له فإنه يجب على الموثق من جهة الكمال تحصينا لما يكتبه أن ينبه المحبس على لزوم ضم الثمار أو الزرع للحبس ليكون نصا في التناول فيكتبه لتظهر الحيازة للصغار فيكون الحبس صحيحا لا نزاع فيه فإن لم ينص المحبس على أن الغلة الموجودة مع الحبس وغفل الموثق عن ذلك فإن الحبس يتناولها ويصح كذا في ابن رحال فإن شرطه المحبس لنفسه ومات قبل جذ الثمرة أو حصاد الزرع بطل الحبس ورجع ميراثا إن كانت الثمرة أو الزرع أكثر الحباسة كما لو تعددت الأماكن لأنه شغل الحبس بثمره وزرعه فلم تتم الحيازة التي هي شرط في صحته فيكون الموثق قد اخل بصناعته حيث بناها على عقد فاسد فيؤدي ذلك إلى الطعن فيه وإن كانت الثمرة أو الزرع أقل الحباسة كالثلث فأقل نفذ الحبس في الملك دون الثمرة على المشهور المعمول به وقيل يبطل فيما شغله قليلا كان أو كثيرا ويصح فيما لم يشغله قليلًا كان أو كثيرًا وإن كانت النصف بطل الحبس فيما شغله وصح فيما لم يشغله والله أعلم (ومفهوم) قوله للصغار أنه إذا حبس الأصول فقط على الكبار وحازوها بما فيها فإن حيازتهم تامة وإن كانت الثمرة لربها كما لو حبس عليهم دارًا فيها متاع له ويحوزونها وسيأتي إن الصغير إذا حاز لنفسه فحيازته تامة كالكبير هذا كله إذا كان الحبس على الصغار غير دار سكنى المحبس أما إذا كان دار سكناه فلا يجزئ الإشهاد عليهم كما لا يجزئ في حق الرشداء بل لابد من معاينة البينة لها فارغة خالية من شواغله وإلى هذا أشار الناظم بقوله (ومن يحبس دار سكناه فلا ... يصح إلا أن يعاين الخلا) يعني أن من حبس دار سكناه على ولده الصغير فإن حوزها له لا يتم إلا إذا عاين الشهود فراغها من شواغله وأمتعته وإذا أراد سكناها فلا يسكنها إلا بعد عام من

الجزء: 4 - الصفحة: 9

خروجه منها وليكرها له وسيأتي حكم عدم كرائها له فإن رجع إليها قبل مضي العام أو لم يترك سكناها كلها أو جلها وإن بكراء حتى مات أو فلس بطل حبسها وترجع ميراثًا أو للغرماء وأما لو سكن الأقل وأكرى له الأكثر لصح الوقف في جميعها لأن الأقل يتبع الأكثر في الصحة والفساد ولو سكن النصف وأكرى النصف لبطل فيما سكن وصح فيما أكرى هذا حكم تحبيس دار سكناه على ولده الصغير وأما لو حبسها على ولده الكبير وسكن البعض فلا يبطل إلا ما سكن سواء كان قليلًا أو كثيرًا والهبة والصدفة مثل الحبس في جميع ما ذكر.
ومفهوم دار سكناه أن غير دار سكناه إذا سكنها قبل انقضاء العام بكراء فإن الحبس لا يبطل وهو كذلك.
وقوله يعاين فعل مضارع مبني للنائب والخلاء بفتح أوله معناه الفراغ نائب عن الفاعل مرفوع بضمة محذوفة مع الهمزة لضرورة الوزن ثم قال (ونافذ تحبيس ما قد سكنه ... بما كالاكتراء من بعد السنه) (إنه كان ما حبس للكبار ... ومثل ذاك في الهبات جار) يعني أن من حبس دار سكناه على ولده الكبير أو وهبها له وخرج منها وحازها الولد بمعاينة البينة ثم أن المحبس رجع إلى سكناها بعد مضي عام من خروجه بكراء فإن تحبيسها أو هبتها باق على صحته ونفوذه بشرطين الرجوع بكراء وكبر الولد هذا ظاهر كلامه بناء على زيادة ما والكاف في قوله بما كالاكتراء والمشهور المعمول به خلافه وهو إنه إذا رجع إلى سكناها بعد العام فالحيازة تامة والحبس نافذ سواء كان رجوعه بكراء أو غير كراء وسواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا لحصول شهرة حبسيتها (وقوله) ونافذ الخ خبر مقدم وتحبيس مبتدأ مؤخر وهو مضاف وما اسم موصول واقع على العقار الذي وقع تحبيسه مضاف إليه وجملة قد سكنه صلته والمجروران في البيت متعلقان بسكنه (ولما) كان المحبس قد يشترط شروطًا في حبسه وإنها قد تكون جائزة شرعا وقد تكون غير جائزة فتنبني عليها أحكام صحة وفسادا أشار إليها الناظم بقوله

الجزء: 4 - الصفحة: 10

(وكل ما يشترط المحبس ... من سائغ شرعا عليه الحبس) (مثل التساوي ودخول الأسفل ... وبيع حظ من بفقر ابتلى) يعني أن كل اشتراط يشترطه المحبس مما هو جائز بالحكم الشرعي فإن الحبس يجري على ذلك الاشتراط.
ومفهوم قوله من سائغ شرعا إنه إذا اشترط ما لا يسوغ لا يتبع ولو كان مختلفًا فيه وليس كذلك بل فيه تفصيل وهو إنه إذا كان مختلفًا فيه عمل به بعد الوقوع ولو كان لا يجوز ابتداء وإذا كان متفقًا على حرمته فإنه لا يجوز العمل به فتحصل من هذا إن الشروط التي تقع في التحبيس ونحوه ثلاثة أقسام جائز ومكروه وممنوع فمن الجائز اشتراط التساوي بين الذكور والإناث في الغلة وكذا اشتراط أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين أو العكس فإن أطلق حمل على التساوي (تنبيه) إنما يعمل بشرط التضعيف في حق الموجودين من المحبس عليهم وأما بعد انقطاعهم وصيرورة الحبس مرجعا فلا يعمل بشرطه ويجري الحبس على التساوي بين أهل المرجع قال الزرقاني لأن مرجعه ليس إنشاء الواقف وإنما حكم الشرع به عند انقطاع المحبس عليه اهـ هذا إذا سكت عن المرجع ولم يذكر إلا من حبس عليهم أولًا وشرط فيهم شرطه أما لو صرح بهم في حبسه لجرى فيهم شرطه كذا في البناني (ومنه) اشتراط إن من ابتلي بفقر من المحبس عليهم أو المحبس نفسه باع ولابد من إثبات الحاجة واليمين عليها وأنه لا مال له لا ظاهراً ولا باطنًا إلا أن يشترط المحبس أنه مصدق فيها بلا يمين فيعمل به (فرع) حيث أبيح بيع الحبس بالشرط هل يجوز للمحبس أن يشتريه أم لا خلاف والذي أفتى به ابن لبابه وغيره الجواز لأنه يعود إلى ملكه ويصير مالا له يفعل فيه ما أحب وقال أحمد بن بقي ذلك جائز إلا أن فيه علة العود في الصدقة وقاله غيره من أهل العلم كذا في إحباس يحي الحطاب نقلا عن المتيطية (ومنه) اشتراط دخول الأسفل من البنين مع الأعلى وكذلك يدخل إذا كان العطف بالواو فإن عطف بثم فلا يدخل (تنبيه)

الجزء: 4 - الصفحة: 11

قال الحطاب صرح علماؤنا فيما إذا وقف على الأولاد ثم على أولاد أولادهم فإن الأبناء لا يدخلون مع أبائهم قالوا فإن مات ولد من أولاده وله أولاد فإن أولاده يستحقون ما كان لأبيهم ويدخلون في الوقف مع أعمامهم ولا يقال أن أولاد الأولاد لا يدخلون في الوقف إلا بعد انقراض جميع الأولاد هذا هو الصحيح المعمول به وأفتى شيوخنا المتأخرون الذين أدركناهم من أهل مصر وغيرهم بأن قول الواقف الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى إنما يمنع من دخول الولد مع أبيه لا دخوله مع إغمامه ومن في طبقة أبيه فإذا صرح الواقف بدخول الأولاد فلا شك في دخولهم بعد الموت والله أعلم اهـ وقد نظمه صاحب العمل المطلق فقال وإن يك الوقف على الأولاد ... ثم بنيهم فبني الأحفاد دخل فيه ولد الولد مع ... أعمامه خلاف من ذاك منع قال التسولي المراد بقوله ودخول الأسفل أي عدم دخول الأسفل لأنه لو لم يكن هذا مراده لكان الشرط من باب تحصيل الحاصل لأنه يدخل بلا شرط حيث كان العطف بالواو لا بثم اهـ بالمعنى (مسألة) حبس شخص حسبًا على أولاده ثم على أولادهم ثم على أولاد أولادهم أبدًا ما تناسلوا والطبقة العلياء تحجب الطبقة السفلى ثم مات احد أولاده وخلف أولادًا فهل يصير لأولاده أو لبقية طبقته وإذا قلتم إن من مات منهم فنصيبه لأولاده فمات ثاني وثالث ورابع وصار نصيب كل واحد لأولاده ثم انقرض أولاد الواقف كلهم وعاد الوقف لأولاد أولاده فهل يبقى كل أولاد على نصيب والدهم أو يستوون في الحبس على عدد رؤسهم فالجواب أنهم يستوون كأنهم أولاد رجل واحد على القول المعتمد وسواء كان العطف بثم كما هنا ولهذا وقع الخلاف أو كان العطف بالواو ويؤثر ذو الحاجة على غيره ما لم ينص الواقف على خلافه كان يقول رجع نصيبه لولده أو لولد ولده وإن سفل ونحو ذلك مما يشعر اختصاصه به اختص كل واحد منهم بما كان لأبيه اهـ من إحباس يحيى الحطاب باختصار (ومنه) اشتراطه لنفسه قدر الثلث من المساكن في الدار أو من الغلة فيما له غلة ودون الثلث أحسن

الجزء: 4 - الصفحة: 12

ثم يلحق بعد موته بالحبس (ومنه) اشتراطه اعتصار الحبس كما في وثائق القاضي الفشتالي ونقله ابن رحال في الشرح واقره وبه شاهدت الفتوى بالحاضرة (ومنه) اشتراط أن تسلط على الحبس حاكم بما لا يحل شرعا رجع إليه ملكا إن كان حيًا أو لورثته يوم المرجع ملكا.
ومنه اشتراط التبديل والتغيير والإدخال والإخراج كما في الزرقاني وغيره (ومنه) إذا قال داري حبس على فلانة أم ولدي وعلى زوجتي فلانة فمن تزوجت منهما فلا حق لها فتزوجت واحدة منهما يرجع حظها للأخرى فإن طلقها الزوج أو مات عنها رجع حظها إليها بخلاف ما لو قال وقف بينكما ومن تزوجت فلا حق لها فإن من تزوجت منهما رجع حظها للورثة فإن طلقها أو مات عنها رجعت لما كانت تستحقه ولعل الفرق بينهما هو العطف في الأولى ولفظ بين في الثانية كذا في الزرقاني (ومن المكروه) اشتراط بيع الحبس إن وجد فيه ثمن رغبة واشتري غيره فإنه لا يجوز الإقدام عليه ابتداء ويمضي بعد الوقوع والنزول (ومنه) اشتراط إخراج البنات من الحبس مطلقًا أو إذا تزوجن إلى غير ذلك مما يفعله من لا يخاف الله فإنه لا يجوز ابتداء فإن وقع ونزل مضى على القول المعمول به وأما على القول المشهور فإنه حرام لأنه من عمل الجاهلية فيبطل الحبس وحيث جرى العمل بالمضي فلا يعدل عنه إلى غيره على مقتضى القاعدة في تعارض الأقوال (تنبيه) إذا تعارض اللفظ والمقصد هل المنظور إليه اللفظ أو المقصد خلاف والذي رجحه المحققون أن المنظور إليه المقصد لا اللفظ وعليه جواز صرف لفظ المحبس عن ظاهره (قال) الإمام العبدوسي إن ما يغلب على الظن أن لو كان المحبس حيا وعرض عليه لرضيه يجوز إحداثه في الحبس ونظمه مياره في تكميل المنهج المنتخب فقال للقصد جاز فعل ما لو حضرا ... موقفه رءاه أيضًا نظرًا وقال صاحب العمل الفاسي وروعي المقصد في الإحباس ... لا اللفظ في عمل أهل فاس

الجزء: 4 - الصفحة: 13

ومنه كتب حبست تقرأ في ... خزانة فأخرجت عن موقف قال السلجماسي قال ابن رشد إتباع اللفظ دون المعنى خطأ صراح في الفتوى لأن الأحكام منوطة بمعاني الألفاظ دون ظواهرها لأنه يقود إلى الكفر وإلى اللعب في الدين ومنه قوله تعالى فاعبدوا ما شئتم من دونه فظاهره أمر ومعناه النهي والوعيد اهـ. وفي نوازل الأجهوري (وسئل) عن جعل الواقف لمن وقف عليه البيع للحاجة وشرط أن لا يبع إلا من شريكه في الوقف فهل له البيع من غير الشريك مع استقلاله بالوقف أو مع وجود الشريك المفلس (فأجاب) إذا جعل الواقف للموقف عليه البيع للحاجة وشرط أن لا يبيع إلا من شريكه في الوقف وتعذر البيع للشريك أما استقلالًا من احتياجه للوقف أو لفلس شريكه فإن له البيع لأجنبي حيث احتاج لأن غرض الواقف سد خلته كما هو ظاهر شرطه وشروط الواقفين وألفاظهم تحمل على مقاصدهم لا على ظاهرها والله أعلم اهـ فمراعات القصد قال بها كثير من الأندلسيين وجماعة من عمد الأفريقين كالإمام سحنون واللخمي والقابسي وتبعهم على ذلك البرزلي وجرى به عمل فاس كما علمت واستمر عمل تونس بصرف فواضل الأحباس بعضها في بعض ومن ذلك جواز أخد المدرس مرتبه من فواضل الأحباس لأنه من المصالح كما في المعيار ومما ينقل عن العالم الجليل النوازلي شيخ شيوخ شيوخنا أبي الفداء سيدي إسماعيل التميمي التونسي كبير أهل الشورى أنه حكم في نازلة رفعت إليه بمراعاة القصد وهي حبس شرط فيه محبسه أن الأنثى لا حق لها مع الذكور إلا إذا كانت عمياء فقيرة زمنة غير متزوجة ثم بعد وفاة المحبس قامت أنثى من أولاده وطلبت الدخول مع أخوتها في الحبس لفقرها وفقر زوجها وبنيها فمنعوها من الدخول محتجين بشرط المحبس ولما ثبت لديه فقر المرأة وفقر زوجها وبنيها الصغار ونظر للحالة التي هي عليها حكم رحمة الله تعالى بإدخالها مع أخواتها في الحبس لأن أباها لو كان حيا ورأى ابنته على تلك الحالة لرضي به واستحسنه وهو ظاهر لا خفاء فيه وقد كنت نظمت المسألة فقلت

الجزء: 4 - الصفحة: 14

ورفعت إلى التميمي نازله ... في حبس منه الإناث نازله إلا إذا كن بفقر وعمى ... وعدم الزوج لهن لازما وأثبتت إحدى البنات الفاقه ... وزوجها مع بنيها فاقه فدرها مع الذكور في الحبس ... رعيا لقصد واقف وهو أمس فاجمع الشورى على قضاه ... فاعمل به تنج إن شاء الله (ومما) يعتبر فيه القصد لا اللفظ ما يوجد في بعض رسوم الأحباس التي تأتي من القرى والبوادي من التخليط كقولهم في رسم الحبس حبس فلان على أولاده فلان وفلان وفلان وعلى أعقابهم وعلى أعقاب أعقاب أعقابهم فلو كان المراعي هو ظاهر اللفظ لسقط من الحبس أعقاب الأعقاب ولو روعي المقصد وهو المتعين لم يسقطوا وسمعت أنه وقع الحكم في حاضرة تونس بعدم سقوطهم وهو ظاهر لأن المحبس لأغراض عنده مع من لم يوجد من ذريته وإنما ذلك جهل من الموثق قال الهلالي في الدر النثير كتاب القرى والبوادي لا يوثق بكتب أكثرهم لجهلهم بأمر الوثيقة والفقه اهـ وقد يقع مثل ذلك من بعض كتاب الحاضر لما ذكر.
ومن الممنوع اشتراط إصلاح الحبس على مستحقه فإن شرطه لا يتبع ولا يعمل به لأنه كراء بمجهول ويبطل الشرط ويصح الوقف لأن البطلان منصب على الشرط لا على الوقف بل مرمته تكون من غلته كما في الزرقاني وهذا ما تيسر ذكره من الشروط التي تقع في الأحباس وهو قليل من كثير إلا إن هذا القدر هو الذي سمحت به الهمة القاصرة.
وقول الناظم عليه الحبس الضمير يعود على ما الواقعة على شرط وجملة يشترط المحبس صلة ما والعائد محذوف والتقدير وكل شرط يشترطه المحبس الخ (وقوله) وبيع حظ من بفقر الخ فبيع بالجر عطف على التساوي وهو مضاف وحظ التنوين مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله ومن فاعله وجملة ابتلي بفقر صلة من (ولما) كانت الألفاظ الواقعة من المحبس المعبر بها عن المحبس عليه قد تكون غير صريحة في تأدية المعنى المراد باعتبار من يستحق ومن لا يستحق لوجود الاحتمال فيها ولهذا

الجزء: 4 - الصفحة: 15

كانت مسائل الحبس صعبة جدا خصوصًا إذا كان الكاتب جاهلا بالفقه والتوثيق شرع الناظم في بيان بعض الألفاظ التي يستعملها المحبسون في أحباسهم غالبًا لتكون نصًا في المراد عند الفقهاء فيبنوا أحكامهم عليها عند الترافع فقال (وحيث جاء مطلقا لفظ الولد ... فولد الذكور داخل فقد) (لا ولد الإناث إلا حيثما ... بنت لصلب ذكرها تقدما) (ومثله في ذا بني والعقب ... وشامل ذريتي فينسحب) يعني أن المحبس إذا قال هذه الدار مثلا حبس على ولدي بالإفراد أو على أولادي بالجمع دخل ولد الصلب ذكرًا كان أو أنثى واحدًا أو متعددًا ودخل أولاد الابن ذكورهم وإناثهم وأولاد ابن الابن ذكورهم وإناثهم وهكذا ولا يدخل في ذلك ولد البنت لأن لفظ الولد لا يشمل إلا ولد الابن ولا يدخل فيه ولد البنت على القول المشهور المعمول به.
ومفهوم قوله وحيث جاء مطلقًا لفظ الولد إنه لو جاء مقيدا كما لو قال هذه الأرض مثلا حبس على ولدي فلان وفلانة وأولادهما لدخل ولد البنت وهو كذلك وهي المسألة التي استثناها الناظم بقوله إلا حيثما بنت لصلب ذكرها تقدما ... فإنه يدخل في الحبس للتصريح بالبنت ثم بلفظ الولد المتصل بضمير من ذكر قبله من ولد وبنت في المثال وهو معنى قوله ذكرها تقدمًا وحيث دخل فلا يخرج إلا إذا انتهى لفظ الولد الملتبس بضميرها فإذا قال هذه الدار مثلًا حبس على أولادي فلان وفلان وفلانة وأولادهم فإنه يدخل مع أولاد الذكور أولاد البنات لا أولاد أولادهن إلا أن يقول وأولادهم وأولاد أولادهم وهكذا أو يقول وإن سفلوا أو فإذا انقرضوا كما هو الموجود في رسوم الأحباس غالبًا عند إرادة ذكر المرجع فإن الحبس يستمر على دخول أولاد الإناث إلى غير غاية وإنما غيته الانقراض لأن قول المحبس وهكذا أو فإذا انقرضوا بعد قوله ما تناسلوا قرينة على عدم الاقتصار بالوقف على من ذكر من العقب مكررًا كذا في نوازل أبي عبد الله محمد المجاصي نقلًا عن ابن علال قال

الجزء: 4 - الصفحة: 16

وبه العمل (قلت) وبقوله وقعت الفتوى بتونس (مسألة) لو قال المحبس في تحبيسه حبست كذا على ولدي فلان وفلان وترك آخرين من أولاده فهل يدخلون كمسألة الإيصاء أولا يدخلون فقال بعض المشارقة لا يدخلون والفرق بين المسألتين أن الوصية بالأولاد قد علم المقصود بها وهو القيام بهم وهو مظنة التعميم فالتسمية ليست للتخصيص وأما الوقف فالمقصود فيه صرف المنافع ويجوز قصرها على البعض دون البعض فيصح أن يقال للتسمية أثر كذا في نوازل ابن رشد اهـ. من الحطاب قلت وبهذا الفرق كما شاهدناه من أن الإدخال والإخراج في الأحباس يكون مقصودًا فلا منافاة بين هاته المسألة وبين ما تقدم في البيوع من أن الخاص إذا ذكر بعد العام فإنه لا يخصصه على الراجح (واعلم) أن لفظ حبس ووقف تارة يصدر من الواقف مبهمًا وتارة يصدر منه مفسرًا فإذا صدر مبهمًا كقوله داري حبس فلا خلاف إنها حبس مؤبد ولا ترجع ملكًا وتصرف عند مالك رحمه الله في الفقراء والمساكين إن لم يكن في الموضع عرف للوجوه التي توضع فيها الأحباس وإلا حملت عليه وعند ربيعة يسكنها قرابة المحبس وكذا إذا قال حبس على أولاد زيد أو على أعقابه أو على طلبة العلم ونحو ذلك من المبهمات فإنه يمضي أبدًا ويرجع بعد انقطاع الوجه الذي جعل فيه لمراجع الأحباس وإذا صدر مفسرًا كقوله داري حبس على فلان أو على أولاد فلان وسماهم فهل يكون مؤبدًا ولا يرجع ملكًا للمحبس وعليه إذا مات المحبس عليه رجعت حبسًا على أقرب الناس بالمحبس على سنن مراجع الأحباس فإن لم يكن له قرابة رجع للفقراء والمساكين وهذا هو القول المشهور أو ترجع ملكًا للمحبس أو لورثته أن مات كالعمري خلاف.
وقول الناظم (ومثله في ذا بني والعقب) يعني أن مثل الولد في جميع ما تقدم لفظ ابني وعقبي أو أبنائي أو أعقابي وكذا نسلي وقوله (وشامل ذريتي فمنسحب) يعني أن لفظ الذرية شامل لولد البنت ومنسحب عليه في القول المشهور وقوله فمنسحب عطف تفسير على شامل ولهذا كان الصواب العطف بالواو وقوله مطلقًا بالتنوين حال من لفظ الولد وقوله فقد أي فحسب (فرع)

الجزء: 4 - الصفحة: 17

يجوز إقرار الورثة بحبسية عقار بإيديهم ويكون ذلك لازمًا لهم ولورثتهم على حسب ما أقروا به إلا أن يظهر كتاب الحبس ويكون فيه خلاف ما أقروا به من التعقيب والمرجع ونحوهما فإن إقرارهم ينتقض ويكون العمل بما في كتاب الحبس وإن شاركهم في الميراث أحد وأنكر ما أقروا به فلم ينفذ إقرارهم إلا في حصصهم فقط ويلزم المنكر اليمين أنه لا يعلم حبسيته وليس له رد اليمين لإنها لو ردت لردت على مدعي الحبس وأعقابهم ولا يحلف أحد عن أحد وأيضًا لو نكلوا عنها لم يبطل الحبس بنكولهم لبقاء حق العقب فإن اصطلحوا على أن يسلموا له منه نصف ما يصح له بالميراث فهو جائز وكان ذلك له مطلقًا ونصيبهم حبسا كذا في ابن راشد والأجهوري وغيرهما (ولما) كان الحوز شرطًا في صحة الحبس وغيره من سائر التبرعات إلا النحابة إذا انعقد عليها النكاح فإنها لا تفتقر إلى الحوز كما مر في بابه شرع الناظم في الكلام عليه فقال (والحوز شرط صحة التحبيس ... قبل حصول موت أو تفليس) (لجائز القبض وفي المشهور ... إلى الوصي القبض للمحجور) يعني أن حوز الشيء المحبس بمعاينة البينة لا بالاعتراف شرط في صحة حبسيته بشرط أن يكون حوزه قبل موت المحبس أو تفليسه فإن لم يقع حوز أصلًا أو كان بعد الموت أو التفليس بطل الحبس.
وظاهره أن التحويز وهو تمكين المعطي بكسر الطاء المعطى له من العطية غير شرط في صحتها وهو كذلك بخلاف الرهن كما تقدم في بابه (قال) أبو المودة خليل بن إسحاق وحيز أي الموهوب وإن بلا إذن وأجبر عليه الخ والحبس والهبة من باب واحد (وكيفية) الحوز رفع يد المحبس من التصرف في الملك ورد ذلك إلى يد المحبس عليه أو نائبه أو تخليته للناس كالمساجد والفقراء (تنبيه) زاد ابن الحاجب أن من جملة شروط الحوز أن لا يكون حال جنون المحبس ولا في حال مرضه فإن مرض أو جن بطل القبض أن اتصلا بالموت فإن صح

الجزء: 4 - الصفحة: 18

فله الطلب اهـ وحكم إحاطة الدين بالمال كحكم التفليس وأشار الناظم إلى هذين الشرطين في الصدقة بقوله (صدقة تجوز إلا مع مرض.
موت وبالدين المحيط تعترض) فهما من باب واحد (قال) ابن رشيد في المقدمات فأما حكم من أحاط الدين بماله قبل التفليس فإنه لا يجوز له إتلاف شيء من ماله بغير عوض فيما لا يلزمه مما لم تجر العادة بفعله من هبة أو صدقة أو عتق وما أشبه ذلك قال وإنما قلنا فيما لا يلزمه مما لم تجر العادة بفعله من هبة أو صدقة أو عتق وما أشبه ذلك قال وإنما قلنا فيما لا يلزمه تحرزًا من نفقة على آبائه أو على أبنائه لأن ذلك مدخول للغرماء وتحرزًا أيضًا من نفقته على نفسه لأن ذلك واجب عليه ولكن يكون من غير سرف لأنه إذا كان بسرف يكون إتلافًا في غير معاوضة (ولما) تكلم على شروط صحة الحوز من يد المحبس أشار إلى شرط صحة حوز المحبس عليه بقوله لجائز القبض البيت يعني أنه يشترط في صحة حوز المحبس عليه أن يكون رشيدًا لا حجر عليه وهو معنى قوله لجائز القبض فإن كان غير رشيد فالقبض يكون للولي وصيًا كان أو غيره لا للمحجور على القول المشهور ومقابلة جواز القبض للمحجور وهو القول الراجح لأن المقصود إخراج العطية من اليد وقد خرجت وحيث كان هو القول الراجح فكان على الناظم أن ينبه عنه أو يقتصر عليه ويقول لجائز القبض وفي المختار.
يصح للكبار والصغار.
أو يذكر هنا قوله الآتي.
ونافذ ما حازه الصغير.
لنفسه أو بالغ محجور.
ويكون حوز الرشيد من باب أولى والله تعالى أعلم (تنبيه) أن عقد المحبس عليه في الحبس كراء في دار أو أرض أو مزارعة أو مساقاة أو قبض مفاتيح الدار فذلك يغني عن الوقوف إليها ومعاينة نزول المحبس عليه فيها وكذلك الصدقة هذا هو القول المشهور المعمول به هذا كله إذا كان حوز العطية ممكنًا أما إذا كان غير ممكن فلا يكون شرطا في صحتها وإليه أشار الناظم بقوله (ويكتفي بصحة الإشهاد ... أن أعوز الحوز لعذر باد) تضمن هذا البيت قول ابن سلمون وسئل ابن رشد فيمن تصدق على ابن له كبير بأملاك وأشهد الأب بتبتيل الصدقة والابن بقبولها ووقع القبض في بعضها بالمعاينة وبقي

الجزء: 4 - الصفحة: 19

سائرها لم يتطوف عليه ولا خرج إليه لكونه في قطر مخوف من العدو ولا يدخله أحدًا إلا على غرر ولم يعتمر ذلك أحد إلى أن مات الأب فقال إذا حال الخوف بين الوصول إلى موضع الأملاك المتصدق بها لحيازتها بالتطوف عليها اكتفي بالإشهاد ولم تبطل الصدقة إن مات المتصدق بها قبل إمكان الوصول إليها هذا معنى ما في المدونة وغيرها اهـ فإن زال المانع وأمكن الوصول إليها ولم يخرج لحوز ما بقي من الصدقة حتى مات المتصدق بطل حكم الباقي فقط ورجع ميراثًا وقول الناظم أعوز بالزاي فعل ماض مبني للنائب من العوز ومعناه العجز والحوز بالرفع نائب عن الفاعل والتقدير المحبس عليه أن أعجزه العذر الظاهر عن الحوز اكتفي عنه بصحة الإشهاد وقوله باد اسم فاعل بمعنى ظاهر ثم قال (وينفذ التحبيس في جميع ما ... محبس لقبضه قد قدما) يعني أن من حبس ملكا من أملاكه على أحد وقدم من يحوزه له فحازه بالمعاينة فإن الحبس صحيح ولو كان المحبس عليه كبيرًا حاضرًا بخلافه في الهبة والصدقة فيصبح التقديم في حق الغائب فقط وقوله لقبضه متعلق بقدما وقوله (والأخ للصغير حوزه وجب ... مع اشتراك وبتقديم من أب) قال في المتيطية ويجوز للأب أن يحبس بنيه الكبار والصغار حبسًا واحدًا ويقبض الكبير لنفسه ولأخوته الصغار بتقديم الأب على ذلك اهـ ومعنى وجب جاز وصح ولا يعني به ما قابل التحريم كذا في ميارة وكذلك لو حبس على أجنبي مع صغير أولاده فلابد من حوز الأجنبي لنفسه وللصغير أو يقبض للصغير إنسان آخر وسواء كان حوزه له بتوكيل من أبيه وهو الأولى أو بدون توكيل منه أما إذا أراد الأب أن يقبض لابنه الصغير ويقبض الكبير لنفسه فإنه يكون مبطلًا للحبس وإليه أشار الناظم بقوله (والأب لا يقبض للصغير مع ... كبيره والحبس أرث أن وقع)

الجزء: 4 - الصفحة: 20

(إلا إذا ما أمكن التلافي ... وصحح الحوز بوجه كاف) يعني أن الأب إذا قبض لابنه الصغير وقبض الكبير لنفسه فإن الحبس وما كان في معناه من التبرعات يبطل جميعه لاحظ الصغير فقط كما في الشارح بناء على أن حوز المشاع لا يصح وهو مذهب ابن القاسم وبه العمل في الرهن والتبرعات وإذا بطل فإنه يرجع ملكًا للمحبس يورث عنه إن مات إلا إذا تلوفي ذلك وتدورك قبل موت المحبس أو فلسه أو ما في معناهما بوجه يكفي في الحوز بأن يخرجه من يده ويقدم ابنه الكبير ليحوز لأخيه الصغير كما مر أو يقدم أجنبيًا يحوز له فإنه يجوز له ذلك ويصح الحبس كما يجوز له ذلك ابتداء وإليه أشار بقوله (وإن يقدم غيره جاز وفي ... جزء مشاع حكم تحبيس قفي) يعني أن تحبيس حكم غير المشاع اتبع وارتكب في تحبيس الجزء المشاع على القول الذي بها لعمل (قال) ابن سلمون ويجوز تحبيس الجزء المشاع قال ابن حبيب فان كان مما ينقسم قسم فما أصاب الحبس من ذلك فهو على التحبيس وما كان من ذلك لا ينقسم بيع فما أصاب الحبس من الثمن اشترى به ما يكون حبسًا فيما سبيله فيه اهـ وقوله بيع أي جميع العقار صفقة إذا طلب الشريك ذلك وإلا بيع الجزء المحبس فقط وجعل في غيره كما تقدم (تنبيه) يصح الحبس وكذا الهبة والصدقة إذا سكن المحبس داره التي وقع تحبيس جزئها على الشياع مع المحبس عليه إذا كان رشيدًا أو أجنبيًا أما إذا كان غير رشيد فلا إلا إذا وقع التلافي كما مر وقوله (ونافذ ما حازه الصغير ... لنفسه أو بالغ محجور) قد تقدم الكلام عليه ثم قال (وبانسحاب نظر المحبس ... للموت لا يثبت حكم الحبس) يعني أن من حبس نخيلًا مثلًا على المساكين وكان يتولى أمره ولم يخرج من يده إلى أن مات أو فلس ونحوهما مما سبق من الموانع فهو ميراث على المشهور وكذا لو شرط

الجزء: 4 - الصفحة: 21

في حبسه أن النظر له فإنه لا يجوز لما فيه من التحجير ويجبر على جعل النظر لغيره قبل المانع وإلا بطل وهذا البيت تصريح بمفهوم قوله والحوز شرط صحة التحبيس قبل حدوث موت أو تفليس (تنبيهان) الأول إذا كان المحبس عليه محجورًا وقلنا أن الأب هو الذي يحوز له أو يوكل من يحوز له كما تقدم فإذا ثبت أن الأب يصرف الغلة في مصالح نفسه فإن ذلك لا يبطل به الحبس ويكون ثمن ما استغله دينا في ذمته كما يأتي في الهبة (الثاني) إذا وقع نزاع في الحوز وعدمه حتى حصل المانع قال ابن الفخار في مسألة تفهم من الجواب كما في المعيار إذا ثبت الحبس على وجهه قبل وفاته بشهر وكان صحيحًا وحازه المحبس عليه بسبب رشده في صحة المحبس وعاين الشهود الحيازة على حسب ما ذكرنا فهو نافذ ولا يلتفت إلى ما صار إليه من التضييع أو لا أي تضييع رسم الحبس ثم جدده بعد مدة لأنه قد صار صحيحًا آخرًا والذي أثبت أولًا أن المحبس لم يخرج عنه الحبس حتى توفي وهو بيده فاختلف أصحابنا في ذلك فحكى بعضهم أنه ينظر إلى أعدل البينتين ويقضى بها وقال بعضهم ينظر فإن كان الحبس بيد المحبس عليهم وقت الدعوى فالحبس نافذ.
وقال بعضهم شهادة من شهد بالحوز أولى بالقبول والجواز إن كانت عادلة وإن كانت الأخرى أعدل لأن شهود الحيازة تثمر حكمًا وتوجب حقًا وشهادة الذين لم يشهدوا بالحيازة ينفون ذلك ومن أثبت شيئًا أولى ممن نفاه لأن الإثبات أحدث من النفي فمن ادعى حدوث شيء وأثبته أولى ممن نفاه هذا الذي تقرر عليه مذهب مالك وأصحابه وقال به حذاقهم وبه أقول ولاسيما في الأحباس دون الصدقات المبتولة لأن أهل الحديث يقولون بجواز الحبس دون حيازة وكثير من الفقهاء ولو صدق المحبس عليه الخصم ولم يعلم ما قالا إلا من قولهما لما يجب فسخه وينفذ الحبس لأن فيه حقوقًا لأهل المرجع ولا تسقط حقوقهم بتواطأ هذين على فسخه حتى يثبت ما يوجب فسخه بغير قولهما إذ في ذلك حق لغيرهما ومن أراد إبطاله فليأت بالبينة أهـ. وقول الناظم بانسحاب متعلق بلا يثبت ولام للموت بمعنى إلى والانسحاب معناه الاستمرار والبقاء.
وقوله

الجزء: 4 - الصفحة: 22

(ومن لسكنى دار تحبيس سبق ... تضيق عمن دونه فهو أحق) معناه أن من حبس دار للسكنى على أولاده أو على غيرهم فسكنها بعضهم ولم يجد بعضهم فيها مسكنًا فإن الذي سبق لسكناها أحق بها (قال) يحيى الحطاب تنبيه فإذا استووا في الفقر والغنى والقرب ولم يكن يسعهم المكان للسكنى فبادر أحدهم قبل أن يكرى وسكنه فقال الباجي في المنتقى وروى عيسى وابن القاسم أن تساووا في الغنى والحاجة فمن سبق إلى سكناها منهم فهو أحق به وذلك أن المعاني المؤثرة في التقديم الحاجة والقرابة والحاجة مقدمة فإن تساووا في الحاجة والقرابة فمن بادر للسكنى فهو أحق به اهـ ولا كراء على الساكن لغيره فإن غاب الساكن غيبة انقطاع أو مات سكن غيره وعلى الساكن إصلاح المحل إذا لم يكن له حبس يصلح به من خراجه فإن امتنع من الإصلاح أخرج منه وأعطي لمن يصلحه من المستحقين فإن لم يوجد اكري بقدر الإصلاح ثم يرد إليه.
ومفهوم قوله سكنى دار أن غير السكنى من الغلات لا فرق بين حاضر وغائب وغني وفقير إلا لشرط ويؤثر ذو الحاجة والقريب على غيره في القسمة بالاجتهاد (ومفهوم) قوله تضيق عمن دونه إنها إذا لم تضيق فلغير الساكن من المحبس عليهم السكنى معه وهو كذلك ما لم يتبين ضرره عند الحاكم (تنبيهات) الأول إنما يقدم الأسبق في السكنى إذا كان المحبس عليهم غير معينين أما إذا كانوا معينين بأسمائهم لم يستحق السكنى من سبق إليها منهم بل يكونون فيها بالسوية حاضرهم وغائبهم غنيهم وفقيرهم فإذا وسعتهم فالأمر ظاهر وإلا أكريت وقسم كراؤها بينهم على مقتضي نص المحبس ويحمل على التساوي إن أطلق فإن لم يكن رسم وتقارروا على شيء عمل به كما تقدم (الثاني) قال النفراوي نقلًا عن الأجهوري لو كان الموقوف غلة ثمرة ثم يموت بعض أهل الحبس قبل أخذ الثمرة ففي استحقاقه منها وعدم استحقاقه تفصيل محصله إن كان الموت بعد طيب الثمرة فحظ الميت لورثته اتفاقًا وإن كان قبل إبارها فلا شيء لوارثه اتفاقًا وإن كان بعد الآبار وقبل الطيب فخمسة أقوال الذي رجع إليه مالك منها إن تكون لمن بقي

الجزء: 4 - الصفحة: 23

من أهل الحبس وهذا في الوقف على معينين وأما لو كان على مثل بني زهرة أو الفقراء فلا يستحق أحد منه شيئًا إلا من كان موجودًا حين القسمة وكل من مات أو غاب قبلها غيبة انقطاع لا يعطي وارثه شيئا وأما من غاب ليرجع سريعًا فيوقف له نصيبه.
على ما يظهر.
ولو كان الوقف على نحو إمام أو مؤذن أو مدرس إذا أخل واحد منهم بشيء من العمل المطلوب منه شرعًا كالإمام يترك الإمامة مدة ولم يقم نائبًا أو المؤذن أو المدرس ثم يموت أو يعزل أو يستمر فهل يستحق شيئًا زمن إخلاله ويعطي ما يقابله عمله أو لا يعطي شيئًا اختلف رأي القوم في ذلك فالذي ارتضاه الونشريسي أنه يستحق كل واحد بقدر عمله والذي ارتضاه القرافي أنه لا يستحق شيئًا من المعلوم ولا في نظير ما عمل لأنه لم يصدق عليه أنه عمل ما طلب منه والذي يظهر الأول لأنه كالأجير يتبعض له العوض بتبعيض المنفعة وسواء كان الوقف خارجيًا أو هلاليًا أو يدل لما قلناه أيضًا فتوى بعض فضلاء المالكية والشافعية بأن من تقرر في وظيفة ثم مات أو عزل فإن له أو لورثته بقدر ما باشر ولا يعطي المقرر له بعده إلا من يوم مباشرته لا من يوم تقريره السابق على مباشرته وأما نحو القراء في سبع أو أجزاء يقصر الواحد منهم أحيانًا أو يموت فإن كانو معينين فهم كالإجراء لكل واحد ووراثه بقدر عمله وإلا لم يعط شيئًا والله أعلم (قلت) والذي رأيته في تونس أن أصحاب الوظايف يستحقون أرزاقهم من يوم تقرر ولا يتهم لا من يوم مباشرتهم.
وفي أحباس يحي الحطاب وغيره أن ناظر ريع الوقف لا يقسم على المستحقين إلا كراء المدة التي مضت فلو أكرى مدة مستقبلة وتعجل قبض كرائها لم يجز له قسمه على الحاضرين خشية موت من أخذ فيؤدي إلى إعطاء من لا يستحق وحرمان غيره ممن يستحق أو طرو مستحق في تلك المدة فيحرم من حقه ولا يجوز له كراء الحبس بشرط نقد الكراء لأنه يوقف وفي وقفه تعرض لتلفه ولأن الكراء بالنقد أقل من غيره فيلزمه النقص من غير فائدة هذا إذا كان الوقف على معينين أو على خدمة المسجد أو المدرسين ونحوهم وأما على الفقراء فيجوز للأمن من ذلك اهـ (الثالث)

الجزء: 4 - الصفحة: 24

قال الأجهوري في نوازله.
وسئل عن رجل وقف وقفًا على ذريته ونسله وعقبه من الذكور وشرط في وقفه إن من مات عن ذكر انتقل ما كان لوالده له وإن مات عن غير ولد يكون لمن بقي فهل إذا أراد أحد الورثة النزول عن حصته لبعض الذرية دون الجميع له ذلك ويكون النزول صحيح أم لا (فأجاب) نعم يصح النزول ويستمر بيد المفروغ له ما دام الفارغ حيًا والله أعلم ثم قال (ومن يبيع ما عليه حبسًا ... يرد مطلقًا ومع علم أسا) (والخلف في المبتاع هل يعطي الكرا ... واتفقوا مع علمه قبل الشرا) (ويقتضي الثمن أن كان تلف ... من فائد المبيع حتى ينتصف) (وإن يمت من قبل لا شيء له ... وليس يعدو حبس محله) يعني أن المحبس عليه إذا باع الحبس فإن بيعه يفسخ وجوبًا سواء علم بحبسيته أو لم يعلم كان محتاجًا أو غيره محتاج إلا إذا جعل له المحبس البيع كما تقدم ثم إن كان بائعه غير عالم بحبسيته فلا أثم عليه وإن ثبت علمه قبل البيع فقد أساء ويزجره الحاكم عن ذلك بما يناسبه إلا إذا كان مضطرًا للنفقة وباع لها فلا زجر ولا عقاب ويرد البيع فقط فإذا اغتل المشتري هذا الحبس ثم فسخ البيع فإنه يرد الغلة على المشهور إذا كان عالمًا بالحبسية قبل الشراء أو بعده واستمر على استغلاله وإذا كان غير عالم بها إلى وقت الاستحقاق فلا يردها على القول المعمول به.
وحيث وقع فسخ البيع فإن البائع يرد الثمن الذي قبضه من المشتري له فإن لم يقدر على رده بأن كان عديمًا وثبت عدمه ويحلف أنه لا مال له لا ظاهرًا ولا باطنًا فإن المشتري يمكن من غلة ذلك الحبس في مقابلة ثمنه إلى الخلاص فإن طالت حياة البائع حتى اقتضى المشترى جميع ثمنه فالغلة ترجع للبائع المحبس عليه وإن مات قبل أن يستكمل المشتري ما دفعه فإنه لا شيء له لان الحبس انتقل لغير بائعه بعد موته وكذا لو كان البائع أجنبيًا فإن المشتري يرجع عليه في ذمته إذ لا تصرف غلة حبس لغير من يستحقه هذا معنى قول الناظم (وليس

الجزء: 4 - الصفحة: 25

يعدو حبس محله) وقوله تلف بكسر اللام معناه هلك ومعنى يعدو يتجاوز ثم شرع في بيان حكم الحبس إذا عدمت منفعته المقصودة فقال (وغير أصل عادم النفع صرف ... ثمنه في مثله ثم وقف) يعني أن الحبس إذا كان غير أصل كفرس للغزو فإنه يجوز بيعه إذا صار لا ينتفع به فيما جعل له ويجعل ثمنه في مثله ثم يكون حبسًا فإن نقص ثمنه عن مثله فإنه يعان به في مثله فإن نقص الثمن من مثل المبيع كلا أو بعضًا تصدق به (ومفهوم) قوله غير أصل أن الأصل لا يباع وإن خرب وهو كذلك على المشهور ومقابله يحكي الجواز بشرط أن يعوض بما هو أغبط للحبس وبه العمل ثم قال (ولا تبت قسمة في حبس ... وطالب قسمة نفع لم يسي) يعني أن الحبس إذا كان على قوم بأعيانهم وطلب أحدهم قسمته على البت فإنه لا يجاب إلى مطلبه ولو وافقه شريكه على ذلك لأن قسمة البت نوع من البيع والحبس لا يباع كما علمت أما إذا طلب قسمته انتفاعًا فإنه يجاب إلى مطلبه لأنه جائز على القول المعمول به ونظمه صاحب العمل المطلق فقال وقسموا الحبس للانتفاع ... والاغتلال خشية الضياع وحيث كان جائزًا لمصلحة فإنه يجبر على القسم انتفاعًا من امتنع منه وإن توارى أحدهم وتغيب وثبت ذلك عند القاضي وكل من يقبض له نصيبه ويشهد على ذلك كما في الدر النثير ويجري بينهم على ذلك إلى أن يحدث من الموت أو الولادة ما يغيره بزيادة أو نقصان فينتقض إذا لم يكن كل فرع تابعًا لأصله هذا إذا كان الحبس غير أصل شجر كالأرض البيضاء للزراعة ونحوها أما إذا كان أصول شجر فلا يجوز قسمها مطلقًا على المشهور وإنما يقتسمون الغلة في وقتها (تنبيه) إذا كان بعض الشيء حبسًا وبعضه ملكًا جازت قسمته على البت كما تقدم (وقوله) ولا تبت الخ لا نافية وتبت فعل مضارع مبني للنائب مرفوع بضمة في آخره وقسمة نائب عن الفاعل وقوله

الجزء: 4 - الصفحة: 26

لم يسمي بحذف الهمزة للوزن (ولما) كان حكم الصدقة والهبة سواء إلا في أمرين أحدهما أن الصدقة لا تعتصر على الأصل والهبة تعتصر والأخر أن الصدقة لا يجوز استرجاعها بنحو الشراء بخلاف الهبة فلهذا جمعهما الناظم في فصل واحد فقال

﴿فصل في الصدقة والهبة وما يتعلق بهما﴾

أي من الفروع كالحوز ونحوه.
وعرف الإمام ابن عرفة الهبة لغير ثواب والصدقة بقوله تمليك ذو منفعة لوجه المعطى بغير عوض والصدقة كذلك لوجه الله تعالى اهـ فاخرج بالتمليك العارية ونحوها ولوجه المعطى أخرج به الصدقة لأنها لوجه الله تعالى.
وقوله بغير عوض اخرج به هبة الثواب ثم عرف هبة الثواب بقوله عطية قصد بها عوض مالي اهـ وهبة الثواب في الحقيقة بيع من البيوع (والأصل) فيهما الندب بلا خلاف قاله ابن راشد (قال) الله تعالى أن تبدوا الصدقات فنعمًا هي وأن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم.
وقال تعالى فأوف لنا الكيل وتصدق علينا أن الله يجزي المتصدقين.
وقال عز وجل ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا.
وقال جل جلاله أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.
وقال عليه الصلاة والسلام لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي لي كراع لقبلت (والحكمة) في مشروعية العطية الشاملة لهما هو أن كان القصد منها وجه الله العظيم فالله تعالى يجازيه عليها فتكون الحكمة التقرب إليه وما كان لصلة الرحم فكذلك أيضًا مع ما فيه من بقاء المودة (قال) عليه الصلاة والسلام تهادوا تحابوا.
وقال عليه الصلاة والسلام جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها الحديث (فالهدية) تخرج الإنسان من وصف البخل الذميم وتزكي نفس الكريم.
وتدل على المروءة وتكسب الثناء الجميل والثواب الجزيل وقد رأينا في التواريخ ما يدل على مجد من كان متصفًا بالجود والكرم وعلى حطة من كان متصفًا بالبخل والوصم ومن لوازم الجود الشجاعة والصدق والعدل وصون العرض إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومن لوازم البخل

