تحفة المودود بأحكام المولودصفحات 150-189
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب التَّاسِع

صفحات 150-189
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تحفة المودود بأحكام المولود
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
عبد القادر الأرناؤوط
الناشر
مكتبة دار البيان - دمشق
الطبعة
الأولى، 1391 - 1971
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِي ختان الْمَوْلُود وَأَحْكَامه وَفِيه أَرْبَعَة عشر فصلا

1 - الْفَصْل الأول فِي معنى الْخِتَان واشتقاقه ومسماه 2 - الْفَصْل الثَّانِي فِي ختان ابراهيم الْخَلِيل والأنبياء من بعده 3 - الْفَصْل الثَّالِث فِي مشروعيته وَأَنه من أصل الْفطْرَة 4 - الْفَصْل الرَّابِع فِي اخْتِلَاف أهل الْعلم فِي وُجُوبه 5 - الْفَصْل الْخَامِس فِي وَقت الْوُجُوب 6 - الْفَصْل السَّادِس فِي اخْتلَافهمْ فِي الْخِتَان فِي السَّابِع من الْولادَة هَل هُوَ مَكْرُوه أم لَا وَحجَّة الْفَرِيقَيْنِ 7 - الْفَصْل السَّابِع فِي أَحْكَام الْخِتَان وفوائده 8 - الْفَصْل الثَّامِن فِي بَيَان الْقدر الَّذِي يُؤْخَذ فِي الْخِتَان 9 - الْفَصْل التَّاسِع فِي أَن حكمه يعم الذّكر وَالْأُنْثَى 10 - الْفَصْل الْعَاشِر فِي حكم جِنَايَة الخاتن وسراية الْجِنَايَة

11 - الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي أَحْكَام الأقلف فِي طَهَارَته وَصلَاته وإمامته وذبيمته وشهادته 12 - الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي المسقطات لوُجُوبه 13 - الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي ختان نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالِاخْتِلَاف فِيهِ هَل ولد مختونا أَو ختن بعد الْولادَة وَمَتى ختن 14 - الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي حكمه الَّتِي لأَجلهَا يبْعَث النَّاس يَوْم الْقِيَامَة غرلًا غير مختونين

الْفَصْل الأول فِي بَيَان مَعْنَاهُ واشتقاقه

الْخِتَان اسْم لفعل الخاتن وَهُوَ مصدر كالنزال والقتال وَيُسمى بِهِ مَوضِع الختن أَيْضا وَمِنْه الحَدِيث إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل وَيُسمى فِي حق الْأُنْثَى خفضا يُقَال ختنت الْغُلَام ختنا وخفضت الْجَارِيَة خفضا وَيُسمى فِي الذّكر إعذارا أَيْضا وَغير الْمَعْذُور يُسمى أغلف وأقلف وَقد يُقَال الْإِعْذَار لَهما أَيْضا قَالَ فِي الصِّحَاح قَالَ أَبُو عُبَيْدَة عذرت الْجَارِيَة والغلام أعذرهما عذرا ختنتهما وَكَذَلِكَ أعذرتهما قَالَ وَالْأَكْثَر حفضت الْجَارِيَة والقلفة والغرلة هِيَ الْجلْدَة الَّتِي تقطع قَالَ وتزعم الْعَرَب أَن الْغُلَام إِذا ولد فِي الْقَمَر فسنمت قلفته فَصَارَ كالمختون فختان الرجل هُوَ الْحَرْف المستدير على أَسْفَل الْحَشَفَة وَهُوَ الَّذِي ترتبت الْأَحْكَام على تغييبه فِي الْفرج فيترتب عَلَيْهِ أَكثر من ثَلَاثمِائَة حكم وَقد جمعهَا بَعضهم فبلغت أَرْبَعمِائَة إِلَّا ثَمَانِيَة أَحْكَام وَأما ختان الْمَرْأَة فَهِيَ جلدَة كعرف الديك فَوق الْفرج فَإِذا غَابَتْ الْحَشَفَة فِي الْفرج حَاذَى ختانه ختانها فَإِذا تحاذيا فقد التقيا كَمَا يُقَال