الجزء: 4 - الصفحة: 27

الجبن والكذب والخساسة وعدم صون العرض ونحوها من دناءة الأخلاق نعوذ بالله منها ومن أهلها (واعلم) أن أركان العطية أربعة المعطي وشروطه أن يكون من أهل التبرع كما مر تفصيله في الحبس.
والمعطى له والشيء المعطى وإن مجهولًا لغير ثواب كمناب من دار أو تركة لم يعرف قدره ويلزمه أن ظهر خلاف ما يظنه أو دار بأثاثها والإيجاب والقبول باللفظ أو ما يقوم مقامه كما تقدم في الحبس أيضًا (ولما) كان تمام الصدقة والهبة متوقفًا على تحصيل شروطهما وانتفاء موانعهما أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله (صدقة تجوز إلا مع مرض ... موت وبالدين المحيط تعترض) يعني أن الصدقة تصح وتلزم إلا مع وجود مانع وهو أما مرض الموت أو دين محيط بماله فمن تصدق وهو مريض واستمر على مرضه الذي لا يقدر معه على التصرف بأن يكون ملازمًا للفراش إلى أن مات فإن الصدفة تبطل لحق الورثة في المال وتصير وصية تخرج من الثلث بعد أن كانت صدقة تخرج من رأس المال وتجري عليها أحكام الوصايا فإن كانت بالثلث فأقل لغير وارث نفذت بلا شرط الحوز وإن كانت بأكثر من الثلث أو لوارث توقف لزومها على إجازة الورثة فإن صح من مرضه ذلك صحة ظاهرة لزمت وصحت بشرط الحوز وكذلك تبطل الصدقة إذا كان المتصدق عليه دين محيط بماله لحق الغرماء فيه ولهم إجازة ما تصدق به ورده فإذا زادت قيمة الصدقة عن الدين وطلب الغرماء دينهم بيعت وما فضل عن الدين يكون للمتصدق عليه هذا إذا تحققت سبقية الدين على الصدقة أما إذا تحققت سبقية الصدقة على الدين صحت إن حيزت قبل حصول الدين أو جهل الحال هل تقدمت الحيازة عليه أو تأخرت وسواء كان المتصدق عليه صغيرًا أو كبيرًا.
وأن جهل السابق منهما هل الصدقة أو الدين فإن حازها الرشيد أو أجنبي للمحجور أو حازها المحجور لنفسه حوزًا تامًا صحت وإن حازها الأب له بطلت ثم قال

الجزء: 4 - الصفحة: 28

(ولا رجوع بعد للمصدق ... وملكها بغير إرث اتقي) (كذاك ما وهب للأيتام ... والفقراء وأولي الأرحام) يعني أن من تصدق بصدقة فإنها تلزمه ولا رجوع له فيها بعد وقوعها لندم ونحوه ولو لم تحز.
وقوله (وملكها بغير إرث اتقي) يعني أن يكره للمتصدق تملك ما تصدق به بالشراء ونحوه إما إذا رجعت إليه بميراث فإنه يجوز له ذلك بدون كراهة أو اشتراط اعتصارها من المتصدق عليه فله ذلك ولا يجوز للمتصدق عليه أن يبيعها إلا إذا أذن له المتصدق أو أسقط شرطه أو مات في حياة المتصدق عليه كان له التصرف التام فيها.
ومثل الصدقة في كراهة الارتجاع ما كانت هبته لله تعالى أو ليتيم أو فقير أو ذي رحم كعمة وخالة أو خال أو بنت أخ ونحوهم من ذوي الأرحام فإن الواهب لمن ذكر يكره له أن يتملك ما وهبه لهم إلا بميراث ثم قال (والأب حوزه لما تصدقا ... به على محجوره لن يتقى) يعني أن من تصدق على ولده الذي هو في ولايته وتحت نظره وأراد أن يحوز له فهو أمر جائز لا يتقى ولا يمنع وسواء كان المحجور عليه كبيرًا أو صغيرًا فإذا أنس منه الرشد بعد بلوغه إن كان صغيرًا ولم يقبض حتى مات الأب بطلت الصدقة (ولما) كان المتصدق عليه باعتبار جبر المتصدق على الحوز وعدم جبره عليه أن امتنع من تسليمه للمتصدق عليه يتنوع إلى ثلاثة أنواع وهي إما أن يكون معينًا وإما أن يكون غير معين وإما أن يكون غير معين أيضًا لكن انتقل إليه من معين فأشار الناظم إلى الأول بقوله (وللمعينين بالحوز تصح ... وجبره مهما أباه متضح) يعني أن الصدقة إذا كانت على معين كزيد لا تتم إلا بالحوز قبل حصول المانع ويجبر على دفعها للمتصدق عليه إن امتنع منه لأنها تلزم بالقول وأشار إلى الثاني فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 29

(وفي سوى المعينين يؤمر ... بالحوز والخلف أتى هل يجبر) يعني أن من تصدق على غير معين كالفقراء فإنه يؤمر بالحوز وفي جبره عليه وعدم جبره خلاف والمعتمد عدم الجبر وأشار إلى الثالث فقال (والجبر محتوم بذي تعين ... لصنفهم من جهة المعين) يعني أن من تصدق بصدقة على معين كخالد ثم بعده للفقراء فمات خالد قبل الحوز فطلبه الفقراء بدفعها لهم فإنه يجبر عليه إن امتنع لانتقال الصدقة لهم من معين لأنه لما وجب القضاء للمعين وجب القضاء لهم أيضًا تبعًا له.
وقوله بذي متعلق بمحتوم ولصنفهم متعلق بالجبر وضمير الجماعة يعود على غير المعينين والمعين اسم فعول ثم قال (وللأب التقديم للكبير ... لقبض ما يختص بالصغير) يعني أن الأب إذا تصدق على ولديه الكبير الصغير فإنه يجوز له أن يقدم ابنه الرشيد لقبض نصيب ابنه الصغير أو البالغ السفيه وكذا له أن يقدم أجنبيًا لأن هاته المسألة نظيرة قوله السابق والأخ للصغير قبضه وجب ... مع اشتراك أو بتقديم من آب ثم قال (وحوز حاضر لغائب إذا ... كانا شريكين بها قد أنفذا) قال في المفيد ولو وهب رجل هبة لرجلين غائب وحاضر كان قبض الحاضر حيازة لهما فإن قبلها الغائب إذا قدم وإلا بطلت حصته ومن وهب لغائب وأشهد بها وأعلن بها وتخلى عنها صحت وقيل لا تصح حتى يخرجها إلى من تصح اهـ وقوله (وما على البت لشخص عينا ... فهو له ومن تعدى ضمنا) (وغير ما يبت إذ يعين ... رجوعه للملك ليس يحسن)

الجزء: 4 - الصفحة: 30

معناه أن من أخذ شيئًا من ماله وبتله صدقة به على معين سماه بلسانه أو نواه بقلبه جازمًا بذلك غير متردد فيه فلا يجوز له أن يتصدق به على آخر فإن فعل غرمه للمعين وأما إذا أراد أن يعطي شيئًا لمسكين لم يبتله لا بقول ولا بنية فإنه يكره له أن يرده إلى ماله كما يكره له أن يعطيه إلى غيره ثم قال (وللأب القبض لما قد وهبا ... ولده الصغير شرعا وجبا) (إلا الذي يهب من نقديه ... فشرطه الخروج من يديه) (إلى أمين وعن الأمين ... يغني اشتراه هبه بعد حين) (وإن يكن موضع سكناه يهب ... فإن الإخلاء له حكم وجب) يعني أن الأب إذا وهب ملكًا لولده الصغير وكذا البالغ السفيه فإنه هو الذي يحوزه له ولا يبطله بقاؤه تحت يده إلا إذا وهب له ما لا يعرف بعينه كالنقدين فلا يكفي أن يكون هو الحائز له بل لابد من خروجه من يده إلى أمين أو يشتري له بذلك النقد أو بثمنه إن كان غير نقد كطعام شيئًا باسمه وسواء كان الشراء حين الهبة أو بعد حين قبل حصول المانع وكذا لا يحوز الأب لمحجوره دار سكناه بل لابد من خروجه منها وإخلائها من أمتعته وشواغله ويكريها للغير فحينئذ تصح الهبة ولو صرف الأب الغلة في مصالح نفسه على ما أفتى به الغبريني وابن عرفة وغيرهما وهو القول الأرجح وبه العمل وعليه فإن الغلة التي صرفها الأب في مصالح نفسه تكون دينًا في ذمته ولوده طلبه بها متى شاء وقول الناظم وجبا الخ معناه إذا لم يجد الأب غيره ممن يصلح للحوز لابنه أو المراد بالوجوب على جهة الكمال لا الوجوب المقابل للحرام لأنه يجوز له أن يوكل من يحوز لولده قريبًا كان أو أجنبيًا كما تقدم والله أعلم ثم قال (ومن يصح قبضه وما قبض ... معطاه مطلقًا لتفريط عرض)

الجزء: 4 - الصفحة: 31

(يبطل حقه بلا خلاف ... إن فاته في ذلك التلافي) يعني أن المعطى له إذا كان أهلًا للقبض بأن كان رشيدًا ولم يقبض ما أعطي له تفريطًا منه بإن ترك قبضه اختيارًا وفاته تلافي القبض بموت المعطي أو فلسه ونحوهما بطلت العطية بلا خلاف وإن لم يفته التلافي بعدم وجود المانع فله أن يتلافاه وتصح العطية فإن طلب غلتها حلف إنه لم يترك قبضها على وجه الترك ويرجع بها كذا في طرر ابن عات.
ومفهوم قوله لتفريط أنه إذا لم يفرط بأن جد في طلبها ولم يتمكن منها حتى حصل مانع من الموانع المتقدمة فإن حقه لا يبطل وهو كذلك.
وقوله مطلقًا أي كان الشيء المعطى أصلًا أو غيره (تنبيه) كل من كانت عادتهم عدم توريث الإناث وأنهن يمنعن من حقوقهن ما كانت فهبتهن لمن كانت له عليهن سلطة كالأخوة غير لازمة لحملهن على عدم الطوع فلهن أو لورثتهن بعد موتهن الرجوع فيها كما في المعيار والدر النثير وغيرهما وبه الفتوى (ولما) فرغ من الكلام على الصدقة والهبة شرع يتكلم على الاعتصار فقال

﴿فصل في الاعتصار﴾

ومعناه في اللغة الاستخراج قال في المصباح ومنه قيل اعتصرت مال فلان إذا استخرجته منه.
وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الاعتصار ارتجاع المعطي عطيته دون عوض لا بطوع المعطى وصيغته ما دل عليه لفظًا اهـ فقوله دون عوض اخرج به شراء الهبة وقوله بلا طوع المعطى أخرج به هبة المعطى بالفتح للمعطي بالكسر وقوله وصيغته ما دل عليه لفظًا أي سواء كان بمادة الاعتصار أو الرجوع أو الرد أو غير ذلك ويصح في الهبة والعمرة والنحلة والحبس إذا كان بمعنى الهبة ككونه سكنى أو عمرى إلى عام أو أعوام ثم مرجعه إليه فإن لم يكن بمعنى الهبة بأن كان باقيًا على أصل معناه فلا يعتصر كالصدقة إلا بشرط كما مر وقال

الجزء: 4 - الصفحة: 32

(الاعتصار جاز فيما يهب ... أولاده قصد المحبة الأب) (والأم ما حي أب تعتصر ... وحيث جاز الاعتصار يذكر) (وضمن الوفاق في الحضور ... إن كان الاعتصار من كبير) معناه أن الاعتصار لا يكون بلا شرط إلا للأب والأم خاصة فيما وهباه لأولادهما كبارًا كانوا أو صغارًا ذكورًا كانوا أو إناثًا وإنما كان الأب والأم مختصين بالاعتصار دون غيرهما لأن لهما ما ليس لغيرهما في مال الولد ولهذا منع الاعتصار من غيرهما قريبًا كان أو بعيدًا واحترز بقوله قصد المحبة مما إذا كانت الهبة لله تعالى أو كانت لثواب فإنها لا تعتصر.
وقوله والأم ما حي أب تعتصر ظاهرة أن الأب إذا مات قبل بلوغ الولد فلا اعتصار لها وهو كذلك على أحد قولين لكن الراجح خلافه وأما الكبير الغني فتعتصر منه ما وهبته له مطلقًا كان له أب أم لا بلا خلاف إلا إذا حصل مانع من الموانع الآتية وقوله (وحيث جاز الاعتصار يذكر) هو أن الموثق ينبغي له أن ينكر في وثيقة الهبة وشبهها مما يجوز فيه الاعتصار أن الواهب سلط عليها حكم الاعتصار لئلا يمتنع الولد فيقع النزاع وإن كان عدم ذكره في الوثيقة لا يسقط حكم الاعتصار لأن السنة أوجبت له ذلك ذكر في الوثيقة أو لم يذكر وكذلك ينبغي للموثق عند إرادة الأب الاعتصار أن يطلب حضور الولد ليوافق عليه فينص عليه في الوثيقة قطعًا للنزاع إذ قد يدعي ما يمنع الاعتصار فحضوره وموافقته يمنعان من كل دعوى يدعيها في شأن الاعتصار فإن لم يحضر أو حضر ولم يوافق بدون ثبوت سبب مانع منه كان للأب الاعتصار كالذي قبله وقوله الاعتصار مبتدأ وجملة جاز الخ خبره وأولاده مفعول به وقصد المحبة مفعول لأجله والأب فاعل يهب والأم مبتدأ وجملة تعتصر خبر وما ضرفية متعلقة بتعتصر وهي مضافة وجملة حي أب مضاف إليه والتقدير والأم تعتصر مدة حياة الأب ثم قال (وكل ما يجري بلفظ الصدقة ... فالاعتصار أبدًا لن يلحقه)

الجزء: 4 - الصفحة: 33

يعني أن كل عطية تكون بلفظ الصدقة أو بلفظ الهبة إذا كانت لله تعالى فإن الاعتصار لا يلحقها أبدًا إلا بشرط ثم شرع في بيان موانع الاعتصار فقول (ولا اعتصار مع موت أو مرض ... له أو النكاح أو دين عرض) (وفقر موهوب له ما كانا ... لمنع الاعتصار قد أبانا) يعني أن الاعتصار يمنع منه موت الموهوب له لأن الحق انتقل لمن لا يعتصر منه أو مرضه المتصل بموته أو عقد نكاحه ذكرًا كان الولد أو أنثى أو أخذه للدين إذا كان المرض وما بعده حادثًا بعد الهبة وعلى ذلك نبه بقوله عرض أما إذا كان الموهب له مريضًا أو متزوجًا أو مدينًا وقتها فإن الاعتصار لا يمنع.
ومن موانع الاعتصار فقر الموهوب له صغيرًا كان أو كبيرًا لأن فقره وقت الهبة قرينة تدل على الصدقة والصدقة لا اعتصار فيها كما تقدم (تنبيهات- الأول) لا فرق بين مرض الموهوب له والواهب على المذهب وروى أشهب أن مرض الأب غير مانع (الثاني) إذا ارتفع مانع الدين بالأداء أو مانع النكاح بالطلاق لم يعد الاعتصار وفي ارتفاع مانع المرض بالصحة وعدم ارتفاعه وهو القول المختار خلاف (الثالث) بقي على الناظم شرطان مانعان من الاعتصار (أحدهما) تلف العين الموهوبة كما إذا كان الموهب مما يكال أو يوزن إذا خلطه الموهوب له بمثله أو حصل فيها زيد أو نقص أو حصل تفويتها ببيع ونحوه لا بحوالة سوق (والآخر) وطء الولد الجارية التي وهبت له حملت أو لم تحمل وضمير له يعود على موت ثم قال (وما اعتصار بيع شيء قد وهب ... من غير إشهاد به كما يجب) (لكنه يعد مهمًا صيرًا ... ذاك لموهوب له معتصرًا) (وقيل بل يصح أن مال شهر ... له وإلا فلحوز يفتقر) يعني أن من وهب هبة لولده صغيرًا كان أو كبيرًا ذكرًا كان أو أنثى ثم عمد أبوه وباع

الجزء: 4 - الصفحة: 34

ذلك باسم نفسه ولم يشهد بأن ذلك اعتصار منه فإن بيعه لا يعد اعتصارًا بل يحمل على أنه رأى البيع أولى لغبطة في الثمن ونحوه من المصالح ويكون ثمن تلك الهبة دينًا في ذمة الأب هذا إذا كان الولد محجورًا عليه فإن بيعه عليه ينفذ ولا يعد اعتصارًا كما علمت إما إذا كان رشيدًا فإن بيع الأب عنه لا ينفذ لأنه من باب بيع الفضولي فتجري عليه أحكامه المتقدمة في البيوع والله أعلم وقول الناظم لكنه يعد مهما صيرا البيتين لما ذكر أن تصرف الأب فيما وهبه لولده بالبيع لا يعد اعتصارًا استدرك هذه الصورة فإن تصرف الواهب فيها يعد اعتصارًا وهي إذا وهب الأب هبة لولده ثم أشهد أنه صيرها له في دين له عليه فتصير تلك الهبة ملكًا لولده عوضًا عن الدين الذي كان له على أبيه ولا خفاء في كون ذلك اعتصارًا لأن كون الأب قضى بها دينًا عليه لازم لكونه ردها لملكه فدفعها في دينه وسواء كان الدين الذي أقر به الأب لولده ثابتًا ببينة أو شهرة أو غير ثابت فإن الهبة يملكها الموهوب له عوض عن الدين فلا تفتقر لحيازة ثانية وإلى هذا أشار الناظم بقوله لكنه يعد مهما صيرا البيت وأطلق بعد العلماء في ذلك كما علمت.
وبعضهم فصل في ذلك فقال إن كان الدين الذي صير فيه الهبة ثابتًا ببينة أو شهرة دالة على الصدق فالحكم ما تقدم وإن كان غير ثابت لا ببينة ولا بشهرة فيكون هذا التصيير هبة أخرى مستأنفة فتفتقر للحوز إن وجد تمت وإلا فلا هكذا قال ابن الحاج في نوازله وتبعه الناظم على ذلك كله (قال) أبو البقاء يعيش الشاوي تأمل هذا القول فإنه غير واضح المعنى لأنه إذا كان الدين غير ثابت فالتصيير عنده ليس باعتصار فيلزمه أن تبقى الهبة على أصلها فلا تفتقر إلى حوز ثان اهـ وقوله وما اعتصار ما نافية واعتصار خبر مقدم وبيع شيء مبتدأ مؤخر وجملة قد وهب صفة شيء ومن غير إشهاد متعلق باعتصار ثم قال

﴿فصل في العمرى وما يلحق بها﴾

أي من المنحة والإخدام وهي في اللغة مأخوذة من العمر.
وفي الاصطلاح عرفها

الجزء: 4 - الصفحة: 35

الإمام ابن عرفة بقوله هي تمليك المنفعة مدة حياة المعطى بغير عوض إنشاء اهـ فخرج بقوله منفعة تمليك الذات وبحياة المعطى المحبس والعارية وخرج بقوله المعطى بفتح الطاء حياة المعطي بكسرها فإنه لا يسمى عمرى حقيقة بل يسمى رقبى وترجع لورثته إن مات وخرج بقوله بغير عوض الإجارة الفاسدة لجهل المدة.
وخرج بقوله إنشاء الحكم باستحقاق العمرى لأنه تقرير له لا إنشاء.
وظاهر التعريف إنها تكون في الأصول والحلي والسلاح والأواني ونحوها وهو كذلك.
وخصها الناظم بالأصول لكثرتها فيها حتى كادت أن لا توجد في غيرها فقال (هبة غلة الأصول العمراى ... بحوز الأصل حوزها استقرا) (طول حياة معمر أو مدة ... معلومة كالعام أو ما بعده) يعني أن العمرى في الاصطلاح هي هبة غلة الأصول من الأشجار والرباع والعقار طول حياة المعمر بضم الميم الأولى وسكون العين وفتح الميم الثانية اسم مفعول من أعمر أو مدة معلومة كعام أو أكثر فإذا مات المعمر أو انقضى الأجل رجعت للمالك أو لورثته يوم الموت لا يوم المرجع فإذا مات المعمر بالكسر عن أخ مسلم وابن كافر أو رفيق فورث المسلم أخاه ثم أسلم الابن أو اعتق الرقيق فإن العمرى ترجع للأخ المسلم كما في الزرقاني (وحيث) كانت العمرى من أنواع العطية فإنها لا تتم إلا بالحوز قبل حصول المانع وحوزها متوقف على حوز أصلها وعليه نبه الناظم بقوله (بحوز الأصل حوزها استقرا) بالمعاينة فإن لم يحصل حوز حتى حصل مانع من الموانع المتقدمة ولم يجد في طلبها بطلت إلا لأبنه المحجور عليه فلا تبطل لأنه يقبض له كما مر ثم قال (وبيعها مسوغ للمعمر ... من معمر أو وارث لمعمر) يعني أن يجوز للمعمر بالفتح بيع العمرى من المعمر بالكسر أو لوارثه ولا يجوز ذلك لغيره للجهل بمدة الحياة أما إذا كانت مقيدة بمدة معلومة فله عقد الكراء فيها

الجزء: 4 - الصفحة: 36

مع كل أحد لانتفاء الجهالة قوله مسوغ بفتح الواو أي سوغه الشارع ثم أخذ يتكلم على المنحة والإخدام فقال (وغلة للحيوان أن تهب ... فمنحة تدعى وليست تجتنب) (وخدمة العبد هي الإخدام ... والحوز فيهما له التزام) (حياة مخدم أو الممنوح ... أو أمد عين بالتصريح) يعني أن هبة غلة الحيوان كالركوب والحمل واللبن والصوف وغير ذلك تسمى منحة وهي جائزة بل مستحبة لا كراهة فيها حتى تجتنب وأن هبة خدمة العبد تسمى في الاصطلاح بالإخدام وحكمها كذلك ولا فرق في جوازهما بين كونهما طول حياة الممنوح أو المخدم أو توقيتهما بأجل محدود من المعطي ولابد فيهما من الحوز على قاعدة التبرعات والأفعال مضمونة الأول ثم قال (وأجرة الراعي لما قد منحا ... على الذي بمنحه قد سمحا) (وجائز لمانح فيها الشرا ... بما يرى ناجزا أو مؤخرا) يعني أن أجرة راعي الحيوان الممنوح غلته تكون على المانح الذي سمح بهبة غلته لا على الممنوح لأنها تنقلب إلى إجارة بمجهول وهي غير جائزة لكن أرخص بعض العلماء للضرورة إعطاء البقرة ونحوها لمن يرعاها على أن يأخذ غلتها أو نصف غلتها وأما نفقة العبد المخدم فهي على المعطى له.
ويجوز للمانح شراء منحته من الممنوح بما يراه من الدنانير والدراهم والعروض والطعام وغيرها ناجرًا أو إلى أجل ويسترجع منحته ولا يدخله بيع اللبن المجهول أو بيع الطعام بالطعام ليس يدا بيد لأن ذلك كله من باب المعروف يصنعه المعطي إلى المعطى له فأرخص له فيه ولا يجوز ذلك لغيره ويجري هذا الحكم في الإخدام أيضًا فإنه يجوز للمخدم بالكسر شراء الخدمة إذ لا فرق بينهما في ذلك ثم انتقل يتكلم على الإرفاق فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 37

﴿فصل في الإرفاق﴾

وهو إعطاء منفعة العقار مدة معلومة حقيقة أو حكمًا وإليه أشار النظام بقوله (إرفاق جار حسن للجار ... بسقي أو طريق أو جدار) (والحد في ذلك أن حد اقتفي ... وعد في إطلاقه كالسلف) يعني أن إرفاق الجار لجاره ونفعه بما يرتفق به مستحب وهو من مكارم الأخلاق كأن يعطيه من أرضه مجرى ماء ليتوصل منه الماء لسقي حائطه أو يعطيه ما فضل من مائه لسقي زرعه أو طريقًا في أرضه ليوصل منه إلى أرضه أو داره أو موضعًا من جداره يغزر فيه خشبة يدعم بها حائطه ونحو ذلك من المرافق والمنافع فإن كان الإرفاق محدودًا بمدة عمل عليه وإلا عد كالسلف الذي لم يؤجل فيجعل له مقدار ما يرى أن ذلك يحسن بين الجيران ثم طفق يتكلم على الحوز ويسمى الاعتمار فقال

﴿فصل في حكم الحوز﴾

وهو عند الفقهاء وضع اليد على الشيء المحوز إلى آخر الشروط الآتية وقد ذكرنا أول الباب وجه المناسبة بينة وبين التبرعات حتى كان معها وذكره صاحب المختصر وغيره عقب الشهادات لأنه كالبينة لصاحبه ولكل وجهة هو موليها (واعلم) أن الحائز إما أجنبي من القائم أو قريب جدًا كالأب مع ابنه ولم يتكلم عليه الناظم ولعله لندوره وهو أن الحيازة بينهما لا تكون إلا بالمدة الطويلة جدًا بحيث ينقطع فيها العلم وتهلك فيها البينات.
وأما قريب لا جدًا كالأخوة والأعمام والأصهار وهو الآتي في قوله والأقربون حوزهم مختلف الخ فأشار الناظم إلى القسم الأول بقوله (والأجنبي أن يحز أصلًا بحق ... عشر سنين فالتملك استحق) (وانقطعت حجة مدعيه ... مع الحضور عن خصام فيه)

الجزء: 4 - الصفحة: 38

يعني من حاز دارًا أو أرضًا ونحوهما من الأصول بوجه شرعي كشراء أو إرث ونحوهما أو جهل الأمر وتصرف الحائز فيه مدة عشر سنين وإن كانت ملفقة بينه وبين وارثه بسكنى أو ازدراع أو غرس أو استغلال ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه وصاحبه عالم بإنها ملكه وبحيازة الحائز وتصرفه تصرف المالك في ملكه وعالم بدعوى الحائز للملكية للموضع المحاز ولو مرة لا يدعي شيئًا ولم ينازع فيه من غير مانع له من النزاع فإذا قام بعد انقضاء المدة وادعى على الحائز بأن الملك المذكور له فأنكر الحائز دعواه لدى القاضي وقال هو ملكي وحوزي فإذا أتى القائم ببينة الملك لما سأله القاضي عنها كما يأتي في الاستحقاق وهو قوله والمدعي استحقاق شيء يلزمه ... ببينة مثبتة ما يزعم من غير تكليف لمن تملكه ... من قبل ذا بأي وجه ملكه وأثبت الحائز شروط الحيازة القاطعة أو سلمها الخصم من أول الأمر فإن القائم لا يلتفت إلى دعواه ولا تسمع بينته كسماعها على غير الحائز المدة المذكورة بحيث تكون البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا يسأل الحائز عن بيان سبب ملكه على القول المعمول به إلا إذا كان معروفًا بالغصب فإنه يسأل عن بيان سبب ملكه فإن بين وجهًا مقبولًا ولم يكن عند القائم ما يعارض به سقطت دعواه كذلك ويبقى الحوز بيد حائزه وإلا فلا تنفعه الحيازة ويرجع القائم عليه بالغلة لأنه غاصب والغاصب لا شبهة له على المذهب.
ومفهوم قوله والأجنبي أن غير الأجنبي كالوارث وكذا الشريك الأجنبي لا تنقطع حاجته بانقضاء المدة المذكورة وهو كذلك وسيأتي بيان حكمه في كلام الناظم على القسم الثاني هذا كله فيما علم أصله لغير الحائز وأما ما جهل أصله فيكفي في حوزه عشرة أشهر (ففي) نوازل الوكالات من المعيار نقلًا عن المازري ما نصه شروط إثبات الملك خمسة اليد وتصرف الحائز تصرف المالك والنسبة وعدم المنازع وطول مدة الحيازة وذلك قدر ما يرى وأقله سنة وقيل عشرة أشهر قالوا فإذا توفرت الشروط جاز لمن علمها أن يشهد لصاحبها بالملكية وهذا كله فيما

الجزء: 4 - الصفحة: 39

جهل أصله وأما في حيازة ما علم أصله لغير الحائز فهي التي اشترط فيها أيمة الأمة عشر سنين اهـ ونظمه صاحب العمل الفاسي فقال وحوز ما جهل أصله كفى ... عشرة أشهر أو العام وفي تصرف المالك والنسبة مع ... يد ولا منازع طول وقع هذا إذا توفرت فيشهد ... عالمها بملك من له اليد أما الذي علم فالمشهور ... عشر سنين وله تقرير اهـ والأصل في تقريره وثبوته قوله عليه الصلاة والسلام من حاز شيئًا عشر سنين فهو له الحديث فإن الحائز إذا أثبت هذه الشروط عند الاحتياج إليها كما تقدم فإنه يستحق ملكية العقار المتنازع فيه بدون يمين على ظاهر الحديث والمدونة ورجحه ابن يونس والمازري وغيرهما وهو المشهور وبه العمل كما تقدم عند قول الناظم والمدعى فيه له شرطان الخ وقوله فالتملك استحق أي استحق الحائز التملك بما ذكر.
وإنما تنقطع حجة مدعي الملك بالحيازة إذا لم يعلم أصل مدخل الحائز أما إذا علم أصل مدخله ببينة أو أقرار الحائز فإن القائم لا يضره ذلك ولا تنقطع حجته ولو كانت المدة أكثر من ذلك ولهذا استثنى الناظم أربعة فروع لا تنقطع فيها حجة القائم وتسمع دعواه وبينته فيها (الفرع الأول) قوله (إلا إذا أثبت حوزا بالكرا ... أو ما يضاهيه فلن يعتبرا) يعني أن القائم إذا أثبت حوز الحائز أنه كان من جهته بكراء أو عمرى ونحوهما فإن حوزه لا يعتبر (الفرع الثاني) قوله (أو يدعى حصوله تبرعا ... من قائم فليثبتن ما ادعى) أو يحلف القائم) يعني أن الحائز لما قام عليه المدعى بالملكية وأدلى بحجته لدى القاضي ادعى بأنه كان تبرع عليه بذلك بهبة أو صدقة ونحوهما فإن أنكر القائم دعواه فعلى الحائز البينة فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 40

عجز عنها حلف القائم وأخذ شبه وما درج عليه الناظم في هذا الفرع خلاف الراجح بل الراجح هو أن القول للحائز بيمينه إذ لا فرق بينه وبين مسألة دعوى الشراء لأن كل منهما ينقل الملك (الفرع الثالث) قوله واليمين له ... إن ادعى الشراء منه معمله) (ويثبت الدفع وإلا الطالب ... له اليمين والتقضي لازب) يعني أن الحائز إذا قام عليه أحد بدعوى ملكية ما تحت حوزه فادعى الشراء منه أو من مورثه فإن الحائز لا يكلف إثبات دعواه الشراء لطول المدة وإنما عليه اليمين للقائم إنه كان اشتراه منه أو من مورثه وحيث قبل قوله في دعوى الشراء بيمينه فلا بد من إثبات دفع الثمن للبائع أو لمورثه ليبرأ منه وإلا قضي عليه بدفع الثمن للطالب بعد يمينه إنه ما قبضه ولا شيئًا منه فإن مات من له الملك الذي ادعى الشراء منه حلف الوارث الرشيد على نفي العلم إن كان ممن يطلع على حال مورثه وقوله واليمين الخ اليمين مبتدأ ومعمله اسم مفعول خبره أي اعملها الشرع وله متعلق به وضميره يعود للقائم على الحائز ويجوز عوده على الحائز كضمير أدعى وتكون اللام بمعنى على وضمير منه يعود على القائم وقوله لازب أي لازم وثابت هذا إذا لم يطل الزمان جدًا أما إذا طال الزمان طولًا لا يتبايع الناس إلى مثله عادة فإن القول للحائز وهل بيمين الخلاف (الفرع الرابع) قوله (وإن يكن مدعيًا أقاله ... فمع يمينه له المقاله) يعني أن القائم إذا أثبت الشراء من الحائز وطلب القائم من الحائز تحويزه بما اشتراه منه فادعى الحائز الإقالة منه فإن القول للحائز بيمينه ويبقى الملك بيده (فرع متمم) قال الحطاب لا تسقط الحيازة ولو طالت الدعوى في الحبس بذلك أفتى ابن رشد في نوازله عن سؤال عن جماعة واضعين أيديهم على أملاكهم وموروثهم وموروث موروثهم نحوًا من سبعين عامًا يتصرفون فيها بالبناء والغرس والتعويض والقسمة

الجزء: 4 - الصفحة: 41

وكثيرًا من وجوه التفويت فادعى عليهم بوقفيتها شخص حاضر عالم بالتفويت المذكور والتصرف هو ومورثه من قبله ونص جوابه ولا يجب القضاء بالحبس إلا بعد أن يثبت التحبيس وملك المحبس لما حبسه يوم التحبيس وبعد أن تتعين الأملاك المحبسة بالحيازة لها على ما تصبح فيه الحيازة فإن ثبت ذلك كله على وجهه وإعذار للمقوم عليهم فلم يكن لهم حجة إلا من ترك القائم وأبيه قبله عليهم وطول سكوتهما عن طلب حقهما مع علمهما بتفويت الأملاك فالقضاء بالحبس واجب والحكم به لازم اهـ (تنبيه) لابد من إثبات الوفيات كما تقدم في فصل المقال والجواب وانظر فصل شهادة السماع ولابد (ولما) ذكر الناظم أن العشر سنين لابد منها في قطع حجة القائم ذكر أن ما قار بها يعطي حكمها فقال (والتسع كالعشر لدى ابن القاسم ... أو الثمان في انقطاع القائم) لكن المشهور المعمول به هو العشر سنين كما تقدم والله أعلم ثم شرع في بيان محترزات شروط الحوز فأشار إلى مفهوم السكوت بقوله (والمدعي إن أثبت النزاع مع ... خصيمه في مدة الحوز انتفع) يعني أن المدعي إذا أثبت النزاع مع خصيمه الحائز في مدة الحوز عند الحاكم وأثبت أنه لم يزل يتردد عليه بالقيام في الأشهر والأعوام فإنه ينفعه وله القيام بحجته أما إذا نازع خصيمه عند غير الحاكم أو كان خصامه قليلًا فإن ذلك لا ينفعه على القول الراجح المعمول به وما درج عليه التسولي مما يخالف هذا لا يعول عليه وأشار إلى مفهوم الحضور فقال (وقائم ذو غيبة بعيدة ... حجته باقية مفيده) (والبعد كالسبع وكالثمان ... وفي التي توسطت قولان) (وكالحضور اليوم واليومان ... بنسبة الرجال لا النسوان)

الجزء: 4 - الصفحة: 42

يعني أن المحوز عنه إذا كان غائبًا فأما أن تكون غيبته بعيدة جدًا كمن كان على سبعة أيام أو ثمانية فإن حيازة الحائز لا تقطع حكم المحوز عليه علم بذلك أو لم يعلم طال الزمان أو لم يطل إلا أنه يستحب له إذا علم أن يشهد بأنه باق على حقه وإن لم يشهد لم يضره ذلك كما في ابن رحال نقلًا عن الرجراجي (وأما) أن تكون متوسطة بين القرب والبعد كالأربعة والخمس والست فلا خلاف أنه على حقه إذا لم يعلم بالحوز واختلف إذا علم به هل يقطع حجته على قولين أحدهما أنه مهما علم ولم يخرج أو لم يوكل فهو كالحاضر فلا حق له بعد ذلك والأخر أن علمه لا يقطع حجته ولا تعمل عليه الحيازة إذ قد يكون له عذر لآيتيين وهو معذور وهذا قول ابن قاسم المرجوع إليه وهو الراجح قال المشاور وبه العمل كما في الرهوني وغيره (وأما) أن تكون قريبة كاليومين والثلاثة فإن لم يعلم بحيازة الأجنبي فهو على حقه طال الزمان أو قصر وإن علم فإن كان المحوز عنه رجلًا فهو كالحاضر لا قيام له لانقطاع حجته وإن كان امرأة فحكمها حكم الغائب غيبة بعيدة فهي على حقها ولها القيام ولو كانت المسافة أقل من يوم وإنما يكون اليوم واليومان كالحضور مع الأمن وأما مع الخوف فكالبعيد وتقدم نحوه في الحكم على الغائب (ولما) تكلم على القسم الأول شرع يتكلم على القسم الثاني وقسمه بالنظر إلى كيفية الحوز إلى ثلاثة أقسام لأنه أما إن يكون بأضعف وجوه الحيازة وأما أن يكون بأقواها وأما أن يكون متوسطًا وإلى ذلك كله أشار الناظم بقوله (والأقربون حوزهم مختلف ... بحسب اعتمارهم يختلف) (فإن يكن بمثل سكنى الدار ... والزرع للأرض والاعتمار) (فهو بما يحوز الأربعينا ... وذو تشاجر كالابعدينا) (ومثله ما حيز بالعتاق ... ما كان أو بالبيع باتفاق) (وفيه بالهدم وبالنيان ... والغرس أو عقد الكرا قولان)

الجزء: 4 - الصفحة: 43

يعني أن الحوز بين الأقارب غير الأب مع ابنه كما تقدم وذلك كالأخوة والأعمام وأبنائهم والأخوال وأبنائهم والأصهار كانوا شركاء أم لا إذا كان بأضعف أوجه الحيازة كسكنى أو زراعة أرض ونحو ذلك فإن دعوى الحائز الملكية به لا تقبل إلا مع طول المدة جدًا وهو ما زاد على أربعين عامًا فإذا حاز الأصل أحدهم المدة المذكورة فأكثر فإن المحوز عنه يسقط حقه على ما جرى به العمل هذا إذا لم يكن بينهم تشاجر ولا عداوة أو أشكل أمرهم أما إن كانوا معروفين بالتشاح والتنازع فهو كالأجانب فيكتفى فيه بعشر سنين (وأشار) إلى الحوز إذا كان بأقوى وجوه الحيازة فقال (ومثله ما حيز بالعتاق) البيت يعني أن ما وقع حوزه بالعتق علي أي حالة كانت ناجزًا أو إلى أجل أو كتابة أو تدبيرًا أو وقع بالبيع ونحوه من المفوتات مثل اعتمار ذي التشاجر في كونه لا يعتبر فيه أزيد من الأربعين فالتشبيه بينهما إنما هو في هذا الوجه وإن كانت المدة فيهما مختلفة لأنها في غير العتق ونحوه عشر سنين وفيه العتق ونحوه بانقضاء المجلس ولهذا كان أقواها وقد تقدم هذا في بيع الفضولي وهبته (ثم) أشار إلى حوزهم بمتوسط الأشياء بقوله (وفيه بالهدم وبالبنيان) البيت يعني أن مقدار حوز الأقربين بهدم ما لا يخشى سقوطه بل ليتوسع فيه أو ليبني غيره مكانه وبالبنيان إذا كان عظيمي المؤونة وغرس الأشجار الكثيرة وعقد كراء دار ونحوها باسم نفسه بمحضر أقاربه الشركاء أو غير الشركاء قولان أحدهما أن العشر سنين معها كافية كالشريك الأجنبي والآخر إنها غير كافية بل بما يجاوز الأربعين كالحيازة بالسكنى والازدراع مثل الوجه الأول وهو المذهب ما لم يكن بينهم تشاح فالعشر كافية والله اعلم ثم صرح بمفهوم قوله والأجنبي أن يحز أصلًا الخ فقال (وفي سوى الأصول حوز الناس ... بالعام والعامين في اللباس) (وما كمركوب ففيه لزما ... حوز بعامين فما فوقهما) (وفي العبيد بثلاثة فما ... زاد حصول الحوز فيما استخدما)

الجزء: 4 - الصفحة: 44

(والوطء للإيماء باتفاق ... مع علمه حوز على الإطلاق) يعني أن المدة التي يصدق فيها الحائز وتصير دعوى المدعي مستبعدة غير مشبهة فلا تسمع منه تختلف بحسب الشيء المحوز فالحوز في الأصول تقدم وفي اللباس بالعام والعامين وفي المركوب بالعامين فأكثر وفي العبيد بثلاث سنين فأكثر والأمة للخدمة من ذلك فإن وطئها الحائز وعلم ربها ولم يتكلم عند ذلك فلا كلام له وإن لم يطل فهو حوز وذلك كله إذا كان الحوز على وجه الملك لأن الحيازة إذا كانت مجردة عن دعوى الملك لا تنفع الحائز ولا تضر المحوز عنه ومعنى الإطلاق قام ربها بالقرب أو بعد طول (ثم) أخذ يتكلم على ما يبدأ بسقيه من الأراضي بالماء الغير المملوك كماء السيول إذا وقع التنازع في البداءة بين أصحاب الأراضي فقال (والماء للأعلين فيما قدما ... والأسفل الأقدم فيما قدما) يعني أن الماء إذا كان غير مملوك ويجري في أرض قوم إلى قوم دونهم فإن الأعلى وهو الذي يدخل الماء أرضه مقدم في السقي على الأسفل وهذا إذا كان الأعلى أقدم من الأسفل في العمارة وكذا إذا كانا متساويين وأما إن كان الأسفل أقدم فهو مقدم في السقي كل ذلك إلى الكعبين إذا لم يكن الماء قابلًا لأكثر منهما وإلا زيد بحسب ما يراه أهل المعرفة وقوله قدما في الشرط الأول من البيت بضم الدال أي تقدم غرسًا أو زرعًا وقوله قدمًا في الشطر الثاني منه بضم القاف وتشديد الدال المكسورة ومتعلقه محذوف أي قدم الأسفل في السقي ثم قال (وما رمى البحر به من عنبر ... ولؤلؤ واجده به حري) يعني أن من وجد شيئًا طرحه البحر كعنبر أو لؤلؤ أو صدف أو مرجان إذا لم يتقدم عليه ملك فهو حقيق به ولا نظر فيه للإمام فإن تقدم عليه ملك كان لقطة تجري عليه أحكامها وقوله حرى أي حقيق كما بيناه (ولما) فرغ من الكلام على الحوز شرع يتكلم على الاستحقاق فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 45

﴿فصل في الاسىتحقاق﴾

في المصباح واستحق فلان الأمر استوجبه اهـ وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الاستحقاق رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله أو حرية كذلك بغير عوض اهـ (فقوله) بثبوت ملك قبله أخرج به رفع الملك بثبوت ملك بعده كالبيع والهبة والعتق وما ملك بالموت أو معه كطرو وارث على وارث (وقوله) أو حرية عطف على ملك الثاني يعني أو رفع ملك بثبوت حرية كذلك أي قبله وأشار به إلى الاستحقاق بالحرية (وقوله) بغير عوض أخرج به ما وجد في المغانم بعد بيعه أو قسمه فإنه لا يأخذه مالكه إلا بالثمن كما يأتي.
ويدخل في التعريف مدعي الحرية إذا استحق برق لأن مدعي الحرية يملك منافع نفسه واستحقاقه برقية يرفع ذلك الملك.
ويدخل فيه أيضًا الاستحقاق بالحبس فإن الملك إما للمحبس أو للمحبس عليه.
وقال بعضهم لو قال الإمام الاستحقاق رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله بغير عوض لكان أخصر وأوضح (قال) الحطاب لا يتصور الاستحقاق إلا بعد معرفة حقيقته وحكمه وسببه وشروطه وموانعه أما حقيقته فهي ما ذكر (وأما) حكمه فقال ابن عرفة حكمه الوجوب عند تيسر أسبابه في الربع على عدم يمين مستحقه وعلى يمينه هو مباح لغير الربع لأن الحلف مشقة اهـ. (قلت) وفي أحكام القرءان لابن العربي عند قول الله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس الآية (المسألة) الثانية روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيب لا أحلل أحدًا فقال ذلك يختلف فقال يا أبا عبد الله الرجل يسلف الرجل فيهلك فلا وفاء له فقال أرى أن يحلله وهو أفضل لقول الله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وليس كما قال وإن كان له فضل يتبع فقيل له الرجل يظلم الرجل فقال لا أرى ذلك وهو مخالف عندي للأول لقول الله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويقول تعالى ما على المحسنين من سبيل فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حل (قال) ابن العربي فصار في المسألة

الجزء: 4 - الصفحة: 46

ثلاثة أقوال أحدها لا يحلله بحال قاله سعيد بن المسيب.
والثاني يحلله قاله محمد ابن سيرين.
والثالث إن كان غير ظالم حلله وإن كان ظالمًا لم يحلله وهو قول مالك.
وجه الأول أن لا يحلل ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله.
ووجه الثاني أنه حقه فله أن يسقطه كما سقط دمه وعرضه.
ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على حقه فمن الرفق به أن تحلله وإن كان ظالمًا فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغتر الظلمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة اهـ فأفهم ذلك (ثم) قال الحطاب وأما سببه فهو قيام البينة على عين الشيء المستحق أنه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه ولا خروج شيء منه عن ملكه حتى الآن والشهادة بأنها لم تخرج عن ملكه إنما تكون على العلم في قول ابن القاسم المعمول به (قلت) وقد تقدم بسط هذا عند قول الناظم وغالب الظن به الشهاده.
بحيث لا يصح قطع عادة (ثم) قال وأما شروطه فثلاثة الأول الشهادة على عينه إن أمكن وإلا فحيازته بأن يقول شهود الملكية لمن يبعثه القاضي معهم هذه الدار هي التي شهدنا بها عند القاضي فلان (الثاني) الإعذار في ذلك إلى الحائز (الثالث) يمين القضاء وفي لزومها ثلاثة أقوال والقول المعمول به أنه لا يحلف في العقار ويحلف في غيره انظر ابن سلمون (وأما) موانعه ففعل وسكوت أما السكوت فمثل أن يترك القيام من غير مانع أمد الحيازة وأما الفعل فمثل أن يشتري ما ادعاه من عند جائزه فلو قال إنما اشتريته خوف أن يفتيه علي فإذا أثبته رجعت عليه بالثمن لم يكن له مقال.
وقال أصبغ إلا أن تكون بينة بعيدة جدًا أو يشهد قبل الشراء إنه إنما اشتراه لذلك فلذلك ينفعه ولو اشتراه وهو يرى بأن لا بينة له ثم وجد بينة فله القيام وأخذ الثمن منه اهـ وفول التسولي عند قول الحطاب وأما شروطه فثلاثة الأول الشهادة على عينه إن أمكن وإلا فحيازته الخ قلت هذا هو عين قوله وأما سببه كما لا يخفى الخ فكلامه هذا يقتضي إشكال كلام الحطاب مع أنه لا إشكال فيه لأن وجود البينة على الكيفية المذكورة سبب من جهة قيام صاحب الحق بها لأنها لو لم تكن كذلك لتعذر عليه القيام وشرط من جهة حكم الحاكم

الجزء: 4 - الصفحة: 47

لأنها لو لم تكن كذلك لما حاز له الحكم بها وحيث انفكت الجهة ارتفع الأشكال الذي توهمه ومن المعلوم الجلي عند العلماء أن الاعتبارات إذا تعددت في الأمور النسبية كالسبب والشرط والمانع جاز اجتماع اثنين منهما أو ثلاثة في شيء واحد كما تجتمع الأبوة والبنوة في واحد باعتبار والديته وباعتبار مولوديته ويجتمع السبب والشرط في الطهارة فسببيتها باعتبار إباحتها للدخول في الصلاة وشرطيتها باعتبار صحتها وتجتمع الثلاثة في العقد على الزوجة فإنه شرط في صحة النكاح وسبب في إباحة التلذذ بها ومانع من إنكاحها رجلًا آخر والله أعلم (ولما) كانت البينة شرطًا في الاستحقاق كما علمت وذلك عند إنكار المدعى عليه أشار إليها الناظم بقوله (المدعى استحقاق شيء يلزمه ... بينة مثبتة ما يزعم) (من غير تكليف لمن تملكه ... من قبل ذا بأي وجه ملكه) فالمدعي مبتدأ وجملة يلزم بالبناء للنائب خبره وبينة مفعول ثان بيلزم وما واقعة على الملك وجملة يزعم بفتح العين صلة ما والعائد محذوف ومن غير تكليف متعلق بيلزم ولمن تملكه متعلق بتكليف وذا إشارة للاستحقاق وبأي وجه متعلق بتملكه ومعنى البيتين مع بيان كيفية العمل في المسألة أن من أدعى استحقاق شيء معين كدار بيد غيرها وأنه أستولى عليه بوجه كذا من رهن أو كراء ونحوهما كما في الحطاب أو بدون وجه شرعي مدة كذا إذ لابد من بيان المدة لما ينبني عليها من الأحكام كما في برنامج عظوم فإن المطلوب يوقف على الإقرار والإنكار خاصة ولا يسأل من أين صار له على القول المعمول به فإن أقر فالحكم واضح وإن أنكر وقال المال مالي والملك ملكي في حوزي ودعواك فيه باطلة اكتفى منه بذلك ولم يلزمه أكثر منه وكلف الطالب إثبات الملك الذي زعم أنه له وإن زعم أن الملك أنجر له عمن ورثه عنه فإن المطلوب لا يسأل عن شيء حتى يثبت الطالب موت مورثه الذي ادعى أنه ورث ذلك منه ووراثته له وتناسخ الوراثات إن كان تناسخ على ما به العمل ويضمن في المقال كالتوكيل

الجزء: 4 - الصفحة: 48

ونحوه فإن أثبت الطالب ذلك كله فإن المطلوب يوقف على الإقرار والإنكار فإن قال ملكي وحوزي اكتفي به كما مر ويكلف الطالب إثبات الملك له أو لوارثه فإن أثبته على ما يجب سئل المطلوب حينئذ من أين صار له فإن قال حوزي وملكي وقد حزته عشر سنين والمدعي حاضر عالم ساكت بلا مانع كلف إثبات ذلك فإن أثبت بينة الحيازة كما يجب أعذر فيها للمدعي فإن لم يجد مطعنا سقطت دعواه وبينته إلا في الحبس كما تقدم في الفصل قبله وإن لم يدع الحيازة القاطعة بل أدعى أنه صار له بالبيع ونحوه من قبل الطالب أو مورثه كلف إثبات ذلك فإن أثبته وعجز الطالب عن الطعن فيه بطلت دعواه وإن عجز المطلوب عن إثبات الحوز في المسألة الأولى أو إثبات البيع في الثانية قضي للطالب به ما يطل كما مر وهل بيمين أو بدون يمين ثلاثة أقوال قيل تجب اليمين في كل شيء وقيل لا تجب في شيء وقيل لا تجب في الأصول وتجب في غيرها وبه العمل كما تقدم وإليه أشار الناظم بقوله (ولا يمين في أصول ما استحق ... وفي سواها قبل الإعذار يحق) يعني أن من استحق شيئًا بالبينة فإن كان من الأصول كالدار ونحوها فلا يمين عليه لأن حالها لا يخفى على الناس وإن كان من غير الأصول كالحيوان والعروض فإنه يجب عليه اليمين بأن يقول بالله الذي لا إلاه إلا هو ما باع الشيء المستحق ولا وهبه ولا خرج عن ملكه بوجه إلى الآن لأن البينة شهدت على نفي العلم فيحلف هو على البت وهكذا كل من شهدت له بينة بظاهر الحال فلابد من يمينه كما تقدم في باب اليمين وتكون يمينه قبل الإعذار للمشهود عليه لأن الإعذار إنما يكون بعد الثبوت وكمال الثبوت هو بحلفه لكن الذي عليه الجمهور وبه العمل إن حلفه يكون بعد الإعذار لا قبله لأنها من قبيل الاستبراء.
وإذا مكن المدعى عليه من الإعذار فتارة يترك الإعذار ليرجع على بائعه وتارة لا يتركه وإلى الأول أشار الناظم بقوله (وحيثما يقول ما لي مدفع ... فهو على من باع منه يرجع)

الجزء: 4 - الصفحة: 49

يعني أن المستحق من يده إذا أشهد على نفسه بأنه لا مدفع له ولا تجريح ولا معارض في حجة خصمه فإن الشرع يمكنه من الرجوع على من باع منه إن أراده بما أعطاه ثم إن كان البائع معه في البلد فالحكم ظاهر وترجع الخصومة معه له أو عليه وإن كان ببلد آخر فله أن يذهب بالدابة مثلًا ليرجع على البائع بعد أن يضع قيمتها ببلد الاستحقاق على يد أمين ويؤجل في ذلك وتدفع له الدابة فإن رجع بها عند الأجل سالمة فذاك وإلا قبض المحكوم له القيمة فإن جاء بها وقد نقصت أو غيرت خير المستحق في أخذها بدون أرش أو القيمة وأشار إلى الثاني بقوله (وإن يكن له مقال آجلا ... فإن أتى بما يفيد أعملا) (وما له في عجزه رجوع ... على الذي كان له البيع) يعني أن المدعى عليه إن أدعى مدفعًا في البينة التي شهدت لخصمه بالملك المتنازع فيه فإنه يؤجل في ذلك على ما جرى به العمل في التأجل فإن أتى بما يفيده أعمل وإن لم يأت بما يفيده حتى انقضت الآجال والتلومات حكم عليه بعد يمين الذي ثبت له الملك على ما تقدم ولم يكن للمحكوم عليه قيام بعد إدعائه المدفع على من باع منه إذ قيامه عليه إنما هو بالبينة التي شهدت فإذا كذب البينة لم يجب له بها قيام كذا في الوثائق المجموعة وفي نوازل البيوع والمعاوضات من المعيار وهو المشهور وبه القضاء وعليه العمل قال التسولي وهذا كله إذا طلب الإعذار للتكذيب والتجريح كما قررنا وأما إذا طلبه بقصد طلب رجوعهم عن الشهادة وسؤالهم عن كيفية شهادتهم وهل فيها تناقض أو سقط فصل من فصولها وأركانها ونحو ذلك مما لا يقتضي التكذيب كما هي عادة الناس اليوم فإن ذلك لا يبطل حقه في الرجوع قطعًا ولا ينبغي أن يختلف فيه لأنه لم يكذبهم قال ابن رحال قال وكذا لو كان جاهلًا بما يترتب على دعواه من الطعن والتكذيب فإنه لا يضره وإن كذبهم إلا إذا بين له أن التكذيب والطعن يضره ويوجب له عدم الرجوع اهـ كلام ابن رحال باختصار اهـ ثم قال الناظم

الجزء: 4 - الصفحة: 50

(والأصل لا توقيف فيه إلا ... مع شبهة قوية تجلى) (وفي سوى الأصل بدعوى المدعي ... بينة حاضرة في الموضع) يعني أن من ادعى استحقاق أصل وطلب توقيفه فإنه لا يجاب إلى مطلبه إلا مع شبهة قوية واضحة كشهادة عدل ولو محتاجا للتزكية أو اثنين كذلك أو عدلين مقبولين وبقي الإعذار فيهما كما مر في فصل التوقيف وأما غير الأصول من العروض والحيوان فإنه توقف بمجرد دعوى المدعي إذا كانت له بينة حاضرة في الموضع كما تقدم في الفصل الثاني من أنواع الشهادات فراجع المسألة هنالك لما في كلامه هنا من الأجمال وقوله تجلي فعل مضارع حذف منه إحدى التائين إذا أصله تتجلى وقوله بدعوى المدعي الظاهر إنه متعلق بمحذوف تقدير توقف بدعوى المدعي (ولما) كان القاضي لا يحكم إلا على معروف لمعروف في معروف بشهادة معروف كما قال الزقاق شهادة معروف لمعروف إن جرت.
على مثله والشيء معروف أقبلا.
وإلا فلا.
الخ ويشاركه الشاهد في الثلاثة الأول والمعرفة تارة تكون بواسطة المعرفين وتارة تكون بدون واسطة كما هو معلوم وعليه فإن الشيء المتنازع فيه لا يخلو إما أن يكون إحضاره لدى القاضي ممكنًا لتقع الشهادة على عينه وأما أن يكون غير ممكن والى الأول أشار الناظم بقوله (وما له عين عليها يشهد ... من حيوان أو عروض توجد) يعني أن الشيء المدعى فيه إن كان مما يقبل النقل من موضع إلى آخر كالحيوان فإنه يؤتى به لتقع شهادة الشهود على عينه لدى القاضي أو من يونب عنه من الموثقين لسهولة إحضاره عنده (ومفهوم) قوله توجد إنها إذا لم تكن موجودة بأن كانت غائبة عن البلد جازت الشهادة فيها على صفتها وهو كذلك (تنبيه) إذا كان المدعى فيه مما لا يعرف بعينه كالدراهم والدنانير والحلي والأواني والمكيلات والموزونات ونحوها فلا تقام الشهادة على عينه كما في ابن ناجي وغيره وحينئذ لم يكن للمدعي إلا حلف المدعى عليه وأشار إلى الثاني بقوله

الجزء: 4 - الصفحة: 51

(ويكتفى بحوز الأصل المستحق ... بواحد عدل والاثنان أحق) يعني أن الشيء المتنازع فيه إذا كان مما لا ينقل كالدار ونحوها فإن الحيازة فيه بعدل واحد يقدمه القاضي لها كافية لتعذر حضوره وشغل القاضي عن الذهاب إليه وإنما يكتفي بالعدل الواحد لأنه نائب عنه لكن الاثنان أولى عند كل ذي نظر وبه العمل وإنما تكون الحيازة بالعدول واجبة لتكون الشهادة على العين إذا شهد عدلان بملكية أصل لأحد وذكرا حدوده وأنكر المدعى عليه الحدود وقال لا أدري هذه الأرض التي ينازع فيها ولا حدودها وأما إذا وافق المدعى عليه المدعي على الحدود فلا يحتاج إلى حيازة وإليه أشار الناظم بقوله (وناب عن حيازة الشهود ... توافق الخصمين في الحدود) فإذا تمت الحيازة بالشهادة أو بتوافق الخصمين على الحدود وأجاب المدعى عليه بالإنكار وجب توقيف المدعى فيه بالحيلولة على ما به العمل كما تقدم في الشهادات ثم يعذر للمطلوب ويؤجل كما مر ثم قال (وواجب أعمالها أن الحكم ... بقسمة على المحاجير حكم) يعني أن القاضي إذا أراد أن يحكم بالقسمة على المحاجير فلا يقسم بينهم حتى يثبت عنده حيازة مورثهم ثم إن كان المقسوم يلتبس بغيره فلابد من أعمال الحيازة كما قال الناظم وإن كان معروفًا لا يلتبس بغيره فلا يحتاج إلى حيازة وكذا لا مفهوم للمحاجير بل غيرهم كذلك قال الباجبي ما نصه الذي أجمع عليه مالك وقدماء أصحابه ونقله من لا يحصى من الموثقين والأيمة المحققين أنه لا يجوز للقاضي أن يأذن للورثة في القسمة حتى يثبتوا أصل الملك لمورثهم واستمراره وحيازتهم والموت والوراثة وبه جرى عمل القضاة بقرطبة وطليطلة اهـ من نوازل المعيار وهاته المسألة لها نظاير قال ابن رحال منها الحبس إذا شهد به على القطع فلابد من ثبوت الملك للمحبس ومنها الرهن وباع الحاكم إن امتنع ومنها قول المختصر آخر النفقات

الجزء: 4 - الصفحة: 52

وبيعت داره بعد ثبوت ملكه ومنها في الحجر وباع الحاكم بثبوت يتمه وفي الفلس وبيع ماله بحضرته وهي مواضع كثيرة يطول بنا استقصاؤها فأنت ترى كلامهم لا ذكر للحيازة فيها ولا للمحاجير ويظهر أن الحيازة تجري على ما تقدم فإن عرف المقسوم ولا يلتبس بغيره فلا يحتاج إلى حيازة وإلا احتاج كان المملوك للمحاجير أو رشداء هذا الذي يظهر والعلم عند الله تعالى اهـ (ولما) كانت الشهادة قد تلفق في بعض المسائل ويقضى بها أشار الناظم إلى مسألة منها بقوله (وجاز أن يثبت ملكًا شهدا ... وبالحيازة سواهم شهدا) (إن كان ذا تسمية معروفه ... ونسبة مشهورة مألوفه) يعني أن من ادعى ملكًا بيد غيره معروفًا باسم مفرد علامة عليه كالمديوني واللخمي من أجنة توزر أو معروفًا بأمس مركب من كلمتين مشتمل على نسبة مخصومة كبركة الله وبستان المصري وسانية الدار من غابة توزر أيضًا وأتى ببينة تشهد له بأن الجنان المسمى بالمديوني مثلًا هو ملك لفلان ومال من ماله إلى آخر الشروط التي تكتب في رسم الشهادة بالملك ولا تتعرض البينة لذكر حدوده لأن شهودها لا يعرفونها وتشهد بينة آخرى بأن الموضع المسمى بما ذكر حده من جهة القبلة كذا ومن جهة الشرق كذا الخ وإن الاسم المذكور لا يطلق إلا على الشيء المحدود لا على ما خرج عنها لأنهم كانوا يخدمونه مثلًا ولا يعرفون الجنان لمن هو فإن الشهادتين تلفقان ويوجه القاضي معهما شاهدين يشهدان على حيازتهما فيكون مجموع الشهود ستة ويثبت الملك حينئذ للمدعي ولا يتم له الاستحقاق إلا بعد الإعذار (تنبيه) فإن عجز المدعي عن بينة الحدود وبقيت الشهادة الأولى على إجمالها فإنها تجري على ما تقدم في فصل في مسائل من الشهادات عند قوله ومن لطالب بحق شهد الخ وقول الناظم شهداء في الشطر الأول من البيت بضم الشين جمع شهيد ولفظ شهدا بعده فعل ماض وألفه للإطلاق (ولما) فرغ الناظم من الكلام على استحقاق الكل شرع يتكلم على استحقاق البعض

الجزء: 4 - الصفحة: 53

وهو أما مثلي أو مقوم والمقوم إما أن يستحق منه شيء معين أو شائع والشائع إما أن يكون قابلًا للقسمة أو غير قابل وفي كل من الأقسام الأربعة إما أن يكون البعض المستحق قليلًا أو كثيرًا أشار إلى استحقاق المثلي كثيرًا أو قليلًا فقال (ومشتري المثلي مهمى يستحق ... معظم ما اشترى له التخيير حق) (في الأخذ للباقي من المبيع ... بقسطه والرد للجميع) (وإن يكن منه اليسير ما استحق ... يلزمه الباقي بما له يحق) يعني أن من اشترى مثليًا من مكيل أو موزون أو معدود كالقمح أو زيت أو بيض ثم استحق منه شيء فإن كان معظمه خير المشتري بين التمسك بما بقي بحصته من الثمن وبين رد جميع الباقي بعد الاستحقاق ويأخذ جميع ثمنه وإن استحق القليل منه لزمه التمسك بالباقي بحصته أيضًا قال الشرح واليسير هنا الثلث فأدنى وقوله ومشتري المثلي الخ مضاف ومضاف إليه ويستحق مبني للنائب ومتعلقه محذوف أي منه ومعظم بضم أوله وفتح ثالثه نائب الفاعل ومعظم الشيء أكثره وهو مضاف وما الواقعة على الشيء المشتري مضاف إليه وجملة اشترى صلة ما والعائد محذوف أي اشتراه (ثم) أشار إلى استحقاق بعض المقوم المعين وهو إما كثير أو قليل فقال (وماله التقويم باستحقاق ... أنفسه يرد بالإطلاق) (إن كان في معين ولا يحل ... إمساك بقيه لما فيه جهل) (وإن يكن أقله فالحكم إن ... يرجع في حصته من الثمن) يعني أن من اشترى مقومًا كثواب فاستحق منها ثوب معين فإن كان أفضل ما في الأثواب فإنه يرد الجميع ولا يجوز له التمسك بالباقي بعد استحقاق وجه الصفقة وهو ما زاد على النصف في القيمة لأن وجه الصفقة وإن كان قليلًا في الحسن فهو كثير من جهة القيمة وغيره قليل والأقل يتبع الأكثر فيفسخ الجميع لأنه لو تمسك بالأقل

الجزء: 4 - الصفحة: 54

لكان شراؤه واقعًا بثمن مجهول وإن كان غيره وجه الصفقة بأن كان قدر النصف فأقل يرجع بقيمة ما استحق ويتمسك بالباقي لأن الصفقة لم تنفسخ كما في استحقاق الجل (وقوله) باستحقاق متعلق بيرد وهو مضاف وانفسه مضاف إليه ومعنى الإطلاق سواء تراضيًا على التمسك بالباقي بما ينوبه أم لا وقوله إن يكن أقله اسم يكن ضمير يعود على الشيء المستحق وأقله بالنصب خير يكن (ثم) أشار إلى استحقاق البعض على الشياع وهو إما أن يكون قابلًا للقسمة أم لا فقال (وإن يكن على الشياع المستحق ... وقبل القسمة فالقسم أحق) (والخلف في تمسك بما بقي ... بقسطه مما انقسامه اتقي) يعني أن من اشترى عقارًا فاستحق منه جزء شائع كنصف أو ربع على الشياع فإن كان ذلك العقار يقبل القسمة بلا ضرر فالذي يستحقه المشتري هو المقاسمة ويتمسك بالباقي ويرجع بحصة ما استحق وظاهره كان المستحق قليلًا أو كثيرًا وليس كذلك بل إنما يكون ذلك إذا كان المستحق قليلًا وأما إذا كان كثيرًا كثلث في دار أو نصف في أرض فالمشتري بالخيار بين التمسك بالباقي ويرجع بحصة المستحق وبين الرد ويرجع بجميع ثمنه وإن كان لا يقبل القسمة أصلًا أو يقبلها بضرر كشجرة واحدة أو دار ضيقة ونحوهما فهل له أن يتمسك بالباقي بما ينوبه من الثمن أم لا خلاف قال التاودي ولم أر من قال انه لا يجوز التمسك بالباقي في هذا القسم والذي في الشارح والحطاب وغيرهما فيه إن المستحق منه مخير بين التمسك والرد وإن قل لضرر الشركة (تنبيه) الربع المتخذ للغلة كالقابل للقسمة فلا يخير فيه إلا في استحقاق الكثير وهو في مثل الدار الواحدة الثلث وفيما تعدد من الدور ما زاد على النصف كالحيوان والعروض والنصف في الأرض كثير كما في الزرقاني وغيره ثم قال (وإن يكن في الفيء مال المسلم ... فهو له من قبل قسم المغنم)

الجزء: 4 - الصفحة: 55

(وإن يقم من بعد ما قد قسما ... فهو به أولى بما تقوما) يعني أن المسلمين إذا غنموا غنيمة من العدو فوجدوا فيها مال مسلم معروفًا فإن عرف ذلك قبل قسم الغنيمة فهو له بدون ثمن وإن لم يعرف إلا بعد القسمة فلا يأخذه ربه إن أراده إلا بالثمن الذي قوم به حين القسمة ويجري على هذا التفصيل ما عرف لذمي والله تعالى أعلم وقول الناظم (ومشتر وحائز ما ساق من ... أمن لا يؤخذ منه بالثمن) معناه أن الحربي إذا قدم إلينا بأمان وفي يده شيء من أموال المسلمين فباعه أو هبه لمسلم أو ذمي فليس لمالكه نزعه من مشتريه أو الموهوب له الحائز لا بالثمن ولا بالقيمة.
وأما من ذهب لبلدهم واشترى منهم شيئًا من أموال المسلمين لو وهبوه له وقدم به فلربه أخذه ممن اشتراه بالثمن ومن وهب له بلا ثمن وقوله ومشتر مبتدأ وحائز بالرفع معطوف عليه وما واقعة على الشيء المشتري أو الموهب معمول لمشتر أو حائز من باب التنازع وجملة ساق صلة ما والعائد محذوف أي ساقه ومن بفتح الميم اسم موصول فاعل ساق وأمن بضم أوله مبني للنائب صلة من ضميره المستتر فيه وجملة لا يؤخذ منه بالثمن خبر المبتدأ ثم قال (ويؤخذ المأخوذ من لص بلا ... شيء وما يفدى به بما قد بذلا) يعني أن من وجد مال غيره بيد لص وقاطع طريق فأخذه منه بغير عوض فإن ربه يأخذه بلا شيء وإن أخذه منه بفداء فلا يأخذه ربه حتى يدفع إليه ذلك العوض الذي فداه به هذا إذا أشتراه لربه وأما إن اشتراه لنفسه فإن ربه يأخذه بلا شيء ويكون للمشتري الرجوع على البائع بالثمن سواء علم بلصوصيته أو لم يعلم كما تقدم أول الفصل (ولما) فرغ من الكلام على الاستحقاق اتبعه الكلام على مسائل العارية والوديعة والأمناء فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 56

﴿فصل في العادية والوديعة والأمناء﴾

(أما) العاريه فأبحاثها ستة (الأول) في معناها لغة واصطلاحًا (الثاني) في أركانها (الثالث) في حكمتها (الرابع) في حكمها (الخامس) في أصل مشروعيتها (السادس) في اللواحق وهي التي تكلم عليها الناظم (فأما) العارية في اللغة فهي نسبة إلى العارة وهي أسم من الإعارة يقول أعرته الشيء إعارة وعارة مثل أطعته إطاعة وطاعة واجبته إجابة وجابة وسميت عارية لأنها عار على طالبها تقول العرب هم يتعاورون العواري ويتعورونها إذا أعار بعضهم بعضًا وقد تخفف ياء العارية في الشعر والجمع العواري بالتخفيف والتشديد على الأصل واستعرت منه الشيء فأعارنيه كذا في المصباح.
وفي الاصطلاح عرفها الإمام ابن عرفة بالمعنى المصدري بقوله هي تمليك منفعة مؤقتة لا بعوض اهـ فتدخل العمرى والإخدام ويخرج بقوله منفعة تمليك الذوات وتمليك الانتفاع والفرق بين الانتفاع والمنفعة هو أن المنفعة له أن يستوفيها بنفسه أو بغيره فله أن يعيرها أو يستأجرها لمثله إن لم يحجر عليه ولو بالعادة بخلاف مالك الانتفاع كسكان المدارس والزوايا فإنهم لا ينتفعون إلا بأنفسهم وليس لهم أن يؤاجروا ذلك أو يعيروه لغيرهم (وقوله) مؤقتة حقيقة أو حكمًا لتدخل المعتادة عند الإطلاق لإخراج الحبس فإن الغالب فيه التأبيد (وأما) بالمعنى الاسمي وهو مراد الناظم هنا فهي مال ذو منفعة مؤقتة ملكت بغير عوض فقوله بغير عوض تخرج به الإجارة (وأما) أركانها فأربعة المعير وشرطه أن يكون من أهل التبرع مالكًا للمنفعة.
والمستعير وشرطه أن يكون ممن يجوز شرعًا انتفاعه بالعارية.
والشيء المعار وشرطه أن يكون الانتفاع به ممكنًا مع بقاء ذاته كالثوب والكتاب بخلاف الطعام ونحوه فإنه لا يعار بل يقرض وإن تكون منفعته مباحة للمستعير فلا تعار الأمة للوطء.
والصيغة التي يقع بها العقد أو ما يقوم مقامها من الأفعال التي تفهم منها العارية (وأما) حكمة مشروعيتها فلتزكية النفس وتطهيرها من داء البخل واستجلاب المحبة وإبقاء

الجزء: 4 - الصفحة: 57

المودة (وأما) حكمها في الإسلام فقد يعرض لها الوجوب كغني عنها لمن يخشى هلاكه بعدمها كثوب لوقاية ضرر البرد وإبرة لتخييط جرح في البطن وسكين لذبح نحو شاة يخشى عليها الموت ونحو ذلك.
والحرمة بأن كانت تعين على معصية كسلاح لقاطع طريق ومحل للفسق.
والكراهة ككونها معينة على فعل مكروه.
وذلك لأن الأصل فيها الندب فهي معروف وإحسان والله يحب المحسنين (وأما) الأصل في مشروعيتها فقول الله تعالى وافعلوا الخير الآية.
وقد ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار فرسًا من أبي طلحة واستعار من صفوان بن أمية درعه يوم حنين فقال له اغصب يا محمد قال بل عارية مضمونة وفي أبي داوود والترمذي وابن ماجه من حديث إمامه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم قال الترمذي حسن صحيح (وأما) اللواحق وهي ما عدا الأركان فقد أشار إليها الناظم مع شيء من حكم الحديث المتقدم فقال (وما استعير رده مستوجب ... وما ضمان المستعير يجب) (إلا بقابل المغيب لم يقم ... بينة عليه أنه عدم) (أو ما المعار فيه قد تحققا ... تعد أو فرط فيه مطلقا) يعني أن من استعار شيئًا فإنه يجب عليه رده لربه بعد قضاء حاجته منه ولا يجوز له أن يتركه حتى يأتي ربه إليه وتكون مؤنة رده على المستعير إن احتاج إلى ذلك وأن المستعير لا يضمن العارية إلا في صورتين أحدهما أن تكون العارية مما يغاب عليه ولم تقم بينة على هلاكها والثانية ثبوت تعدي المستعير أو تفريطه في العارية حتى هلكت كانت مما يغاب عليه أم لا هذا معنى قول الناظم بالإطلاق فإن أقام بينة على هلاكها فلا ضمان عليه كانت مما يغاب عليه أم لا (فرع) لو اشترط إسقاط ذلك الضمان

الجزء: 4 - الصفحة: 58

فيما يضمن أو إثباته فيما لا يضمن ففي إفادته وعد إفادته وهو القول المشهور المعمول به خلاف ولهاته المسألة نظائر من الطلاق والوصية وغيرهما داخلة تحت قاعدة وهي اشتراط ما يوجب الحكم خلافه مما لا يقتضي فسادًا هل يعتبر أم لا خلاف انظر بسطها في المنجور على المنهج المنتخب أو إيضاح المسالك تستفد (وقوله) وما الأولى اسم بمعنى شيء وما الثانية نافية وبقابل أي في قابل ويقم بضم أوله من أقام وبينة بالنصب مفعول به وفاعل يقم ضمير مستتر يعود على المستعير وقوله أو ما أي في الذي المعار وفيه متعلق بتحققًا بالبناء للنائب وتعد نائب على الفاعل (ثم) شرع يتكلم على التنازع وهو إما في الرد وإما في المدة وإما في مسافة المركوب وإما في أصل العارية وقد أشار الناظم إلى الأول فقال (والقول قول مستعير حلفا ... في رد ما استعار حيث اختلفا) (ما لم يكن فيما يغاب عاده ... عليه أو أخذ بالشهاده) (فالقول للمعير فيما بينه ... ومدعي الرد عليه البينه) يعني أن المعير والمستعير إذا اختلفا في رد العارية فقال المعير لم تردها وقال المستعير رددته ففي ذلك تفصيل وهو أن العارية إن كانت مما لا يغاب عليه ولم يكن قبضها المستعير بإشهاد فالقول قول المستعير في ردها بيمين.
وإن كانت مما يغاب عليه فالقول قول المعير في عدم ردها بيمين وسواء قبضها المستعير بإشهاد أو بغيره وكذلك ما لا يغاب عليه إذا قبضه بإشهاد فإن القول قول المعير أيضًا في عدم الرد بيمين.
وقوله حلفا ألفه للإطلاق وفيه ضمير يعد على مستعير وفي رد أي على رد وألف اختلفا ضمير المثنى يعود على المعير والمستعير وعادة منصوب على إسقاط الخافض وعليه متعلق بيغاب وقوله أو أخذ بالبناء للنائب.
ومعنى فيما بينه أي أدعاه من عدم الرد.
ومدعي الرد هو المستعير (ثم) أشار إلى الثاني والثالث بقوله (والقول في المدة للمعير ... مع حلفه وعجز مستعير)

الجزء: 4 - الصفحة: 59

(كذاك في مسافة لما ركب ... قبل الركوب ذاله فيما يجب) (والمدعي مخير أن يركبا ... مقدار ما حد له أو يذهبا) (والقول من بعد الركوب ثبتا ... للمستعير أن بمشبه أتى) (وإن أتى فيه بما لا يشبه ... فالقول للمعير لا يشتبه) يعني أن المعير والمستعير إذا اختلفا في مدة العارية فإن القول للمعير بيمينه إن عجز للمستعير عن البينة.
وإن اختلفا في المسافة فإن كان اختلافهما قبل الركوب فالقول قول المعير أيضًا مع يمينه فإذا حلف خير المستعير بين أن يقتصر على المسافة التي حددها المعير وحلف عليها أو يذهب ولا شي له.
وإن كان اختلافهما بعد الركوب فالقول قول المستعير بيمينه إن ادعى ما يشبه وإلا فالقول قول المعير بيمينه ثم أشار إلى الرابع فقال (والقول قول مدعي الكراء في ... ما يستعار مع يمين اقتفي) (ما لم يكن ذلك لا يليق ... به فقلب القسم التحيق) يعني أن المتداعيين إذا اختلفا في شيء فقال رب الشيء هو عندك على وجه الكراء وقال من هو تحت يده على وجه العارية فالقول قول رب الشيء بيمينه إنه اكراه له بكذا إلا أن يكون ممن لا يليق به الكراء لعلو قدره فإن القسم حينئذ يتوجه على مدعي العارية لأن القول صار له (ثم) شرع في الوديعة وهي استنابة في حفظ المال وهي عقد أمانة حكمها الجواز من الجانبين وقد يعرض لها الوجوب إن لم يجد غيره (والأصل) فيها قول الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقال تعالى فإن آمن بعضكم بعضًا فليؤذ الذي ائتمن أمانته وخبر أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وأداء الأمانة من علامات الإيمان ومن عمل المؤمنين وأما الخيانة فهي من علامات النفاق وعمل الفساق كذا في النفراوي.
وحكمة مشروعيتها الحث على الحفظ وعلى

الجزء: 4 - الصفحة: 60

قضاء الحوائج.
وهي على شطرين أركان ولواحق فأما أركانها فأربعة المودع بالكسر والمودع بالفتح وشرطهما أهلية التوكيل والتوكل في الجملة ليشمل المأذون له في التجارة.
وأما الصبي والسفيه فلا يودعان ولا يستودعان لكن إن أودعاك شيئًا أيها الرشيد وجب عليك حفظه وإن أودعت عندهما فاتلفا أو فرطا فلا ضمان عليهما كما يأتي (والثالث) الشيء المودع وهو كل ما يحتاج إلى حافظ ولو عقارا (والرابع) الصيغة وهي كل ما يفهم منه طلب الحفظ ولو بقرائن الأحوال ولا يتوقف عقدها على إيجاب وقبول باللفظ حتى لو وضع شخص متاعه عند جالس رشيد بصير ساكت وذهب الواضع لحاجته فإنه يجب على الموضوع عنده المتاع حفظه بحيث يضمنه إن فرط في حفظه حتى ضاع لأن سكوته رضى منه بالإيداع عنده وأما الأعمى فلابد أن يضع يده عليها حتى يضمن إن فرط (وأما اللواحق) فهي قول الناظم (ويضمن المودع مع ظهور ... مخايل التضييع والتقصير) (ولا ضمان فيه للسفيه ... ولا الصغير مع ضياع فيه) يعني أن من أودع وديعة عند إنسان رشيد فهلكت فإنه لا يضمنها إلا إذا تسبب في هلاكها كإيداعها عند الغير بلا عذرا ونقلها من موضع حرز إلى غيره والانتفاع بها كلبس وركوب ونحوهما فإنه حينئذ يضمنها هذا في حق الرشيد وأما البالغ السفيه والصغير فلا ضمان عليهما وإن قصرا أو ضيعا كما تقدم (فرع) وفي حاشية الطرابلسي ما نصه قوله وإن أودعت لمسافر مالًا فأودعه في سفره الخ ولو خرج عليهم لصوص فأعطاها لفارس ينجو بها أو ألقاها في شجرة فضاعت لم يضمن قاله في العتبية اهـ وكذلك المسافر تكون عنده الوديعة وفي الرفقة من يحترم فيودعها عنده خوف اللصوص ثم يؤل الأمر إلى خلاف ذلك لم يضمن وكذلك إن خرج عليهم اللصوص فطرحها في موضع يرجو نجاتها فيه قراءه اللصوص فأخذوها لا ضمان عليه لأن غاية مقدوره في الاحتياط عليها كذا في برنامج عظوم (وقول) الناظم المودع بفتح الدال وقوله

الجزء: 4 - الصفحة: 61

(والتجر بالمودع من اعمله ... يضمنه والربح كله له) يعني أن من كانت عنده وديعه فاستعملها في التجارة فإنه يضمنها إن هلكت ويكره له ذلك إن كانت عينًا وإلا حرم ويكون الربح له لا لربها لأن ضمانها وقت التجارة بها منه والخراج بالضمان كما هو القاعدة ثم قال (والقول قول مودع فيما تلف ... وفي ادعاء ردها مع الحلف) (ما لم يكن يقبضه ببينه ... فلا غنى في الرد أن يبينه) يعني أن من كانت عنده وديعة فادعى تلفها فإن القول قوله لأنه أمين إن لم يتهم وإلا فعليه يمين التهمة وسواء قبضها بإشهاد أو بدون إشهاد وأن ادعى ردها لربها فإن كان قبضه بغير إشهاد فكذلك وإن قبضه بإشهاد قصد به التوثق من المنتصبين لا مجرد حضور جماعة فلا يقبل قوله في ذلك إلا بالبينة وإلا فعليه ضمانه لتفريطه وعلى ربه اليمين في عدم الرد وضمير ردها يعود على الوديعة وضمير يقبضه يعود على الشيء المودع والمعنى واحد وإنما هو من باب التفنن في التعبير الذي هو من أنواع البلاغة والله اعلم ثم شرع يتكلم على الأمناء جمع أمين فقال (والأمناء في الذي يلونا ... ليس لشيء منه يضمنونا) يعني أن الأصل في الأمناء عدم الضمان في كل شيء يلونه حتى يظهر منهم ما يوجب الضمان وذكر الناظم منهم سبعة عشر فالأول والثاني قوله (كالأب والوصي) وكذا وصية ومقدم القاضي والكافل واللقيط فإنهم مصدقون فيما ادعوا ضياعه من مال المحجور الذي هو عندهم كان مما يغاب عليه أم لا ولا ضمان عليهم في شيء من ذلك ويفهم من قوله كالأب إنهم غير محصورين في العدد المذكور وهو كذلك فيدخل تحت الكاف التي جيء بها للتمثيل والزوج والزوجة مما لا يغاب عليه وهو بيد أحدهما وطلق قبل البناء فإن ضمانه منهما ولا يرجع أحدهما على الآخر بنصفه فإن كان مما

الجزء: 4 - الصفحة: 62

يغاب عليه ولم تقم على هلاكه بينة فضمانه من الذي هو تحت يده ويدخل أيضًا من قلب فخارًا أو نحوه بحضرة ربه فسقط من يده فلا ضمان عليه فيه كما تقدم في بيع العروض.
ويدخل الوارث إذا طرأ عليه دين أو وارث وأدعى تلف ما كان بيده بعد القسمة فإنه يصدق فيما لا يغاب عليه دون غيره وأما قبل القسمة فهو مصدق مطلقًا إلى غير ذلك من الفروع (والثالث) قوله (والدلال) ويقال له السمسار فيصدق فيما ادعى ضياعه كما يصدق في رده وما درج عليه الناظم هو المشهور والذي عليه العمل أنه لا يصدق فيما يغاب عليه إذا ادعى رده وكذا ما لا يغاب عليه إذا قبضه بإشهاد (والرابع) قوله (ومرسل صحبته بالمال) يعني أن من دفعت إليه مالًا يبلغه الشخص فادعى تلفه قبل وصوله إلى المرسل إليه فهو مصدق في تلفه ولو كان مما يغاب عليه وإن ادعى أنه دفع إليه وصدقه بريء وإن كذبه المرسل إليه لم يبرأ الرسول إلا ببينة فإن عجز عنها حلف المرسل إليه وغرم وقول النظام ومرسل بفتح السين (والخامس) قوله (وعامل القراض) فهو مصدق في التلف والخسر والرد كما تقدم (والسادس) قوله (والموكل) بفتح الكاف أي الوكيل فإنه إذا ادعى تلف ما وكل عليه فإنه مصدق وسواء كان بأجرة أو بدون أجرة مفوضًا كان أو مخصومًا لكن لا يبرأ الغريم من الدين الذي دفعه للوكيل وادعى تلفه إلا ببينة على القبض (والسابع) قوله (وصانع لم ينتصب للعمل) يعني أن الصانع الذي لم ينصب نفسه للعمل في حانوته أو في داره للناس وإنما شأنه أن يصنع لنفسه أو لرجل أو جماعة خاصة فإذا أجره بعض الناس على خياطة ثوب أو سبك صياغة ونحو ذلك فادعى ضياعه فإنه مصدق ولا ضمان عليه (والثامن) قوله (وذو انتصاب مثله في عمله ... بحضرة الطالب أو بمنزله) هذا البيت مفهوم قوله لم ينتصب أما إذا نصب نفسه لجميع الناس وسواء كان يصنع بداره أو بحانوته وكل من أتاه بثوب ونحوه يصنعه له فإن كان هلاك المصنوع بحضرة

الجزء: 4 - الصفحة: 63

ربه بغير سببه أو كان عمله بمنزل رب المصنوع وغاب الصانع على المصنوع فإنه لا ضمانه عليه في الصورتين فهو مثل غير المنتصب في التصديق وإن ادعى تلفه بدون حضرة الطالب أو في غير منزله فإنه لا يصدق ويضمن إلا أن تقوم بينة على تلفه بغير سببه فلا ضمان عليه (والتاسع) قوله (والمستعير مثلهم) يعني أن المستعير مثل الأمناء في التصديق فيما لا يغاب عليه فقط كما تقدم (والعاشر) قوله (والمرتهن في غير قابل المغيب فاستبن) يعني أن المرتهن بكسر الهاء إذا ادعى ضياع الرهن الذي لا يغاب عليه فإنه مصدق ولا ضمان عليه وكذا لا يضمن ما يغاب عليه إن قامت على هلاكه بينة كما تقدم في بابه وقوله فاستنبن تتميم للبيت (والحادي عشر) قوله (ومودع لديه) أي عنده يعني أن المودع بفتح الدال إذا ادعى تلف الوديعة التي عنده فإنه مصدق قبضها بإشهاد أم لا وكذا إن ادعى ردها ما لم يقبضها بإشهاد وإلا فلا يصدق كما مر (والثاني عشر) قوله (والأجير فيما عليه الأجر) يعني أن من استأجر أجيرًا غير منتصب للإجارة فادعى ضياع ما أخذ عليه الأجر فإنه مصدق كالصانع الذي لم ينتصب للصنعة فإن انتصب للإدارة ضمن إلا إذا حصل ضياعه بمحضر ربه أو إذا كان يخدم في منزل ربه فإنه لا يضمن كما مر في الصانع (والثالث عشر) قوله (والمأمور) يعني أن من أمر بإتيان حاجة أو ردها إلى صحابها أو إلى موضع كذا بغير أجر فيدعي تلفها فهو مصدق فإن كان ذلك بأجر فهو ما قبله وهذا المأمور في الحقيقة كالوكيل العرفي (والرابع عشر) قوله (ومثله الراعي) أي مثل المأمور في التصديق الراعي إذا كان غير مشترك بأن كان خاصًا بواحد أو جماعة فإنه لا يضمن فيما ادعى تلفه بغير تعد ولا تفريط ولو شرط عليه الضمان إن لم يأت بسمة الميت هذا في القديم وأما في عرف الناس اليوم فإنه لا يصدق مثل الراعي المشترك إلا إذا أتى بسمة الميت أو شهدت له بينة على الضياع فإنه حينئذ لا يضمن وبهذا جرى العمل للمصلحة العامة وقلة الديانة وكما لا يصدق في تلفها لا يصدق في ردها هذا كله في الراعي الرشيد وأما غير الرشيد فإنه لا ضمان عليه ولو تعمد إتلاف الماشية كما تقدم في قوله

الجزء: 4 - الصفحة: 64

ولا ضمان فيه للسفيه (والخامس عشر) قوله (كذا ذو الشركه في حالة البضاعة المشتركه) يعني أن كل واحد من المشتركين مصدق في التلف والخسر وغيرهما في أمر البضاعة المشتركة بينهما لا في غيرها وذلك لأن كل واحد منهما وكيل عن صاحبه والوكيل مصدق كما مر (والسادس عشر) قوله (وحامل للثقل بالإطلاق ... وضمن الطعام باتفاق) يعني أن الحمال إذا ادعى تلف الشيء الذي حمله فإنه يصدق ولا يضمنه إذا كان غير طعام لم يفرط كعلمه بضعف الحبل مثلًا وربط به ما يحمله على الدابة أو على ظهره فانقطع الحبل وسقط المحمول فهلك فإنه يضمن المثل في المثلي كالزيت والقيمة في المقوم كالبلور والأواني والخزائن ونحوها وله من الكراء بحسب ما سار ثم اخرج الناظم الطعام من الإطلاق بقوله وضمن الطعام باتفاق أي اتفاق الفقهاء إلا أن يأتي ببينة تشهد بسرقته مثلًا أو بغصب أو بأمر سماوي من الله تعالى أو كان ذلك بصحبة ربه فلا ضمان عليه حيث لم يكن له سبب في ذلك وقوله (والقول قولهم بلا يمين ... والاتهام غير مستبين) (وقيل من بعد اليمين مطلقا ... والأول الأولى لدى من حققا) يعني أن الأمناء المتقدمين حيث كانوا مصدقين فيما تولوه لغيرهم فإن تصديقهم يكون بلا يمين عليهم وهم غير متهمين فإن ظهرت التهمة على واحد منهم وجبت عليه اليمين وقيل القول قولهم من بعد اليمين مطلقًا كان ممن يتهم أم لا قال الناظم والأول الأولى لدى من حققا ورجح بعضهم القول الثاني واقتصر عليه صاحب المتهاج كما في ميارة وقال ابن رحال قال اللخمي الغالب على الناس اليوم التهمة فتجب اليمين إلا على من برز في العدالة وإذا كان هذا في زمانه فكيف بزمان من بعده بمئين اهـ (والسابع عشر) قوله

الجزء: 4 - الصفحة: 65

(وحارس الحمام ليس يضمن ... وبعضهم يقول بل يضمن) قال في المفيد ولا بأس بأجرة صاحب الحمام ولا ضمان عليه ويحلف في مقطع الحق بالله الذي لا إلاه إلا هو ما خان ولا دلس ولا فرط في الحرز ولا ضيع وقد قيل عليه الضمان والأول أشهر عن مالك وكلا القولين معمول به على حسب ما يؤدي إليه الاجتهاد اهـ وفي البزناسني وغيره نقلا عن القلشاني عن شيخه الغبريني أن أبا العباس أحمد بن حيدرة التوزري قاضي الجماعة بتونس حكم بتضمين الحمامي وقوله آخر البيت يضمن بضم أوله وفتح ما قبل آخره مشددًا ثم أنشأ يتكلم على القرض فقال

﴿فصل في القرض وهو السلف﴾

ومعناه في اللغة ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه والجمع قروض مثل فلس وفلوس كذا في المصباح.
وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله القرض دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلًا تفضلًا فقط لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقًا بذمة اهـ (فخرج) بقوله متمول ما ليس بتمول كالخمر والخنزير.
وقوله في عوض أخرج به الهبة.
وقوله غير مخالف له أخرج به البيع.
وقوله لا عاجلًا عطف على مقدر أي حال كونه مؤجلًا لا عاجلًا أخرج به المبادلة المثلية فإنه يصدق عليه الحد لولا الزيادة.
وقوله تفضلا مفعول لأجله أي دفعه المقرض تفضلًا منه على المقترض أخرج به قصد نفع نفسه أو أجنبي أو هما معا فإنه لا يجوز (قال) في الوثائق المجموعة السلف الجائز بين المسلمين الذي يراد به وجه الله العظيم ورفق المتسلف فإن أراد صاحبه منفعته ولم يرد به هذا الوجه فلا أجر له الخ.
وقوله لا يوجب إمكان عارية لا تحل أخرج به قرض الجارية (وقوله) متعلقًا بذمة اخرج به دفع شاة مثلًا في أخرى بعينها لأجل.
واعترض جعل جنس التعريف الدفع مع أن

الجزء: 4 - الصفحة: 66

القرض يوجد ويلزم بدون دفع لأنه يلزم بالقول وقد يجاب بأن المعنى عقد على دفع متمول.
وأشار الناظم إلى حكمه فقال (القرض جائز وفعل جار ... في كل شيء ما عدا الجوار) يعني أن القرض مأذون فيه وهو مستثنى من بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام بالطعام إلى أجل لأنه معروف (وقد) يجب في مجاعة ونحوها.
ويحرم إذا كان فيه إعانة على فعل محرم ويكره إذا كان يعين على أمر مكروه وهو مرغوب فيه حتى أنهم قالوا الأصل فيه الندب وقد وردت فيه أحاديث وآثار تدل على أفضليته حتى على الصدقة.
والقراض فعل جار في كل شيء يحل تملكه ولو لم يصح بيعه كجلد ميتة مدبوغ ولحم أضحية على أحد قولين وملء الضرف المجهول إلا الجواري خاصة فإنه يجوز تملكهن ولا يجوز قرضهن لأن ذلك يؤدي إلى عارية الفروج لأن المقترض له أن يرد الشيء بعينه بعد الغيبة عليه والانتفاع به ما لم تتغير صفته فلو جاز في الجواري لكان المقترض يستمتع بها ثم يردها فيؤدي إلى إباحة الفروج من غير نكاح ولا ملك وهو أمر لا يجوز فإن وقع ونزل ردها ما لم يطأها فإن فاتت بالوطء كان الواجب عليه قيمتها لا رد مثلها فلهذا إذا أمن الوطء بأن كانت لا تحل للمقترض أو كان صبيًا أو امرأة أو شيخًا فانيًا أو اشترط عليه أن لا يرد عينها وإنما يرد مثلها كما في التوضيح جاز.
ومثل الجواري في المنع ما لا يمكن الوفاء بمثله كالدور والأرضين وما لا تحصره الصفة كتراب المعدن والجزاف إلا إذا كان قليلًا كرغيف برغيف.
وقوله (وشرطه أن لا يجر منفعه ... وحاكم بذاك كل منعه) يعني أنه يشترط في جواز القرض أن لا بجر منفعة للمقرض بالكسر وعلى هذا فالقرض المقتضي والحاكم بحر المنفعة للمقرض كقرضه شيئًا رديا ليرد له جيدًا كما تقدم في البيوع مستوفي منعه كل فقيه ولا أظن أحدًا من المسلمين يقول بجوازه ثم قال

الجزء: 4 - الصفحة: 67

(وليس باللازم أن يردا ... قبل انقضاء أجل قد حدا) (وإن رأى مسلف تعجيله ... ألزم من سلفه قبوله) يعني أن القرض إذا كان لأجل محدود بنص أو عادة فإن لم يكن نص ولا عادة ضرب له أجل بقدر ما ينتفع به كما تقدم في العارية لا يلزم المقترض رده قبل أجله وإن أراد المقترض تعجيله فله ذلك إذا كان مساويًا لما في الذمة لا أقل لما فيه من ضع وتعجل ويجبر صاحبه على قبوله لأن أجل دين القرض من حق من هو عليه وسواء كان الدفع في بلد القرض أو في غيره حيث كان عينًا والطريق مأمونة لأنه لا كلفة في حمل العين وما شاكلها كالجواهر النفيسة.
وإن كان عرضًا أو طعامًا فإنه لا يلزم بقبوله إلا إذا كان في بلد القرض لا في غيره لكلفة الحمل ثم قال

﴿فصل في العتق وما يتصل به﴾

روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه (والعتق) بكسر العين اسم من العتاق فعله عتق كضرب ويتعدى بالهمزة فيقال أعتقته فهو معتق ولا يتعدى بنفسه فلا يقال عتقته ولا عتق العبد مبني للمفعول ولا اعتق هو بالألف مبني للفاعل بل الثلاثي لازم والرباعي متعد ولا يجوز عبد معتوق بل يقال عتيق فعيل بمعنى مفعول وجمعه عتقاء ويقال أمة عتيق وربما يقال عتيقة والجمع عتائق كذا في المصباح ثم شرع الناظم يتكلم على بعض أسبابه فقال (العتق بالتدبير والوصاة ... وبالكتابة وبالبتات) (وليس في التدبير والتبتيل ... إلى الرجوع بعد من سبيل) يعني أن العتق على أربعة أوجه (الأول) التدبير وهو تعليق العتق بالموت لا على