التقى الفارسان إِذا تحاذيا وَإِن لم يتضاما وَالْمَقْصُود أَن الْخِتَان اسْم للمحل وَهِي الْجلْدَة الَّتِي تبقى بعد الْقطع وَاسم للْفِعْل وَهُوَ فعل الخاتن وَنَظِير هَذَا السِّوَاك فَإِنَّهُ اسْم للآلة الَّتِي يستاك بهَا وَقد يُطلق الْخِتَان على الدعْوَة إِلَى وليمته كَمَا تطلق الْعَقِيقَة على ذَلِك أَيْضا

الْفَصْل الثَّانِي فِي ذكر ختان إِبْرَاهِيم الْخَلِيل والأنبياء بعده صلى الله عَلَيْهِم أجميعن

فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اختتن إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة بالقدوم قَالَ البُخَارِيّ الْقدوم مُخَفّفَة وَهُوَ اسْم مَوضِع وَقَالَ الْمروزِي سُئِلَ أَبُو عبد الله هَل ختن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام نَفسه بقدوم قَالَ بِطرف الْقدوم وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَعبد الله بن أَحْمد وَحرب إِنَّهُم سَأَلُوا أَحْمد عَن قَوْله اختتن بالقدوم قَالَ هُوَ مَوضِع وَقَالَ غَيره هُوَ اسْم للآلة وَاحْتج بقول الشَّاعِر (فَقلت أعيروني الْقدوم لعلني ... أخط بِهِ قبرا لأبيض ماجد)

وَقَالَت طَائِفَة من رَوَاهُ مخففا فَهُوَ اسْم الْموضع وَمن رَوَاهُ مُثقلًا فَهُوَ اسْم الْآلَة وَقد رويت قصَّة ختان الْخَلِيل بِأَلْفَاظ يُوهم بَعْضهَا التَّعَارُض وَلَا تعَارض فِيهَا بِحَمْد الله وَنحن نذكرها فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة بالقدوم وَفِي لفظ اختتن إِبْرَاهِيم بعد ثَمَانِينَ سنة بالقدوم مُخَفّفَة وَفِي حَدِيث يحيى بن سعيد عَن ابْن عجلَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مثله وَقَالَ يحيى والقدوم الفأس وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل قطعه بالقدوم فَقيل لَهُ يَقُولُونَ قدوم قَرْيَة بِالشَّام فَلم يعرفهُ وَثَبت على قَوْله قَالَ الْجَوْهَرِي الْقدوم الَّذِي ينحت بِهِ مخفف قَالَ ابْن السّكيت وَلَا تقل قدوم بِالتَّشْدِيدِ قَالَ والقدوم أَيْضا اسْم مَوضِع مخفف وَالصَّحِيح أَن الْقدوم فِي الحَدِيث الْآلَة لما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَأَبُو سعيد بن أبي عَمْرو قَالَا حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري حَدثنَا مُوسَى بن عَليّ قَالَ سَمِعت أبي يَقُول إِن إِبْرَاهِيم

الْخَلِيل أَمر أَن يختن وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة فَعجل فاختتن بقدوم فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الوجع فَدَعَا ربه فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنَّك عجلت قبل أَن نأمرك بالآلة قَالَ يَا رب كرهت أَن أؤخر أَمرك قَالَ وختن إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة وختن إِسْحَاق وَهُوَ ابْن سَبْعَة أَيَّام وَقَالَ حَنْبَل حَدثنَا عَاصِم حَدثنَا أَبُو أويس قَالَ حَدثنِي أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِبْرَاهِيم أول من اختتن وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة اختتن بالقدوم ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك ثَمَانِينَ سنة وَلَكِن هَذَا حَدِيث مَعْلُول رَوَاهُ يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله وَمَعَ هَذَا فَهُوَ من رِوَايَة أبي أويس عبد الله ابْن عبد الله الْمدنِي وَقد روى لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه محتجا بِهِ وروى لَهُ أهل السّنَن الْأَرْبَعَة وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَهُوَ صَالح الحَدِيث وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِيهِ عَن ابْن معِين فروى عَنهُ الدوري فِي حَدِيثه ضعف وروى عَنهُ توثيقه وَلَكِن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَغَيرهمَا رووا عَن أبي الزِّنَاد خلاف مَا رَوَاهُ أَبُو أويس وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الصَّحِيح أَنه اختتن وَهُوَ