الجزء: 4 - الصفحة: 68

وجه الوصية كأن يقول السيد لعبده أنت حر عن دبر مني أو أنت حر بعد موتي بالتدبير ونحو ذلك من الألفاظ الدالة عليه (الثاني) العتق بالوصية وهو الذي عبر عنه الناظم بالوصاة بفتح الواو وذلك كقوله إن قدر الله عليه بالموت فعبدي فلان حر أو اعتقوه ونحو ذلك (الثالث) العتق بالكتابة وهو العتق على مال مؤجل يدفعه العبد لسيده أقساطًا بحيث يكون عتقه موقوفًا على أدائه كله كما يأتي (الرابع) العتق الناجز وهو الذي عبر عنه بالبتات كقول السيد لعبده أنت حر أو معتق.
وإذا أراد السيد الرجوع في العتق بالتدبير أو العتق الناجز فلا سبيل له إلى ذلك وأما العتق بالوصية فله الرجوع عنه على الأصل ثم بين معنى الكتابة بقوله (والعتق بالمال هو المكاتبه ... وما له بالجبر من مطالبه) قد تقدم شرح الشطر الأول من البيت وأما الشطر الثاني فمعناه أن السيد لا يجبر عبده على الكتابة كما أن العبد لا يجبر سيده عليها وإنما تصح برضاهما معًا وما نافية وضمير له لواحد منهما لتقدم ذكرهما باللزوم إذ العتق يستلزمهما ومن زائدة بعد النفي لا تتعلق بشيء ومطالبة مبتدأ مؤخر وله خبر مقدم وبالجبر متعلق بمطالبة ومن أسباب العتق قوله (ومعتق للجزء من عبد له ... مطالب بالحكم أن يكمله) يعني أن من كان له عبد يملك جميعه فاعتق جزءًا منه كثلثه أو يده فإن العتق يسري لباقيه ويعتق جميعه بحكم الحاكم وسواء كان موسرًا أو معسرًا وهذا يسمى في الاصطلاح العتق بالسراية بكسر السين كالذي في قوله (وحظ من شاركه يقوم ... عليه في اليسر وعتق يلزم) يعني أن من كان يملك جزأ من عبد كنصف أو ثلث فاعتق ما يملكه منه فإنه يقوم عليه نصيب شريكه ويدفع تلك القيمة للشريك ويعتق عليه جميعه بشرط يسره فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 69

لم يكن موسرًا فلا يقوم عليه ويبقى نصيب شريكه رقيقًا ويسمى مبعضًا ومنها العتق بالمثلة وإليه أشار بقوله (وعتق من سيده يمثل ... به إذا ما شأنه يبتل) قال الشيخ في الرسالة ومن مثل بعبده مثلة بينة من قطع جارحة ونحوه عتق عليه وقوله ما بعد إذا زائدة وقوله شأنه أي عابه التمثيل ثم قال (ومن بمال عتقه منجم ... يكون عبدًا مع بقاء درهم) يعني أن العبد إذا اعتقه سيده على مال منجم يدفعه له شيئًا فشيئًا مشاهرة مثلًا فإنه لا يخرج حرًا حتى يدفع جميع ما عليه ولا يزال مملوكًا ولو لم يبق عليه إلا درهم واحد قال في الرسالة والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم واحد اهـ والأولى أن يكون هذا البيت مع قوله السابق والعتق بالمال هو المكاتبة الخ وقوله ومن بمال الخ من مبتدأ وصلته عتقه بمال ومنجم صفة مال وجملة يكون خبر وقوله (والقول للسيد في مال حصل ... والحلف في جنس وقدر وأجل) يعني أنه إذا وقع اختلاف بين المكاتب وسيده فأدعى المكاتب إنه دفع الكتابة لسيده وأنكر السيد الدفع فالقول للسيد بيمينه واختلف في جنس المال المكاتب به أو في قدره أو في الأجل هل القول قول السيد أيضًا مع يمينه أو قول العبد وهو ما درج عليه صاحب المختصر حيث قال والقول للسيد في الكتابة والأداء لا القدر والأجل والجنس أنظر ما قالته الشروح هناك فلا نطيل بذكره هنا لو هو معلوم والله أسأل أن يكشف عنا الهموم والغموم ثم قال (وحكمه كالحر في التصرف ... ومنع رهن وضمان اقتفي) يعني أن حكم المكاتب في تصرفاته كالحر يبيع ويشتري ويشارك ويقارض إلى غير ذلك ولا يجب علي إتيان برهن أو ضامن في دين الكتابة وأنه لا يجوز لأنه ليس من سنة

الجزء: 4 - الصفحة: 70

الكتابة (قال) المواق قيل ثمانية لا يجوز التحمل بها الكتابة والصرف والقصاص والحدود والتعزير ومبيع بعينه وعمل أجير يعمل بنفقته وحمولة دابة بعينها أي حملها والله أعلم (ولما) ذكر باب التبرعات وما ألحق بها أعقبها بالكلام على باب الرشد والأوصياء والحجر وما ذكر معها لا بينهما من المناسبة وهي شرطية الرشد فيها وعدم الحجر بصبا أو جنون أو تبذير أو فلس أو مرض مخوف أو نكاح في الزوجة أو رق أو ردة إلى غير ذلك من الموانع فقال

﴿باب الرشد﴾

﴿والأوصياء والحجر والوصية والإقرار والدين والفلس﴾ ذكر الناظم في هذه الترجمة مسائل متعددة من سعة أبواب مختلفة وفصل بعضها من بعض بالفصول وبدأ ببيان الرشد لأنه أشرفها فقال (الرشد حفظ المال مع حسن النظر ... وبعضهم له الصلاح معتبر) يعني أن حقيقة الرشد هي حفظ المال بأن لا يصرفه مالكه بغير عوض بسفاهة وإن لا يصرفه في لذاته المحرمة والمكروهة والمباحة الخارجية عن المعتاد حتى يكون مبذرًا لماله في مصالح اللذات على حالة لا تليق بأمثاله مع حسن النظر فيه بالتنمية وهل من شرطه أيضًا أن يكون صالحًا في دينه أم لا خلاف والراجح عدم اشتراطه كما يأتي عند قوله وصالح ليس يجيد النظرا ... في المال أن خيف الضياع حجرا وشارب الخمر إذا ما أثمرا ... لما يلي من ماله لن يحجرا وظاهر النظم أن شرط التنمية هو المذهب وليس كذلك بل القول الراجح الذي به الفتوى والقضاء هو أن الرشد حفظه المال فقط وهو ظاهر لا خفاء فيه والله أعلم (وقول) الناظم له أي معه وضميره يعود على ما ذكر من ذكر المال وحسن

الجزء: 4 - الصفحة: 71

النظر فيه ثم أخذ يتكلم على الأوصياء والحجر وهو المنع من التصرف وأركانه ثلاثة (الأول) المحجور وحجره إما أن يكون لغيره وهو العبد والمفلس والمرأة ذات الزوج فيما زاد على الثلث ومثلها المريض وأما أن يكون حجره لنفسه وهو من يخشى عليه إتلاف ماله ومظنة ذلك الصبا والجنون والتبذير ومن يخدع في البيوع (والثاني) الذي إليه الحجر وهو السيد في عبده والأب في ولده الآتي بيانه في الحياة وعند المماة يقيم له وصيًا (والثالث) كيفية العمل وإليه أشار النظام فقال (والابن ما دام صغيرًا للأب ... إلى البلوغ حجره فيما اجتبي) (إن ظهر الرشد فلا قول لأب ... وبالغ بالعكس حجره وجب) (كذاك من أبوه حجرًا جددًا ... عليه في فور البلوغ مشهدا) (وبالغ وحاله قد جهلا ... على الرشاد حمله وقبل لا) (وإن يمت أب وقد وصى على ... مستوجب حجرًا مضى ما فعلا) يعني أن الابن ما دام صغيرًا وأبوه حي فإنه محجور لأبيه ولو كانت له قدرة على حفظ المال إذ لا رشد قبل البلوغ فإن بلغ النظر في حاله فإن ظهر رشده خرج من الولاية ولا قول لأبيه في ذلك وإن ظهر سفهه وجب استمرار حجره عليه ولا قول لابنه في ذلك كما أنه يستمر عليه الحجر إذا جدد عليه أبوه الحجر في فور بلوغه وأشهد على ذلك علانية وإلا فأفعاله ماضية على القول بعدم اعتبار الحال.
وأما أن بلغ مجهول الحال بحيث لم يتبين رشده ولا سفهه فهل يحمل على الرشد فتمضي أفعاله أو على السفه فلا تمضي وهو المشهور قولان (وكذا) يستمر الحجر على مستوجبه إذا مات أبوه وكان قد أوصى عليه أو قدم عليه القاضي مقدمًا فلا يخرج من ولاية من هو وصي أبيه أو مقدم القاضي حتى يخرجه منها الوصي أو المقدم وأفعاله كلها مردودة وإن علم رشده ما لم يطلق من الحجر بشهادة البينة السالمة من الطعن ثم قال

الجزء: 4 - الصفحة: 72

(ويكتفي الوصي بالإشهاد ... إذا رأى مخايل الرشاد) يعني أن الوصي إذا رأى على محجوره علامات الرشد من المحافظة على المال خصوصًا إذا كانت له قدرة على التنمية كما إذا كانت له صنعة يأخذ عنها الأجر فلا يصرفه إلا في مصرفه الشرعي أو يستعمله في تجارة أو يبقيه تحت يده فله أن يرشده ويكتفي بالإشهاد على نفسه بأنه أطلقه من قيد الحجر ولم تبق عليه ولاية لأحد وهو مصدق في ثبوت رشده عنده ولا يحتاج إلى إقامة بينة هذا هو المشهور وقال بعضهم ينبغي أن لا يصدق الوصي في ذلك بل لابد من بينة تشهد للمحجور برشده لقلة الأمانات وكثرة الخيانات التي تقع من الأوصياء ويقتصر على قوله (وفي ارتفاع الحجر مطلقًا يجب ... إثبات موجب لترشيد طلب) (ويسقط الإعذار في الترشيد ... حيث وصيه من الشهود) يعني أن المحجر إذا بلغ ذكرًا كان أو أنثى وقع تزوجها أولا إذا طلب ترشيد نفسه وأتى بمن يشهد له بحسن حاله وإنه ممن لا يخدع في بيع ولا ابتياع وممن يجب أن يرشد ويطلق من ثقاف الحجر فإن بينته تسمع فإذا حضر الوصي أو المقدم ووافق على ذلك ارتفع عليه الحجر فإن شهد له الوصي بالرشاد استغنيت بشهادته عن الإعذار إليه والأحوط في حقوق الأيتام أن يوكل القاضي من يعذر إليه في شهود الرشد لأن الوصي قد يريد الترشيد لغرض من الأغراض الدنيوية فيتواطأ مع محجوره على ذلك وقد شاهدنا كثيرًا من هذا وقول الناظم مطلقًا أي كان من مقدم القاضي أو الوصي أو الأب (ولما) فرغ من الكلام على ذي الأب والوصي شرع يتكلم على حكم المهمل وذكر فيه أربعة أقوال أشار إلى الأول منها بقول (والبالغ الموصوف بالإهمال ... معتبر بوصفه في الحال) (فظاهر الرشد يجوز فعله ... وفعل ذي السفه رد كله)

الجزء: 4 - الصفحة: 73

(وذاك مروي عن ابن القاسم ... من غير تفصيل له ملائم) قال ابن رشد ذهب ابن القاسم إلى أنه ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه فإن كان رشيدًا جازت أفعاله وإن كان سفيهًا لم يجز منها شيء من غير تفصيل بين أن يتصل سفهه أو لا يتصل اهـ وقول الناظم معتبر أي في حال تصرفه ثم فسر ذلك بقوله فظاهر الرشاد الخ وأشار إلى الثاني بقوله (ومالك يجيز كل ما صدر ... بعد البلوغ عنه من غير نظر) قال ابن رشد قول مالك وكبار أصحابه أن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة رشيدًا كان أو سفيهًا معلنًا بالسفه أو غير معلن اتصل سفهه من حين بلوغه أو سفه بعد أن أنس من الرشد من غير تفصيل في شيء من ذلك اهـ قال القاضي الفشتالي هذا هو المشهور المعمول به ونحوه في باب بيع المولى عليه من مختصر المتيطية وذكر في المفيد القولين وقال في قول ابن القاسم ليس عليه عمل اهـ. والذي عليه عمل أهل قرطبة وأهل فاس قول ابن القاسم كما في المعيار وغيره بعد حكاية جرى العمل بالقولين (قلت) والذي عليه عمل تونس هو قول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وهو المناسب لأهل هذا الزمان.
وأشار إلى الثالث بقوله (وعن مطرف أتى من أتصل ... سفهه فلا يجوز ما فعل) (وإن يكن سفه بعد الرشد ... ففعله ليس له من رد) (ما لم يبع من خادع فيمنع ... وبالذي أفاته لا يتبع) قال ابن رشد قول مطرف وابن الماجشون أنه إن كان متصل السفه من حين بلوغه فلا يجوز شيء من أفعاله وأما إن سفه بعد أن أنس منه الرشد فأفعاله جائزة عليه ولازمة له ما لم يكن بيعه بيع سفه وخديعة بينة مثل أن يبيع ثمن ألف دينار بمائة

الجزء: 4 - الصفحة: 74

دينار وما أشبه ذلك فلا يجوز ذلك عليه ولا يتبع بالثمن أن أفسده من غير تفصيل بين أن يكون معلنًا بالسفه أو غير معلن.
وأشار إلى الرابع بقوله (ومعلن السفه رد ابن الفرج ... أفعاله والعكس في العكس اندرج) قال ابن رشد قال أصبغ أنه إن كان معلنًا بالسفه فأفعاله غير جائزة وإن لم يكن معلنًا بالسفه فأفعاله جائزة اهـ ومراده بالعكس إن الذي لم يكن معلنًا وهو إما معلن بالرشد أو مجهول الحال وقول الناظم (وفعل من يجهل بالإطلاق ... حالته يجوز باتفاق) (ويجعل القاضي بكل حال ... على السفيه حاجرًا في المال) يشير به إلى قول ابن رشد اتفق جميعهم أن أفعال من جهلت حالته ولم يعلم بسفه ولا رشد جائزة لا يرد منها شيء وكذلك اتفقوا على أن على الإمام أن يولي عليهم إذا ثبت سفهه وخشي ذهاب ماله اهـ وقول الناظم بالإطلاق معناه في جواز أفعال مجهول الحال سواء كانت بعوض أو تبرعًا (ولما) فرغ من الكلام على ما يخرج به الذكر من الحجر شرع في بيان ما تخرج به الأنثى إذا بلغت في حياة أبيها أو بعد موته وقد أوصى عليها أو تركها مهملة وقدم القاضي عليها أحدًا أو لم يقدم عليها فأشار إلى الأولى بقوله (وإن تكن بنت وحاضت والأب ... حي فليس الحجر عنها يذهب) (إلا إذا نكحت ثم مضى ... سبعة أعوام وذا به القضا) (ما لم يجدد حجرها أثر البنا ... أو سلم الرشد إذا تبينا) يعني أن البنت إذا بلغت وكان أبوها حيا فإن حجره عليها لا يرتفع ببلوغها إلا بأحد سببين أحدهما أن تتزوج ويدخل بها زوجها وتمكث سبعة أعوام فحينئذ تخرج من ثقاف الحجر وبه القضاء ما لم يجدد عليها الحجر أثر البناء بها وأحرى قبله فإن جدده عليها فلا تخرج إلا بالترشيد.
والأخر ظهور صلاح حالها وتبينه بالبينة وسلمه

الجزء: 4 - الصفحة: 75

الأب ووافق عليه فإنها ترشد وتخرج من الحجر وقوله أو سلم معطوف على قوله أو نكحت وأشار إلى الثانية والثالثة بقوله (وحجر من وصى عليها ينسحب ... حتى يزول حكمه بما يجب) (العمل اليوم عليه ماضي ... ومثله حجر وصي القاضي) يعني أن البنت إذا مات أبوها وأوصى عليها في وقت يجوز له ذلك أو لم يوص عليها ولكن قدم القاضي عليها مقدمًا فإن الحجر ينسحب ويستمر عليها ولا تخرج منه إلا بالترشيد وهو المراد بقوله بما يجب وبهذا القول العمل وأشار إلى الرابعة بقوله (وإن تكن ظاهرة الإهمال ... فإنها مردودة الأفعال) (إلا مع الوصول للتعنيس ... أو مكث عام أثر التعريس) (وقيل بل أفعالها تسوغ ... إن هي حالة المحيض تبلغ) (والسن في التعنيس من خمسينا ... فيما به الحكم إلى الستينا) يعني أن البنت إذا مات أبوها ولم يوص عليها ولم يقدم عليها القاضي مقدمًا ينظر في شؤونها وبقيت مهملة فإن أفعالها مردودة وسواء كانت بعوض أو بغير عوض حصل فيها غبن أم لا ولم يمض عليها شيء من ذلك إلا بأحد أمرين إما بلوغها سن التعنيس وهو أربعون سنة على ما به العمل وعمل أيضًا بالخمسين إلى الستين وعليه درج الناظم قال في العمل المطلق وعملوا بأربعين عامًا ... في حد ما تعنس اليتامى ولابن عاصم من الخمسين ... فيما به الحكم إلى الستينا وفي المسألة أقوال أخر لا يتحملها هذا المختصر منها ثلاثون سنة وهو قول جيد (وأما) بمرور عام عليها أثر دخول الزوج بها هذا هو القول الذي به العمل وقيل أفعالها ماضية بمجرد بلوغها ثم قال

الجزء: 4 - الصفحة: 76

(وحيث رشد الوصي من حجر ... ولاية النكاح تبقى بالنظر) يعني أن الوصي إذا رشد محجورته فإن ولاية النكاح تبقى له عليها ولا تنتقل لغيره من الأولياء وقد تقدم الكلام على هاته المسألة في باب النكاح مستوفاة ثم ذكر حكم المحجور إذا مات وصيه فقال (وليس للمحجور من تخلص ... إلا بترشيد إذا مات الوصي) (وبعضهم قد قال بالسراح ... في حق من يعرف بالصلاح) يعني أن الوصي إذا مات ولم يوص على محجوره ذكرًا كان أو أنثى ولم يقدم عليه القاضي مقدمًا وبقي مهملًا فالقول المشهور المعمول به أنه لا يخرج من الولاية إلا بترشيد وقيل يخرج منها بموت وصيه إذا كانت حالته في المال حسنة تدل على رشده وهذان القولان مبنيان على قول مالك وابن القاسم فمالك يراعي الولاية والأصل انسحابها حتى يرشد وهو القول الأول في النظم وابن القاسم يراعي حال المحجور من صلاح أو سفه ولا عبرة عنده بالولاية وهو القول الثاني.
ونقل الحطاب عن البرزلي أنه إذا تصرف بعد موت وصيه فالذي به العمل أن تصرفه حينئذ كتصرفه قبل موته إلا أن يعرف فيه وجه الصواب اهـ وهذا العمل إنما هو على مذهب ابن القاسم وقد تقدم الكلام عليه (فرع) نقل الشارح عن ابن لب أن المهملة يموت وصيها إذا طالت المدة وتصرفت تصرف الرشيدات بطول المدة فهي على حكم الرشد في أفعالها على الصحيح من الأقوال في أفعال المهمل في مثل هذه النازلة قال ابن رحال هذه مسألة صحيحة لا شك فيه اهـ ثم قال (والشأن الإكثار من الشهود ... في عقدي التسفيه والترشيد) (وليس يكفي فيهما العدلان ... وفي مرد الرشد يكفيان) يعني أن الذي جرى به العمل عند القضاة ومن ناب عنهم الإكثار من شهود التسفيه

الجزء: 4 - الصفحة: 77

والترشيد ولا يكفي في ذلك شهادة عدلين لأن السفه أو الرشد لا يخفى على الناس غالبًا فشهادة اثنين فقط ريبة هذا كله مع الإمكان فإن لم يمكن الاستكثار اكتفى بشهادتهما وهو الأصل (فرع) لو شهد بالرشد أربعة عدول فأكثر وشهد عدلان بسفيه من شهد فيه بالرشد وتعارضتا فتكون شهادة السفه أعمل لأنها علمت ما لم تعلمه الأخرى وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وفي مرد الرشد يكفيان) والمراد بقول الناظم الشأن العمل ثم بين حكم إعطاء الوصي شيئًا من مال محجوره ليختبره به فقال (وجاز للوصي فيمن حجرا ... إعطاء بعض ماله مختبرا) يعني أنه يجوز للوصي في حق من هو في حجره وتحت ولاية نظره أن يعطيه شيئًا من ماله بحسب مال المحجور وصنعته ليختبر تصرفه بذلك إذا رأى عليه علامات الرشاد التي توجب إطلاقه من الحجر فإن تلف ما دفعه له لم يضمن الوصي شيئًا من ذلك وظاهر النظم أنه يجوز للوصي الاختبار ولو قبل البلوغ وهو كذلك على رأي بعض العلماء لقول الله تعالى وابتلوا اليتامى وقال المازري الأشهر أنه بعد البلوغ اهـ وعليه فالآية محمولة على غير ظاهرها والله أعلم (فرع) إذا تصرف المحجور بعلم وليه وطال تصرفه فإن ما لحقه من الدين لزمه وتصرفه ماض قال البرزلي وبه العمل اهـ وأنظره مع ما تقدم (ثم) شرع يتكلم على المحجور إذا أتلف شيئًا من مال غيره هل يضمنه أم لا وإذا فوت شيئًا من ماله بعوض أو بدون عوض هل ينفذ أم لا فأشار إلى الأول منها فقال (وكل ما أتلفه المحجور ... فغرمه من ماله المشهور) (إلا لمن طوعا إليه صرفه ... وفي سوى مصلحة قد أتلفه) يعني أن المحجور إذا أتلف شيئًا من مال غيره بحرق أو كسر أو أكل ونحو ذلك فإنه يلزمه غرمه في ماله إن كان له مال وإلا اتبع به دينًا في ذمته هذا هو المشهور إلا إذا سلطه عليه ربه باختياره وجعله فيما لا مصلحة له فيه فإنه لا يغرمه أما إن عدا

الجزء: 4 - الصفحة: 78

عليه بنفسه فإنه يغرمه صرفه في مصلحة أو غيرها أو سلطة عليه ربه وصرفه فيما لابد له منه فإنه يغرمه أيضًا وإن جهل الحال فإنه يحمل على أنه صرفه في غير ما لابد منه قال ابن رحال وأشار إلى الثاني بقوله (وفعله بعوض لا يرتضى ... وإن أجازه وصيه مضى) (وفي التبرعات قد جرى العمل ... بمنعه ولا يجاز إن فعل) يعني أن ما فوته المحجور من ماله نفسه بعوض كالبيع فإنه يكون متوقفًا على إجازة وصيه فإن أمضاه مضى وإن رده رد.
وأما ما فوته من ماله بغير عوض من هبة ونحوها فإنه يمنع من ذلك لأنه إنما حجر عليه خوفًا من إتلاف ماله وليس لوليه إجازة فعله لأنه سوء نظر فإن أجازه لم يمض ويغرمه إن فات وبه العمل وقوله (وظاهر السفه جاز الحلما ... من غير حجر فيه خلف علما) (جواز فعله بأمر لازم ... لمالك والمنع لابن القاسم) الظاهر أنهما مكرران مع قوله المتقدم والبالغ الموصوف بالإهمال الأبيات ثم قال (وبالذي على صغير مهمل ... يقضي إذا صح بموجب جلي) (وهو على حجته كالغائب ... إلى بلوغه بحكم واجب) (ويدفع الوصي كل ما يجب ... من مال من في حجره مهما طلب) يعني أن الصغير إذا كان مهملًا وثبت عليه حق بموجب صحيح ظاهر فإن القاضي يقدم له مقدمًا ويقضي عليه بأداء ما ثبت عليه من الحق ويبقى على حجته إلى أن يبلغ رشيدًا كالغائب وإن كان له وصي فإنه يدفع ما وجب على محجوره من مال المحجور المذكور إذا طولب به ويسجله في حسابه (وقوله) بالذي متعلق بيقضي وعلى صغير متعلق بمحذوف صلة الذي وفاعل صح ضمير عائد على الذي الواقع على الحق وبموجب متعلق بصح والمراد بالموجب البينة ثم قال

الجزء: 4 - الصفحة: 79

(ونظر الوصي في المشهور ... منسحب على بني المحجور) (ويعقد النكاح للإماء ... والنص في عقد البنات جائي) (وعقده قبل البلوغ جار ... بجعله في البكر كالإجبار) يعني أن الوصي على المحجور يكون وصيًا أيضًا على أولاد ذلك المحجور بطريق التبع على القول المشهور وعليه فإن نظره يكون منسحبًا عليهم فيعقد نكاح إيمائهم وبناتهم البالغات اللاتي لم يملكن أمر أنفسهن وإن كن ثبات كما جاء عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وقوله وعقده قبل البلوغ جار البيت يعني أن عقد الوصي نكاح إبكار محجور جبرًا قبل البلوغ يجير مجرى الإجبار الذي جعله الموصي للوصي في إبكار بناته وقد تقدم الكلام في باب النكاح على ما إذا لم يجعل له الأب في وصيته الإجبار فراجعه هناك (ثم) ذكر أربع مسائل.
وهي الوصي إذا أراد عزل نفسه هل له ذلك أم لا.
وإذا قبل الوصي الإيصاء هل له الرجوع بعد موت الوصي أم لا.
وإذا امتنع الوصي من قبول الإيصاء بعد موت الوصي ثم أراد القبول هل له ذلك أم لا.
وإذا أراد مقدم القاضي أن يوكل في حق محجوره هل له ذلك أم لا فأشار إلى الأولى بقوله (والنقل للإيصاء غير معمل ... إلا لعذر أو حلول أجل) يعني أن الوصي إذا قبل الإيصاء بعد الموت لاسيما بعد التصرف في تركة الميت إذا أراد عزل نفسه من الإيصاء وجعله لغيره في حياته أو أراده القاضي فليس له ذلك إلا لعذر بين يمنعه من النظر في الإيصاء المذكور أو حلول أجل موته فللقاضي حينئذ أن يقدم من يراه صالحًا لذلك.
وأما إذا أراد إسناد الإيصاء لغيره بعد موته فله ذلك ويكون وصي الوصي كالوصي في جميع ما تقدم عند الإطلاق.
وأشار إلى الثانية بقوله (ولا يرد العقد بعد أن قبل ... إن مات موص ولعذر ينعزل)

الجزء: 4 - الصفحة: 80

يعني أن الوصي إذا قبل الإيصاء بعد موت الموصي أو قبل موته واستمر على القبول إلى الموت وأراد الرجوع عنه فليس له ذلك ولا ينعزل عنه إلا لموجب كما إذا حصل منه تفريط أو ظهرت منه خيانة أو وقعت بينه وبين محجوره مخاصمة لأن الخصام تنشأ عنه العداوة والعدو لا يكون وصيًا أو مقدمًا على عدوه كالحضانة فإنه ينعزل.
وقوله بعد إن فأن بفتح الهمزة مصدرية أي بعد قبوله وإن بعدها بكسر الهمزة شرطية (وأشار) إلى الثالثة فقال (ولا رجوع إن أبى تقدمه ... من بعد أن مات الذي قد قدمه) يعني أن الوصي إذا امتنع من قبول الإيصاء بعد موت الموصي ثم بعد ذلك ظهر له القبول فإنه لا يمكن منه وقوله أن الأولى بكسر الهمزة شرطية وأن الثانية بفتح الهمزة مصدرية.
وأشار إلى الرابعة بقوله (وكل من قدم من قاض فلا ... يجوز أن يجعل منه بدلا) (كذاك لا يجوز أن ينعزلا ... إلا لعذر بين أن قبلا) يعني أنه لا يجوز لمقدم القاضي على النظر في شؤون الأيتام أن يوكل غيره على أمور محجوره ولا يصح منه ذلك إلا بإذن القاضي هذا هو القول الذي به العمل بخلاف الوصي فإن أراد أن يوكل في حق محجوره فله ذلك بدون مشورة القاضي ولا يجعل لوكيل المحجور ولا لغيره ممن له النظر الإقرار وحصر الدعوى والإبراء العام.
وحيث قبل من قدمه القاضي التقديم فلا يجوز له أن يعزل لنفسه عن التقديم أو يعزله القاضي عنه إلا لعذر كطرو فسق أو اختلال عقل ونحو ذلك ثم قال (وصالح ليس يجيد النظرا ... في المال أن خيف الضياع حجرا) (وشارب الخمر إذا ما ثمرا ... لم يلي من ماله لن يحجرا) يعني أن من كان صالحًا في دينه غير أنه لا يحسن النظر في ماله فإنه يحجر عليه

الجزء: 4 - الصفحة: 81

وشارب الخمر إذا كان يثمر ما يلي من ماله وينميه فلا يحجر عليه وكلام الناظم في حق من لا حجر عليه فالأول يستأنف حجره والثاني يبقى على إطلاقه وقد تقدم إن تنمية المال ليست شرطًا وإنما يشترط حفظ المال لا غير وقوله ما بعد إذا زائدة ثم قال (وللوصي جائز أن يتجرا ... لكنه يضمن مهما غررا) يعني أنه يجوز للوصي أن يتجر بمال اليتيم على أن الربح له والخسارة عليه وله أن يدفعه قراضًا لغيره من أهل الثقة والديانة ولا يتجر هو به مخافة أن يحابي نفسه فإن عمل به بنفسه بقراض مثله جاز وبأكثر رد إلى قراض مثله وكان الربح بينهما لا ضمان عليه في التلف إلا إذا وقع منه غرر كما إذا دفعه لغير أمين أو لمن لا تناله الأحكام ونحو ذلك فإنه يضمن.
وقوله يتجرا بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه وألفه للإطلاق وفاعله ضمير يعود على الوصي وقوله غررا بالتشديد مبني للفاعل وفاعله ضمير مستتر يعود على الوصي أيضًا قال الشيخ مياره (فرع) في نوازل ابن الحاج للقاضي أن يفرض للوصي أجرة على نظره اهـ ثم قال (وعندما يأنس رشد من حجر ... يطلقه وماله له يذر) (وحيث لم يفعل فقد تصدى ... أن يضمن المال لأنه تعدى) يعني أن الوصي إذا آنس وعلم من محجوره الرشد بالاختبار بشيء من المال فالمطلوب في حقه إن يرشده ويطلقه من ثقاف الحجر ويعطيه ماله ليخرج من عهدته فإن لم يفعل وضاع المال فإنه يضمنه إذا مر زمان يمكن دفع المال إليه وسواء كان تلفه ببينة أو بدون بينة لأنه عرض نفسه للضمان لتعديه بعدم ترشيده ودفع ماله إليه والأصل في هذا قول الله تعالى فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم الآية وقوله يأنس أي الوصي ورشده بالنصب مفعول بيأنس وهو مضاف ومن واقع على المحجور مضاف إليه وماله بالنصب مفعول مقدم بيذر أي يترك وله متعلق به ثم شرع يتكلم على الوصية فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 82

﴿فصل في الوصية وما يجري مجراها﴾

أي من محاسبة الأولاد بما أنفقه الأب عليهم تارة وعدم محاسبتهم بها تارة أخرى وغير ذلك مما ذكره الناظم من اللواحق التي ليست من الأركان كما ستعرفه (والوصية) في اللغة الوصل لأنها مشتقة من وصيت الشيء بالشيء إذا وصلته به فكأن الموصي لما أوصى بالشيء وصل ما بعد الموت بما قبله في نفوذ التصرف.
وفي اصطلاح الفقهاء عرفها الإمام ابن عرفة بقوله عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يوم موته أو نيابة عنه بعده اهـ (فقوله) يوجب حقًا إلى آخره يخرج به ما يوجب حقًا في رأس ماله مما عقده على نفسه في صحته أو مرضه من الحقوق لمن لا يتهم عليه لا يسمى وصية (وقوله) أو نيابة عنه عطف على حقًا ليدخل الإيصاء بالنيابة عن الميت في شؤون أولاده.
وفي اصطلاح الفراض هي عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده فقط فهي أخص من الوصية عند الفقهاء (والأصل) في مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع (فأما) الكتاب فقول الله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية الآية (وأما) السنة فقوله عليه الصلاة والسلام ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده الحديث أي ليس من حق المسلم أن يبيت ليلتين دون أن يكتب وصيته (وأما) الإجماع فقد اتفق جميع العلماء على ثبوتها بالدليلين المذكورين كما رأيت لكن اختلفوا في حكمها هل هي واجبة أو مندوبة والذي عليه أكثر أهل العلم أنها مندوبة لا واجبة لأنها لو كانت واجبة لقال تعالى في الآية المتقدمة حقًا على جميع الناس لا حقًا على المحسنين وإن الحديث الوارد فيها محمول على الترغيب بدليل قوله عليه الصلاة والسلام إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة على أعمالكم والعطية غير الفرض وقد يعرض لها الوجوب إذا كان عليه دين والحرمة إذا أوصى بنياحة ونحوها كأن يصاح عنه بمال والكراهة إذا كانت بمكروه أو في مال فقير وتباح إذا كانت بمباح من بيع أو شراء (تتمة) اختلف العلماء في تفسير الخير في قوله تعالى أن

الجزء: 4 - الصفحة: 83

ترك خيرًا فقال بعضهم المال الكثير ألف دينار فأكثر.
وقال علي كرم الله وجهه لمريض ذكر له الوصية لا توصي إنما قال الله تعالى أن ترك خيرًا وأنت لم تترك إلا اليسير دع مالك لبنيك.
وقيل المال مطلقًا يسيرًا كان أو كثيرًا (قال) ابن عبد البر يستحب للموصي أن يقصر على الثلث بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام الثلث والثلث كثير.
وكان ابن عباس وغيره يستحبون الربع.
وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه الخمس أحب إلي لأن الله تعالى رضيه لنفسه كذا في ابن راشد (وأركانها) أربعة الصيغة ولموصي والموصى له والموصى به (فأما) الصيغة فهي كل ما يفهم منه الوصية من لفظ أو إشارة ولو من قادر على الكلام أو خط ولكن لا يجب تنفيذ ما كتبه إلا بإشهاد الموصي عليها لأن له الرجوع عنها ما دام حيًا قال الشيخ خليل وإن ثبت أن عقدها خطه أو قرأها ولم يشهد أو لم يقل أنفذوها لم تنفذ ولهم الشهادة حيث أشهدهم ولو لم يقرأ عليهم الكتاب ولا فتحه لهم ولا يضر بقاء الوصية عنده حتى مات حيث أشهدهم على ما فيها أو قال لهم أنفذوا وصيتي (وأما) الموصي فقد أشار إليه الناظم مع بيان القدر الذي يجوز له أن يوصي به فقال (في ثلث المال فأدنى في المرض ... أو صحة وصية لا تعترض) (حتى من السفيه والصغير ... أن عقل القربة في الأمور) (والعبد لا تصح منه مطلقًا ... وهي من الكافر ليست تتقى) يعني أن الوصية إذا كانت في ثلث المال فأقل فإنها تصح ولا يعترضها معترض بالبطلان وسواء كان الموصي صحيحًا أو مريضًا رشيدًا أو سفيهًا كبيرًا كان أو صغيرًا إذا بلغ عشر سنين وعرف الطاعة والثواب عليها من الله تعالى مسلمًا كان أو كافرًا لغير مسجد كما في الحبس لكن بشرط أن يكون حرًا فإنها لا تصح من العبد سواء كان مملوكًا كله أو فيه شائبة حرية كالمبعض والمكاتب والمدبر هذا مراد الناظم بالإطلاق كما لا تصح من المجنون في حال جنونه (وأما الموصى له) فهو قاله

الجزء: 4 - الصفحة: 84

(وهي لمن تملك منه يصح ... حتى لحمل واضح أو لم يضح) (لاكنها تبطل إن لم يستهل ... وللعبيد دون إذن تستقل) يعني أن الوصية تجوز لمن يصح تملكه ولو حكمًا كالمساجد والحمل الظاهر في بطن أمه أو لمن سيوجد في المستقبل كما مر في الحبس فإن ولد واستهل صارخًا صحت له وإن لم يستهل بطلت ورجعت ميراثًا وكذلك تصح الوصية للعبد ولا تتوقف صحتها على إذن سيده بل تستقل بنفسها بدون شرط وتكون للعبد حتى ينتزعها منه سيده (تنبيهات) الأول إذا أوصى لولد فلان والحال إنه لا ولد له حين الوصية ولا حمل فلا يخلو الأمر إما أن يعلم الموصي بذلك أم لا فإن لم يعلم فالوصية باطلة كما في الزرقاني وإن تنازعا في العلم وعدمه فالقول للورثة كما في الحطاب وإن علم فهي صحيحة وتكون لكل من يولد له الذكر والأنثى في ذلك سواء إلا إذا وقع التنصيص على التفضيل ومن مات منهم لم تمكن ورثته من الدخول في حقه حتى ينقرضوا جميعًا ثم تكون لورثتهم أجمعين وهكذا (الثاني) إذا نزل الإنسان أولاد ولده الميت منزلة أبيهم فإنه يجري مجرى الوصية وتقسم بين المنزلين للذكر مثل حظ الأنثيين على ما به الفتوى (الثالث) الغلة الحاصلة قبل وجود الموصى له تكون لورثة الموصي قاله عبد الحميد ابن أبي الدنيا الطرابلسي قاضي الجماعة بتونس والتوزري وابن زيادة الله قال البرزلي وغيره وبه العمل وخالف أبو علي بن علوان في ذلك (قال) ابن راشد الخلاف في هذه المسألة ينبني على خلاف الأصوليين في الحكم إذا توسط بين سببه وشرطه هل يصح نظرًا إلى السبب أو لا يصح لعدم الشرط ولذلك نظائر (منها) إذا كفر بعد اليمين وقبل الحنث (ومنها) إذا أخرج الزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول وفي ذلك خلاف معلوم.
وكذلك هذه المسألة قد وجد فيها السبب وهو موت الموصي وفقد الشرط وهو القبول ومقتضى النظر إن تكون الغلة للورثة اهـ وفي جواب ابن أبي الدنيا المذكور أن الغلة لا تكون للموصى لهم إلا من يوم

الجزء: 4 - الصفحة: 85

القبول وقبول هذا لا يكون إلا بعد وجوده كذا في مجالس القاضي المكناسي ونظم هذا العمل أبو زيد الفاسي بقوله وغلة قبل وجود الموصى ... له لوارث أقل تخصيصا (الرابع) يشترط في لزوم الوصية قبل الموصى له بعد الموت إن كان معينًا وكانت الوصية بغير العتق ولا أثر للقبول قبل الموت ويقبل العبد وإن لم يأذن له سيده كما مر فإن لم يقع القبول بعد الموت بطلت الوصية ولا يشترط الفور بعد الموت بل توقف فإن حصل القبول صحت وإلا بطلت ولا يشترط قبول غير المعين فلو أوصى للفقراء أو للمسجد ونحوهما صحت لتعذره ويجب على من له النظر تنفيذها قال ابن مرزوق عند قول صاحب المختصر ولمسجد وصرف في مصلحته الخ قال في المدونة ومن أوصى بشيء يخرج في كل يوم إلى غير أمد من وقيد في مسجد وسقي ماء أو بخبز كل يوم بكذا وكذا أبدًا وأوصى مع ذلك بوصايا فإنه يحاص لهذا المجهول بالثلث ويوقف لذلك حصته اهـ وما ذكر من معنى الوقيد هو من معنى الوصية للمسجد اهـ (فرع) إذا مات الموصى له في حياة الموصي بطلت الوصية وإن مات بعده وقبل العلم بالوصية أو علم ولم يقل قبلت قام ورثته مقامه على الراجح وإذا رد الموصى له الوصية في حياة الموصي فله قبولها بعد موته لأنها لا تجب إلا بالموت وقد أسقط شيئًا قبل وجوبه فلا يلزمه وإلى ذلك يشير بقوله على ما يوجد في بعض النسخ (وليس من شيء لمن يوصى له ... إلا إذا الموصي يموت قبله) وقوله وهي لمن تملك الخ هي مبتدأ يعود على الوصية وخبره في المجرور بعده وتملك بالرفع فاعل بفعل محذوف تقديره يصح يفسره الفعل لمذكور والجملة من الفعل والفاعل صلة من الواقع على الموصى له (وأما) الموصى به فقد أشار إليه الناظم فقال (وهي بما يملك حتى الثمر ... والدين والحمل وإن لم يظهر) يعني أن الوصية تصح بكل مملوك حتى بالثمر على رؤس الشجر أو قبل وجودها كغلة

الجزء: 4 - الصفحة: 86

هذا العام وتصح أيضًا بالدين الذي في الذمة وبحمل ناقته أو بقرته ظاهرًا كان أو لم يظهر كقوله ما تلده ناقتي أو فرسي في هذه السنة أو أكثر فهو لفلان وكذلك تصح بالبعير الشارد والمغصوب والمجهور وإن كان في ذلك غرر لأنه تبرع والغرر فيه جائز ولا تجوز بما لا يملك كخمر لمسلم لا كافر وقوله الثمر بفتح الميم مجرور عطف على ما والدين والحمل بالجر كذلك ويظهر بكسر الراء للوزن ثم قال (وامتنعت لوارث إلا متى .... إنفاذ باقي الوارثين ثبتا) يعني أن الوصية لا تجوز لوارث إلا إذا أجازها باقي الورثة فإنها تجور وتكون ابتداء عطية تحتاج إلى حوز وقبول اللفظ أو ما يقوم مقامه كما تقدم في التبرعات وإنما كانت ممنوعة لقوله عليه الصلاة والسلام إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (تنبيه) يجوز للإنسان أن يوصي لابن وارثه كما يأتي أو لأحد أقاربه ولم علم أنه يردها للوارث لأن ذلك لا يمنع الوصية لأن مقتضى ملكه لمن أوصى له بعد أن يعطيه لمن شاء فإن قصد ذلك الموصي فهو آثم إلا إذا ثبت أنه تحيل وتوليج فإنها لا تصح وتكون ميراثًا (وقال) في أوائل وصايا المعيار أنه إذا اتهم أن يكون اتفق مع الموصى له أن يردها على الوارث وإن ذلك تحيل على الوصية للوارث فإن الموصى له يحلف للتهمة المذكورة فإن لم يحلف لم يعط الوصية اهـ (فرع) وقعت نازلة في حاضرة تونس وهي رجل أوصى لابن أخيه بثلث ماله على أن يأخذه من ربع زوجتيه حيث لا ولد له ولما مات الموصي وأراد ابن أخيه أخذ الثلث لموصى له بعد أن امتنعت الزوجتان من ذلك ولم توافقا عليه ورفعت النازلة إلى العلم الهمام أبي عبد الله الشيخ محمد الطاهر النيفر فحكم بإبطال الوصية بموافقة شيوخ الشورى له على ذلك لأنها لم تكن جارية على سنن وصايا المسلمين وإنما المقصود منها المضارة فعومل بنقيض مقصوده وهو ظاهر لا خفاء فيه عند المنصفين والله يحب المقسطين (قال في كتاب) الوصايا الثاني من المدونه وإذا أوصى بثلث لوارث وقال إن لم يجزه باقي الورثة فهي في السبيل لم يجز

الجزء: 4 - الصفحة: 87

ذلك وهو من باب الظن كذا في ابن مرزوق على المختصر وقوله إنفاذ بالرفع فاعل بفعل محذوف تقديره ثبت وألف ثبتًا في النظم للإطلاق ثم قال (وللذي أوصى ارتجاع ما يرى ... من غير ما بتل أو ما دبرا) يعني أن من أوصى في صحته أو مرضه بعتق أو غيره فله أن يغير من ذلك ما ظهر له ويصنع فيه ما يشاء وله طرح تلك الوصية ويبدل غيرها ولو التزم عدم الرجوع فيها على القول المشهور المعمول به إلا ما بتل عتقه أو عطيته بأن قال أخرجوها عشت أو مت فليس له الرجوع فيها على أحد قولين قال ابن رحال الراجح الرجوع مطلقًا في العتق وغيره على أي وجه كانت الوصية لأنها عدة فلذلك يرجع فيها ولأنها معلقة على الموت ولم يحصل ولأنها وكالة وللموكل بكسر الكاف عزل وكيله قبل إن ينفذ ما وكله وقوله (وفي الذي علم موص تجعل ... ودين من عن اليمين ينكل) يعني أن الوصية لا تخرج إلا من المال الذي علم به الموصي في صحته أو مرضه كما تخرج من الدين الذي في ذمته إذا نكل طالبه عن يمين القضاء أو عنها وعن يمين النصاب إذا لم يكن لرب الدين على الموصي إلا شاهد واحد فإذا لم يثبت الدين وبقي للورثة فإنه يجمع لبقية مال الموصي وتخرج الوصية من الجميع وإما المال الذي لم يعلم به وإنما أثبتته لمن ورثته بعد وفاته فإن الوصية لا تخرج منه (فرع) قال ابن زرب لو قال الورثة بعض المال لم يعلم به الموصي وقال الموصى له بل علمه فعلى الموصى له إثبات أنه علمه وإلا فليس له إلا ما أقر الوارث بعلمه اهـ (مسألة) من حبس أو تصدق أو وهب شيئًا من ماله وأوصى بعد ذلك بوصايا ثم بعد وفاته ظهر ما يوجب بطلان ما تصدق به ووقع الحكم ببطلانه فهل تكون الوصايا فيما بطل من التبرعات كمال علم به أم لا قولان والراجح منهما عدم دخول الموصى لهم فيما بطل إذا كان مثله ممن يجهل بطلان عطيته أما إذا كان الموصي عالمًا بأوجه

الجزء: 4 - الصفحة: 88

البطلان وإنها تؤول إليه عند الترافع لدى القضاة فإنهم يدخلون كما وقع الإفتاء بهذا في تركة الإمام ابن عرفة رحمه الله وبه القضاء وقوله (وصححت لولد الأولاد ... والأب للميراث بالمرصاد) معناه أن الوصية تصح لولد الولد مع وجود الولد وعن وجوده عبر بقوله والأب للميراث بالمرصاد أي يرصد ميراث أبيه ويترقبه يقال رصدته أي ترقبته وإنما صححت لولد الولد لأنه غير وارث ولهذا لو صار وارثًا كما لو مات أبوه قبل موت الموصي الذي هو جده لم تصح (قال) ابن مرزوق عند قول الشيخ خليل والوارث يصير غير وارث وعكسه الخ ما نصه وقال في المدونة في المسألة الثانية أن أوصى في صحته لامرأة ثم تزوجها ثم مات بطلت الوصية اهـ وظاهر النظم كان ولد الولد الموصى له موجودًا وقت الإيصاء أم لا وهو كذلك كما تقدم عند قوله.
حتى لحمل واضح أو لم يضح ... لكنها تبطل إن لم يستهل.
وهذا قد يستغنى عنه بذلك وبمفهوم قوله وامتنعت لوارث وتقدم الكلام على حكم الغلة الحاصلة قبل وجود الأحفاد وغير ذلك من الفوائد واعلم أن هاته المسألة اتسع فيها الكلام جدًا وإذا أردت أن تستوفيها فعليك بتكملة الشيخ مياره رحمه الله فقد أجاد فيها وأفاد وإنما تركت اختصارها لأنه قد يكون مخلًا والإتيان بجميعها يكون مملًا والله الموفق للصواب (ثم شرع يتكلم على الأب إذا أنفق على ابنه الذي تحت نظره ثم أراد الرجوع عليه في حياته أو أراد بقية الورثة الرجوع على الابن بعد وفاة الأب فأشار إلى الصورة الأولى بقوله (وإن أب من ماله قد أنفقا ... على ابنه في حجره ترفقا) (فجائز رجوعه في الحال ... عليه من حين اكتساب المال) يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الذي في حجره وتحت ولاية نظره فإنه يجوز له أن يرجع عليه بما أنفقه عليه من وقت كسب ابنه للمال فما بعد وأما ما أنفقه عليه

الجزء: 4 - الصفحة: 89

في حال عسره فلا يرجع عليه به لأن نفقته واجبة عليه إلى البلوغ قادرًا على التكسب إذا كان ذكرًا وإلى دخول الزوج إذا كان الولد أنثى وقوله أب فاعل بفعل محذوف يفسره أنفق وترفقا مفعول لأجله وهو راجع لكونه في حجره إذ لو رد إلى الإنفاق لكان نصًا في عدم الرجوع.
وأشار إلى الصورة الثانية مع ما فيها من التفصيل فقال (وإن يمت والمال عين باق ... وطالب الوارث بالإنفاق) (فما لهم إليه من سبيل ... وهو للابن دون ما تعليل) (إلا إذا أوصى على الحساب ... وقيد الإنفاق بالكتاب) يعني أن الأب إذا أنفق على ابنه الذي في ولايته وللابن وقت إنفاق أبيه عليه مال عين قد وجد في تركة الأب بعد موته وطلب بقية ورثته الابن المنفق عليه بالنفقة فليس لهم ذلك لأن إبقاء الوالد مال ولده العين تحت يده دليل على تبرعه عليه بها لسهولة الأخذ من العين إلا إذا أوصى الأب بمحاسبة الأبن بما أنفق عليه وقيد ذلك في حجة فلهم محاسبته بها.
وقوله وإن يمت الخ فاعل يمت ضمير يعود على الأب وجملة والمال عين باق في محل نصب على الحال وباق نعت لعين وطالب فعل ماض والوارث فاعل والمفعول محذوف أي الابن المنفق عليه بدليل السياق وضمير لهم يعود على الوارث وجمعه باعتبار ما يصدق عليه لأن المراد به جنس الوارث واحدًا كان أو متعددًا وضمير إليه وضمير وهو يعودان على الإنفاق أي المال المنفق من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق والرزق بمعنى المرزوق ثم قال (وإن يكن عرضًا وكان عنده ... فلهم الرجوع فيه بعده) (إلا إذا قال لا تحاسبوا ... وترك الكتب فلن يطالبوا) (وكالعروض الحيوان مطلقًا ... فيه الرجوع بالذي قد أنفقا) يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الصغير وللابن وقت الإنفاق عليه مال

الجزء: 4 - الصفحة: 90

عرض أو حيوان ولما مات الأب وجد ذلك المال بعينه في تركته وأراد بقية الورثة الرجوع على الابن بالنفقة فلهم ذلك لان في بيعه مشقة ونحوها إلا إذا أوصى وقال لا تحاسبوه ولم يكتبها عليه أو كانت عادة البلد عدم الرجوع بها فلا رجوع لهم عليه.
وقوله الحيوان مطلقًا أي عاقلًا كان أو غير عاقل فإن لم يوجد العرض في تركته وبيع الحيوان فإن الابن يحاسب بالنفقة من باب أولى ولو لم يشهد الأب بعمارة ذمته ثم صرح بمفهوم قوله السابق والمال عين باق وهو أن المال العين إذا لم يبق فلو ذكره عقبه متصلًا به لكان أولى فقال (وإن يكن عينًا ورسمًا أصدرا ... بأنه ذمته قد عمرا) (فما تحاسب بمستحق ... وهو كالحاضر دون فرق) (وإن يكن في ماله قد ادخله ... من غير إشهاد بذلك أعمله) (مع علم أصله فههنا يجب ... رجوع وارث بإنفاق طلب) يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الصغير وكان للابن حين أنفاق أبيه عليه مال عين إلا أنه لم يوجد في تركة أبيه وأراد بقية الورثة محاسبة الابن بالنفقة فإن أشهد الأب بعمارة ذمته بمال ابنه فإن الابن لا يحاسب بالنفقة لأن ما في الذمة كالموجود وقد تقدم أنه إن وجد مال عين في التركة لم يحاسب الابن إلا إذا أوصى بالمحاسبة وقيد ذلك في حجة وكذلك هنا إذ لا فرق بينهما.
وإن لم يشهد بعمارة ذمته وعلم أصل المال الذي في ذمة الأب فإن الابن يحاسب بالنفقة ويرجع عليه الوارث بها إلا إذا كانت عادة قوم عدم مطالبة أبنائهم بالنفقة فإنه لا يحاسب بها كما مر (قوله) وإن يكن عينًا الخ ففي يكن ضمير يعود على المال اسمها وعينًا خبرها ورسما مفعول مقدم بإصدار وألفه للإطلاق وبأنه متعلق به وضميره يعود على المال وذمته مفعول بعمرا مقدم كالذي قبله وألف للإطلاق وجماعة قد عمرا خبر أن بفتح الهمزة وجملة

الجزء: 4 - الصفحة: 91

فما تحاسب بمستحق المنفية بما في محل جزم جواب إن من قوله وإن يكن عينًا (وقوله) وإن يكن في ماله الخ إن شرطية ويكن فعل الشرط واسم يكن ضمير يعود على لأب ومفعول ادخله يعود على مال الابن وجملة اعمله صفة إشهاد وجملة فههنا يجب رجوع وارث الخ جواب الشرط وجملة طلب صفة إنفاق أي طلب من الابن (هذا) كله فيما قبضه الأب من مال ابنه وأما ما كان للابن من المال ولم يقبضه له أبوه فأشار إليه الناظم بقوله (وغير مقبوض على الإطلاق ... كالعرض في الرجوع بالإنفاق) يعني أن الأب إذا أنفق من ماله على ابنه الصغير وللابن وقت الإنفاق عليه مال لم يقبضه الأب ممن هو تحت يده حتى مات الأب فإن الابن يحاسب بالنفقة إذا طلب بقية الورثة ذلك كما إذا كان ماله عرضًا ووجد في تركته كما مر إلا إذا أوصى الأب بعدم محاسبته أو كانت عادتهم ذلك فإنه لا يحاسب وسواء كان ذلك المال الذي لم يقبضه عينًا أو عرضًا وإليه أشار الناظم بالإطلاق (ولما) تكلم على موت الأب شرع يتكلم على موت الابن المنفق عليه فقال (وموت الابن حكمه كموت الأب ... وقيل في يسر أب حلف وجب) يعني أن حكم موت الابن في حياة أبيه إذا أراد الرجوع عليه بما أنفقه عليه كحكم موت الأب في جميع ما تقدم من كون المال عينًا أو عرضًا موجودًا أو غير موجود إلى غير ذلك ولا يمين على الأب إذا طلب بقية ورثته أحلافه إنه أنفق ليرجع لأنهم قائمون مقام الابن ولا يرثون إلا ما كان له وليس للابن أن يحلف أباه وقيل إذا كان الأب أمينًا وهو معدم فلا يمين عليه وإذا كان موسرًا غير أمين يحلف إنه أنفق ليرجع (قال) ابن أبي زمنين في المقرب قال محمد ولمالك في سماع ابن القاسم انه سئل عن الرجل يموت ولده وقد كان للولد مال فتقوم جدته أو أمه تطلب ميراثها في ذلك فيقول الأب قد أنفقت عليه في كذا وكذا أترى عليه يمينًا فقال إن كان رجلًا

الجزء: 4 - الصفحة: 92

مقلًا مأمونًا فلا أرى ذلك عليه وإن كان موسرًا غير مأمون أرى أن يحلف لأن جل الآباء ينفقون على أبنائهم وإن كانت لهم أموال اهـ ولذا قال السيوري ينظر للعادة وقال الناظم كموت الأب يقرأ لفظ الأب بنقل حركة الهمزة ثم شرع يتكلم على الإقرار فقال

﴿فصل في الإقرار﴾

وهو في اللغة الاعتراف وفي الاصطلاح قال القرافي وغيره الرواية والإقرار والدعوى والشهادة كلها إخبارات (والفرق) بينها إن الأخبار لن كان لا يختص حكمه بمعين فهو الرواية نحو الأعمال بالنيات والشفعة فيما لا ينقسم وإن كان خاصًا بمعين فأما أن يقصر حكمه على قائله فهو الإقرار كقول القائل لفلان علي كذا وإن لم يقصر حكمه على قائله بل على غيره فأما أن يكون للمخبر فيه نفع فهو الدعوى كقوله لي على فلان كذا وإن لم يكن للمخبر فيه نفع فهو الشهادة كقول القائل لزيد على عمرو كذا (وقال) ابن راشد الإقرار حقيقته إخبار الرجل عن نفسه بأمر يوجب عليه حكمًا (وقال) ابن عرفة هو خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو بلفظ نائبه اهـ فخرج بقوله خبر الإنشاءات كبعت وما لا يوجب شيئًا كزيد قائم.
وخرج بقوله يوجب حكم صدقه على قائله فقط الرواية والدعوى والشهادة كما علمت.
وخرج به أيضًا قول القائل زيد زان لأنه ولو أوجب حكمًا على قائله فقط وهو حد القذف لكن ليس لما اقتضاه الصدق بل لما اقتضاه كذبه إذ لو كان كما اقتضاه صدقه لوجب جلد زيد مائة جلدة أو رجمه إن كان محصنًا وزاد قوله أو بلفظ نائبه ليدخل إقرار الوكيل عن موكله المالك أمر نفسه (تنبيهان) الأول قال الحطاب (فرع) قال في الكافي في كتاب الوكالة عن ابن خويز منداد وقد اتفق الفقهاء فيمن قال ما أقر به علي فلان فهو لازم لي لا يلزمه اهـ (الثاني) قال الحطاب أيضًا (مسألة) امرأة ادعت على أخيها بميراثها من أبيها في أملاك سمتها فقال وكيل الأخ إن أخاها قد قاسمها

الجزء: 4 - الصفحة: 93

جميع الأملاك وقبضت حصتها من ذلك.
فقال ابن رشد في نوازله إن كان الأخ جعل لوكيله الإقرار فقوله إن موكله قد قاسم أخته في جميع الأملاك التي وقف عليها إقرار منه عليه بمشاركة أخته له في جميعها فيقضى لها بميراثها في سائرها إن كانت في يديه اهـ وفي مسائل الأقضية من البرزلي عن ابن أبي زيد أن من طلبت منه أخته ميراثها من أملاك أبيها فقال بيدي ربع ملكته من أبي وربع ملكته بكسبي وغفل عنه حتى مات إن على ورثته إثبات ما ادعى أنه استفاده بعد موت أبيه وإلا حلفت ما علمت بما استفاده وقسم بينهما اهـ بنصه من أول باب الإقرار (وحكمه) اللزوم وهو أقوى من البينة عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم أحق ما يؤاخذ به المرء إقراره على نفسه الحديث.
وحكمة مشروعيته صيانة الحقوق قاله ابن راشد.
وأركانه أربعة الصيغة والمقر والمقر له والمقر به (فالصيغة) هي صريح اللفظ أو ما يقوم مقامه كالإشارة والكتابة والسكوت قال ابن راشد والإشارة من الأبكم والمريض فلو قيل لمريض لفلان عندك كذا فأشار برأسه أي نعم فهو إقرار إذا فهم عنه مراده والكتابة مثل أن يكتب بيده بمحضر بينة ويقول أشهدوا علي بما فيه وإن لم يشهدهم وقام من أقر له بذلك وشهد أنه خطه لزمه أن كتبه في صحيفة أو لوح أو خرقة ولو كتب ذلك في الأرض لم يلزمه إلا أن يقول أشهدوا بذلك علي.
والسكوت مثل أن يكون له حق على رجل فيموت وتباع تركته وتقسم وهو ساكت فلا قيام له ما لم يكن له عذر اهـ (والمقر) وشرطه أن يكون مالكًا لأمره كما يأتي في النظم بأن يكون بالغًا رشيدًا غير مكره ولا خائف لم يكذبه الذي أقر له فإن كذبه لم يسلم إليه ويترك في يد المقر قاله ابن شاس (والمقر له) وشرطه أن يكون أهلًا للاستحقاق كالولد والزوجة كما يأتي في النظم أيضًا أما لو كان غير أهل للاستحقاق فإنه باطل قال صاحب الجواهر فلو قال لهذا الحجر أو لهذا الحمار علي ألف لبطل (والمقر به) وهو نوعان نسب كالأبوة والبنوة والأخوة ويعبر عنه بالاستلحاق ومال وهو مراد الناظم في هذا الفصل وشرط صحته أن يكون المقر به تحت يد المقر وفي حوزه ثم إن الإقرار تارة يكون في الصحة وتارة

الجزء: 4 - الصفحة: 94

يكون في المرض وفي كل منهما إما أن يكون المقر له وارثا أو أجنبيًا فالأقسام أربعة.
وقد أشار إلى إقرار الصحيح لأجنبي أو وارث مع ذكر بعض الأركان فقال (ومالك لأمره أقر في ... صحته لأجنبي أقتفي) (وما لوارث ففيه اختلفا ... ومنفذ له لتهمة نفى) (ورأس متروك المقر ألزما ... وهو به في فلس كالغرما) يعني أن من أقر في صحته لأجنبي غير وارث فإن إقراره معمول به نافذ للمقر له ما لم يكذبه كما تقدم.
وإن أقر لوارث فقولان (أحدهما) إن إقراره نافذ أيضًا لأن التهمة منفية عنه بصحته ويلزم المقر ما أقر به من رأس ماله ويكون كالدين الثابت بالبينة يحاصص به الغرماء في الفلس وهذا هو القول المشهور وبه العمل (قال) ابن عبد البر في الكافي كل بالغ جائز الفعل رشيد فإقراره جائز على نفسه في كل ما يقر به في صحته والأجنبي والوارث في ذلك سواء وكذلك القريب والبعيد والعدو والصديق في الإقرار في الصحة سواء (والأخر) إن إقراره غير معمول به للتهمة المفهومة من قول ومنفذ له لتهمة نفي وقوله ومالك الخ مبتدأ وجملة اقتفي من الفعل ونائب الفاعل خبر أي أتبع إقراره إذ لابد من الرابط لوقوع الخبر جملة وقوله ما لوارث الخ ما مبتدأ واقع على الإقرار ولوارث متعلق بمحذوف صلته وجملة ففيه اختلفا خبره وقرن بالفاء لشبه المبتدأ بأداة الشرط وألف اختلفا للإطلاق وقوله ومنفذ له أي لإقراره مبتدأ وجملة نفي من الفعل والفاعل خبره ولتهمة معمول لنفي ولامه زائدة ورأس متروك الخ مفعول به مقدم به منصوب وهو مضاف ومتروك مضاف إليه وألزما فعل وفاعل يعود على قوله منفذ وألفه للإطلاق كذلك وإعراب البقية ظاهرة والله أعلم (ولما) فرغ من الكلام على الإقرار في الصحة لأجنبي أو لوارث شرع في الكلام على الإقرار في المرض لأجنبي غير صديق أو لصديق أو لقريب غير وارث فقال (وإن يكن لأجنبي في المرض ... غير صديق فهو نافذ الغرض)

الجزء: 4 - الصفحة: 95

(ولصديق أو قريب لا يرث ... يبطل ممن بكلالة ورث) (وقيل بل يمضي بكل حال ... وعندما يؤخذ بالأبطال) (قيل بإطلاق ولابن القاسم ... يمضي من الثلث بحكم جازم) يعني أن من أقر في مرضه المخوف لأجنبي غير صديق فإن إقراره معمول به وسواء كان المقر يورث كلالة أم لا وإن كان إقراره لأجنبي صديق ملاطف أو قريب لا يرث ففيه قولان (أحدهما) إن ورث المقر كلالة أي لم يترك والدًا ولا ولدًا ولا ولد ابن وإن سفل فإقراره باطل وإن ورث غير كلالة فإقراره صحيح (وثانيهما) إن إقراره صحيح معمول به ورث كلالة أم لا وهو معنى قوله بكل حال والمشهور الأول وعليه فهل يبطل مطلقًا إن ورث كلالة فلا يؤخذ ما أقر به لا من رأس المال ولا من الثلث أو يمضي من الثلث لا من رأس المال به والفتوى قولان وقول الناظم وعندما يؤخذ بالأبطال مبني على القول بالتفصيل كما علمت ثم شرع في الكلام على الإقرار لوارث وبدأ بالولد فقال (وحيثما الإقرار فيه للولد ... مع غيره فليس فيه من مرد) (مع ظهور سبب الإقرار ... فإن يكن ذاك عن اختيار) (فذو عقوق وانحراف يحكم ... له به وذو البرور يحرم) يعني أن الأب إذا أقر لولده مع غيره فإنه ينظر في إقراره له فإن كان عن غير اختيار بأن كان لإقراره سبب يوجب له ذلك كان يكون للولد مال أقر له به وشهدت بينة بأن أباه قبضه له وسواء بين الشهود قدر المال أو لم يبينوا فإقراره له مع وجود الوارث لا مراد له اتفاقًا لأن المقصود نفي التهمة والتهمه قد أنتفت بوجود السبب الحامل على الإقرار.
وإن كان إقراره له عن اختيار منه بحسب الظاهر فإن كان الولد

الجزء: 4 - الصفحة: 96

غير بار بوالده فالإقرار صحيح لأنه لا يتهم أن يعطيه بدون سبب ويحرم البار وإن كان بارًا بوالده فلا يصح إقراره له لوجود التهمة (ثم) ثنى بالكلام على حكم الإقرار للزوجة فقال (وإن يكن لزوجة بها شغف ... فالمنع والعكس بعكس يتصف) (وإن جهلنا عند ذاك حاله ... فالمنع ممن ارثه كلاله) (ومع واحد من الذكور ... في كل حال ليس بالمحظور) (كذاك مع تعدد فيهم ذكر ... ما منهم ذو كبر وذو صغر) (وإن يكن بغير ذاك مطلقًا ... قيل مسوغ وقيل متقى) يعني أن المريض إذا أقر لزوجته فإنه ينظر في حاله معها فإن كان محبًا لها وشغوفًا بها فإقراره لها غير صحيح وإن كان يبغضها فإقراره لها صحيح وإن جهل حاله معها فإن ورث كلالة فإقراره لها غير صحيح وإن ترك ذكرًا واحدًا كبيرًا كان أو صغيرًا منها أو من غيرها صح إقراره لها في كل حال وكذلك يصح إقراره لها إذا تعددت الأولاد وفيهم ذكر سواء كانوا كبارًا أو صغارًا وعلى ذلك نبه بقولهم ما منهم ذو كبر وذو صغر فما نافيه أي ليس منهم كبير يختص بهذا الحكم ولا صغير يختص به بل كبيرهم وصغيرهم في ذلك سواء يكون مصححًا للإقرار.
وإن كان الولد غير ذكر بأن كان بنتًا أو بنات منها أو من غيرها ففي صحة إقراره لزوجته التي جهل حاله معها وعدم صحته قولان أحدهما يقول بجوازه لها نظرًا إلى أنها أبعد من البنت والأخر يقول بمنعه نظرًا إلى أنها أقرب من العصبة فإن ورثه مع العصبة صغيرة أو أكثر منها لم يصح إقراره لها اتفاقًا ولذا قال ولده كان حقه أن يزيد بيتًا فيقول إلا إذا كن صغارًا أجمعا ... منها فحكم ذاك أن يمتنعا قال التسولي والذي يظهر من كلام الشامل إن الراجح هو القول الأول وقول الناظم

الجزء: 4 - الصفحة: 97

ليس بالمحظور أي الممنوع وقوله مسوغ بفتح الواو (ثم) أشار إلى حكم الإقرار لوارث غيرهما فقال (وإن يكن لوارث غيرهما ... مع ولد ففي الأصح لزمًا) (ودونه لمالك قولان ... بالمنع والجواز مرويان) يعني أن المريض إذا أقر بنحو دين لوارث غير الولد والزوجة المتقدمين فإن كان للمريض ولد ذكرًا كان أو أنثى فقولان الأصح منهما لزوم إقراره ما لم يظهر ما يخالفه بأن كان الولد غير بار وإلا فيترجح البطلان كما تقدم وإن لم يكن له ولد ففي منع إقراره وجوازه قولان مرويان عن الإمام مالك ومحلهما إن كان المقر له مساويًا كإقراره لأحد أخوته المتساويين في الدرجة والبرور وضده أو كان أقرب كإقراره لأم مع وجود أخ أو عم والراجح منهما المنع وأما إقراره لوارث أبعد مع وجود أقرب غير عاق كإقراره للعصبة مع وجود أم أو أقر لأخ لأب أو أم مع وجود شقيق فإقراره صحيح اتفاقًا والله تعالى أعلم ثم قال (وحالة الزوجة والزوج سوا ... والقبض للدين مع الدين استوى) يعني أن حكم إقرار الزوجة لزوجها بدين مثلًا في حال مرضها كحكم إقراره لها في جميع ما تقدم من التفصيل سواء بسواء وإن إقراره أحدهما للآخر بقبض دين له على صاحبه فإنه منزل منزلة الإقرار بالدين ثبوتًا وبطلانًا إلا إقرار الزوج لزوجته بأن كالئي صداقها باق في ذمته فإنه عامل مطلقًا بلا تفصيل وقد أشار الناظم إلى حكم تعدد الإقرار فقال (ومشهد في موطنين بعدد ... لطالب ينكر إنه اتحد) (لهم به قولان واليمين ... على كليهما له تعيين) (ما لم يكن ذاك برسمين ثبت ... فما ادعاه مشهد لا يلتفت)

الجزء: 4 - الصفحة: 98

يعني أن من أشهد على نفسه أن بذمته مائة درهم مثلًا لرجل ثم أشهد مرة أخرى أن بذمته مائة درهم لذلك الرجل الأول ولم يأمرهم بالكتب ولا بين السبب ووقع نزاع بين المدين ورب الدين فأدعى المدين أن جميع الحق مائة واحدة وكرر الإشهاد بها زيادة في التوثق ليطمئن خاطر رب الدين وتنبيهًا للشهود فلربما تقع لهم غفلة في ذلك وادعى رب الدين إن له على المدين مائتين وأنكر اتحاد المشهود به أولًا وثانيًا وقال بل هما حقان ففي المسألة قولان الراجح منهما أن القول قول المدين بيمينه إنه مائة واحدة فإن وقع بيان السبب فتارة يتحد بأن كان من سلف فيهما وتارة لا يتحد بأن كانت إحدى المائتين من سلف والأخرى من بيع فالقول قول المدين في الصورة الأولى والقول لرب الدين في الصورة الثانية كما إذا وقع التعدد برسمين ولو لم يبين السبب مع يمينه ولا يلتفت حينئذ لقول المدين إنه مائة واحدة على القول الراجح وضمير أنه يعود على المشهود به وضمير لهم يعود على الفقهاء وضمير به يعود على الفرع والباء بمعنى في أي في هذا الفرع الذي وقع فيه تكرر الإشهاد في موطنين وضمير كليهما يعود على القولين وضمير لها يعود على اليمين وذلك لأن الإمام مالك لما سئل عن المسألة فقال مرة القول للطالب يمينه وقال مرة القول للمطلوب بيمينه وهو معنى قوله واليمين الخ والقول الثاني هو المرجوع إليه ولهذا كان هو الراجح كما مر وقد اقتصرت على ما سمحت به القريحة في هاته المسألة لما فيها من الاضطراب والله الموفق للصواب ثم قال (ومن أقر مثلًا بتسعه ... وصح أن دفع منها السبعه) (ثم أتى من بعد ذا ببينه ... بقبض دينارين منه معلنه) (فالقول قوله إن الخصم ادعى ... دخول دينارين فيما اندفعا) يعني أن من عليه تسعة دنانير مثلًا دينًا لرجل ثم ثبت أن رب الدين قبض منه سبعة ثم أثبت المدين أيضًا أنه دفع لغريمه دينارين وأدعى المدين أنهما البقية عليه من

الجزء: 4 - الصفحة: 99

التسعة وأنه خلص مع رب الدين في جميع التسعة ولم يبق عليه منها شيء (وادعى) رب المال أن الدينارين من السبعة المدفوعة أولًا وداخلة فيها وإنه بقي له دينارين فإن القول في ذلك قول المدين بيمينه إنها غير داخلة في السبعة وقوله أتى ضميره يعود على المقر بالتسعة وقوله من بعد ذا أي من بعد دفع السبعة وبينة متعلق بأتى ومعلنه نعت لبينة وبقبض متعلق بمعلنه ومنه متعلق بقبض وضميره للمدين والضمير في قوله يعود على الذي أقام البينة بدفع الدينارين وهو المدين والمراد بالخصم رب الدين وقول الناظم (وبيع من حابى من المردود) راجع شرحه وما به العمل في المسألة في فصل في مسائل من أحكام البيع عند قوله فإن يكن حابى به فالأجنبي ... من ثلثه يأخذ ما به حبى وما به الوارث حابا منعا ... وإن يجزه الوارثون اتبعا وقوله (إن ثبت التوليج بالشهود) (أما بالإقرار أو الإشهاد ... لهم به في وقت الانعقاد) (ومع ثبوت ميل بائع لمن ... منه اشترى يحلف في دفع الثمن) يعني أن البيع إذا كان توليجًا وهو في الحقيقة عطية في صورة البيع تحيلًا على إسقاط الحوز الذي هو شرط فيها وثبت ذلك إما بإقرار المشتري بعد البيع وبعد حصول المانع للبائع أن البيع إنما هو صورة وفي الحقيقة عطية أو بالإشهاد من البائع والمشتري للشهود بالتوليج وقت العقد فإن هذا العقد مردود غير صحيح فإن لم يحصل مانع للبائع يمنع من ذلك فإنه لا يبطل إن حازه المشتري وسواء كان وارثًا أو غير وارث فإن لم يثبت التوليج بأحد الأمرين المذكورين وبقيت دعوى المدعي مجردة فإن لم

الجزء: 4 - الصفحة: 100

يثبت ميل البائع للمشتري فالبيع صحيح ولا يمين على المشتري وإن ثبت ميل البائع له فإن المشتري يحلف أنه دفع الثمن للبائع وأنه أشترى اشتراء صحيحًا ويثبت البيع فإن نكل بطل البيع بمجرد نكوله لأنها يمين تهمة وليست تنقلب وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين وارث وغيره وهو كذلك وان اردت التوسع في المسألة فعليك بالشيخ ميارة على الزقاقية ففيه ما يشفي الغليل ويبري العليل إن شاء الله الملك الجليل ثم شرع يتكلم على حكم المدين فقال

فصل في حكم المديان

وله حالات أولها قوله (ومن عليه الدين أما موسر ... فمطلة ظلم ولا يؤخر) يعني أن المدين إذا كان موسرا في ظاهر الحال وهو من يلبس الثياب الفاخرة وله خدم ولا يعلم له أصول ولا عروض فإن مطلة وتلدده ظلم لقوله عليه الصلاة والسلام مطل الغني ظلم الحديث فإن من كانت حالته هذه لا يجوز تأخيره بل يسجن حتى يؤدي ما عليه من الدين إلا إذا وعد بالقضاء وسال التأخير كاليومين والثلاثة أو أكثر بحسب ما يراه الحاكم فإنه يؤخر إذا أعطى حميلا بالمال أو سال التأخير لثبوت فقره فإنه يؤخر بحميل بالوجه حيث كان غير ملد وأما الملد فسيأتي عند قوله والحبس للملد والمتهم وقوله بمطلة المطل بفتح أوله وسكون ثانيه التسويف (وثانيها) قوله (أو معسر قضاؤه أضرار ... فينبغي في شأنه الأنظار) يعني أن المدين إذا كان غير معروف بالدنانير والدراهم ولكن له عروض وأصول يحتاج في بيعها إلى التوسعة في الزمان فإنه يوسع عليه باجتهاد الحكام بحسب قلة المال وكثرته وتبدل الأسواق لأن في القضاء عليه ببيعها اضرار عليه وظاهره أنه يؤخر بدون حميل وهو كذلك لأن سلعته تعقل عليه وتكون رهنا فيه وهو معنى قوله الآتي وسلعة المديان رهنا تجعل إذ هو تتمة ما هنا (وثالثها) قوله

الجزء: 4 - الصفحة: 101

(أو معدم وقد أبان معذرة ... فواجب انظاره لميسرة) يعني أن المدين إذا أدعى العدم وأثبت عذره بشهادة بينة لا مطعن فيها بأنه معدم وحلف معها واستظهر بها من أول الأمر لدى القاضي فإنه ينظر وجوبا إلى أن يحصل له اليسر فيؤدي ما عليه لقول الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة الآية (ورابعها) قوله (أو من على الأموال قد تقعدا ... فالضرب فالسجن عليه سرمدا) حتى يؤدي ما عليه قعدا يعني أن من كان معلوم الغنا وتقاعد عن أداء ما عليه من الدين لربه فإنه يحكم عليه بالضرب والسجن ولا يخرج منه أبدا ولو ابيضت عيناه حتى يؤدي ما عليه ولا يؤخذ منه حميل لأنه ظالم بمطلة إلا أن يلتزم الحميل بدفع المال في الحال إن عرف أنه من أهل الناض قاله القاضي عياض وليس للإمام أن يبيع كسبه كما يبيع على المفلس لأن المفلس قد ضرب على يديه ومنع من ماله وهذا ليس كذلك قاله ابن عبد السلام فإذا لم تكن له مكاسب ظاهرة وأدعى العدم وأتى ببينة تشهد له بذلك فلا تنفعه وإلى هذا أشار بقوله (ولا التفات عند ذا لبينة ... لما أدعى من عدم مبينة) إلا إذا اثبتت البينة ضياع المال بسبب حرق أو سرقة أو غصب ونحو ذلك فإنها تقبل وقوله (وأن أتى بضامن فبالادا) يعني حالا كما تقدم عن عياض وقوله (حتى يؤدي ما عليه قعدا) هو غاية لقوله بالضرب والسجن كما وصلناه به وقوله مبينه في البيت قبله صفة لبينه (وخامسها) من لم يعلم حاله من يسر أو عسر وهو مجهول الحال وهو أما غير متهم بإخفاء ماله وإما متهم وبدا بالأول منهما فقال (وحيثما يجهل من طلب ... وقصد اختياره بما يجب) (فحسبه مقدار نصف شهر ... أن يكن الدين يسير القدر)

الجزء: 4 - الصفحة: 102

(والحبس في توسط شهران ... وضعف ذين في الخطير الشأن) (وحيث جاء قبل بالحميل ... بالوجه ما للسجن من سبيل) يعني أن المدين إذا جهل حاله هل هو معدم أو ملي فإنه يختبر بالسجن بقدر قلة المال وكثرته وتوسطه كما قال الناظم وليست الاجال المذكورة بأمر لازم لا بد منه بل لقضاة الحواضر وحكامها أن يجتهدوا في ذلك لبعدهم عن التهم هذا إن لم يأت بحميل بالوجه فإن أتى به فإنه يؤخر لإثبات فقره ولا يسجن فإن أنقض الأجل ولم يثبته حبس على نحو ما مر من التفصيل وقوله (وسلعة المديان رهنا تجعل ... وبيعها عليه لا يعجل) (وحقه مع ذاك أن يؤخرا ... بحسب المال لما القاضي يرى) قد تقدم معنى هذين البيتين عند قوله أو معسر قضاؤه إضرار الخ وأشار بهما الناظم إلى قوله ابن رشد في نوازله أنه سئل عن رجل ترتب عليه دين حال وله سلعة يمكن بيعها بسرعة فطلب صاحب الدين أن تباع وطلب صاحبها أن لا تفوت عليه وتوضع رهنا ويؤجل أيامًا ينظر في الدين فقال أن من حقه أن يجعل السلعة رهنا ويؤجل في إحضار المال بقدر قلته وكثرته وما لا يكون فيه ضرر على واحد منهما على ما يؤديه إليه اجتهاد الحاكم في ذلك وهذا هو الذي جرى به الحكم ومضى عليه العمل وتدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه أه وأشار إلى الثاني بقوله (والحبس للملد والمتهم ... إلى الأداء أو ثبوت العدم) (وليس ينجيه من اعتقال ... إلا حميل ضامن بالمال) (وحبس من غاب على المال إلى ... أدائه أو موته معتقلًا) يعني أن المدين الملد المتهم بإخفاء المال على الغرماء وهو من كان ظاهره الغناء وجهل حال باطنه وأدعى الفقر فإنه لا يسمع منه ويسجن إلى الممات ولا ينجيه من السجن

الجزء: 4 - الصفحة: 103

إلا أداء ما عليه من الدين أو إثبات فقره وإذا طلب الخروج منه لإثبات فقره فيأتي بحميل بالمال كما قال الناظم على أحد قولين والمشهور التفصيل وهو أنه إذا سأل التأخير لثبوت فقره فبحميل بالوجه على القول الراجح وإذا وعد بالقضاء فيوجل بحميل بالمال اتفاقا لاعترافه بالقدرة على الأداء وإليه أشار الناظم فقال (وغير أهل الوفر مهما قصدا ... تأخيره وبالقضاء وعدا) (مكن من ذاك بضامن وأن ... لم يأت بالضامن بالمال سجن) يعني أن المدين إذا كان غير معروف بالمال الكثير إذا طلب تأخيره ووعد بالقضاء فإنه يمكن من ذلك بضامن بالمال فإن لم يجده سجن كما مر وقوله والمتهم بفتح الهاء عطف تفسير على الملد عند ابن رشد إذ معناهما واحد وقوله العدم بفتح الدال ثم صرح بمفهوم قوله وغير أهل الوفو فقال (ومن له وفر فليس يضمن ... فإن قضى الحق وإلا يسجن) يعني أن من كان معروفا بالمال الكثير فإنه لا يقبل منه ضامن ولا يؤخر بل يسجن إذا لم يحلف أنه لا مال له حاضر كما في البيت بعده وقد نبه الشيخ ميارة والتولي على ما وقع في تلك الأقسام من التداخل والإطناب وعدم الترتيب والإخلال ببعض القيود وهو أمر لا يخفى ولما قررت الفقه على ما ينبغي بعون الله نعالى تركت ذلك خشية التطويل والله الهادي إلى سواء السبيل وقوله (وأوجب ابن زرب أن يحلفا ... من كان باكتساب عين عرفا) يعني أن القاضي أبا بكر بن زرب أوجب الحلف على من كان معروفا باكتساب العين بأن كان من التجار المعتبرين أو من أهل الصنائع المشهورين لأن الغالب عليهم حضور الدراهم والدنانير عندهم وهذه اليمين جارية على أيمان التهم والمعروف من المذهب توجهها من غير فرق بين تاجر وغيره وابن زرب وسط في ذلك فأوجبها على التجار

الجزء: 4 - الصفحة: 104

دون غيرهم وإذا حلف أنه لم يحضره في الوقف ما عرف به من الناض فحينئذ يؤخذ منه الرهن أو الضامن قال الشارح وعلى قوله العمل ثم قال (ومحمل الناس على حال الملا ... على الأصح وبه الحكم خلا) يعني أن الناس محمولين على الغنا لا على الفقر وجرى به العمل وهذا مما قدم فيه الغالب على الأصل لأن الإنسان أصله أن يولد ولا شيء له لكن الغالب عليه التكسب والحرص على الدنيا ثم أخذ يتكلم على كيفية الشهادة بالعدم وما ينبني عليها فقال (ويشهد الناس بضعف أو عدم ... ولا غنى في الحالتين من قسم) (بما اقتضاه الرسم لا اليقين ... إذ لا يصح بت ذي اليمين) (ومن نكوله عن الحلف بدا ... فإنه يسجن بعد ابدا) يعني أن المدين قد يشهد الشهود فيه بكونه ضعيف التجر قليل ذات اليد بهذه الحالة عرفوه وقد يشهدون فيه بكونه عديما لا يعلمون له مالا لا ظاهرا ولا باطنا وتقدم أن هذا يجب انظاره والشهادة في الوجهين المذكورين على ما يعلمه الشاهد على المعمول به لا على البت كما تقدم في الشهادات عند قوله (وغالب الظن به الشهادة ... بحيث لا يصح قطع عاده) وحيث كانت على العلم فلا بد معها من يمين المشهود فيه وهل تكون اليمين على ما اقتضاه رسم الشهادة بأن يحلف على العلم لا على البت إذ قد يكون له مال لا يعلمه وهو ما درج عليه الناظم أو يحلف على البت ولا يجزئه الحلف على العلم قولان والراجح منهما الثاني وعليه فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو لا مال له لا ظاهر ولا خفي ولا يقول لا يعلم وإذا نكل عن هذه اليمين وامتنع منها فإنه يسجن ابدا حتى يؤدي ما عليه أو يحلف.
والمراد بالحالتين حالة الضعف وحالة العدم وهما متغايران فحالة العدم ينبني عليها تسريحه وأنظاره كما مر وحالة الضعف ينبني عليها أخذ ذلك القليل من

الجزء: 4 - الصفحة: 105

يده بعد أن يترك له ما يعيش به هو ومن تجب عليه نفقته عرفا كما صرح به الناظم بعد في قوله وثبت للضعف حال دفعه ... لغرمائه بقدر وسعه.
وقوله بما اقتضاه باؤه بمعنى على متعلق بقسم واليقين بالخفض معطوف على ما واليمين بالجر نعت لذي ثم قال (وحيث تم رسمه وعدما ... كان عديما لأولاء الغرماء) (إلا أن استفاد من بعد العدم ... مالا فيطلبونه بالملتزم) (وينبغي اعلان حال المعدم ... في كل مشهد بأمر الحكم) يعني أن الشهود إذا شهدوا بعدم المدين وتمت شهادتهم وحكم القاضي بعدمه بعد الأعذار للغرماء فسلموا شهادتهم أو عجزوا عن الطعن فيها ولم يكن لهم معارض في ذلك فإن هذا المدين يكون عديما لهؤلاء الغرماء الذين طلبوا تعديمه وحينئذ فلا يجب لهم قبله شيء إلا إذا استفاد بعد ذلك مالًا فإنهم يطلبونه بما التزم لهم به حيث قال في يمينه وأن وجده ليقضين ولا يجبر على التكسب إلا إذا عاملوه عليه بأن كان صاحب صنعة.
وينبغي إعلام الناس بحال المعدم في المشاهد والأسواق بأمر الحاكم على ما جرى به العمل ليعلم الناس حاله فلا يعامله من أراد معاملته إلا على بصيرة من أمره وقوله في كل وبأمر الحكم بفتح الكاف أي الحاكم يتعلقان بإعلان وقوله (ومثبت للضعف حال دفعه ... لغرمائه بقدر وسعه) معناه أن المدين إذا اثبت ضعف ماليته فإنه يؤدي لغرمائه على قدر وسعه بما يراه الحاكم وقد تقدم الكلام على هذا كما علمت وقوله ومثبت مبتدأ أول وحال مبتدأ ثان وبقدر وسعه بتثليث الواو أي قدرته وطاقته متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر المبتدأ الأول والضمائر كلها عائدة عليه والأخير هو الرابط وقوله (وطالب تفتيش دار المعسر ... ممتنع إسعافه في الأكثر)

الجزء: 4 - الصفحة: 106

معناه أن رب الدين إذا طلب تفتيش دار المدين المعسر فهل يجاب لذلك أم لا وعليه الأكثر قال ابن ناجي وعليه العمل قولان وقوله إسعافه بالدفع نائب فاعل ممتنع أي ممنوع وبقية الإعراب ظاهر والله أعلم ثم شرع يتكلم على الفلس وهو أخر فصول الباب فقال

فصل في الفلس

وهو مشتق من الفلوس قال القاضي عياض لأن المفلس صار ذا فلوس بعد أن كان ذا ذهب وفضة انتهى (واعلم أن من أحاط) الدين بماله لا يخلو من ثلاث حالات (الأولى) قبل قيام الغرماء (والثانية) بعد قيامهم وقبل حكم الحاكم بنزع ماله (والثالثة) حكم الحاكم بنزع ماله فأشار الناظم إلى الأولى بقوله (ومن بماله أحاط الدين لا ... يمضي له تبرع إن فعلا) يعني أن المدين إذا زاد الدين على ماله أو ساواه فإنه لا يجوز له أن يتصرف في ماله بغير عوض كالهبة ونحوها فإن فعل ما هو ممنوع منه فللغرماء رده ولهم منعه من السفر إن كان الدين يحل بغيبته ولم يوكل من يدفعه عنه ولا ضمنه موسر وإلا فلا يمنع.
ومفهوم قوله أحاط الدين بماله إن من لم يحط الدين بماله فإن حكمه ليس كذلك وقد تقدم الكلام عليه في الفصل قبله.
ومفهوم قوله تبرع أن تصرفه بالبيع والشراء يمضي وهو كذلك إذا لم تكن فيه محاباة وإلا فالدين أحق بالمحاباة لاتهامه (فرع) قال صاحب المعيار (وسئل) القاضي أبو عبد الله ابن الحاج عمن كانت له أصول داينه الناس لأجلها فلما استغرقته الديون تغيب فذهب أصحاب الديون لبيع أصوله فقام في وجوههم عم المديان بعقد تضمن ابتياعه لأصول المديان (فأجاب) إذا شهد الشهود بالبيع ومعاينة القبض للثمن وإنه لم تكن فيه محاباة وأعذر في ذلك كله للغرماء فلم يكن فيه عندهم مدفع فلا سبيل لهم إلى الأصول التي وقع بيعها وإن لم

الجزء: 4 - الصفحة: 107

يشهد الشهود بذلك فالبيع مردود لا يصح اه.
وأشار إلى الثانية وهي تفليس عام فقال (وإن يكن للغرماء في أمره ... تشاور فلا غنى عن حجره) يعني أن الغرماء إذا قاموا على المدين وتكلموا في تفليسة ولم يحكم الحاكم بخلع ماله ونزعه من يده فلا غنى عن حجزه لهم فلا يمضي له بمد قيامهم عليه بيع ولا شرا.
ولا قضاء بعض الغرماء دون بعض.
وأشار الشيخ خليل إلى الثالثة بقوله ولو مكنهم الغريم فباعوا واقتسموا ثم داين غيرهم فلا دخول للأولين مع الأخيرين كتفليس الحاكم الخ يعني أن فائدة هاته الحالة المعبر عنها بالتفليس الخاص إذا مكنهم المدين من ماله قبل الرفع للحاكم فباعوا واقتسموا ثم داين غيرهم فلا دخول للأولين مع الأخيرين إلا إذا بقي بيده إلا أن يكون فيه فضل ربح أيضا بخلاف الحالة التي قبلها تخصيص فيها حتى يقع الحكم عليه بخلع ماله أو يمكنهم منه فيقع التخصيص كما علمت والله أعلم وقوله (وحل ما عليه من ديون ... إذ ذاك كالحلول بالمنون) معناه أن الغرماء إذا قاموا على المدين ومكنهم من ماله فأرادوا البيع والقسمة بدون حكم أو قاموا عليه وحكم الحاكم بخلع ماله فإن جميع ما عليه من الديون يحل بواحد من هذين الأمرين كحلوله بالموت قال صاحب المقرب قال ابن وهب قال مالك ومن مات أو فلس فقد حل الدين الذي عليه وإن كان إلى أجل اهـ ثم قال يعني أن المدين إذا وهب لولده شيئا من أملاكه هبة يصح اعتصارها قبل إحاطة الدين بماله فإذا فلس بعد ذلك فلا يكلف باعتصارها من ولده ليأخذها الغرماء فإن اعتصرها كان للغرماء أخذها ولا يلزمه أيضا قبول غير السلف من العطايا لما يلحقه من المنة وأما السلف فإنه يلزمه قبوله حاضرًا كان أو غائبًا أذن في الأداء عنه أم لا إذا كان ذلك

الجزء: 4 - الصفحة: 108

رفقا لا عتبًا كما تقدم في الضمان أما إذا قصد به العنت والتنكيل عنه بعد أو قال لا أسلفه إلا إذا طلبه مني فإن المدين لا يلزمه القبول ولا الطلب لما في ذلك من الأذية وقوله (وهو مصدق إذا ما عينا ... مالا له وما عليه أمنًا) معناه أن المفلس إذا قال هذا مالي وهذا أمانة عندي أو قراض أو عارية فلا تقربوه فهو مصدق ويكون للمقر له بيمينه وقيل لا يصدق.
وثالثها المشهور يصدق أن قامت بأصله بينة تشهد أنهم يعلمون أن عنده وديعة أو قراضًا أو عارية وإن لم يعينوها ولا سموا ربها ويكون ربها أحق بها من الغرماء ولو كان ممن يتهم عليه كأخيه وأبنه قيام البينة تنفي التهمة ثم قال (ورب الأرض المكتراة أن طرق ... تفليس أو موت فربها أحق) (وأحكم بذا لبائع أو صانع ... فيما بأيديهم فما من مانع) يعني أن من أكترى أرضا من إنسان وزرعها ثم أتاه تفليس أو موت فإن رب الأرض أحق بتمن زرعها من سائر غرماء مكتريها حتى يستوفي كرئة كالرهن المحوز وكذلك من باع شيئا ولم يخرج من يده حتى فلس المشتري أو مات أو استؤجر في صبغ ثوب أو خياطته مثلا والشيء المصنوع لا زال بيده حتى فلس ربه أو مات فإن البائع أو الأجير أحق بما بأيديهم من الغرماء حتى يستوفي الأول ثمن سلعته والثاني أجرته.
وقوله وأحكم بذا الإشارة للحكم المتقدم وهو كون رب الأرض أولى بثمن زرعها فيكون البائع والصانع أحق بما بأيديهم من سائر الغرماء كما علمت وليس لهما مانع ولا معارض في ذلك وهو تكميل للبيت وجمع ضمير بأيديهم باعتبار الأفراد إذ كل من لفظ بايع وصانع يصدق على كثيرين ثم صرح بمفهوم قوله وأحكم بذا لبائع وصانع فيما بأيديهم لما فيه من التفصيل فقال (وما حواه مشتر ويحضر ... فربه في فلس مخير)

الجزء: 4 - الصفحة: 109

(إلا إذا ما الغرماء دفعوا ... ثمنه فأخذه ممتنع) يعني أن من باع شيئًا يعرف بعينه وحازه المشتري ولم يقبض البائع ثمنه حتى فلس المشتري أو مات فوجد البائع شيئه حاضرا ففي الفلس يكون البائع مخيرا بين أن يأخذه ولو زاد أو نقص في بدنه أو يحاصص مع الغرماء حيث لم يدفعوا له ثمنه أما إذا دفعوا له ثمنه فلا كلام له فيه وفي الموت فليس للبائع إلا المحاصة مع الغرماء لأنه لو أختص بها في الموت أيضا لعظم الضرر على الغرماء لخراب ذمته بخلاف الفلس فإن الذمة باقية فيكون الضرر خفيفا والفرق بين هاته المسألة ومسألة المنطوق قبلها ظاهر.
وقوله ويحضر الواو للحال ويحضر بضم الضاد فعل مضارع مسند لمبتدأ محذوف تقديره هو يعود على المبيع أي والحال أن المبيع حاضر موجود وما بعد إذا زائدة ثم قال (وليس من رد بعيب ما اشترى ... أولى به في فلس إن اعترى) يعني أن من اشترى شيئا ودفع ثمنه لبائعه ثم وجد به عيبا يوجب الرد فرده على البائع ففلس قبل أن يرد للمشتري ثمنه فإن المشتري لا يكون أحق بذلك المعيب في مقابلة ثمنه بل يكون أسوة الغرماء.
وقوله من رد من موصول اسم ليس واقع على المشتري المفهوم من قوله أشترى وجملة رد صلته وبعيب متعلق برد وما مفعول به واقع على المبيع لا مضاف إليه وجملة اشترى بالبناء للفاعل صلة ما والعائد محذوف أي اشتراه وضمير أشترى المستتر يعود على من وقوله (والحلف في سلعة بيع فاسد ... ثالثها اختصاصها بالناقد) معناه أن من أشترى سلعة شراء فاسدا ودفع ثمنها أو أخذها عن دين في ذمة البايع ثم فلس البايع والسلعة لم تفت بأحد المفوتات للبيع الفاسد وقد تقدم بيانها في البيوع فإن البيع يفسخ.
وأختلف هل يكون المشتري أحق بها فيما تقدمن الثمن أو فيما له من الدين وهو القول الراجح أو لا يكون أحق بها أو يكون أحق بها إن كان