ابْن ثَمَانِينَ سنة وَهَذَا أولى بِالصَّوَابِ وَهُوَ يدل على ضعف الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف وَقد أجَاب بَعضهم بِأَن قَالَ الرِّوَايَتَانِ صحيحتان وَوجه الْجمع بَين الْحَدِيثين يعرف من مُدَّة حَيَاة الْخَلِيل فَإِنَّهُ عَاشَ مِائَتي سنة مِنْهَا ثَمَانُون غير مختون وَمِنْهَا عشرُون وَمِائَة سنة مختونا فَقَوله اختتن لثمانين سنة مَضَت من عمره والْحَدِيث الثَّانِي اختتن لمِائَة وَعشْرين سنة بقيت من عمره فِي هَذَا الْجمع نظر لَا يخفى فَإِنَّهُ قَالَ أول من اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة وَلم يقل اختتن لمِائَة وَعشْرين سنة وَقد ذكرنَا رِوَايَة يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا عَلَيْهِ أَنه اختتن وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة المرفوعة عَن أبي هُرَيْرَة تخَالف هَذَا على أَن الْوَلِيد بن مُسلم قد قَالَ أَخْبرنِي الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى ابْن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ قَالَ اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن عشْرين وَمِائَة سنة ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك ثَمَانِينَ سنة وَهَذَا حَدِيث مَعْلُول فقد رَوَاهُ جَعْفَر بن عون وَعِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله وَالْمَرْفُوع الصَّحِيح أولى مِنْهُ والوليد بن مُسلم مَعْرُوف بالتدليس قَالَ هَيْثَم بن خَارِجَة قلت للوليد بن مُسلم قد أفسدت حَدِيث

الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كَيفَ قلت تروي عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن نَافِع وَعَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ وَعَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن سعيد وَغَيْرك يدْخل بَين الْأَوْزَاعِيّ وَبَين نَافِع عبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ وَبَينه وَبَين الزُّهْرِيّ إِبْرَاهِيم بن ميسرَة وقرة وَغَيرهمَا فَمَا يحملك على هَذَا قَالَ أنبل الْأَوْزَاعِيّ أَن يروي عَن مثل هَؤُلَاءِ قلت فَإِذا روى الْأَوْزَاعِيّ عَن هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء ضِعَاف أَصْحَاب أَحَادِيث مَنَاكِير فأسقطتهم أَنْت وصيرتها من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الثِّقَات ضعفت الْأَوْزَاعِيّ فَلم يلْتَفت إِلَى قولي وَقَالَ أَبُو مسْهر كَانَ الْوَلِيد بن مُسلم يحدث بِأَحَادِيث الْأَوْزَاعِيّ عَن الْكَذَّابين ثمَّ يدلسها عَنْهُم وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الْوَلِيد بن مُسلم يروي عَن الْأَوْزَاعِيّ أَحَادِيث هِيَ عِنْد الْأَوْزَاعِيّ عَن شُيُوخ ضعفاء عَن شُيُوخ قد أدركهم الْأَوْزَاعِيّ مثل نَافِع وَعَطَاء وَالزهْرِيّ فَيسْقط أَسمَاء الضُّعَفَاء ويجعلها عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله كَانَ الْوَلِيد رفاعا وَفِي رِوَايَة الْمروزِي هُوَ كثير الْخَطَأ وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الطَّرِيق من نُسْخَة نبيط بن شريط عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أول من أضَاف الضَّيْف إِبْرَاهِيم