الجزء: 4 - الصفحة: 110

نقد ثمنها أما إذا أخذها عن دين كان له على البائع الذي فلس فلا يكون أحق بها بل يكون أسوة الغرماء أقوال ثلاثة ثم قال (وزوجة في مهرها كالغرماء ... في فلس لا في الممات فاعلما) يعني أن من تزوج امرأة ودخل بها ولم يدفع لها صداقها ثم فلس أو مات فإن الزوجة تحاصص الغرماء بصداقها في الفلس لا في الموت وما درج عليه الناظم أحد أقوال ثلاثة في المسألة والثاني لا تحاصص فيهما والثالث تحاصص فيهما معا وهو القول المشهور قال الشيخ خليل وحاصت الزوجة بما أنفقت وبصداقها كالموت لا بنفقة الولد أهـ قال الزرقاني لا تحاصص في فلس ولا موت بنفقة الولد لأنها مواساة لكن ترجع عليه بها أن أيسر حال إنفاقها لأنها قامت عليه بواجب وظاهر المصنف عدم محاصتها بنفقه ولو حكم بها حاكم وفي أحمد هذا ما لم تكن بقضية وأنفقت وهو مليء وإلا حاصت أهـ وقول الناظم (وحارس المتاع والزرع وما ... أشبهه معهم قد قسما) معناه أن الأجير على حراسة متاع أو زرع أو رعاية غنم ونحو ذلك لا يكون أحق بما في يده حتى يستوفي أجرته من ثمنه إذا فلس رب الشيء بل يقاسم الغرماء في ذلك (و) من المدونة قال مالك أما الأجير على رعاية الإبل أو على رحى الماء فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس اهـ (ولما) ذكر الناظم أن من أحاط الدين بماله يمنع من أحداث شيء فيه يضر بالغرماء ناسب أن يذكر عقبه من أحدث شيئا في ملكه يضر بجاره فإنه يمنع منه فقال

باب في الضرر وسائر الجنايات

أي من غصب وتعد واغتصاب وسرقة وقتل وجرح (ولما) كان الضرر ينقسم إلى قسمين ما يضر بالرقبة وما يضر بالمنفعة أشار إلى الأول منهما فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 111

(ومحدث ما فيه للجار ضرر ... محقق يمنع من غير نظر) (كالفرن والباب ومثل الأندر ... أو ماله مضرة بالجدر) يعني أن من أحدث ما فيه ضرر محقق لجاره بشهادة أهل المعرفة فإنه يمنع منه ويزال في الحين من غير نظر ولا توقف لقوله صل الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار فالضرر هو مالك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة والضرار بكسر الضاد هو ما ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وقيل معناهما واحد توكيد في المنع وقيل غير ذلك ثم مثل الناظم لذلك بأمثلة فقال كالفرن أي كأحداث الفرن للفخاريين فإنه يؤذي القريب منه بدخانه أو بناره ومثله الحمام والكوشة للخبازين ومدخنة السنفاجين.
والأصل فيه قول الله عز وجل فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغش الناس هذا عذاب أليم فجعله الله عذابا مؤلما.
وأما دخان التنور أي الطابونة والمطابخ ونحوهما مما لا يستغنى عنه في المعاش فلا يمنع منه كما لا يمنع من القديم المشهور إلا إذا أراد أن يحدث دخانا ويضيفه إلى القديم في مدخنة أخرى فإنه يمنع منه لزيادة الضرر وبه القضاء.
وكذلك يمنع من فتح باب يقابل باب جاره إذا كانت السكة غير نافذة ولو حرف الباب المحدث عن باب جاره بحيث لا يطلع منه على ما في دار جاره ولا يقطع عنه مرفقا على القول الذي به العمل أما إذا كانت السكة نافذة فله فتح الباب وإن كان مقابل لباب جاره وليس له فتح الكوة والشباك والحانوت إلا إذا حرف بحيث لا يطلع منه على ما في دار غيره لأنها أشد ضررا من الباب فلهذا لم يشترط فيه التحريف وبه العمل.
وقوله ومثل الأندر هو بفتح الهمزة والدال كما تقدم فإنه يمنع من أحداثه قابلة باب دار جاره أو بستانه لأن ربه يتضرر بالتبن والغبار عند الذروة كما يمنع من نفض الحصير حذاء باب داره لتضرر المارة أو الجار بغباره وقد يتسبب عنه المرض (وقوله) أو ماله مضرة بالجدر وذلك كحفر مرحاض أو بئر أو بناء حمام أو فرن لتشبيب ذهب أو فضة أو لقلي شعير أو قهوة أو كير لخدمة حديد أو رحى أو

الجزء: 4 - الصفحة: 112

إسطبل ونحوها فإنه يمنع من أحداثه (تنبيه) تقدم أن حفر البئر يمنع إذا كان يضر بالجدار أما إذا كان لا يضر به وإنما يضر ببئر جاره في تقليل مائها ففيه تفصيل وهو إن كانت البئر في الدور فإن أحداثها إذا كان يؤثر في غيره فإنه لا يمنع لأن أهلها يستغنون بالماء القليل عن الماء الكثير وإن كانت في الأرضيين والبساتين فإن أحداثها يمنع إذا كانت تقلل ماء بئر الغير وأولى إذا قطعته بالكلية لأن أهلها يحتاجون إلى كثرة المياه للسقي قاله ابن الرامي التونسي وهو تفصيل حسن للغاية وسمعت جري العمل به.
وأشار إلى الثاني بقوله (فإن يكن يضر بالمنافع ... كالفرن بالفرن فما من مانع) يعني أن الشيء المحدث إذا كان يضر بالمنافع فقط كمن أحدث فرنا ونحوه بقرب فرن جاره فتقصت غلة الأول أو انقطعت بالكلية أو كان ينقص من ثمنه عند البيع فإنه لا يمنع من ذلك وليس لصاحب القديم اعتراضه على القول المعتمد حتى إن بعضهم حكي الاتفاق عليه لقوته والله أعلم وظاهر النظم أن ضرر الأصوات مثل ما يقع من الحداد عند ضرب الحديد غير معتبر وهو كذلك على القول المشهور قال ابن ناجي ويلغوه مطلقا جرى العمل وقيل يمنع مطلقًا وقيل إن عمل بالنهار فالأول وإن عمل بالليل فالثاني وقيل يجوز أن خف ولم يكن فيه كبير مضرة ثم قال (وهو على الحدوث حتى يثبتا ... خلافه بذا القضاء ثبتا) يعني أن أمر الضرر إذا أشكل هل هو قديم فيبقى على حاله أو حادث فيزال فإنه يحمل على الحدوث حتى يثبت قدمه وإثبات القدم على مدعيه وبه القضاء وقوله (وإن يكن تكشفا فلا يقر ... بحيث الأشخاص تبين والصور) معناه أن الضرر إذا كان تكشفا كما لو فتح إنسان كوة أو بابا في غرفة يتشرف منها على ما في دار جاره بحيث تظهر به الذوات والصفات فإنه يزال ولا يقر والذي عليه عمل تونس

الجزء: 4 - الصفحة: 113

أن من أراد الصعود على سطح داره لإصلاح ونحوه يخبر الجيران بذلك حتى يستوفي عمله ثم قال (وما بنتن الريح يؤذي يمنع ... فاعله كالدبغ مهما يقع) يعني أن الضرر الحادث على الجار إذا كان بنتن الرائحة كالدبغ أو فتح مرحاض بدون غطاء فإن فاعله يمنع منه لأن الرائحة المنتنة تخرق الخياشيم وتصل إلى الأمعاء فتضر وتؤذي الأسنان بالمادة الفاسدة التي تصل إليها.
والأصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقرب مسجدنا فلهذا منع إحداث كل ما له رائحة تؤذي وبه العمل وهذا الحكم في الحقيقة ليس خاصا بالجار بل هو من الحق العام.
وقوله بنتن متعلق بيوذي وجملة يمنع فاعله من الفعل ونائب الفاعل خبر ما الموصلة الواقعة على الضرر وصلتها جملة يؤذي ثم قال (وقول من يثبته مقدم ... على مقال من بنفي يحكم) يعني أن من أحدث أمرا في ملكه فأدعى جاره أن عليه فيه ضررًا وطلب إزالته وأدعى محدثه أنه لا ضرر عليه فيه وأمتنع من أزالته وأقام كل واحد منهما بينة من أهل البصر والمعرفة على دعواه فبينة من أدعى الضرر مقدمة على من نفاه عند التكافؤ ثم شرع يتكلم على حكم الجدار الساتر بين دارين وشبههما وهو أما أن يكون ملكًا لأحد مالكي الدارين أو يكون مشتركًا بينهما وقد أشار إلى الأول منهما فقال (وإن جدار ساتر تهدما ... أو كان خشية السقوط هدما) (فمن أبى بناءه لن يجبرا ... وقيل للطالب إن شئت استرا) (وعامد للهدم دون مقتض ... عليه بالبناء وحده قضي) (إن كان ذا وجد وكان ماله ... والعجز عنه أدبا أناله)

الجزء: 4 - الصفحة: 114

يعني أن الجدار الساتر إذا كان لأحد مالكي الدارين وهدم فإن أنهدم بنفسه أو هدمه مالكه خوفا من سقوطه فإنه لا يجبر على بنائه فإن طالبه الجار ببنائه فيقال له أن صاحبه لم يقصد ضررك فإن شئت فاستر على نفسك أو أترك الكلام في شأنه وإن هدمه مالكه لغير موجب فإنه يجبر على بنائه وحده لظهور قصد أراده الضرر بالجار هذا إن كان له مال فإن لم يكن له مال أدب وإن كان الجدار مال غيره فعليه إعادته إن كان حبسا وإلا فقيمته وأشار إلى الثاني بقوله (وإن يكن مشتركا فمن هدم ... دون ضرورة بناءه التزم) (وإن يكن لمقتض فالحكم أن ... يبني مع شريكه وهو السنن) (من غير إجبار فإن أبى قسم ... موضعه بينهما إذا حكم) يعني أن الجدار الساتر إذا كان مشتركا بين الجارين وهدم فإن هدمه أحدهما لغير ضرورة فإنه يلزمه بناؤه وحده لأنه هدم ملكه وملك غيره لا لحاجة تدعوه إلى هدمه وإن هدمه لموجب كخوف سقوطه أو أنهدم وحده فبناؤه يكون عليهما من غير أجبار الممتنع منهما على بنائه على الطريقة المشروعة ثم أن اتفقا على بنائه فالأمر ظاهر وإن لم يتفقا وأمتنع أحدهما من بنائه فإن كان ممكنًا قسم وإلا قضي على الممتنع منهما بالبناء مع صاحبه إن كان له مال فإن لم يكن له مال بيع ليه لمن يبنيه وقيل غير ذلك.
وضمير يكن الأول يعود على الجدار وهدم بالبناء للفاعل صلة من وبناءه مفعول مقدم بقوله التزم أي لذمه أن يبنيه كما كان هذا معناه.
وضمير يكن الثاني يعود على الهدم.
وقوله يبني بالبناء للنائب.
وقوله السنن بفتحتين أي الطريق المشروع كما قررنا به كلامه.
وقوله قسم بالبناء للنائب وموضعه أي الجدار نائب الفاعل.
وقوله حكم مبني للنائب أي أمكن قسمه فعبر بالحكم عن الإمكان لأنه لازمه إذ من لازم الحكم بالقسم إمكانه والله أعلم وقوله (وإن تداعيات فللقضاء ... لمن له العقود والبناء)

الجزء: 4 - الصفحة: 115

هو معنى قول الرسالة ويقضي بالحائط لمن إليه القمط والعقود اهـ يعني إذا وقع نزاع في جدار بين رجلين كل واحد منهما يدعيه أنه ملكه ولا بينة لواحد منهما أو أقاما بينتين وتكافأتا فإنه يقضي به لمن إليه القمط والعقود وإذا كان ذلك من الجهتين قسم بينهما بعد إيمانهما والقمط بكسر القاف وسكون الميم والعقود لفظان مترادفان بمعنى واحد وهما عبارة عن متعاقد الأركان أي يكون الركن الذي يجتمع فيه طرفا الحائط أجره مركب بعضه على بعض كاشتباك الأصابع وقيل غير ذلك ثم قال

فصل في ضرر الأشجار

أي بملك الجار أو بالمارين وأشار إلى الأول بقوله (وكل ما كان من الأشجار ... جنب جدار مبدي انتشار) (فإن يكن بعد الجدار وجدا ... قطع ما يؤذي الجدار أبدا) (وحيث كان قبله يشمر ... وتركه وإن أضر الأشهر) يعني أن من كانت له شجرة أو أشجار جنب جدار جاره وأضرت ذلك الجدار بانتشار أغصانها حتى خرجت عن حدود ملك ربها فلا يخلو الأمر من وجهين أما أن يسبق الجدار الأشجار أو العكس فإن سبق الجدار الأشجار فإنه يقطع ويزبر من أغصانها ما أضر بانتشاره أبدا أي اتفاقًا لأن الضرر حادث على الجدار فيحكم بإزالته وإن سبقت الأشجار الجدار والثاني أنه يترك ولا يقطع وإن أضر قال الناظم وهو الأشهر قال المحققون من شروحه وحواشيه وفيه نظر بل الأشهر هو القول الأول (تتميم) قال الزرقاني عند قول المصنف وبقطع ما أضر من شجرة بجدار الخ وأما ما يضر من جذورها المغيبة في الأرض بجدار غير مالكه فهو مما يدخل في قوله ومضر بجدار وجعل بعضهم قوله وبقطع ما أضر من شجرة أن تجددت الخ شاملا له اهـ

الجزء: 4 - الصفحة: 116

قال البناني ما ذكره الزرقاني من أنه يدخل في قوله ومضر بجدار وفي قوله وبقطع ما أضر إنما يعني به قطع الجذور أي العروق المضرة فقط وأما الشجرة نفسها فلا سبيل لقلعها كما ذكره ابن رشد (وقول) الناظم وكل ما كان الخ كل مبتدأ خبره جملة فإن يكن من الشرط والجواب وأسم كان يعود على ما الواقعة على الأشجار وجنب خبر كان مبدي حال من الأشجار واسم يكن وكان في البيت الثالث يعود على ما ذكر من الأشجار ثم قال (ومن تكن له بملك شجرة ... أغصانها عالية منتشرة) (فلا كلام عند ذا لجارها ... لا في ارتفاعها ولا انتشارها) (وكل ما يخرج عن هواء ... صاحبها يقطع باستواء) يعني أن من كانت له شجرة في ملكه طالت أغصانها وانتشرت إلى أن صارت بطولها يتشرف منها على دار جاره أو منعت الشمس والريح فإن الجار لا كلام له في ذلك كالبنيان الذي يرفعه المالك في ملكه لكنه يجب عليه عند الصعود إعلام الجار به كما يأتي ما لم تخرج تلك الأغصان عن هواء ملك صاحبها فإن خرجت عنه قطع من أغصانها ما خرج عنه ويكون القطع مسامتا لطرف أرض صاحبها وهو معنى قوله باستواء ثم قال (وإن يكن بملك من ليست له ... وانتشرت حتى أظلت جله) (فما لرب الملك قطع ما أنتشر ... لعلمه بان ذا شأن الشجر) يعني إن من كان له شجرة في أرض غيره فعظمت وانتشرت أغصانها حتى أظلت جل الملك الذي هي فيه فإن صاحب الملك ليس له قطع ما أنتشر من الشجرة إلا يرضي صاحبها وإنما لم يكن له ذلك بالقضاء لأن شأن الشجر الانتشار فصار هذا الأمر مدخولًا عليه.
وأشار إلى الثاني فقال (والحكم في الطريق حكم الجار ... في قطع ما يؤذي الأشجار)

الجزء: 4 - الصفحة: 117

يعني أنه كما يجب قطع ما أضر من أغصان الشجرة أو الأشجار بالجار كذلك يجب قطع ما أضر منها بالمارين على الطريق لأن الطريق حبس على سائر المارين فلا يجوز فيه إحداث ما يضر بهم ويضيق عليهم شجرا كان أو غيره ولا تعمل فيه الحيازة بخلاف ضرر الجار وإليه أشار الناظم بقوله

فصل في نسقط القيام بالضرر

أي على القول المشهور من أقوال عشرة ذكرها ابن الرامي واقتصر الناظم على ما به العمل منها فقال (وعشرة الأعوام لامرئ حضر ... تمنع أن قام بمحدث الضرر) (وذا به الحكم وبالقيام ... قد قيل بالزائد في الأيام) قال في المتيطية مسألة ومن أحدث عليه ضرر من إطلاع أو خروج ماء مرحاض قرب جداره ونحو ذلك وعلم بذلك فلم ينكره نحو عشرة أعوام من غير عذر يمنعه من القيام به فلا قيام له كالاستحقاق وهو مذهب ابن القاسم وقاله ابن الهندي وابن العطار وقال أصبغ لا ينقطع القيام في الضرر إلا بعد السكوت عشرين سنة ونحوها وبالأول القضاء إلا أن يكون المحدث عليه صغيرًا أو مولى عليه أو بكرًا غير معنسة فلا يضرهم السكوت وإن طال ذلك حتى يبلغ الصغير وتعنس البكر وينطلق المولى عليه ثم يسكتون بعد ذلك المدة المذكورة على أحد القولين عالمين بما لهم في ذلك من القيام آهـ وفي طور ابن عات وحيازة الضرر على الأقارب والأجنبيين سواء على القول بحيازته ولا يفرق في ذلك بين القرابة والأجنبيين كما فرق بينهما في استحقاق الأملاك بالحيازة قاله ابن زرب في مسائله اهـ وقيل له القيام بعد عشرة أعوام إذا كان بالأيام اليسيرة.
وقول الناظم بمحدث الضرر محدث بفتح

الجزء: 4 - الصفحة: 118

الدال اسم مفعول وهو مضاف والضرر مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف أي الضرر المحدث كما لا قيام بالقديم ثم قال (ومن رأى بنيان ما فيه ضرر ... ولم يقم من حينه بما ظهر) (حتى رأى الفراغ من إتمامه ... مكن باليمين من قيامه) (فإن يبع بعد بلا نزاع ... فلا قيام فيه للمبتاع) (وإن يكن حين الخصام باعا ... فالمشتري يخصم ما استطاعا) ما ذكره الناظم في هذه الأبيات هو قول ابن سلمون ومن أحدث عليه بناء فيه ضرر فسكت حتى فرغ ثم قام عليه فيه فعليه اليمين أن سكوته لم يكن رضي بإسقاط حقه فيه فإن باعه بعد ما أحدث عليه الضرر ولم يقم به ولا تكلم فيه لم يكن للمبتاع القيام به فإن كان قد تكلم فيه وباعه وهو في الخصام فإن للمبتاع أن يتكلم فيه ويقوم بما كان للبائع أن يقوم به آهـ وظاهره أن هذا البيع جائز وليس هو من بيع ما فيه خصومة لأن معناه أن الحاكم قضى بإزالة الضرر وأعذر وبقي التسجيل والأشهاد يعني على الحكم وأما لو باع وقد بقي شيء من المدافع والحجج لم يجز البيع لأنه بيع ما فيه خصومة والمشهور منعه وقيل غير ذلك كما في ابن رحال وغيره والله أعلم.
وفهم من قوله ولم يقم من حينه أنه إذا قام حين راءاه يبني وأراد منعه من البناء فإنه لا يمنع من إتمام عمله حتى يثبت الضرر فيهدم كما في التبصرة وقوله يخصم بكسر الصاد أي يخاصم ما استطاع لقيامه مقام البائع وحلوله محله وقوله (ومانع الريح أ, الشمس معا ... لجاره بما بني لن يمنعا) معناه أن من بني بنيانا يمنع جاره من الريح أو الشمس أو هما معا فإنه لا يمنع من ذلك كما مر وما درج عليه الناظم هو أحد أقوال في المسألة وهو المشهور قال ابن ناجي وبه العمل وقال صاحب المختصر لا مانع شمس أو ريح إلا الأندر أي فإنه يمنع من بناء

الجزء: 4 - الصفحة: 119

ما يمنعه الشمس والريح إلا إذا اضطر إلى البناء واحتاج إليه فإنه لا يمنع منه لأن مصلحته مقدمة على مصلحة صاحب الأندر ثم قال

فصل في الغصب والتعدي

قال القاضي عياض أخذ المال بغير حق على ضروب عشرة حرابة وغيلة وغصب وقهر وخيانة وسرقة واختلاس وخديعة وتعد وجحد.
وأسم الغصب يطلق على الجميع في اللغة (فالحرابة) كل ما أخذ بمكابرة ومدافعة.
والغيلة ما أخذ بعد قتل صاحبه بحيلة ليأخذ ماله وحكمه حكم الحرابة.
والغصب ما أخذه ذو القدرة والسلطان.
والقهر نحو منه إلا إنه يكون من ذي القوة في جسمه للضعيف ومن الجماعة للواحد.
والخيانة كل ما كان لآخذه قبله أي جهته أمانة أو يد.
والسرقة ما أخذ على وجه الاختفاء.
والاختلاس كل ما أخذ بحضرة صاحبه على غفلة وفر أخذه بسرعة والخديعة كل ما أخذ بحيلة كالتشبه بصاحب الحق وصاحب الوديعة والمتزي بزي الصلاح أي يلبس الأخضر وتطويل اللحية ونحوهما ليأخذ المال بذلك.
والجحد إنكار ما تقرر بذمة الجاحد وأمانته وهو نوع من الخيانة, والتعدي ما أخذ بغير إذن صاحبه بحضرته أو مغيبه وقال الشاطبي الغصب عند الفقهاء هو التعدي على الرقاب والتعدي مختص بالتعدي على المنافع دون الرقاب فإذا قصد الغاصب تملك رقبة المغصوب فهو منهي عن ذلك إثم فيما فعل وهل يتقرر له عليها شبهة ملك بسبب ضمانه لها أم لا خلاف فإن قلنا إنه يتقرر عليها شبهة ملك كالذي في أيدي الكفار من أموال المسلمين كان داخلا تحت قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان فكانت كل غلة وثمن يعلو أو يسفل أو حادث يحدث للغاصب وعليه بمقتضى الضمان كالاستحقاق والبيوع الفاسدة وإن قلنا أنه لا يتقرر عليه شبهة ملك بل المغصوب على ملك صاحبه فكل ما يحدث من غلة ومنفعة فعلى ملكه فهي له فلا بد للغاصب من غرمها لأنه قد غصبها أيضا وأما ما يحدث من نقص فعلى الغاصب بعدائه لأن نقص الشيء المغصوب إتلاف لبعض ذاته فيضمنه كما

الجزء: 4 - الصفحة: 120

يضمن المتعدي على المنافع لأن قيام الذات من جملة المنافع اهـ وإلى كون الغاصب ليس بذي شبة على المذهب ذهب الناظم كغيره من المصنفين فقال (وغاصب يغرم ما استغله ... من كل شيء ويرد أصله) (حيث يرى بحاله فإن تلف ... قوم والمثل بذي مثل ألف) يعني إن من غصب شيئًا واستغله فإنه يرد الغلة التي استوفاها من الذوات المملوكة لغيره وصفة ردها أن يرد مثلها إن كانت مثلية معلومة القدر كأشجار جذ ثمارها وأغنام جز صوفا وإن جهل قدرها أو كانت مقومة فترد القيمة وكلام الناظم في رد الغلة مجمل وبيانه أن غلة نحو الدابة والدار والأرض وغيرها مما لا ينتفع به إلا بالاستعمال فلا تلزم غلته إلا باستعماله وأما لو عطل هذه المذكورات بأن لم يستعمل الدابة ولا زرع الأرض ولا أكرى الدار فلا يلزمه قراؤها في مدة استيلائه عليها (وأما) الغلة التي تنشأ من غير تحريك كثمر الشجر وصوف الغنم ولبن البقر فهذا يرده الغاصب من غير تردد (وأما) ربح المال المغصوب منه تاجرًا على القول المعتمد.
وظاهر النظم لزوم رد الغاصب الغلة ولو كان المغصوب يحتاج إلى نفقة وليس كذلك بل إذا كان يحتاج إلى نفقة فإنما يرد الزائد منها على النفقة فإن لم يكن للشيء المغصوب غلة ضاعت النفقة على الغاصب ولا يرجع بها في الذات المغصوبة ولا ينظر إلى كونه أدى واجبا على المغصوب منه لأنه ظالم.
وظاهره أيضا لزوم ورد الغلة ولو ذهبت الذات المغصوبة ولزم الغاصب قيمتها وفي المسألة قولان المعتمد منهما أن الغاصب لا يلزمه ردها إلا إذا ردت الذات المغصوبة كما لا يتبع بغلتها إذا فاتت ولزم الغاصب قيمتها لأن قيمتها تعتبر يوم الاستيلاء فقد كشف الغيب أنه أستعمل ملكه.
وقوله ويرد أصله الخ معناه أنه يلزم الغاصب رد أصل الشيء المغصوب إن كان باقيًا على حاله حين الغصب فإن رده بحاله فلا شيء عليه لربه فإن تلف بيده غرم قيمته يوم الغصب وإن تغير بأمر

الجزء: 4 - الصفحة: 121

سماوي لا صنع لأحد فيه فريه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة, وإن كان النقص بتعديه بفعله ولو خطأ كدابة غصبها فاستعملها فتعيبت في بدنها خير ربه أيضا في أخذه ناقصا مع أخذ قيمة نقصه وفي تركه للغاصب وأخذ قيمته يوم الغصب هذا هو المشهور ثم قال (والقول للغاصب في دعوى التلف ... وقدر مغصوب وما به أتصف) يعني أن الغاصب والمغصوب منه إذا اختلفًا في تلف الشيء المغصوب فأدعى الغاصب تلفه وأدعى المغصوب منه عدم تلفه أو اختلفًا في قدره وكميته أو في صفته وكيفيته فالقول قول الغاصب بيمينه إذا أتى بما يشبه لأنه غارم ومدعي عليه فإن جاء بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه فإن أتيا بما لا يشبه قضي بأوسط القيم هذا هو المشهور وقوله (والغرم والضمان مع علم يجب ... على الذي أنجر أليه ما غصب) (بإرث أو من واهب أو بائع ... كالمتعدي غاصب المنافع) معناه أن من تملك شيئا مغصوبا بإرث أو بهبة أو بشراء مع علمه بأن من أنجر إليه منه كان غصب ذلك فإنه يتنزل منزلة الغاصب في جميع ما تقدم من رد الغلة والذات على التفصيل الذي ذكرناه هناك فإن لم يعلم بذلك فإن كان المستحق من يده مشتريا فلا يلزمه إلا رد الذات ولا يلزمه رد الغلة لأنه ذو شبهة كما يأتي ولا شيء عليه فيما هلك أو نقص بأمر سماوي وكذا الوارث والموهوب له من غير الغاصب فإن كان ذلك من الغاصب نفسه فلا غلة لهما كما في ابن رحال وغيره (ولما) ذكر بعض أحكام الغصب أفاد هنا في الشطر الأخير من البيت الثاني تعريف المتعدي مشبها له بالغاصب في الضمان.
ويفترقان في أمور (منها) أن غاصب الرقاب لا يضمن الغلة إلا باستعمال الشيء المغصوب وغاصب المنافع يضمن الغلة مطلقا استعمل الشيء الذي أخذه من يد مالكه أو حبسه.
ومنها أنه يضمن القيمة يوم تعديه ولا يضمن الأمر السماوي بخلاف

الجزء: 4 - الصفحة: 122

الغاصب فإنه يضمن القيمة يوم الاستيلاء ويضمن السماوي.
ومنها إذا تعدى على منافع إبل ونحوها فحبسها عن أسواقها فإنه يضمن قيمتها إن شاء ربها وإن شاء ردها سالمة بخلاف الغاصب فإن ربها لا يخير إن جاء بها سالمة (ثم) أشار إلى مفهوم الغاصب والمتعدي وهو من حاز شيئًا بوجه شرعي من بيع ونحوه ولم يعلم بغصبه كما تقدم ثم استحق من يده وأنه لا يرد الغلة وله نظائر في عدم رد الغلة فقال (وشبهة كالملك في ذا الشأن ... لقوله الخراج بالضمان) (ولا يكون الرد في استحقاق ... وفاسد البيع على الإطلاق) (والرد بالعيب ولا في السلعة ... موجودة في فلس والشفعة) يعني أن شبهة الملك كالملك في كونها توجب لمن حصلت له استحقاق الغلة وهو المراد بقوله في ذا الشأن أي الأمر الذي الكلام فيه وهو لمن تكون الغلة والدليل أن شبهة الملك كالملك قوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان والخراج الغلة ومعناه أن من كان ضمان الشيء منه إذا هلك فإن غلته له ولأجل كون الخراج بالضمان أن من أشترى شيئًا من غاصب ولم يعلم بغصبه كما مر ثم استحق من يده وأخذه ربه فلا يرد الغلة مع ذلك الشيء بل تبقى بعيدة كما إذا أشترى شيئا شراء فاسدًا وقد كان استغله ونقض البيع لفساده فلا يرد الغلة مطلقا سواء كان المبيع قائما بيد المشتري أو فات وغرم ثمنه أو قيمته (أو) وجد عيبا فيما أشتراه ورده على بائعه وقد استغله (أو) اشترى شيئا واستغله ولم يدفع ثمنه حتى فلس فجاء البائع فوجد ملكه قائما فأخذه في الثمن فإنه لا يرجع بالغلة على المفلس (أو) اشترى شقصا من جنان مثلًا واستغله ثم جاء شريك فأخذ ذلك الشقص بالشفقة فلا يرد الغلة فهذه مسائل خمسة لا ترد فيها الغلة إذا كان المبيع لا غلة فيه يوم البيع ولا يوم الرد واعتل فيما بين ذلك فإن كانت موجودة يوم البيع فهي أو عوضها للبائع على كل حال إلا إذا اشترطها المشتري كما تقدم في البيوع وإن كانت موجدة يوم رد الملك فقط فهي

الجزء: 4 - الصفحة: 123

للمشتري في الفلس بالجذ.
وفي الرد بالعيب والفساد بالزهو.
وفي الشفقة والاستحقاق باليابس (ولما) ذكر أن المتعدي إذا أتلف ما أخذه على وجه التعدي فإنه يضمنه ذكر حكم تعيبه عنده وهو على وجوه أشار إليها فقال (ومتلف منفعة مقصودة ... مما له كيفية معهودة) (صاحبه خير في الأخذ له ... مع أخذه لأرش عيب حله) (أو أخذه لقيمة المعيب ... يوم حدوث حالة التعييب) (وليس إلا الأرش حال المنفعة ... يسيرة والشيء معها في سعة) (من بعد رفو الثوب أو إصلاح ... ما كان منه قابل الصلاح) يعني أن من تعدى على ملك غيره وأتلف منه منفعة مقصودة منه على كيفية معهودة عند مالكه فإن صاحب الملك يخير بين أخذ ملكه معيبًا وأخذ قيمة العيب المحدث فيه وبين أن يأخذ قيمة ذلك الملك يوم أحدث فيه ما أحدث على أنه صحيح لا عيب فيه هذا إذا كانت المنفعة التي أتلفت كثيرة فإن كانت يسيرة والملك بعد تلفها في سعة أي قائم ينتفع به كما كان فليس لصاحبه إلا الأرش بعد إصلاح ما يقبل الإصلاح من ذلك كالثوب يرفى والسيف يصلح ما به من فلول والقصعة يرقعها والحلي يصبغه ونحوها وقيل غير ذلك أنظر بسط المسألة في خليل وشروحه تجد فوائد جليلة يطول ذكرها هنا قلت والنظر في ذلك للعادة وجملة حله إي حل به صفة عيب وقوله أو بمعنى الواو أي وفي أخذه لقيمة المعيب ثم قال

فصل في الاغتصاب

وهو وطء بالغ حرة أو أمة جبرًا بغير وجه شرعي وإليه أشار الناظم بقوله (ووطئ لحرة مغتصبًا ... صداق مثلها عليه وجبًا)

الجزء: 4 - الصفحة: 124

(إن ثبت الوطء ولو ببينة ... بأنه غاب عليها معلنة) (وقيمة النقص عليه في الأمة ... هبها سوى بكر وغير مسلمة) (والولد استرق حيث علما ... والحد مع ذاك عليه فيهما) يعني أن البالغ إذا وطئ امرأة غصبا عليها فإنه يجب عليه صداق مثلها يوم الوطء بكرًا كانت أو ثيبًا ويتعدد عليه الصداق بتعدد الوطء إن ثبت ذلك عليه إما بإقراره به أو ببينة على الوطء أو ببينة شهدت بأنه احتملها وغاب عليها غيبة يمكن وقوع الوطء فيها وادعته المرأة وإن لم تقع مشاهدة الوطء لها وهذا إذا كانت المرأة حرة وإن كانت أمة فيكون عليه قيمة مت نقصها بكرًا كانت أو ثيبا مسلمة كانت أو كافرة ويكون ولده رقيقا لسيدها إذا علم أنه من وطء الزنا ويلزمه مع ذلك الحد في الحرة والأمة إذا ثبت ذلك عليه بأربعة شهداء عاينوا الوطء بشروطه المتقدمة في باب الشهادات أو أقر بذلك على نفسه ولم يرجع عنه.
وأما إن شهدوا بأنه احتملها وغاب عليها وادعت المرأة الوطء وأنكره فلا حد عليه وإنما عليه الصداق للحرة ولا شيء عليه في الأمة.
واحترز الفقهاء بقولهم البالغ من الصغير يطأ البكر فيكون عليه ما شأنها بالافتضاض ولا شيء عليه في الثيب.
ومفهوم قوله مغتصبا أن الزنا بالطائعة لا صداق فيه وهو كذلك.
وقوله معلنة صفة لبينه أي ولو ببينة معلنة أي شاهدة بأنه احتملها وقوله غير بالنصب عطف على سوى واسترق وعلما مبينان للنائب وألف علما للإطلاق وقوله فيهما الضمير يعود على الحرة والأمة (ولما) ذكر حكم ثبوت الاغتصاب بينة أو أقرار المدعي عليه به ذكر ما إذا كان ذلك بمجرد دعوى المرأة وفي المسألة ست صور لأن المدعي عليه إما أن يكون مشهورًا بالدين والصلاح وإما أن يكون مجهول الحال هل هو عفيف أو فاسق وإما أن يكون مشهورا بالفسق فهذه ثلاث صور في كل منها إما أن تدعي ذلك وقت وقوعه وجاءت متعلقة به وإما أن تدعي ذلك بعد مضي زمان فأشار إلى الأولى والثانية مع القيام عليهما بعد مضي زمان فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 125

(وإن يكن ذا الغصب بالدعوى ففي ... تفصيله بيان حكمه يفي) (فحيثما الدعوى على من قد شهر ... بالدين والصلاح والفضل نظر) (فإن تكن بعد التراخي زمنا ... حدت لقذف وبحمل للزنا) (وحيثما رحمها منه بري ... فالحد تستوحيه في الأظهر) (وذاك في المجهول حالا إن جهل ... حال لها أو لم تحز صونا نقل) (وإن تكن ممن لها صون ففي ... وجوبه تخريجا الخلف قفي) (وحيث قيل لا تحد أن نكل ... فالمهر مع يمينها لها حصل) (وما على المشهور بالعفاف ... مهر ولا حلف بلا خلاف) يعني أن المرأة إذا أدعت الاغتصاب على من كان مشهورا بالدين والصلاح وتراخت في دعواها فإنها تحد حد قذفها له وللزنا إن ظهر بها حمل.
وإنما تعدد الحدان لاختلاف موجبها فإن لم يظهر بها حمل ففي وجوب حد الزنا عليها خلاف والأظهر وجوبه كما قال الناظم.
وهذا بالنسبة إلى المرأة وأما الرجل فلا صداق عليه ولا يمين كما صرح به في البيت الأخير في قوله وما على المشهور بالعفاف مهر ولا حلف بلا خلاف وأحرى عدم الحد فحقه أن يذكره هنا بعد قوله وحيثما رحمها منه بري البيت لأنه من تمام الدعوى وكأنه مؤخر من تقديم.
وإن كانت الدعوى على مجهول الحال وتراخى قيامها أيضا فإنه ينظر في بالدين من أنها تحد للقذف وللزنا وإن علم كونها موصوفة بالصيانة بحيث لا ترضى فضيحة نفسها ففي وجوب القذف عليها للرجل الذي جهل حاله قولان لا نص فيهما وإنما هما مخرجان ومبنيان على الخلاف الواقع بين ابن القاسم وأشهب فيمن أقر بوطء امرأة وصدقته

الجزء: 4 - الصفحة: 126

وادعى أنه تزوجها فتحد على مذهب ابن القاسم إلا أن ترجع عن قولها ولا تحد على مذهب أشهب لأنها أدعت النكاح لا الزنا وقد تقدم الكلام على هاته المسألة في النكاح عند قوله وفي الدخول الحتم للأشهاد البيت.
وعلى كونها لا تحد يحلف الرجل لرد دعواها فإن نكل عن اليمين حلفت وأخذت صداقها منه وفهم من هذا التفصيل في حق المرأة المدعية على مجهول الحال أن دعواها إذا كانت على المشهور بالصلاح لا يكون فيها هذا التفصيل وهو كذلك بل الحكم فيها ما تقدم كيفما كان حال المرأة.
وقوله وذاك الإشارة راجعة إلى الحكم المذكور في حق المعروف بالدين والفضل إذا وقع القيام عليه على المشهور بالعفة أو المجهول الحال وقامت في الحين وجاءت متعلقة به فقال (وحيث دعوى صاحبت تعلقًا ... حد الزنا يسقط عنها مطلقًا) (والقذف فيه الحد لابن القاسم ... وحلفه لديه غير لازم) (ومن نفي الحد فعنده يجب ... تحليفه بان دعواها كذب) (ومع نكوله لها اليمين ... وتأخذ الصداق ما يكون) (وحدها له اتفاقا أن تكن ... ليس لها صون ولا حال حسن) (وعدم الحد كذا للمنبهم ... حالا إذا كانت توقي ما يصم) (وإن تكن لا تتوقي ذلكا ... فالحلف تخريجا بدا هنالكا) يعني أن المرأة إذا أدعت على رجل صالح الاغتصاب وجاءت متعلقة به فإن حد الزنا يسقط عنها ظهر بها حمل أو لا وهو معنى الإطلاق وفي حد القذف له قولان قبل تحد ولا يمين على الرجل وقيل لا حد عليها ويحلف الرجل على تكذيبها فإن نكل

الجزء: 4 - الصفحة: 127

عن اليمين حلفت ووجب لها الصداق ومحله إذا كانت المرأة معروفة بالصيانة وحسن الحال وإنها لا ترضى بفضيحة نفسها أما إذا لم تكن كذلك فتحد المرأة للقذف اتفاقا وإن ادعت ذلك على المنبهم حاله الذي لم يعلم صلاحه من فساده وهو المجهول الحال وجاءت متعلقة به أيضا فإنه ينظر إلى حال المرأة فإن كانت معروفة بالصيانة فلا تحد لقذفه اتفاقًا وإن لم تكن معروفة بالعفاف ففي حدها للقذف قولان وعلى سقوط حد القذف عنها فعليه اليمين أنه ما وطئ ولا يلزمه صداق فإن نكل عنها حلفت المرأة ويلزمه صداقها وإلى هذا أشار بقوله (وإن يكن مجهول حال فيجب ... تحليفه ومع نكول ينقلب) فكان على الناظم أن يذكر هذا البيت بعد قوله (وإن تكن لا تتوقى ذلك ... فالحلف تخريجًا بدا هنالك) وقوله كانت توقى أصله تتوقى فعل مضارع فحذفت منه أحدى التاءين.
وقوله يصم بضم أوله وكسر ثانيه لأنه من الرباعي أي إذا كانت تتوقى ما يصمها ويعيبها.
وقوله تخريجا أي الخلاف لا نص فيه بل مبني على خلاف آخر كما ظهر هنالك ثم أشار إلى الصورة الثالثة بحالتيها فقال (وفي أدعائها على المشتهر ... بالفسق حالتان للمعتبر) (حال تشبث وبكر تدمي ... فذي سقوط الحد عنها عما) (في القذف والزنا وإن حمل ظهر ... وفي وجوب المهر خلف معتبر) (وحيث قيل أنها تستوجبه ... فبعد حلف في الأصح تطلبه) (وإن يكن مجهول حال فيجب ... تحليفه ومع نكول ينقلب) (وحالة بعد زمان الفعل ... فالحد ساقط سوى مع حمل)

الجزء: 4 - الصفحة: 128

(ولا صداق ثم إن لم ينكشف ... من أمره بالسجن شيء فالحلف) (وإن أبى من اليمين حلفت ... ولصداق المثل منه استوجبت) يعني أن المرأة إذا ادعت الاغتصاب على رجل مشهور بالفسق وجاءت متشبثة به أو جاءت تدمي إن كانت بكرا فإن حد الزنا وحد القذف يسقطان عنها معا هذا معنى قوله عما وإن ظهر بها حمل فلا حد عليها كذلك.
وفي وجوب الصداق لها خلاف وعلى كونها تستوجبه فإنما بعد يمينها على القول الأصح.
وإن قامت عليه بعد زمان الفعل فإن الحدين يسقطان عنها ما لم يظهر بها حمل فتحد ولا صداق لها على المدعي عليه في الحال وإنما يسجنه الحاكم وينظر في حاله بالتجسس عليه فإن ثبت عنده صحة قول المرأة لذمه الصداق وإن لم يظهر من أمره شيء حلف أنه ما وطئ وبرئ وإن نكل عن اليمين حلفت ووجب لها صداق مثلها.
وأما قوله (وإن يكن مجهول حال) البيت تقدم أنه في غير محله لأن الكلام هنا على المشتهر بالفسق لا على مجهول الحال ثم قام يتكلم على السرقة فقال

فصل في دعوى السرقة

وهي أخذ صغير لا يعقل أو مال من حرز حائزه لا ملك له فيه على وجه الاستسرار بغير سلاح.
وأركانها ثلاثة السارق والمسروق والمحل (فالسارق) شرطه التكليف.
وكونه غير رقيق للمسروق منه.
وكونه غير أصل له كأبيه وأمه وجده وجدته.
وكونه غير شريك أو غريم سرق قدر حقه أو مضطر سرق لجوع أصابه (والمسروق) إن كان أدميا فشرطه الصغر أو البله وإن كان مالًا فشرطه أن يكون نصابا وهو ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم أو وزنها فضة خالصة أو ما قيمته مما ينتفع به شرعا ثلاثة دراهم من العروض (والمحل) وهو الحرز فكل موضع لا يعد صاحب المال مضيعًا لماله إذا وضعه فيه فهو حرز وكل شيء معه من يحفظه

الجزء: 4 - الصفحة: 129

فحافظه حرز له فإن لم تتوفر فيه هذه الشروط فلا يسمى الأخذ سارقًا ولا تقطع يده وإن أتى بسلاح فتجري عليه أحكام المحاربين وبهذا أفتى بعض العلماء بأن سراك افريقية الذين يأتون بالسلاح محاربون تجري عليهم أحكام الحرابة والمحارب إذا قتل أحدا وإن كان كافرا وجب على الحاكم قتله ولا يقبل فيع عفو ولا شفاعة كقتل الغيلة وهو ما كان خفية لأخذ المال وتقتل الجماعة بالواحد وإن ولي القتل أحدهم فإن لم يقع منه قتل نظر الحاكم في أمره فإن كان قوي الشوكة بكثرة التلصص حتى صار الناس يخافونه وجب قتله وإلا فهو مخير في شأنه بين قتله أو قطعه من خلاف أو نفيه وهل يجوز قتله إذا هرب وقت حرابته أو لا يجوز قال صاحب الشامل وهو الأصح قولان وقوله (ومدع على امرئ إن سرقه ... ولم تكن دعواه بالمحققة) (فإن يكن مدعيا ذاك على ... من حاله في الناس حال الفضلى) (فليس من كشف لحاله ولا ... يبلغ بالدعوى عليه أملا) (وإن يكن مطالبا من يتهم ... فمالك بالضرب والسجن حكم) يعني أن من ادعى على رجل أنه سرقه ولم يحقق دعواه عليه بأن كانت دعوى اتهام فقط فإن الحاكم ينظر إلى حالة المدعي عليه بالسرقة فإن كان من أهل الفضل بعيدا عن التهمة بمثل هذه فإنه لا يكشف عن حاله ولا تسمع عنه هذه الدعوى لبعدها عادة ولا يبلغ المدعي بدعواه عليه أمله وإن كان المدعي عليه من أصحاب التهم خصوصًا إذا كانت له سوابق فإن الحاكم يسجنه ويتجسس عنه وقد يشدد عليه بالضرب بحسب قرائن الأحوال ثم قال (وحكموا بصحة الإقرار ... من ذاعر يحبس لاختبار) يعني أن من أدعى السرقة على المعروف بها فحبسه الحاكم لاختباره فلما وقع التهديد

الجزء: 4 - الصفحة: 130

عليه أقر بما أدعي عليه به وهو في السجن من جهة الخوف الذي حصل له فإن أقراره صحيح ويلزمه ما أقر به لأن هذا ليس من الإكراه وبه العمل والذاعر الخائف ويقال داعر بدال مهملة معناه سارق وقوله (ويقطع السارق باعتراف ... أو شاهدي عدل بلا خلاف) معناه أن السارق إذا أعترف بالسرقة طائعا أو شهد عليه بها عدلان فإنه يقطع اتفاقا بالشروط المتقدمة ثم قال (ومن أقر ولشبهة رجع ... درئ عنه الحد في الذي وقع) (ونقلوا في فقدها قولين ... والغرم واجب على الحالين) يعني أن من أدعى عليه بالسرقة وأقر بها ثم رجع عن إقراره فإن كان رجوعه لشبهة ثبتت عند الحاكم درئ عنه الحد وإن رجع لغير شبهة ففي درء الحد ودفعة عنه قولان.
وأما غرم الشيء المسروق فإنه يلزمه رجع لشبهة أو لغير شبهة وقوله (وكل ما سرق وهو باق ... فإنه يرد باتفاق) (وحيثما السارق بالحكم قطع ... فبالذي سرق في اليسر اتبع) يعني أن الشيء المسروق مهما وجد بعينه فإنه يرد لصاحبه سواء قطع السارق أو لم يقطع وإن لم يوجد فإن قطع السارق فإنه يتبع بالسرقة في يسره دينا في ذمته ولا يتبع بها في عسرة وإن لم يقطع وهو مفهوم قوله قطع أتبع بها في يسره وعسره والمراد باليسر أن يتصل يسره من حين السرقة إلى يوم القطع فإن كان حينئذ معسرا أو أعسر فيما بين ذلك لم يغرمها والله تعالى أعلم ثم قال (والحد لا الغرم على العبد متى ... أقر بالسرقة شرعا ثبتا) يعني أن العبد إذا أقر بالسرقة فإنه يقطع شرعًا ولا يلزمه غرم السرقة وقول الناظم

الجزء: 4 - الصفحة: 131

بالسرقة بفتح السين على الأصل وسكون الراء للوزن وقوله والحد لا الغرم الخ الحد مبتدأ وجملة ثبتا خبره وألف ثبتا للإطلاق وعلى العبد متعلق به وشرعا مفعول مطلق معمول لثبت (فائدة) سئل العالم الجليل الشيخ خليفة بن حسن السوفي ناظم مختصر الشيخ خليل عن الذي عرف أثر قدميه معرفة تامة لا يشك فيها كما هو معلوم عند بلاد سوف وغيرهم من أهل الصحراء إذا أدعي عليه بسرقة ونحوها وأنكر هل يغرم أم لا (فأجاب) بأنه يغرم وخالفه بعض علماء خنقة سيدي ناجي في ذلك فخاطبهم بما فيه حجته على ذلك وإن مستنده فيه بطريق الشرع لا العقل فقال (سلام له في الصالحات أصول ... يوافيه من عندي السلام وصول) (إلى السرج الإثبات من ءال خنقة ... لم في ندور الواقعات نقول) (رؤوس سداد صالحون لجلة ... شموس رشاد ما لهن أفول) (عفا الله عنكم حكمكم كيف وجهه ... لنجل خليل بالبراء فقولوا) (ففي القلب شيء يعتريه وعبرة ... من القلب للأحكام حين تجول) (تمسككم بالأصل والأصل واضح ... ولا ينكر المعلوم إلا جهول) (ولكن إذا عم السداد بحادث ... تقدم أصلا والقياس دليل) (كتضمين سمسار وتغريم صانع ... وهل هو إلا مودع ووكيل) (وترخيص تأخير الكراء لمكتر ... إذا خيف غدر للكراء نزول) (ومن ذاك ما قد جوزوا في سفاتج ... متى عم بالخوف الشديد سبيل) (ففي كلها خلف الأصول لأنها ... مصالح عمت والصلاح جميل) (ومن أدب المسئول قبل جوابه ... إذا وردت يوما عليه سؤال) (تعرف عرف السائلين بأرضهم ... ليعلم ما يفتي به ويقول) (وما أنتم منا بأعلم بالذي ... به الضر يدري عندنا ويزول) (ولو أهملت أثار سراك أرضنا ... لكان فسادا للخراب يئول) (ففي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا ... وفي الترك عن قصد السبيل عدول)

الجزء: 4 - الصفحة: 132

(وما الأثر كالخطوط شهادة ... كذا قال بعض في القياس نبيل) (فعرفناك الخط الذي غاب ربه ... كعرفان أثر المس تراب مثيل) (وفي ولدي عفراء لما تنازعا ... جهاز أبي جهل وهو جديل) (بأثر طعان السيف كان نبينا ... قضى أنه للسيدين قتيل) (وأعرب منها ما تحراه قائف ... من الشبه في المولود أين يميل) (وهب أنكم خالفتموا ما بدا لنا ... ولم يبد منكم للصواب نكول) (فهل لا حكمتم بالذي هو واجب ... على من رأوه بالعدى ويصول) (من الضرب والتنكيل بالسجن طائلا ... لتختبر المكتوم منه عقول) (هذا وإن الود بالقلب لم يزل ... على ما عهدتم لم يشبه دخول) (ومنا لكم عذر الذي هو قاصر ... لدى من له في المنتهين حلول) (فإن وافق الأنصاف ما قدر قمته ... وأقبل منكم بالسماح قبول) (فما الفضل إلا للكريم وإن تروا ... قصورا فقولوا غفلة وذهول) (وإن تروا الأعراض عنه تز أهدا ... فمالي بالإعراض عنكم شغول) (وأختم نظمي بالصلاة على الذي ... له في فراديس الجنان نزول) (محمد المقبول في موقف الجزا ... إذا الفكر من هول الحساب يزول) (وأصحابه الهادين والإل ما جرت ... ببطحاء من غيث الغمام سيول) (وصائغ أبيات الطويل خليفة ... سلام عليكم من لدنه يطول) اهـ قال المؤلف عثمان بن الملكي قد شاهدت ذلك منهم حين حلولي بأرضهم ويحكمون بتغريم من عرف أثره وقد حضرت موطنا أقر فيه من عرف أثره بالسرقة ثم قال

فصل في أحكام الدماء

مقدمة مشتملة على ثلاثة أبحاث (الأول) في قتل العمد (والثاني) في قتل الخطأ (والثالث) في شبه العمد (فأما) قتل العمد فالمقتضي فيه للقتل وجود السبب والشرط

الجزء: 4 - الصفحة: 133

وانتفاء المانع (فأما) السبب فهو القتل عمدًا عدوانًا محضا فبقيد العمد يخرج الخطأ.
وبقيد العدوان يخرج به الاستيفاء ممن قتل قتيلا.
وبقيد المحض يخرج به شبه العمد الأتي بيانه ثم القتل قد يقع بالمباشرة وقد يقع بالتسبب وهو أن يفعل فعلا ينشأ منه الموت كمنعه من الطعام والشراب وإلقاء سم في طعامه ونحو ذلك (وأما) الشرط فأربعة (الأول) أن يكون القاتل ملتزما لأحكامنا فلا قصاص على المحارب الكافر (الثاني) أن يكون عاقلا بالغا فلا قصاص على مجنون ولا صبي لأن عمدهما كالخطأ بخلاف السكران كما تقدم فإنه يقتص منه على المشهور (الثالث) أن لا يكون المقتول أذن للقاتل في قتله على خلاف فيه (الرابع) أن يكون المقتول معصوم الدم فلا قتل على من قتل زانيا محصنا أو مرتدا أو زند بقا ولكنه يؤدب لتعديه عن الإمام وأما من وجد رجلا أجنبيا في فراشه مع زوجته وقتله فإنه يقتل به إلا إذا كان له سلاح يريد أن يقتل به كل من أراد أن يتمكن به فإنه لا يقتل به لأنه محارب.
وأما المانع فخمسة عشر (الأول) شرف الدين فلا يقتل مسلم بكافر قصاصا عندنا إلا إذا قتله غيلة فيقتل ويقتل الكافر بالمسلم والكافر (الثاني) الأبوة وهي دارئة للحد عند قيام الشبهة على المشهور (الثالث) شرف الحرية فلا يقتل حر بعبد ولو كان فيه شائبة حرية لقوله تعالى الحر بالحر والعبد بالعبد ويقتل العبد الحر ولا أثر لفضيلة الرجولية والعدد والعدالة والشرف وسلامة الأعضاء فيقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ويقتل الواحد بالجماعة والجماعة بالواحد إلا أن يكون القتل بقسامة فلا يقسم إلا على واحد ويقتل العدل والشريف بغيرهما ويقتل غيرهما بهما ويقتل الصحيح بغيره وغيره به ويقتل الذمي بالمعاهد والعكس (الرابع) تعذر إظهار القاتل كما إذا شهدت بينة على رجل بالقتل وإنه دخل في جماعة ولم يعرفوا عينه والحكم أن يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا ويغرمون الدية بغير قسامة من الأولياء ومن نكل منهم كان القود عليه وقيل لا شيء عليهم (الخامس) دعوى الولي خلاف ما قاله المقتول عمدا أ, خطأ فإن حقهم يسقط من الدم والقسامة والدية وقيل لا يسقط حقهم من القسامة (السادس)

الجزء: 4 - الصفحة: 134

إن ظهر اللوث في أصل القتل دون صفته مثل أن يقول قتلني فلان ولم يقل عمدا ولا خطأ ثم يقول بعض الأولياء عمدا ويقول البعض الأخر خطأ وذلك مانع من القتل ويحلف القائلون بأنه خطأ ويأخذون نصيبهم من الدية ومن نكل سقط حقه وإن قال بعضهم لا علم لنا لم يكن له بشيء (السابع) إقامة المدعي عليه البينة أنه كان غائبا حين القتل (الثامن) نكول الأولياء عن القسامة (التاسع) رجوع المدمي عن التدمية (العاشر) اختيار الأولياء واحدا من الجماعة المدعي عليهم وذلك مسقط للقود عن بقيتهم (الحادي عشر) عفو المجني عليه وسواء ثبت الجرح ببينة أو أقرار لكن القاتل المعفو عنه يجلد مائة ويسجن عاما (الثاني عشر) صحة المدمي صحة بينة (الثالث عشر) عدم حلف بعض المستحقين للدم (الرابع عشر) ميراث القاتل بعض دمه كرجل قتل أباه فاستحق إخوته دمه ثم مات بعضهم (الخامس عشر) أن يكون الولي ابن القاتل وقد قال مالك يكره أن يحلفه فكيف يقتله (وأما) قتل الخطأ فهو الفعل بغير قصد أما مباشرة كسقوطه عليه وكالمرأة تنقلب على ولدها وهي نائمة ونحو ذلك (فرع) قال في المعيار وسئل بعض القرويين عن مسألة نزلت بالقيروان وهي إن رجلين كانا يحرسان بالليل فقام أحدهما عن الأخر وأتاه لما رجع إليه في صورة السارق على وجه اللعب وأشار إليه بالسيف فطعنه صاحبه لاعتقاده أنه سارق فقتله (فأجاب) بأن دمه هدر (وأجاب) أبو عمران بأنه على العاقلة كالخطأ اهـ (وأما) شبه العمد فهو خاص بالآباء عند مالك وأكثر أصحابه وله أثر في درء القصاص إذا كان القتل فيه شبهة وذلك إذا أمكن عدم القصد وأدعى الأب ذلك.
والموجب في قتل العمد القود إن طلبه الولي كما مر وإن لم يطلبه الولي فإن القاتل يجلد مائة ويسجن عاما.
والموجب في قتل الخطأ الكفارة والدية.
والموجب في قتل شبه العمد الدية مغلظة وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى (إذا) علمت هذا سهل عليك فهم كلام الناظم وتحصيل ما تفرق من الشروط والموانع في كلامه وما لم يذكره منها.
وبدا بقتل العمد وما يثبت به حكم القصاص فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 135

(القتل عمدا للقصاص موجب ... بعد ثبوته بما يستوجب) (من اعتراف ذي بلوغ عاقل ... أو شاهدي عدل بقتل القاتل) (أو بالقسامة وباللوث تجب ... وهو بعدل شاهد بما طلب) (أو بكثير من لفيف الشهدا ... ويسقط الأعذار فيهم أبدا) (ومالك فيما رواه أشهب ... قسامة بغير عدل يوجب) (أو بمقالة الجريح المسلم ... البالغ الحر فلان بدمي) (يشهد عدلان على اعترافه ... وصفة التمييز من أوصافه) (أو بقتيل معه قد وجدا ... من اثر القتل عليه قد بدا) يعني أن من قتل إنسانا؟ ؟ ؟ عدوانا فإنه يقتل به إذا طلب وليه قتله عند توفر شروطه وانتفاء موانعه إذا ثبت القتل بما يجب ثبوته شرعا وهو أحد ثلاثة أشياء أولها اعتراف القاتل بالقتل إذا كان عاقلا بالغا طائعا (ثانيها) شهادة عدلين بمعاينتهما للقتل (فرع) تقدم في تعارض البينات إذا شهد شهود على رجل بقتل رجل فاقر غير المشهود عليه بقتل ذلك الرجل فراجعه هنالك (ثالثها) القسامة (وهي) حلف ولاة الدم خمسين يمينا يأتي بيانها على قتل حر مسلم محقق الحياة ولا يمكن منها أولياء المقتول مطلقا بل بوجود اللوث وهو أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي، وذلك (أما) بشهادة عدل واحد بالقتل (وأما) بشهادة اللفيف اثني عشر فأكثر بدون اشتراط العدالة لأنه مدخول عليهم على عدمها ولهذا لا يعذر فيهم ولكن لا بد فيهم من ستر الحال وانتقاء التعصب (وأما) بشهادة رجل واحد غير عدل في رواية أشهب عن مالك والمشهور أنه ليس بلوث (وأما) بالتدمية وهي قول الجريح المسلم الحر البالغ المميز دمي عند فلان إذا سمع منه ذلك عدلان وفيه جرح ظاهر ويستمر على إقراره وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 136

متصف بالتمييز وعدم التخليط في الكلام وقت تدميته فلو قال قتلني فلان بل فلان أو قيل له من جرحك فقال لا أعرفه ثم قال فلان أو قال دمي عند فلان أو فلان أو دمي على جماعة ثم ابرأ بعضهم أو قال دمي عند فلان ثم دمي عليه وعلى غيره فإن تدميته باطلة في جميعها كما تسقط عند وجود اختلال في عقله.
وفهم من قوله الجريح أن التدمية البيضاء وهي التي لم يكن فيها أثر جرح ولا أثر ضرب ولا أنه يتقيا سما أو يتنخم دما لا تقبل وهو كذلك على القول المعمول به (وأما) أن يوجد قتيل يتشحط في دمه والمتهم قربه معه سيف أو خنجر ونحوهما أو على المتهم شيء من دم القتيل أو عليه أثر القتل بتغير حاله أو وجد خارجا من مكان المفتول ولم يوجد فيه غيره وأما غير ذلك من القرائن الدالة على القتل غالبا ثم بين القسامة في العمد فقال (وهي بخمسين يمينا وزعت ... على الذكور ولأنثى منعت) (بعد ثبوت الموت والولاة ... ويحلفونها على البتات) (وتقلب الإيمان مهما نكلا ... ولي مقتول على من قتلا) (ويحلف اثنان بها فما علا ... وغير واحد بها لن يقتلا) (وليس في عبد ولا جنين ... قسامة ولا عدو الدين) يعني أن القسامة هي حلف ولاة الدم خمسين يمينا وتوزع على الذكور من الأولياء أن كانوا أقل من خمسين وأن كانوا أكثر من خمسين اكتفي بخمسين منهم وأن طاع اثنان منهم بحلف الخمسين جاز ذلك ولا يحلف في العمد إلا الذكور دون الأناث بخلاف الخطأ كما يأتي ولا يحلفها إلا اثنان فأكثر فإن كانت القسامة بشهادة عدل على الجرح ولم يوجد جسد المجروح حيا ولا ميتا فلا بد من ثبوت موته لاحتمال كونه ما زال حيا وكذلك لابد من ثبوت ولاية الولاة وأنهم هو المستحقون لدمه فيحلف كل واحد منهم ما ينوبه منها بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانا هذا قتله أو لمات من

الجزء: 4 - الصفحة: 137

ضربه أن بقي حيا بعد الضرب ثم مات ويحلف كل واحد على البت كما ذكرنا وسواء كان حاضرًا أو غائبًا ولا يحلفون على العلم فإذا نكل أولياء الدم عن القسامة فإن الإيمان تقلب على من ادعي عليه بالقتل فإن كان واحدًا حلف الخمسين وأن كان أكثر حلف كل واحد منهم خمسين يمينا فمن حلفها برئ من القتل ويضرب مائة ويحبس عاما لوجود اللوث ومن نكل حبس حتى يحلف ولو طال سجنه على القول المشهور هذا إذا كان اللوث على واحد فإن كان على جماعة فلا يقتل بالقسامة إلا واحدا على المشهور (فرع) مرتب على القول المشهور لو قدم أحد منهم للقتل بعد القسامة عليه بعينه فاقر غيره بأنه الذي قتله خير الأولياء في قتل واحد منهما ولا يمكنون من قتلهما معا عند ابن القاسم وقيل يقتلان معًا كما في القلشاني على الرسالة، وليس في قتل عبد ولا جنين ولا ذمي ومعاهد قسامة فإذا قال العبد أو الكافر دمي عند فلان أو قالت امرأة جنيني عند فلان وأنكر المدعى عليه ذلك فإنه يحلف يمينا واحدة ويبرأ وأن نكل لزمته قيمة العبد ودية غيره كما لو شهد عليه عدل واحد على معاينة القتل أو ضرب المرأة حتى سقط جنينها فإن من قام له اللوث من سيد العبد وغيره يحلف يمينا واحدة ويستحق ما يجب له في ذلك من قيمة العبد ودية غيره ثم قال (والقود الشرط به المثلية ... في الدم بالإسلام والحرية) (وقتل منحط مضى بالعالي ... لا العكس والنساء كالرجال) (والشرط في المقتول عصمة الدم ... زيادة لشرطه المستقدم) يعني أنه يشترط في القصاص من القاتل مماثلته للمقتول في الإسلام والحرية فلو زاد القاتل على المقتول بإسلام أو حرية فأنه لا يقتص منه لعدم الممائلة فلا يقتل مسلم حرا كان أو عبدًا بكافر ولا يقتل حر بعبد إذا تساويا في الإسلام فلو تميز القاتل بالحرية والمقتول بالإسلام فقتل كافر حر عبدا مسلما اقتص منه على المشهور وأما المنحط فإنه يقتل بالعالي فالعالي هو المسلم أو الحر والمنحط هو الكافر أو العبد ولا يقتل

الجزء: 4 - الصفحة: 138

العالي بالمنحط وهو معنى قوله لا العكس فالعكس المنفي فيه القصاص هو أنه لا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد وأما الرجل مع المرأة فيقتل الرجل بها وتقتل هي به كما تقدم.
ويشترط في المقتول أيضا عصمة دمه فلا قصاص على قاتل من وجب قتله بغيلة أو حرابة أو زنا بعد إحصان أو ردة أو زندقة وأنما عليه الأدب لافتياته على الأمام ما هو له كما مر، وقول الناظم والقود معناه القصاص سمي قودا لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل وتسلمه لولي الدم ثم قال (وأن ولي الدم للمال قبل ... والقود استحقه فيمن قتل) (فأشهب قال للاستحياء ... يجبر قاتل على الإعطاء) (وليس ذا في مذهب ابن القاسم ... دون اختيار قاتل بلازم) يعني أن ولي الدم إذا قبل المال كان قدر الدية أو أقل أو أكثر وامتنع القاتل من دفع المال وسلم نفسه للقصاص منه فهل يجبر على الدفع أولا في ذلك قولان لأشهب وابن القاسم فقال أشهب يجبر للاستحياء إذا كان موسرا وقال ابن القاسم لا يجبر لأن الواجب عنده هو القصاص والعفو مجانا وهو المشهور ثم شرع في بيان بعض موانع القصاص فقال (وعفو بعض مسقط القصاص ... ما لم يكن من قعدد انتقاص) (وشبهة تدرؤه وملك ... بعض دم الذي اعتراه الهلك) يعني أن القصاص يسقط إذا عفى بعض من يستحق دم المقتول إلا إذا كان الذي عفا أبعد درجة من الذي لم يعف فلا يسقط ويكون الكلام للأقرب وإذا حصل عفو فلا يسقط حكم الضرب والسجن ولمن بقي نصيبه من الدية كما يأتي (تنبيهان الأول) من ثبت عليه أنه قتل زوجته ولها معه ابن ومن غيره ابن فإن القتل يرتفع عنه لمشاركة ابنه في الدم مشاركة لو كان فيها أجنبي فعفا تعذر القتل وتعذر القصاص

الجزء: 4 - الصفحة: 139

للشبهة في غير ما مسئلة من مسائل المذهب لأن العفو هنا ليس باختيار الابن ولأخيه جميع الدية على العاقلة كذا في نوازل الشريف العلمي (الثاني) إذا لم يكن للمقتول مستحق لدمه لا من الرجال ولا من النساء فإن الإمام يقتص له وليس له العفو إلا أن يكون القاتل والمقتول كافرين ثم يسلم القاتل أهـ (وكذلك) يسقط القصاص بالشبهة المبعدة للعدوان مثل الضرب للتأديب بما يضرب به عادة فيؤل إلى الموت فإن الحد يدرأ عنه لأنه أمر مأذون له فيه كما يسقط إذا ملك القاتل بعض دم المقتول كما مر مثاله وإليه أشار الناظم بقوله.
وملك * بعض دم الذي اعتراه الهلك.
بسكون ألام أي الهلاك والموت والقعدد بضم القاف ويجوز في داله الأولى الضم والفتح وهو الأقرب إلى الأب الأكبر كذا في كتب اللغة ثم بين الناظم حكم الدعوى إذا لم تصل حد اللوث فقال (وحيث تقوى تهمة في المدعى ... عليه فالسجن به قد شرعا) يعني أن من اتهم بالقتل وقويت عليه التهمة ولم تبلغ حد اللوث الموجب للقسامة فإن المتهم يسجن سجنا طويلا باجتهاد الحاكم حتى يظهر أمره فيقع العمل به من ثبوت اللوث فتجب أحكامه وانتفاء التهمة فيترك سبيله بعد الاستيفاء (فرع وسئل) أي ابن الحاج عمن ادعى على رجل بالقتل ولم يكن إلا الدعوى فقط (فأجاب) بأنه يحبس فإذا طال سجنه خلي سبيله بعد أن يحلف خمسين يمينًا أنه ما قتل الرجل ولا أعان على قتله ولا أمر بقتله ولا شارك في قتله ولا شاهد قتله وأنه من قتله لبريء على حس يمين التهمة.
وإن كان المقتول عبدا حلف في مقطع الحق يمينا أنه ما قتله ويبرأ كذا في المعيار (والعفو لا يغني من القرابة ... في القتل بالغيلة والحرابة) يعني أن القتل إذا كان على وجه الغيلة أو الحرابة فإن العفو الذي يحصل من القرابة لا يغني عن القصاص ولا يسقطه ولو كان المقتول غيلة عبدا أو كافرًا ولو جاء تائبًا

الجزء: 4 - الصفحة: 140

لأن القتل فيهما حد من حدود الله تعالى لا يجوز إسقاطه للإمام ولا لغيره وهذا البيت كالتخصيص لقوله المتقدم وعفو بعض مسقط القصاص البيت.
والغيلة لا تثبت إلا باعتراف القاتل بها أو بشهادة عدلين لا بشاهد وقسامة.
وإما الحرابة فتثبت حتى بالشهرة قال الشيخ خليل ولو شهد اثنان أنه المشتهر بها ثبتت وإن لم يعايناها ثم قال (ومائة يجلد بالأحكام ... من عنه يعفى مع حبس عام) (والصلح في ذاك مع العفو استوى ... كما هما في حكم الإسقاط سوا) يعني أن حكم من ثبت عليه القتل عمدا بينة أو إقرار أو لوث بعد القسامة أو قبلها ضرب مائة وسجن عام بعد الجلد ولا يحسب فيه سجنه قبل ذلك وسواء وقع العفو عليه مجانا أو صالح بمال فالصلح في ذلك القصاص مساو للعفو في جلد مائة وسجن عام وكذا لو قام اللوث على جماعة واقسم أولياء الدم على واحد عينوه لها فإن على كل واحد من أصحابه جلد مائة وحبس عام كما إذا سقط القتل لعدم التكافئ.
وقوله كما هما في حكم الإسقاط سوا تتميم للبيت أي كما هما أي العفو والصلح في حكم الإسقاط للقتل سواء (وقوله) ومائة بالنصب مفعول مطلق معمول ليجلد المبني للنائب ومن بفتح الميم اسم موصول نائب فاعل وجملة يعفى عنه الخ صلته (تنبيه) الحبس قبل العفو لا بد فيه من القيد بالحديد والتشديد بخلافه بعده فيحبس بغير حديد وقوله (ودية العمد كذات الخطأ ... أو ما تراضى فيه بين الملإ) (وهي إذا ما قبلت وسلمت ... بحسب الميراث قد تقسمت) يعني إذا عفا من له العفو من أولياء الدم على شيء مقدر قليل أو كثير ورضي القاتل به لزم وإذا عفا على دية مبهمة فتحمل على الدية المقدرة في الخطأ وهي مائة من الإبل غير أنها تغلظ فتكون مربعة كلها إناث خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون

الجزء: 4 - الصفحة: 141

بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة حالة لا منجمة وتقسم بين الورثة من زوجة وغيرها بحسب ميراثهم (تنبيه) إذا عفا ولي الدم عن القتل عفوا مطلقا لم يقع فيه التنصيص على إسقاط الدية ثم قام يطلب الدية من القاتل وقال إنما عفوت لأجلها فإن دعواه لا تقبل إلا إذا كانت له قرينة تدل على صدق دعواه كقوله عند العفو لولا الحاجة ما عفوت عنه أو يكون الولي فقيرًا والقاتل غنيا ونحو ذلك فإنه يحلف ويبقى على حقه أن امتنع القاتل وسواء قام بالقرب أو بعد طول.
وقول الناظم كذات الخطأ التشبيه في القدر وهو مائة من الإبل لا في الصفة لأن دية الخطأ مخمسة كما يأتي وقوله تراض منون وقوله الملإ بالهمز معناه الجماعة من القاتل والأولياء إذا تراضوا على شيء لزم ومفهوم تراضوا أن القاتل إذا لم يرض فلا يلزمه ذلك عند ابن القاسم كما تقدم ثم شرع يتكلم على جنس الدية وقدرها فقال (وجعلت دية مسلم قتل ... على البوادي مائة من الإبل) والحكم بالتربيع في العمد وجب ... وألف دينار على أهل الذهب) (وقدرها على أو لي الورق اثنا ... عشر ألف درهم لا أدنى) (ونصف ما ذكر في اليهودي ... وفي النصارى ثابت الوجود) (وفي النساء الحكم تنصيف الدية ... وحالة في كل صنف مغنية) يعني أن دية الحر المسلم مائة من الإبل أن كان الجاني من أهل البادية وتكون في العمد مربعة كما تقدمت الإشارة إليها وإن كان من أهل الذهب كالشامي والمصري والمغربي ألف دينار.
وإن كان من أهل الفضة كالعراقي والفارسي والخرساني اثنا عشر ألف درهم ولا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل ولا من أهل الذهب إلا الذهب ولا من أهل الفضة ألا الفضة إذا كان ذلك لأجل أما إذا كان على الحلول كما هو أصل دية العمد فإنه يجوز أخذ الورق عن الذهب والعكس فإن لم يكن من أهل الإبل ولا الذهب

الجزء: 4 - الصفحة: 142

والفضة بل كان أهل بقر أو غنم فإنه يكلف بما يجب على أقرب المواضع إليه على الظاهر عند بعض العلماء هذا في دية الحر المسلم وأما من قتل عبدا فعليه قيمته ولو بلغت أكثر من دية الحر المسلم كان العبد مسلما أو كافرا.
وأما دية الكافر الكتابي الحر فنصف دية الحر المسلم.
ولم يذكر الناظم دية المجوسي وديته ثلث خمس دية المسلم وهو في الذهب ستة وستون دينارا وثلثا دينار وفي الفضة ثمانمائة درهم، وأما المرأة فديتها نصف دية الرجل من دينها.
وقول الناظم مسلم يريد به الحر وقوله قتل بالبناء للنائب وسواء وقع قتله عمدا أو خطأ وقوله الورق بسكون الراء وقوله وحاله في كل صنف مغنية أي حال التنصيف مغنية عن البيان في كل صنف ثم قال (وتجب الدية في قتل الخطأ ... والإبل التخميس فيها قسطا) (تحملها عاقلة للقاتل ... وهي القرابات من القبائل) (حيث ثبوت قتله بالبينة ... أو بقسامة له معينة) (يدفعها الأدنى فالأدنى بحسب ... أموالهم وحكم تنجيم وجب) (من موسر مكلف حر ذكر ... موافق في نحلة وفي مقر) (وكونها من مال جان أن تكن ... أقل من ثلث بذا الحكم حسن) (كذا على المشهور من معترف ... توخذ أو من عامد مكلف) يعني أن الواجب في دية قتل الخطأ وهي من الإبل أن تكون مخمسة عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وتكون على عاقلة القاتل وهو كواحد منهم على المشهور منجمة كما يأتي والعاقلة قبيلة القاتل.
وإنما تحملها العاقلة حيث ثبت القتل بمعاينة البينة أو بقسامة بشروطها معينة للقتل خطأ أما إذا كان ثبوته باعتراف القاتل فإن العاقلة لا تحملها كما أنها لا تحمل

الجزء: 4 - الصفحة: 143

عمدا ولا عبدا ولا ما دون الثلث كما يأتي ويدفها الأقرب فالأقرب على قدر أموالهم قلة وكثرة منجمة في ثلاث سنين من يوم الحكم لا من يوم القتل كل ثلث منها يحل بأخر سنة فإن كان الواجب نصفا أو ثلاثة أرباع فللزائد سنة على المشهور ولا تؤخذ إلا من مسلم مكلف حر ذكر موافق للجاني في الدين وهو المراد بالنحلة من أهل مقره ومنزله فلا تضرب الدية على فقير ولا على صبي ولا مجنون ولا مخالف للجاني في دينه ولا على من ليس معه في موضع واحد وكذا إذا كانت الدية أقل من الثلث على القول المعتمد وبه القضاء أو من عامد مكلف على المشهور وأما الصبي والمجنون فإن عمدهما كالخطأ تحمله العاقلة أيضا كما تقدم وكل ما كان على الجاني وحده يكون عليه حالا لا منجما وحكى بعض العلماء أن لا عاقلة في هذا الزمان.
وقول الناظم ونحلة بكسر النون وضمها والمراد بها هنا الديانة وقوله (وفي الجنين غرة من ماله ... أو قيمة كالإرث في استعماله) معناه أن من ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا وأمه حية فعليه ديته غرة وهي عبد أو ولدة من البيض على الأحسن أو قيمتها ويتعدد الواجب بتعدد الجنين ويورث ذلك عن الجنين اتحد أو تعدد على فرائض الله تعالى ثم شرع يتكلم على حكم شبه العمد فقال (وغلظت فثلثت في الإبل ... وقدمت للعين في القول الجلي) (وهو بالآباء والأمهات ... يختص والأجداد والجدات) يعني أن الأب أو الأم أو من كان في معناهما كالأجداد والجدات إذا ضرب ولده بحديدة مثلا فمات من ذلك فإنه لا يقتص منه باحتمال الشبهة إذا ادعى عدم القصد وادعى أدبه ولا يرث شيئًا من ماله وإن كان واحدا من غير المذكورين لا يقبل منه ذلك ولهذا لو قتله مع انتفاء الشبهة اقتص منه كما لو ذبحه أو شق بطنه أو رماه بالرصاص ونحو ذلك وكذلك لو اعترف بالقصد وحيث كان لا يقتل فتغلظ عليه الدية وتغليظها بالتثليث ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها

الجزء: 4 - الصفحة: 144

أولادها وتغلظ أيضا إذا كانت عينا في القول الظاهر وتغليظها هو بتقويم دية الإبل فإذا قومت المثلثة بمائة والمخمسة أو المربعة بثمانين فالتفاوت بينهما بالخمس فيزاد على ألف دينار خمسها وعلى اثني عشر ألف درهم ألف درهم خمسها ويلزم المجموع وتكون في مال الجاني حالة وقول الناظم وهو بالآباء والأمهات يختص الخ وقيل شبه العمد لا يختص بهم أنظره في المطولات وإنما تركته لما فيه من كثرة الخلافات والله اعلم وقوله وهو بسكون الهاء ثم قال (ويحلف الذكور كالإناث ... بنسبة الحظوظ في الميراث) (وأن يمين عند ذا تنكسر ... يحلفها من حظه موفر) (وواحد يجوز أن يحلفا ... حيث انفراده بما تخلفا) (وهذه الأحكام طرا تعتمد ... بحيث ما يسقط بالشرع القود) يعني أن القسامة إذا وجبت في الخطأ فإنه يحلفها على البت من يرث ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو متعددا ويحلف كل واحد من الورثة بقدر نصيبه من الميراث فمن كان منهم صاحب ثمن كان عليه ثمن الإيمان وهكذا فإن انكسرت عليهم يمين حلفها أكثرهم نصيبا منها فإن انفرد الوارث حلف الخمسين وهذه الأحكام جميعها في الخطأ وعنه عبر بحيثما يسقط بالشرع القود وأما العمد فقد تقدم أنه لا يحلف فيه أقل من رجلين من العصبة ولا يحلف فيه واحد ولا امرأة وقوله بحيث ما فالباء وما زائدتان وقوله (وسوغت قسامة الولاة ... في غيبة الجاني على الصفات) (وينفذ القصاص أن به ظفر ... إقرار أو وفاق ما منها ذكر) هو كقول ابن سلمون فإن غاب الجاني وعرفه الشهود ووصفوه صفاته التي ينحصر بها وتقوم مقام التعيين وذهب الأولياء إلى أن يحلفوا فلهم ذلك فإن استكملوا إيمان

الجزء: 4 - الصفحة: 145

القسامة استوجبوا القوة منه متى وجدوه وذلك بعد أن توافق صفاته الصفات التي في عقد التدمية أو يقر أنه هو الذي دمي عليه بعد الأعذار إليه اهـ ويجوز في قول الناظم القصاص النصب على المفعولية والرفع على الفاعلية باعتبار ينفذ فإن قدرته من الرباعي فالنصب وأن قدرته من الثلاثي فالرفع وقوله ظفر وذكر مبنيان للنائب ومنها بيان لما متعلق بذكر والضمير يعود على الصفات ثم قال

فصل في الجراحات

جمع جراحة وجراح بالكسر ويقال أيضا جرح بضم الجيم وسكون الراء ويجمع على جروح.
والأصل في مشروعية القصاص في الجروح والأطراف قول الله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص الآية فالجروح في الاصطلاح كل ما دون النفس قاله صاحب التوضيح وقال ابن راشد هذه الآية محكمة لا نسخ فيها نعم إنما نخصصه بما كان من ذلك على وجه الخطأ وببعض جراح العمد فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه اسقط القوة في المأمومة والمنقلة والجائفة والعلة في ذلك الخوف على النفس فيقاس عليها ما في معناها مما يخشى منه التلف كعظام الرقبة والصلب والصدر وكسر الفخذ ورض الأنثيين وما أشبه ذلك ويخص من ذلك أيضا بما تتعذر فيه المماثلة نحو ذهاب بعض النظر والسمع والعقل وما أشبه ذلك لأن المماثلة شرط في القصاص قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فأباح الاعتداء بالمثل دون ما عداه وما تعذرت حقيقته لا يتصور به تكليف ولهذا وجبت القيمة على تلف الدور والدواب والعروض لتعذر المثلية فيها وإلا فالأصل هو أغرام المثل فلما تعذرت المثلية أقيمت القيمة مقامها فكذلك هاهنا لما تعذرت المثلية جعلت الدية مقامها والله اعلم اهـ وإلى هذا أشار الناظم بقوله (جل الجروح عمدها فيه القود ... ودية مع خطر فيها فقد)

الجزء: 4 - الصفحة: 146

(وفي جراح الخطأ الحكومة ... وخمسة ديتها معلومة) (فنصف عشر دية في الموضحة ... وهي التي تلفى لعظم موضحة) (في رأس أو وجه كذا المنقلة ... عشر بها ونصف عشر معدله) (في الموضعين مطلقا وهي التي ... كسر فراش العظم قد تولت) (وعشر ونصفه في الهاشمة ... وهي لعظم الرأس تلفى هاشمه) (وقيل نصف العشر أو حكومة ... وثلث الدية في المأمومة) (وما انتهت للجوف وهي الجائفة ... كذاك والأولى الدماغ كاشفه) (ولاجتهاد حاكم موكول ... في غيرها التأديب والتنكيل) (وجعلوا الحكومة التقويما ... في كونه معيبا أو سليما) (وما تزيد حالة السلامة ... يأخذه أرشا ولا ملامة) يعني أن الجروح على قسمين عمد أو خطأ فما كان منها عمدا فجله فيه القصاص أو ما يتفقان عليه من قليل أو كثير وبعضه فيه الدية فقط وهو شيء قدره الشارع أما معلوم كثلث الدية في الجائفة مثلا أو غير معلوم وهو الحكومة فيما يعظم خطره إذا برئ على شين ولم يرد فيه عن الشارع شيء مقدر.
والقاعدة في معرفة ذلك أن كل ما فيه خطر على إتلاف النفس ففيه الدية وما لا خطر فيه ففيه القصاص (ثم) أن جراح العمد أما أن تكون في الرأس أو تكون فيما عداه وهي التي عبر عنها بجراح الجسد فجراح الرأس يقتص فيها من سبع.
وهي الموضحة بضم الميم وسكون الواو وكسر الضاد وهي التي أفضت إلى العظم من الرأس والجبهة والخدين ولو بقدر مدخل إبرة.
وكذا ما قبلها من الدامية وهي التي يسيل منها الدم.
والحارضة بالصاد المهملة وهي التي تشق

الجزء: 4 - الصفحة: 147

الجلد.
والسمحاق وهي الكاشطة للجلد.
والباضعة وهي التي تبضع اللحم وتشقه.
والمتلاحمة وهي التي تغوص في اللحم في غير موضع.
والملطاة وهي التي يبقى بينها وبين العظم ستر رقيق (فالواجب) في هذه السبعة القصاص أو ما يصطلحان عليه من قليل أو كثير.
ولا قصاص فيما بعد الموضحة من جراح الرأس.
وهي أربع الهاشمة وهي التي تهشم العظم.
والمنقلة وهي التي أطارت فراش العظم وإن صغر.
والمأمومة وهي التي أفضت إلى الدماغ ولو بقدر مدخل إبرة.
والدامغة وهي التي تخرق خريطة الدماغ.
وحيث لا قصاص فيها ففي كل واحد منها شيء مقدر من الشارع ففي الهاشمة والمنقلة عشر الدية ونصف عشرها.
وفي المأمومة والدامغة ثلث الدية (فتحصل) مما ذكر أن جراح الرأس أحد عشر سبعة فيها القصاص أو ما يتفقان عليه ويجب على الحاكم تأديب الفاعل اقتص منه أولا وأربعة لا قصاص فيها وإنما فيها ما قدره الشارع كما مر ولو؟ ؟ ؟ على عيب وشين فلا يزاد على ما قدره الشارع فيها وعليه فيستوي في هذه الأربع العمد والخطأ إلا الأدب فإنه مختص بالعمد دون الخطأ (وأما) جراح الجسد عمدا من الهاشمة والمنقلة وغيرهما كالعضد والترقوة بفتح التاء وضم القاف وهو عظم أعلا الصدر المتصل بالعنق ففيها القصاص إن لم يعظم الخطر فإن عظم كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وكذا القطع إن كان مخوفا فلا قصاص فيه كما يأتي وكذا لا قصاص في الجائفة ولو عمدا وهي التي تصل إلى الجوف من البطن أو من الظهر ولو بقدر مدخل إبرة وإنما فيها ثلث الدية كالخطأ ويقتص في اليد والرجل والعين والأنف والأذن والسن والذكر والأجفان والشفتين كما سيأتي قريبًا.
وبعد سقوط القصاص فيما قصاص فيه ينظر فإن برئي على غير شين فلا شيء فيه إلا الأدب وأن برئي على شين منها ففيه الأدب والحكومة معًا إلا الجائفة فلا يزاد فيها على ثلث الدية ولو برئت على شين وعيب كغيرها مما فيه قدر معلوم من الدية.
ومعنى الحكومة أن يقوم المجني عليه عبدًا سالمًا بعشرة مثلا ثم يقوم مع الجناية بتسعة والتفاوت عشر فيجب عشر الدية وهكذا وإنما تكون القيمة بعد

الجزء: 4 - الصفحة: 148

اندمال الجرح وبرئه لا قبله فلو لم يبق شين شيء فيه.
وأما جراح الخطأ فلا قصاص فيها ولا أدب وهي قسمان قسم فيه شيء مقدر وهو خمسة ففي الموضحة المتقدم بيانها نصف عشر الدية وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشرها وفي الهاشمة كذلك وفي المأمومة ثلث الدية وكذا في الجائفة وما عدا هذه الخمس أن برئي على غير شين فلا شيء فيه وأن برئي على شين ففيه حكومة.
وإلى ذلك أشار بقوله وفي جراح الخطأ الحكومة.
وخمسة ديتها معلومة.
ثم فسرها وذكر ما يجب لكل واحدة منها بقوله (ونصف عشر دية في الموضحة الخ) ثم أفاد أن في الهاشمة قولين آخرين أحدهما أن الواجب فيها نصف العشر وثانيهما الحكومة لا غير فالأقوال ثلاثة مشهورها الأول وقوله ولاجتهاد حاكم موكول.
في غيرها التأديب والتنكيل.
معناه أن التأديب والتنكيل على الجاني موكول لاجتهاد الحاكم في غير جراح الخطأ وهي جراح العمد فالأدب إنما يكون في جراح العمد لا غير فيرى فيه رأيه بقدر عظم الجناية وخفتها وكون الجاني من عادته ذلك أو وقع منه فلتة ثم قال (ويثبت الجراح للمال بما ... يثبت مالي الحقوق فاعلما) يعني أن الجراح التي لا قود فيها عمدا كانت أو خطأ وإنما فيها ما قدره الشارع أو الحكومة تثبت بما تثبت به الحقوق المالية وهو عدل وامرأتان أو عدل ويمين أو امرأتان ويمين وقوله (وفي ادعاء العفو من ولي دم ... أو من جريح اليمين تلتزم) معناه أن القاتل إذا أدعى على ولي المقتول أنه عفا عنه أو أدعى الجارح ذلك على الجريح وأنكر المدعي عليه ذلك فإنه يحلف أنه لم يعف عنه ويبقى على حقه وله قلب اليمين على المدعي ذلك فإذا حلف بريء ثم قام يتكلم على الواجب في قطع الأعضاء فقال (وقود في القطع للأعضاء ... في العمد ما لم يفض للفناء)

الجزء: 4 - الصفحة: 149

(والخطأ الدية فيه تقتفي ... بحسب العضو الذي قد اتلفا) (ودية كاملة في المزدوج ... ونصفها في واحد منه انتهج) (وفي اللسان كملت والذكر ... والأنف والعقل وعين الأعور) (وفي إزالة لسمع أو بصر ... والنصف في النصف وشم كالنظر) (والنطق والصوت كذا الذوق وفي ... أذهاب قوة الجماع ذا اقتفي) (وكل سن فيه من جنس الإبل ... خمس وفي الأصبع ضعفها جعل) يعني أن الواجب في قطع الأعضاء كاليد والرجل إن كان على وجه العمد ففيه القصاص أن لم يؤد إلى الموت فإن كان يؤدي إلى الموت كالفخذ واللسان والأنثيين فلا قصاص ثم إن كان فيه شيء مقدر كاللسان والأنثيين وقطع الرجل والفخذ أو كسره فذلك هو الواجب على الجاني مع الأدب.
وإن لم يكن فيه شيء مقدر ففيه حكومة مع الأدب أيضا وأن كان قطع العضو على وجه الخطأ فيتبع فيه ما ورد من الشارع بحسب العضو الذي اتلف فإن كان من المزدوج كاليدين والرجلين والعينين والأذنين والأنثيين ففي إتلافهما معا الدية كاملة.
وفي إتلاف أحدهما نصف الدية وتجب الدية كاملة أيضا في قطع اللسان وفي قطع الذكر أو الأنف وفي العقل إذا ضربه مثلا فزال عقله وفي عين الأعور وأن كانت من المزدوج للسنة وكذلك تجب الدية كاملة في ذهاب السمع أو البصر ويجب نصف الدية في ذهاب نصف أحدهما وذهاب الشم كذهاب البصر وكذا تجب الدية كاملة في ذهاب النطق أو الصوت أو الذوق أو ذهاب انعاض الذكر والواجب في كل سن خمس من الإبل وفي كل أصبع عشر من الإبل ثم قال (ودية الجروح في النساء ... كدية الرجال بالسواء) (إلا إذا زادت على ثلث الدية ... فما لها من بعد ذاك تسوية)

الجزء: 4 - الصفحة: 150

يعني أن المرأة في الجروح كدية الرجال إلى أن تبلغ ثلث دية الرجل فإذا بلغتها رجعت إلى حساب ديتها فمن قطع أصبع امرأة فعليه عشرة من الإبل وفي أصبعين عشرون وفي ثلاثة ثلاثون فإذا قطع لها أربعا فالواجب عليه عشرون لأن ديتها على النصف من دية الرجل (ولما) فرغ من أحكام الحياة شرع يتكلم على أحكام الممات جريا على الترتيب الطبيعي فقال

باب التوارث والفرائض

فالتوارث مصدر مأخوذ من توارث القوم إذا ورث بعضهم بعضا.
والفرائض جمع فريضة كغنيمة وغنايم والفرض هو التقدير ومنه فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر أي قدرها.
ومنه قوله تعالى فنصف ما فرضتم أي قدرتم من الصداق.
وتعلم الفرائض واجب على الكفاية لقوله عليه الصلاة والسلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما يرفع من الأرض.
وفي رواية أخرى تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم وأني امرؤ مقبوض وسينزع العلم من أمتي حتى يختلف الرجلان في فريضة فلا يجدان من يعرف حكم الله فيها.
وقال عليه الصلاة والسلام أن الله لم يكل قسمة مواريثكم إلى أحد بل تولاها بنفسه أتم بيان.
وحكمة مشروعيتها رفع التشاجر واتصال كل ذي حق بحقه الذي قدره الشارع له فلا يبقى في نفسه شيء يوجب النزاع واعلم أن الإرث بين المسلمين الأحرار لا يكون إلا بأحد ثلاثة أشياء أشار إليها الناظم بقوله (الإرث يستوجب شرعا ووجب ... بعصمة أو بولاء أو نسب) (جميعها أركانه ثلاثة ... مال ومقدار وذو الوراثة) يعني أن الإرث يستحق بالشرع وهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس ويجب لمستحقه بأحد أسباب ثلاثة وهي نكاح ولو فاسدًا غير متفق على فساده أو ولاء وهو ما ينشأ

الجزء: 4 - الصفحة: 151

عن العتق أو نسب من بنوة وأبوة ونحوهما وكل واحد من هذه الثلاثة أركانه ثلاثة مال متروك عن الميت ومقدار ما يرثه كل وارث ومعرفة من يرث ومن لا يرث فإن الإرث لا يوجد بالعصمة أو الولاء أو النسب إلا باجتماع هذه الأركان الثلاثة فمهما اختل ركن منها لم يوجد.
وعدها بعضهم ركنين الوارث والموروث.
ويشترط في استحقاق الإرث ثبوت الموت وتناسخ الوراثات إذا كان تناسخ ولو طالت على ما به العمل أو التمويت كما في مسألة المفقود.
ويشترط فيه أيضا من جهة القرابة معرفة القعدد والقعدد بضم القاف والدال هو الجد الجامع فإن جهل كما لو شهد شهود بوفاة زيد مثلا وأن وارثه أبناء عميه فلان وفلان لا يدرون الأقرب منهما من الأبعد لم يرث واحد منهم شيئًا ويكون متروكه لبيت المال قال في لب اللباب الوارث من وجد في حقه المقتضي وهو وجود السبب والشرط وانتفاء المانع فالسبب هو النسب والولاء والشرط هو معرفة القعدد فإن جهل فيوقف المال قال صاحب العمل الفلسي (لابد من معرفة القعدد في ... إرث وإلا فبشك ينتفي) وهو موافق لعمل تونس ثم قال

فصل في ذكر عدد الوارثين

أي من الرجال والنساء وإليهما أشار بقوله (ذكور من حق له الميراث ... عشرة وسبع الإناث) (الأب والجد له وأن علا ... ما لم يكن عنه بأنثى فصلا) (والزوج وابن وابنه هب سفلا ... كذاك مولى نعمة أو بولا) (والأخ وابن الأخ لا للام ... والعم لا للام وابن العم) (والأم والزوجة ثم البنت ... وابنة الابن بعدها والأخت)

الجزء: 4 - الصفحة: 152

(وجدة للجهتين ما علت ... ما لم تكن بذكر قد فصلت) (كذاك مولاة لها العتق ولا ... حق لها فيما يكون بالولا) (وبيت مال المسلمين يستقل ... بحيث لا وارث أو بما فضل) يعني أن عدة الوارثين من الرجال عشرة ويتفرعون إلى ستة عشر.
وهي الأب.
والجد للأب وأن علا للأم فإنه يرث.
والزوج.
والابن.
وابن الابن وإن نزل.
ومولى النعمة وهو من باشر العتق.
وذو الولاء وهو الذي لم يباشر العتق بل أنجز إليه بالإرث ممن اعتقه كابية.
والأخ شقيقا كان أو لأب أو لأم.
وابن الأخ إذا كان شقيقا أو لأب لا لأم فإنه لا يرث.
والعم شقيقا كان أو لأب لا لأم.
وابن العم الشقيق أو لأب لا لأم.
ويزاد عليهم عم الأب وبنوه وأن نزلوا وعم الجد وأن علا وبنوه فيكون مجموع عدد الرجال ثمانية عشر ويقدم الأقرب فالأقرب ولو غير شقيق والشقيق على الذي لأب كما يأتي في الحجب.
وأن عدة النساء سبع ويتفرعن إلى عشرة.
وهي الأم.
والزوجة.
والبنت.
وابنة الابن.
والأخت شقيقة كانت لأب أو لأم.
والجدة أم الأم وأم الأب وأمهاتهما وأن علون وأخرج بقوله ما لم تكن بذكر قد فصلت أم الجد فيعني بذلك ما عدا الأب المباشر لأنه فصل بين الميت وجدته.
ومولاة النعمة وهي التي باشرت العتق بنفسها إذ لا أرث لها فيما اعتقه غيرها فهؤلاء ثمانية وعشرون بزيادة الرتبتين فإن لم يكن واحد ممن ذكر أو كان ولم يستغرق التركة بأن كان من الإناث فإن التركة أو ما بقي منها لبيت مال المسلمين ثم قال

فصل في ذكر أحوال الميراث

وهي خمسة أشار إليها الناظم بقوله (الحال في الميراث قد تقسما ... إلى وجوب ولحجب قسما) (لحجب الإسقاط أو النقل وذا ... لفرض أو تعصيب ابدي منفذا)

الجزء: 4 - الصفحة: 153

يعني أن الميراث ينقسم إلى حالتين حالة وجوب بحيث أن الوارث لا يحجب البتة كالأبوين والأولاد والزوج والزوجة كما يأتي.
وحالة حجب وتنقسم إلى حجب إسقاط كابن الابن مع ابن الصلب.
وإلى حجب تقل من حالة إلى حالة أخرى وفيه ثلاث حالات.
وهي تقل من فرض لفرض دونه كالزوجة فرضها الربع حيث لا ولد للزوج فإن كان له ولد انتقلت إلى الثمن.
ونقل من فرض إلى تعصيب كأخت أو أخوات فرض الواحدة منهن النصف والأكثر من الواحدة الثلثان فإن كانت ابنة أو بنات انتقلن إلى التعصيب يأخذن ما فضل عن بنت الصلب أو بناته.
ونقل من تعصيب إلى فرض كالأب فإنه عاصب فإذا كان مع الابن انتقل إلى فرض وهو السدس (فقول الناظم) وذا الخ أي وذا اظهر طريقا لحجب النقل لفرض فيشمل النقل من فرض لفرض كالحالة الأولى والنقل من التعصيب إلى الفرض كالحالة الثالثة.
وقوله أو تعصيب أي النقل من الفرض إلى التعصيب كالحالة الثانية.
وما ذكره الناظم في هذا الفصل مقدمة لما يأتي له من ذكر حجب الإسقاط وحجب النقل إلى فرض أو إلى تعصيب ثم قال

فصل في المقدار الذي يكون به الإرث

وهو أما كل المتروك أو جزء مسمى منه أو مسمى من الباقي بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم فالمراد بالمقدار مجموع المتروك والباء من قوله به بمعنى في وقد أشار الناظم إلى ذلك بقوله (القدر يلفى باشتراك فيه ... في جملة المتروك أو باقية) (أو بانفراد باحتياز المال ... اجمع فيه وهو في الرجال) (عدا أخا للام والزوج وفي ... مولاة نعمى حكم ذلك اقتفي) يعني أن المتروك تارة يشترك الورثة في جميعه وذلك إذا كانوا أصحاب سهام واستغرقت الورثة جميع المال كزوج وأخت أو كانوا عصبة كثلاثة بنين أو أخوة.
وتارة يكون

الجزء: 4 - الصفحة: 154

الاشتراك في باقي المتروك كبنت وعصبة فنأخذ البنت النصف ويشترك العصبة في النصف الباقي.
وتارة ينفرد وارث بجميعه ولا يوجد هذا إلا في الرجال لأنهم عصبة والعاصب يرث جميع المال إذا انفرد ما عدا الأخ للام والزوج فليس للأول إلا السدس وليس للثاني إلا الربع إن كان لها ولد أو النصف إن لم يكن لها ولد إلا إذا كان كل واحد منهما ابن عم فيأخذ جميع المتروك بعضه بالفرض وبعضه بالتعصيب وكذلك مولاة النعمة تنفرد بجميع المتروك إذا لم يكن لمعتقها بفتح التاء وارث من النسب.
وقوله باشتراك الباء للملابسة.
وفيه متعلق بانفراد واجمع توكيد للمال أي كله وقوله وهو يعود على حوز المال ثم قال

فصل في ذكر حالات وجوب الميراث

وهي ثلاثة أنواع أشار إليها بقوله (ويحصل الميراث حيث حتما ... بفرض أو تعصيب أو كليهما) (والمال يحوي عاصب منفرد ... أو ما عن الفروض بعد يوجد) (وقسمة في الحالتين معمله ... أما على تفاضل أو معدلة) يعني أن الإرث تارة يكون بالفرض كالبنت والأخت.
وتارة يكون بالتعصيب كالابن.
وتارة يكون بالفرض مع التعصيب كالأب مع البنت فيفرض له السدس فإن بقي شيء أخذه بالتعصيب وهذه الأنواع الثلاثة هي المراد بالحالات المذكورة في الترجمة ثم أن الوارث بالتعصب أن انفرد حوي جميع المال وأن كان مع ذوي فروض أخذ ما فضل عنهم وأن تعدد أما مع غير أصحاب الفروض كالأولاد أو مع ذوي الفروض كالأم والزوجة فإن جميع المال في الوجه الأول والفاضل عن أصحاب السهام في الوجه الثاني يقسم بين العصبة أما على التفاضل كما إذا كانوا ذكورا وإناثا وأما على التساوي والاعتدال إذا كانوا كلهم ذكورا ومراده بالحالتين حالة عدم ذوي الفروض وحالة

الجزء: 4 - الصفحة: 155

وجودهم وقوله والمال بالنصب مفعول مقدم بيحوي وعاصب فاعله ومنفرد صفته ثم قال

فصل في ذكر أهل الفرائض وأصولها

المراد بالفرائض الأجزاء المحدودة شرعًا المعلوم قسمتها من جهة المال.
وهي ستة النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس.
وأصحاب الفرائض المستحقون لها واحد وعشرون بين رجال ونساء فأصحاب النصف خمسة وأصحاب الربع اثنان.
وأصحاب الثمن واحد.
وأصحاب الثلثين أربعة.
وأصحاب الثلث اثنان.
وأصحاب السدس سبعة وسيأتي بيان أسمائهم في كلام الناظم.
والمراد بأصول المسائل الأعداد التي تقوم منها تلك الفرائض.
وهي اثنان وأربعة وثمانية وثلاثة وستة واثنا عشر وأربعة وعشرون.
وهذه الأصول على قسمين قسم مركب وقسم بسيط فالمركب ما اجتمع فيه فرضان فأكثر وهو الاثنى عشر والأربعة والعشرون فلا يصح أن يكون أصل المسألة من الاثنى عشر والأربعة والعشرين كما يأتي في النظم أخر الفصل وما عدا هذين العددين من الأصول لا يشترط فيه تعدد الفرض وقوله (ثم الفرائض البسائط الأول ... ستة الأصول منها في العمل) ظاهره أن الذي ينقسم إلى مركب وبسيط هو الفرائض وليس كذلك بل الذي ينقسم إلى مركب وبسيط هو أصول المسائل لا الفرائض كما علمت ويدل على هذا أيضا قوله والأصل بالتركيب ولم يقل الفرض بالتركيب.
ومعنى قوله الأصول منها في العمل أن أصول المسائل مأخوذة من الفرائض في عمل الفريضة فإذا كان في الفريضة من له النصف فيقال أصل المسألة من اثنين أو صاحب ثلث فاصل المسألة من ثلاثة وقس على هذين المثالين فإذا كان في الفريضة فرضان متباينان كمن له ربع ولأخر ثلث كانت المسألة من أصل مركب وهو اثنا عشر من ضرب أربعة في ثلاثة لتباينهما وسيأتي هذا أخر الفصل ثم بين أسماء أصحاب الفرائض المحدودة فقال

الجزء: 4 - الصفحة: 156

(أولها النصف لخمسة جعل ... البنت والزوج إذا لم ينتقل) (ولابنة ابن ولأخت لا لأم ... ونصفه الربع به الزوجين أم) (ونصفه الثمن لزوجة وفي ... تعدد قسمة حظيها اقتفي) (والثلثان حصة لأربع ... بنات صلب وبنات ابن فع) (والأخت لا للأم في التعداد ... والثلث للجد برجح باد) (والأم دون حاجب والأخوة ... لها وهم في قسم ذاك أسوه) (ونصفه السدس لأم وأب ... ولابنة ابن ولجد اجتبي) (وجدة ولأخ من أم ... واشمل لأخت جهة في الحكم) يعني أن أصحاب النصف خمسة الزوج في فقد الولد للزوجة والبنت الواحدة وبنت الابن مع عدم البنت والأخت الشقيقة أو لأب في عدم الشقيقة لا لأم وأن أصحاب الربع اثنان الزوج مع الولد للزوجة والزوجة في فقد الولد للزوج.
وأن أصحاب الثمن واحد وهو الزوجة مع الولد للزوج فإن تعددت الزوجات اقتسمن فرضهن ربعا أو ثمنا على عددهن هذا معنى قوله وفي تعدد قسمة حظيها أي الربع أو الثمن بينهما أو بينهن.
وأن أصحاب الثلثين أربعة البنتان فأكثر وبنتا الابن فأكثر في عدم البنت والأختان الشقيقتان كذلك واللتان لأب في عدم الشقيقة دون التي للأم كما تقدم.
وأن أصحاب الثلث ثلاثة الجد في بعض الأحوال حيث يكون أرجح من المقاسمة وثلث الباقي هذا معنى قوله برجح كما يأتي.
والأم في فقد الولد وفقد تعدد الأخوة ولذلك قال دون حاجب يحجبها منه إلى السدس.
والأخوة للأم أن تعددوا ويكون بينهم على السواء ذكورًا كانوا أو إناثا أو مختلطين.
وأن أصحاب السدس سبعة الأم مع الولد أو مع تعدد الأخوة والأب مع الولد وبنت الابن مع بنت الصلب والأخت للأب مع

الجزء: 4 - الصفحة: 157

الشقيقة والواحد من ولد الأم والجد إذا كان السدس أفضل له كما يأتي وعلى ذلك نبه بقوله اجتبي أي اختير والجدة لأم أو لأب فإن اجتمعنا حجبت القربى من جهة الأم البعدي من جهة الأب وإلا اشتركنا وأسقطتها الأم مطلقا كما يأتي في الحجب (وقوله) أم أخر البيت الثاني بضم الهمزة فعل أمر معناه أقصد وبه بتعلق به والزوجين مفعوله مقدم (ولما) كانت الفريضة تارة تكون عادلة وهي التي ساوت سهام أصحابها كزوج وأم وأخ أصلها من ستة للزوج النصف وهو ثلاثة وللأم الثلث اثنان وللأخ للأم السدس واحد فلم يبق شيء وتارة تكون ناقصة وهي التي يفضل منها بعض أجزائها عن سهام أهلها كزوج وبنت أصلها من أربعة للزوج الربع واحد وللبنت النصف اثنان يبقى واحد أما للعاصب أو لبيت المال.
وتارة تكون عائلة وهي التي زادت سهامها على أصولها وإليها أشار الناظم بقوله (فإن يضق عن الفروض المال ... فالعول إذ ذاك له استعمال) يعني أن الفريضة العائلة هي التي يكون فروضها أكثر من عددها كزوج وأخت وأم فإن أصلها من ستة لأجل النصف والثلث فالنصف للزوج ثلاثة ومثلها للأخت وفرغ المال ولم يبق للأم شيء فيعال للأم بثلث الستة وهو اثنان وتصح من ثمانية ويقال في ذلك عالت بمثل ثلثها ونقص لكل واحد ربع ما بيده وذلك لأن العول ينسب لأصل المسألة يخرج ما عالت به وهو الثلث وذلك لأن الاثنين من ستة ثلث وانسب العول لمجموع المسألة بعولها يخرج ما نقص لكل وارث وهو الربع لأن الاثنين من ثمانية ربع وأن عالت الستة لسبعة كزوج وأخت شقيقة أو لأب وأخ لأم أصلها من ستة للزوج ثلاثة نصفها ومثلها للأخت وفرغ المال ولم يبق للأخ للأم شيء فيعال له بالسدس وهو واحد وتصح من سبعة فيقال عالت بمثل سدسها ونقص لكل واحد سبع ما بيده.
وتعول لتسعة كزوج وأخت وأم وأخوين لأم أصلها من ستة كذلك للزوج نصفها ثلاثة وللأخت مثلها وفرغ المال ولم يبق للأم ولا للأخوة للأم شيء فيعال لهم بثلاثة واحد للأم وهو سدسها واثنان لأخوة للأم وهو الثلث فيقال عالت بمثل نصفها

الجزء: 4 - الصفحة: 158

ونقص لكل واحد ثلث ما بيده.
وتعول لعشرة كزوج وأختين وأم وأخوين لأم أصلها من ستة للزوج نصفها ثلاثة وللأم سدسها واحد وللأخوين لأم ثلثها اثنان وفرغ المال ولم يبق للأختين شيء فيعال لهما بالثلثين وهو أربعة فيقال عالت بمثل ثلثيها ونقص لكل واحد خمسا ما بيده.
وأن عالت الاثنى عشر لثلاثة عشر كزوجة وأم وأختين يقال عالت بنصف سدسها ونقص لكل وارث جزء من ثلاثة عشر وتعول لخمسة عشر كزوجة وأخوين لأم وأختين لأب تقول عالت بمثل ربعها ونقص لكل وارث خمس ما بيده.
وتعول لسبعة عشر تقول عالت بمثل ثلثها وربع ثلثها ونقص لكل وارث خمسة أجزاء من سبعة عشر.
وأن عالت الأربعة والعشرون لسبعة وعشرين قلت عالت بمثل ثمنها ونقص لكل وارث تسع ما بيده ولا يعول من الفرائض إلا هذه الثلاثة الستة والاثنا عشر والأربعة والعشرون.
وسميت الفريضة عائلة من العول وهو الزيادة وذلك إذا اجتمع فيها فروض لا يفي بها جملة المال ولم يكن إسقاط بعضها من غير موجب أولى من بعض فزيد في الفريضة سهام حتى يحصل النقص للجميع كل واحد بقدر فرضه إلحاقا لأصحاب الفروض بأصحاب الديون بالإجماع ثم قال (والربع كالثلث وكالثلثين ... تعدمه فريضة مثلين) (وثمن بالربع غير ملتقى ... وغير ذاك مطلقا قد يلتقي) (والأصل بالتركيب ضعف ستة ... وضعفه لا غير ذين البتة) يعني أن الفريضة الواحدة لا يجتمع فيها ربعان يكون لكل واحدة من أصحاب الفروض ربع ولا ثلثان لكل واحد ثلث ولا ثلثان لكل واحد من الورثة ثلثان بل يكون هذا معدوما في فريضة واحدة كما أن الفريضة الواحدة لا يجتمع فيها الربع والثمن.
وأما غير ذلك من الأجزاء فقد يلتقيان كالربع والثلث والثلثين.
وأن

الجزء: 4 - الصفحة: 159

الأصل المركب هو الاثنى عشر وضعفه هو الأربعة والعشرون وعن الاثني عشر عبر بضعف ستة ومعنى كون هذين العددين مركبين أن الفريضة لا تقوم منهما إلا إذا كان في كل منهما فرضان فأكثر بخلاف غيرهما من بقية الأصول وهو اثنان وثلاثة وأربعة وستة وثمانية فقد يكون فيه فرضان كالستة وقد لا يكون فيه إلا فرض واحد وهو الثمانية ومضمون هذه الأبيات الثلاثة مفهوم من ذكر الفروض وذكرها هنا كالتحصيل لما سبق والله اعلم والباء في قوله بالتركيب للملابسة ثم قال

فصل في ذكر حجب الإسقاط

قد تقدم في فصل أحوال الميراث أن الوارثين على ثلاثة أقسام قسم لا يحجب أبدًا وقسم يحجب فلا يرث شيئًا وهو حجب الإسقاط وقسم يحجب عن كثرة الميراث إلى قلته وهو حجب النقل وتكلم في هذا الفصل على أعيان كل قسم منهم فأشار إلى الأول بقوله (ولا سقوط لأب ولا ولد ... ولا لزوجين ولا أم فقد) يعني أن الأبوين والأولاد والزوجين لا يسقطون بحال ومن عداهم قد يسقط وقد لا يسقط كما يأتي وقوله فقد معناه فحسب وأشار إلى الثاني فقال (والجد يحجبه الأدنى فالأب ... كذا ابن الأبناء بالأعلى يحجب) (وبأب وابن وابن ابن حجب ... أخوة من مات فلا شيء يجب) (كذا بنو الأخوة أيضا حجبوا ... بالجد والأخوة ضمهم أب) (والجد بالحجب لأخوة دها ... فيما انتمت لمالك وشبهها) (وابن أخ بالحجب للعم وفي ... والعم لابن العم ما كان كفى)

الجزء: 4 - الصفحة: 160

يعني أن الجد يحجبه عن الميراث الجد الذي هو أدنى وأقرب للميت وكذلك الأب يحجب الجد فيحجب الأب أباه وجده وأن علا وأن أبناء الأبناء يحجبون بمن هو أعلا منهم فابن الصلب يحجب ابن الابن وهكذا وأن الأب والابن وابن الابن كل واحد منهم يحجب الأخوة مطلقا وأن الجد يحجب ابن الأخ مطلقا.
وأن الأخ شقيقًا كان أو لأب يحجب ابن الأخ.
وأن الجد أيضا يحجب الأخوة الذين للأب والذين للأم في الفريضة المعروفة الشبيهة بالمالكية.
فالمالكية امرأة تركت زوجًا وجدًا وأمًا وأخًا لأب وأخوين لأم فالمسألة من ستة فللزوج النصف ثلاثة وللأم السدس واحد وللجد السدس واحد أيضا ويبقى واحد فمذهب مالك أنه للجد أيضا لأنه يقول للأخ للأب لولا أنا لأخذه الأخوة للأم ومذهب زيد بن ثابت أنه للأخ للأب لأن الأخوة للأم محجوبون بالجد فوجودهم كالعدم وقد أخذ ذوو الفروض فروضهم وهذا الباقي للأخ للأب لأنه عاصب يأخذ ما فضل من أصحاب السهام.
والشبيهة بالمالكية هي كالمالكية سواء إلا أن الأخ لأب يجعل مكانه الأخ الشقيق وهاتان المسئلتان من شواذ المسائل الخارجة عن القياس (وقوله دها) أي أصابهم الجد بالحجب.
وأن ابن الأخ سواء كان شقيقًا أو لأب يحجب العم.
والعم مطلقًا يحجب ابن العم مطلقًا وقوله ما كان كفى أي الذي ذكر كفى بالحجب ثم قال (والأم كلتا الجدتين تحجب ... وجدة للأب يحجب الأب) (ومن دنت حاجبة لبعدي ... جهتها من غير أن تعدى) (وقربى الأم حجبت قربى الأب ... والعكس أن أتى فما حجب وجب) (وحظها السدس في الانفراد ... وقسمة السواء في التعداد) (والإرث لم يحزه من هاتين ... تعددا أكثر من ثنتين) (ومسقط ذو الجهتين أبدا ... ذا جهة مهما تساووا قعددا)

الجزء: 4 - الصفحة: 161

(ومن له حجب بحاجب حجب ... فحجبه بمن له الحجب يجب) (وأخوة الأم بمن يكون في ... عمودي النسبة حجبهم قفي) يعني أن الأم تحجب أمها وهي جدة الميت لأمه وتحجب أم زوجها وهي جدة الميت لأبيه وأن الأب يحجب أمه ولا يحجب أم زوجته.
ومعنى قوله ومن دنت البيت إن كل واحدة من الجدتين المذكورتين تحجب من فوقها من جهتها ولا تتعدى لحجب من ليست في جهتها فأم الأم تحجب أمها وأن علت ولا تتعدى لحجب من ليست من جهتها من الجدات اللاتي من قبل الأب المذكورة في البيت بعد هذا.
وأن أم الأب تحجب أمها وأن علت دون أن تتعدى لغير جهتها.
وقوله وقربى معناه أن الجدة القربى من جهة الأم تحجب البعدى من جهة الأب وأما العكس وهو أن تكون القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم فلا تحجبها ويكون السدس بينهما وكذلك إذا كانتا في رتبة واحدة وأن لم تكن إلا واحدة كان السدس لها كما مر.
وأن الإرث لا يحوزه أكثر من جدتين إذا تعددن إحداهما أم الأم وأن علت والأخرى أم الأب وأمها وأن علت قال في الرسالة ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين أم الأم وأم الأب وأمهاتهما وروي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه ورث ثلاث جدات واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب أم أم الأب وأم أبي الأب وأن علا ولم يحفظ من الخلفاء توريث أكثر من جدتين اهـ. وقوله ومسقط ذو الجهتين البيت معناه أن صاحب جهة الأب وجهة الأم مسقطٍ أبدا ميراث صاحب الجهة الواحدة مهما تساووا في الرتبة والقعدد فالأخ الشقيق ذو جهتين يحجب الذي للأب والعم الشقيق يحجب العم الذي للأب وابن الأخ الشقيق يحجب ابن الأخ للأب وابن العم كذلك وهكذا ويستثنى من كلامه الأخ لأم فإنه ذو جهة ولا يحجبه الشقيق.
ومفهوم قوله تساووا قعددا أنهم إذا لم يتساووا في الدرجة كالأخ للأب مع ابن الأخ الشقيق فإنه لا شيء لابن الأخ وهو كذلك لأن الأخ أقرب منه للهالك.
وقوله ومن له حجب

الجزء: 4 - الصفحة: 162

بحاجب البيت معناه أن الأخ لأب المحجوب باخ شقيق وهو محجوب بولد يجب حجبه عند فقد الشقيق بالولد الحاجب لحاجبه فمن هلك وترك أبنا وأخا شقيقًا وأخا لأب فالأخ للأب محجوب بالشقيق والشقيق محجوب بالابن فلو عدم الشقيق لم يرث الأخ للأب شيئًا لوجوب حجبه بالابن الذي هو حاجب حاجبه وهكذا يقال في ابن الأخ مع وجود الأخ وابن للهالك وهذا البيت لا يحتاج إليه مع ما فيه من التعقيد لأن حكمه مفهوم من البيت قبله.
وقوله وأخوة الأم الخ يعني أن أخوة الأم محجوبون بعمودي النسب الأعلى والأسفل فعموده الأعلى الأب والجد وأن علا وعموده الأسفل الولد وولده وأن سفل فيدخل في ذلك البنت وبنت الابن وأن نزلت لأنهما من عموده الأسفل.
وقوله وجدة للأب بالنصب مفعول مقدم بيحجب وقوله قعددا بضم القاف ويجوز في الدال الضم والفتح كما تقدم وأشار إلى الثالث فقال

فصل في ذكر حجب النقل إلى فرض

أي حجب النقل من تعصيب إلى فرض وسيأتي الكلام على حجب النقل من فرض إلى تعصيب في الفصل بعد هذا وأشار إلى ما ترجم له هنا وهو الأول فقال (والأب مع فروض الاستغراق ... والنقص يحوي السدس بالإطلاق) (كذاك يحوي مع ذكر أن الولد ... أو ولد ابن مثلهم سدسا فقد) (والسدس مع أنثى من الصنفين له ... والباقي بالعصيب بعد حصله) يعني أن الأب إذا كان في فريضة يستغرقها ورثتها سواء كانت عادلة كبنتين وأب وأم أو عائلة كزوج وأم وبنت وأب فإنه ينتقل عما كان عليه من التعصيب ويصير صاحب فرض فله من الأولى السدس واحد وله من الثانية السدس اثنان فتعول لثلاثة عشر لسدس الأب ولو بقي عاصبًا لأخذ الواحد الباقي من الاثنى عشر من غير احتياج إلى عول وكذلك في التي لا يستغرقها ورثتها وهي التي عبر عنها بالنقص كاب وبنت فهي من

الجزء: 4 - الصفحة: 163

ستة للبنت نصفها ثلاثة وللأب سدسها واحد بالفرض واثنان بالتعصيب فقد انتقل للفرض أيضا.
ومعنى الإطلاق في كلامه أن الأب له السدس في فروض الاستغراق والنقص أي في العادلة والعائلة والناقصة والذي ذكره هنا في الأب يجري في الجد كما يأتي ثم ذكر في البيت الثاني أن الأب يرث بالفرض السدس أيضا مع الولد الذكر واحدًا كان أو متعددا وأنه يرث السدس فقط مع ابن الابن وأن نزل بالفرض.
وذكر في البيت الثالث أن الأب مع الأنثى من بنات الصلب أو بنات الابن وهو المراد بالصنفين له السدس أيضا بالفرض والباقي بالتعصيب كما تقدم في قوله والنقص يحوي السدس وصرح به هنا زيادة على ما تقدم بأن ما زاد على السدس يأخذه بالتعصيب والله اعلم.
وقوله والأب مبتدأ ومع منصوب على الضرفية متعلق بمحذوف حال من الأب ومع مضاف وفروض مضاف إليه وفروض مضاف والاستغراق مضاف إليه والنقص بالجر معطوف عليه وجملة يحوي السدس في محل رفع خبر المبتدأ والسدس وسدسا في كلامه هنا بسكون الدال (ثم) شرع في بيان مسألة الجد التي اشرنا إليها فقال (والجد مثل الأب مع من ذكرا ... حالا بحال في الذي تقررا) (وزاد بالثلث أن الرجح ظهر ... مع صنف أخوة وقسم كذكر) (والسدس أن يرجح له متى صحب ... أهل الفروض صنف أخوة يجب) (أو قسمة السواء في البقية ... أو ثلثها إلا في الاكدرية) (فالعول للأخت بها قد اعملا ... واجمعهما واقسم وجدا فضلا) (والقسم مع شقائق ومن لأب ... معا له وعد كلهم وجب) (وحظ من للأب للأشقا ... وحدهم يكون مستحقا) يعني أن الجد مثل الأب في جميع ما تقدم في شرح البيت الأول ثم ذكر هنا أن له ثلاث

الجزء: 4 - الصفحة: 164

حالات يختص بها عن الأب وهي ما إذا اجتمع في الفريضة الجد والأخوة وأصحاب القروض فإن للجد الأفضل من أحد ثلاثة أوجه أما السدس من رأس المال أو مقاسمة الأخوة في الباقي بعد أصحاب الفروض أو ثلث ما بقي على ذوي الفروض (فمثال) أفضلية السدس من رأس المال زوج وأم وجد وإخوان المسألة من ستة أن أخذ الجد السدس أخذ واحدًا كاملًا وأن قاسم الأخوين أخذ ثلثي الواحد لأن الزوج يأخذ ثلاثة والأم تأخذ واحدًا يبقى اثنان للجد والأخوين فاثنان على ثلاثة ثلثان للواحد وكذلك أن أخذ ثلث الباقي.
ومثال أفضلية المقاسمة في الباقي بعد أصحاب الفروض زوجة وجدة وجد وأخ المسألة من اثني عشر لأجل الربع والسدس أن أخذ الجد السدس أخذ اثنين وأن قاسم الأخ أخذ ثلاثة ونصفًا ولو أخذ ثلث ما بقي لأخذ اثنين وثلثا (ومثال) أفضلية ثلث ما بقي زوجة وجد وثلاثة أخوة المسألة من اثني عشر أيضا فالسدس اثنان وله في المقاسمة اثنان وربع لأن للزوجة الربع ثلاثة تبقى تسعة على أربعة وأن أخذ ثلث الباقي أخذ ثلاثة وهو أفضل له من السدس والمقاسمة.
وقد تستوي الأوجه الثلاثة في فريضة وهي زوج وجد وأخوين المسألة من ستة فله منها واحد في الأحوال الثلاثة.
ولما ذكر أن الجد يعصب الأخت ويقاسمها اقتضى ذلك أنها ترث بالتعصيب وأنه معها كأخيها وعليه فلا يفرض لها معه بحال إلا في مسألة واحدة استثناها بقوله إلا في الاكدرية الخ وتعرف أيضا بالغراء وهي امرأة تركت زوجًا وجدًا وأمًا وأختًا شقيقة أو لأب (أصلها) من ستة فللزوج نصفها ثلاثة وللأم الثلث اثنان وللجد السدس واحد فلما فرغ المال أعيل للأخت بفرضها وهو النصف ثلاثة فتبلغ تسعة ثم يضم سهم الأخت الذي هو ثلاثة إلى سهم الجد وهو واحد ويقسم المجموع بينهما للذكر مثل حظ الانثيين وقسم أربعة على ثلاثة منكسر مباين فتضرب عدة الرؤس المنكسر عليهم وهي ثلاثة في المسألة بعولها فتبلغ سبعا وعشرين فيقال من له شيء في أصل المسألة أخذه مضروبًا في مثل ما ضربت فيه المسألة فكان للزوج ثلاثة من تسعة يضربها في ثلاثة بتسعة وكان للأم اثنان تضربهما في ثلاثة بستة وكان للأخت والجد معا أربعة تضرب

الجزء: 4 - الصفحة: 165

في ثلاثة باثني عشر للأخت أربعة وللجد ثمانية وإلى بيان حكمها أشار بقوله فالعول للأخت البيت وباء بها ضرفية وضمير التثنية في قوله اجمعهما لسهم الأخت ولسهم الجد المفهومين من السياق.
وقوله والقسم مع شقائق ومن لأب البيتين الأخيرين تقدم أن الحالة الثالثة أن يجتمع الجد والأخوة الأشقاء والذين للأب فأفاد هنا أن المقاسمة تكون مع الأشقاء والذين للأب معًا بحيث يقع عدهم جميعًا على الجد ثم يأخذ الأشقاء ما يجب للذين للأب فإذا كان في الفريضة جد وأخ شقيق وأخ للأب فإن الشقيق يعد أخاه للأب على الجد ويستوي في هذا الوجه الثلث والمقاسمة ثم يأخذ الشقيق نصيب الذي للأب لأنه يحجبه وهذه مسألة من مسائل المعادة فأحفظها فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله ثم قال (والأخت من أب وأن تعددت ... مع شقيقة بسدس أفردت) تكميلة الثلثين والحكم كذا ... مع بنت صلب لابنة ابن يجتذى) يعني أن الفريضة إذا كانت فيها أخت شقيقة وأخت لأب فإن للشقيقة النصف وللتي للأب السدس تكملة للثلثين وسواء كانت التي لأب واحدة أو متعددة فإن اتحدت أخذته وحدها وأن تعددت اقتسمنه على عددهن وكذلك الحكم إذا اجتمعت بنت الصلب وبنت الابن فلبنت الصلب النصف ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين كانت بنت الابن واحدة أو متعددة كما في الأخت للأب ومجموعهما في الحقيقة فرض واحد وهذا إذا لم يكن مع الأخت التي للأب أخ فإن كان لها أخ لأب فإن النصف الفاضل عن الشقيقة يكون بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك إذا كان مع بنت الابن أخ لها أو ابن عمها فإن النصف الفاضل عن بنت الصلب لأولاد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين ثم قال (والزوج من نصف لربع انتقل ... مع ولد أو ولد ابن هب سفل) (وينقل الزوجة من ربع إلى ... ثمن صحيح نسبة من هؤلا)

الجزء: 4 - الصفحة: 166

يعني أن الزوج يحجبه ولد الزوجة من النصف إلى الربع كان الولد منه أو من غيره ذكرًا كان أو أنثى واحدًا كان أو متعددا كان ولد صلب أو ولد ابن وأن سفل من زوج أو زنى أو منفي بلعان.
وأن الزوجة يحجبها ولد الزوج اللاحق به شرعًا أو ولد ولده ذكرًا كان أو أنثى كذلك من الربع إلى الثمن وقوله.
وبنقل البيت ينقل فعل مضارع والزوجة مفعول به مقدم ومن ربع وإلى ثمن متعلقان بينقل وصحيح فاعل ينقل وهو مضاف ونسبة مضاف إليه ومن هؤلا بالقصر متعلق بمحذوف صفة لنسبة والإشارة للولد وولد الابن العالي والنازل أي يشترط في ولد الزوج وولد ابنه أن يكون صحيح النسبة شرعًا كما تقدم احترازًا من ولد الزنى والمنفي بلعان فلا يحجبانها إلى الثمن وقوله (والأم من ثلث لسدس تفرد ... بهم وبالأخوة أن تعددوا) (وغير من يرث ليس يحجب ... إلا أو لاء حجبوا إذ حجبوا) (وثلث ما يبقى عن الزوجين ... تأخذ مع أب بغراوين) قد تقدم أن فرض الأم الثلث وذكر هنا في البيت الأول من الأبيات الثلاثة أنها تحجب من الثلث إلى السدس بالولد يعني وابنه وأن نزل اتحد أو تعدد ولذلك أطلق في الولد وجمعه في قوله بهم باعتبار مصدوق الجنس.
وأنها تحجب إلى السدس بالأخوة أن تعددوا والمراد بالجمع ما فوق الواحد سواء ورثوا أو حجيوا عن الميراث ثم ذكر قاعدة من قواعد باب الفرائض وهي أن من لا يرث لا يحجب وارثا واستثنى منها الأخوة فأنهم يحجبون أمهم حجب نقص من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب أو بالولد حجب إسقاط ثم ذكر في البيت الثالث أن الأم تأخذ في الفرضيتين الغراويتين ثلث ما بقي بعد صاحب الفرض لا الثلث من رأس المال (وهما) زوجة وأبوان المسألة من أربعة للزوجة الربع واحد وللأم ثلث الباقي واحد أيضا واثنان للأب.
والأخرى زوج وأبوان أصلها من اثنين للزوج نصفها واحد ويبقى واحد

الجزء: 4 - الصفحة: 167

منكسر مباين فتضرب عدة الرؤس المنكسر عليهم في اثنين فتصح من ستة للزوج نصفها ثلاثة وللأم ثلث الباقي واحد وللأب اثنان فالأم أخذت في الصورتين ثلث الباقي وهو في الأولى ربع وفي الثانية سدس.
وقوله (أولاء) اسم أشارة المراد به الأخوة وحجبوا الأول فعل وفاعل وحجبوا الثاني فعل ونائب فاعل فتحصل أن للأم ثلاث حالات فتارة ترث الثلث وتارة ترث السدس من رأس المال وتارة ترث ثلث الباقي ثم أشار إلى الثاني فقال

فصل في ذكر حجب النقل للتعصيب

أي حجب النقل من الفرض للتعصيب (للابن شرعًا حظ بنتين ادفع ... من مال أو باقية في التنوع) (وولد ابن مثلهم في الحكم ... وأخوة كذا لغير الأم) يعني أن الابن الأحق بأبيه شرعًا يدفع له الحاكم عند النزاع حظ بنتين من جميع مال الهالك الذي مات عنه حيث لم يكن معهم أصحاب فروض فإن كان هناك أصحاب فروض فإنه يدفع لأصحاب الفروض فروضهم ويدفع للابن والبنات أو البنت ما بقي يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وأولاد الابن مثل أولاد الصلب في الحكم المذكور.
وأن الأخت الشقيقة يعصبها أخوها الشقيق وكذا للأب إذا كان مساويًا لها وأما الأخت لأم فلا يعصبها أخوها بل يكون الفرض بينهما بالسوية كما مر ثم قال (والأخت لا للأم كيف تأتي ... من شأنها التعصيب مع بنات) (كذا يعصبن بنات الابن ... والعول في الصنفين عنه استغني) يعني أن الأخت الشقيقة أو التي للأب من شأنها أن تكون عاصبة مع البنت ترث ما فضل عنها ولا يفرض لها معها كانت البنت واحدة أو متعددة والأخت كذلك وأما الأخت لأم فلا دخل لها في التعصيب ولهذا أخرجها بقوله لا للأم.
وكذلك شان

الجزء: 4 - الصفحة: 168

البنات أن يعصبن بنات الابن فإن كان في الفريضة بنت وأخت شقيقة أو لأب فللبنت النصف بالفرض وللأخت الباقي بالتعصيب وأن كانت ابنتان فأكثر فلهن الثلثان وللأخت أو الأخوات الباقي وكذلك البنت الواحدة مع بنت الابن أو بناته للبنت النصف ولبنت الابن أو بناته السدس تكملة للثلثين ولا يفرض للأخت الواحدة النصف ولا للأختين فأكثر الثلثان فتعول المسألة بل ليس لها إلا ما بقي ولا يعال لبنت الابن أو بناته كذلك ولذا قال والعول في الصنفين عنه استغني والمراد بالصنفين الأخوات وبنات الابن وقوله (وبنت الابن أن تكن قد حجبت ... بابن مساو أو أحط عصبت) معناه أن بنت الابن إذا حجبت ببنتي الصلب أو بناته لاستيفائهن للثلثين فأنها تصير عاصبة بابن مساو لها أخيها أو ابن عمها أو أحط منها رتبة كابن أخيها أو حفيد عمها فترث ثلث الباقي معه للذكر مثل حظ الأنثيين فقوله بابن متعلق بعصبت لا بحجبت المبني للنائب ومفهوم قوله مساو أو أحط أنه إذا كان أعلا منها رتبة فلا تعصب معه وهو كذلك ثم قال (وبأخ لا بابنه أخوة الأب ... تعصيبهن مع شقيقة وجب) يعني أن الأخت للأب مع الشقيقة أنما يعصبها أخوها لا ابن أخيها فإذا كانت أخت شقيقة وأخت لأب فللشقيقة النصف والتي للأب السدس تكملة الثلثين وما بقي للعاصب فإذا كان مع التي للأب أخ فإنه يعصبها ويكون النصف الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك لو كان أختان شقيقتان وأخت لأب فلا شيء للتي للأب إلا أن يكون معها أخ فيأخذان الثلث الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين ويعبرون عن هذا الأخ بالأخ المبارك.
وأما ابن أخيها فلا يعصبها كما قال لا بابنه فإذا كانت أخت شقيقة وأخت لأب وابن أخ لأب فللتي للأب السدس تكملة للثلثين ولابن الأخ الثلث الباقي لأنه عاصب وإن كانت شقيقتان وأخت لأب وابن أخ لأب فللشقيقتين الثلثان والباقي لابن الأخ لأب بالتعصيب

الجزء: 4 - الصفحة: 169

ولا شيء للأخت لأب لأن ابن أخيها لا يعصبها بل يعصبها أخوها فقط كما علمت والله اعلم (ولما) أنهى الكلام على أسباب الميراث وأركانه وشروطه شرع في بيان موانعه فقال

فصل في موانع الميراث

جمعها بعض العلماء في قوله (عش لك رزق) فالعين لعدم الاستهلال والشين للشك واللام للعان والكاف للكفر والراء للرق والزاي للزنا والقاف للقتل وأشار إليها الناظم فقال (الكفر والرق لأرث منعا ... وأن هما بعد الممات ارتفعا) (ومثل ذاك الحكم في المرتد ... ومطلقًا يمنع قتل العمد) (وإن يكن عن خطأ فمن دية ... وحالة الشك بمنع مغنيه) يعني أن الكفر والرق مانعان من الميراث فمن مات من المسلمين وله قريب كافر أو قريب رقيق ولو فيه شائبة حرية فإنه لا يرنه وسواء استمر الكافر على كفره والرقيق على رقه أو ارتفع كل منهما بعد الموت بإسلام الكافر وعتق الرقيق لأن المعتبر في الميراث وقت الموت (فائدة) استثنى بعض العلماء من عدم توريث الكافر المسلم ومن توريث المسلم الكافر مسألتين الأولى وهي توريث الكافر المسلم تقدم الكلام عليها في فصل النفقات من هذا الكتاب والثانية وهي توريث المسلم الكافر ما لو مات كافر عن زوجة حامل ووقفنا الميراث للحمل فأسلمت ثم ولدت فإن الولد يرثه مع حكمنا بإسلامه كذا في الشنشوري على الرحبية.
وكذلك المرتد لا يرث وقاتل العمد على وجه العدوان لا يرث لا من المال ولا من الدية وأما قاتل الخطأ فأنه يرث من المال لا من الدية فيعطيها كاملة وأما قاتل العمد على وجه شرعي فأنه يرث وكذلك لا أرث مطلقًا إذا وقع الشك في كون القتل عمدًا أو خطأ وكذا إذا وقع

الجزء: 4 - الصفحة: 170

الشك في السابق كما يأتي في كلام الناظم ويزاد عليها جهل القعدد كما تقدم وقد نظمتها فقلت (موانع الإرث ثمان يا فتى ... رق وكفر قتل عمد ثبتا) (وعدم استهلال جهل القعدد ... والشك مهما كان فافهم تهتد) (وابن الزنى وباللعان مزنفي ... لا يرثان واطئا فتلتقتف) وأما الموطوءة التي هي أمهما فأنهما يرثانها وقوله (ويوقف القسم مع الحمل إلى ... أن يستهل صارخًا فيعملا) معناه إذا كان بعض الورثة حملا أو ليس ثم وارث إلا ذلك الحمل فإن قسم التركة في الوجه الأول ممنوع حتى يوضع الحمل فإن ولد واستهل صارخًا وتحققت حياته ورث وإلا فلا وكذلك يمنع دفع المال في الوجه الثاني لعاصب أو لغيره إلا بعد الوضع فإن استهل صارخًا ورثه وإلا دفع لمن يستحقه وقوله (وبين من مات بهدم أو غرق ... يمتنع الإرث لجهل من سبق) معناه إذا مات قريبان كرجل وأخيه أو ابنه أو زوج وزوجته ولم يعلم السابق منهما كما إذا ماتا تحت ردم أو بغرق ونحوهما فإنه لا يرث أحدهما الأخر للجهل بالسابق لأن من شرط الإرث تحقق حياة الوارث بعد موت مورثه وهو هنا متعذر وأن كل واحد منهما ترثه ورثته (وارث خنثى بمباله اعتبر ... وما بدا عليه في الحكم اقتصر) (وأن يبل بالجهتين الخنثى ... فنصف حظي ذكر وأنثى) يعني أن ميراث الخنثى معتبر بمحل بوله فأن بال من ذكره حكم له بحكم الذكر وأن بال من فرجه حكم له بحكم الأنثى وأن بال منهما جميعًا فهو الخنثى المشكل فيكون له من التركة نصف ميراث ذكر ونصف ميراث امرأة ثم قال (وابن اللعان أرثه بأمه ... ما كان والسدس أقصى سهمه)

الجزء: 4 - الصفحة: 171

(وتوأماه هبهما تعددا ... هما شقيقان في الإرث أبدا) يعني أن الولد الذي نفاه أبوه ادعاء من الزوجة باللعان إنما يكون أرثه بأمه فقط لا بأبيه فيرث جدته لأمه دون جدته لأبيه وإذا كان لأمه ولد من أبيه الذي نفاه ولدته منه قبل اللعان أو من غيره فهو أخوه لأمه يرث أحدهما من الأخر السدس لا غير وإذا كان اللعان بنفي حمل فولدت توأمين فهما شقيقان فيما يبنها في الإرث أبدا لأن الملاعن إنما نفى بنوتهما أخوتهما وفي هذا القدر كفاية لأصحاب المناصب والنهاية والله تعالى اعلم وقول الناظم رحمه الله تعالى (وما قصدت جمعه هنا انتهى ... والحمد لله بغير منتهى) (وبالصلاة ختمه كما ابتدى ... على الرسول المصطفى محمد) (وإله وصحبه الأخيار ... ما كور الليل على النهار) فما هذه ضرفية مصدرية وكور أي أدخل اليل على النهار فيزيد وأدخل النهار على اليل فيزيد أيضا ويعني بهذا استمرار ثنائه على الله تعالى وصلاته على النبي صلى الله عليه وسلم إلى انتهاء الدنيا وتمامها (وبعد فيقول) الفقير إلى مولاه الغني عثمان بن المكي الزبيدي التوزري الحمد لله ميسر البدء والتمام والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام وعلى إله وأصحابه السادة الكرام وقد كمل بعونه تعالى الجزء الرابع الذي هو خاتمة شرحي توضيح الأحكام على تحفة الحكام في يوم الجمعة سادس ذي الحجة الحرام خاتم شهور عام 1338 ثمانية وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية أمين أمين أمين.

الجزء: 4 - الصفحة: 172

الحمد لله على أفضاله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحابته والناسجين على منواله هذا وأن النظارة العلمية قد اطلعت على ما كتبه الفاضل الزكي العالم المدرس الشيخ السيد عثمان بن المكي على رجز ابن عاصم المسمى بتحفة الحكام من باب الحبس إلى الختم فالفته حسنا في بابه نافعًا لراغبة وطلابه فلذا شكرت مؤلفه على حسن صنعه وأذنت له في نشره وطبعه رجاء لتعميم نفعه وكتب بالنظارة العلمية بالجامع الأعظم أدام الله عمر أنه في يوم السبت 19 جمادي الأولى سنة 1339 الموافق ليوم 29 جانفي سنة 1921 صح أحمد بيرم صح إبراهيم المارغني صح محمد رضوان صح محمد الطاهر ابن عاشور

الجزء: 4 - الصفحة: 173

فصول الكتاب · 10 فصل
فصول توضيح الأحكام شرح تحفة الحكام
المقدمةباب القضاء وما يتعلق بهباب الشهود وأنواع الشهاداتباب اليمين وما يتعلق بهاباب الرهن وما يتعلق بهباب الضمان وما يتعلق بهباب الوكالة وما يتعلق بهاباب الصلح وما يتعلق بهباب في النكاح وما يتعلق بهباب البيوع
فصل في بيع الأصولفصل في بيع العروضفصل في حكم بيع الطعامفصل في بيع النقدين والحلي وشبههفصل في بيع الثمار وما يلحق بهافصل في الجائحة في ذلكفصل في بيع الرقيق وسائر الحيوانفصلفصل في بيع الدين والمقاصة فيهفصل في الحوالةفصل في بيع الخيار والثنيافصل في بيع الفضولي وما يماثلهفصل في بيع المضغوط وما أشبههفصل في مسائل من أحكام البيعفصلفصل في اختلاف المتبايعين﴿فصل في حكم البيع على الغائب﴾﴿فصل في العيوب﴾﴿فصل في الغبن﴾﴿فصل في الشفعة﴾﴿فصل في القسمة﴾﴿فصل في المعاوضة﴾﴿فصل في الاقالة﴾﴿فصل في التولية والتصيير﴾﴿فصل في السلم﴾﴿باب الكراء وما يتصل به﴾﴿فصل في كراء الأرض وفي الجائحة فيه﴾﴿فصل في أحكام من الكراء﴾﴿فصل في اختلاف المكري والمكتري﴾﴿فصل في كراء الرواحل والسفن﴾﴿فصل في الإجارة﴾﴿فصل في الجعل﴾﴿فصل في المساقاة﴾﴿فصل في الاغتراس﴾﴿فصل في المزارعة﴾فصل في الشركة﴿فصل في الشركة﴾﴿فصل في القراض﴾﴿باب الحبس والهبة والصدقة وما يتصل بها﴾﴿فصل في الصدقة والهبة وما يتعلق بهما﴾﴿فصل في الاعتصار﴾﴿فصل في العمرى وما يلحق بها﴾﴿فصل في الإرفاق﴾﴿فصل في حكم الحوز﴾﴿فصل في الاسىتحقاق﴾﴿فصل في العادية والوديعة والأمناء﴾﴿فصل في القرض وهو السلف﴾﴿فصل في العتق وما يتصل به﴾﴿باب الرشد﴾﴿فصل في الوصية وما يجري مجراها﴾﴿فصل في الإقرار﴾*فصل في حكم المديان**فصل في الفلس**باب في الضرر وسائر الجنايات**فصل في ضرر الأشجار**فصل في نسقط القيام بالضرر**فصل في الغصب والتعدي**فصل في الاغتصاب**فصل في دعوى السرقة**فصل في أحكام الدماء**فصل في الجراحات**باب التوارث والفرائض**فصل في ذكر عدد الوارثين**فصل في ذكر أحوال الميراث**فصل في المقدار الذي يكون به الإرث**فصل في ذكر حالات وجوب الميراث**فصل في ذكر أهل الفرائض وأصولها**فصل في ذكر حجب الإسقاط**فصل في ذكر حجب النقل إلى فرض**فصل في ذكر حجب النقل للتعصيب**فصل في موانع الميراث*
جارٍ التحميل