وَأول من لبس السَّرَاوِيل إِبْرَاهِيم وَأول من اختتن إِبْرَاهِيم بالقدوم وَهُوَ ابْن عشْرين وَمِائَة سنة وَهَذِه النُّسْخَة ضعفها أَئِمَّة الحَدِيث وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الحَدِيث ضَعِيف مَعْلُول لَا يُعَارض مَا ثَبت فِي الصَّحِيح وَلَا يَصح تَأْوِيله بِمَا ذكره هَذَا الْقَائِل لوجوه أَحدهَا أَن لَفظه لَا يصلح لَهُ فَإِنَّهُ قَالَ اختتن وَهُوَ ابْن عشْرين ومائه سنة الثَّانِي أَنه قَالَ ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك ثَمَانِينَ سنة الثَّالِث أَن الَّذِي يحْتَملهُ على تَفْسِير واستكراه قَوْله اختتن لمِائَة وَعشْرين سنة وَيكون المُرَاد بقيت من عمره لَا مَضَت وَالْمَعْرُوف فِي مثل هَذَا الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ الْبَاقِي أقل من الْمَاضِي فَإِن الْمَشْهُور من اسْتِعْمَال الْعَرَب فِي خلت وَبقيت أَنه من أول الشَّهْر إِلَى نصفه يُقَال خلت وخلون وَمن نصفه إِلَى آخِره بقيت وبقين فَقَوله لمِائَة وَعشْرين بقيت من عمره مثل أَن يُقَال لاثْنَتَيْنِ وَعشْرين لَيْلَة بقيت من الشَّهْر وَهَذَا لَا يسوغ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق والختان كَانَ من الْخِصَال الَّتِي ابتلى الله سُبْحَانَهُ بهَا إِبْرَاهِيم خَلِيله فأتمهن وأكملهن فَجعله إِمَامًا للنَّاس وَقد روى أَنه أول من اختتن كَمَا تقدم وَالَّذِي فِي الصَّحِيح اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة وَاسْتمرّ الْخِتَان بعده فِي الرُّسُل وأتباعهم حَتَّى فِي الْمَسِيح فَأَنَّهُ اختتن وَالنَّصَارَى تقر بذلك وَلَا

تجحده كَمَا تقر بِأَنَّهُ حرم لحم الْخِنْزِير وَحرم كسب السبت وَصلى إِلَى الصَّخْرَة وَلم يصم خمسين يَوْمًا وَهُوَ الصّيام الَّذِي يسمونه الصَّوْم الْكَبِير وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ ومسند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي أَيُّوب قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَربع من سنَن الْمُرْسلين الْحيَاء والتعطر والسواك وَالنِّكَاح قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَاخْتلف فِي ضَبطه فَقَالَ بَعضهم الْحيَاء بِالْيَاءِ وَالْمدّ وَقَالَ بَعضهم الْحِنَّاء بالنُّون وَسمعت شَيخنَا أَبَا الْحجَّاج الْحَافِظ الْمزي يَقُول وَكِلَاهُمَا غلط وَإِنَّمَا هُوَ الْخِتَان فَوَقَعت النُّون فِي الْهَامِش فَذَهَبت فَاخْتلف فِي اللَّفْظَة قَالَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْمحَامِلِي عَن الشَّيْخ الَّذِي روى عَنهُ التِّرْمِذِيّ بِعَيْنِه فَقَالَ الْخِتَان قَالَ وَهَذَا أولى من الْحيَاء والحناء فَإِن الْحيَاء خلق والحناء لَيْسَ من السّنَن وَلَا ذكره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خِصَال الْفطْرَة وَلَا ندب أليه بِخِلَاف الْخِتَان

فصل فِي ختان الرجل نَفسه بِيَدِهِ

قَالَ الْمروزِي سُئِلَ أَبُو عبد الله عَن الرجل يختن نَفسه فَقَالَ إِن قوي وَقَالَ الْخلال أَخْبرنِي عبد الْكَرِيم بن الْهَيْثَم قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله وَسُئِلَ عَن الرجل يختن نَفسه قَالَ إِن قوي على ذَلِك قَالَ وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن هَارُون أَن إِسْحَاق حَدثهمْ أَن أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن الْمَرْأَة يدْخل عَلَيْهَا زَوجهَا لم تختتن يجب عَلَيْهَا الْخِتَان فَقَالَ الْخِتَان سنة حَسَنَة وَذكر نَحْو مَسْأَلَة الْمروزِي فِي ختان نَفسهَا قيل لَهُ فَإِن قويت على ذَلِك قَالَ مَا أحْسنه وَسُئِلَ عَن الرجل يختن نَفسه قَالَ إِذا قوي عَلَيْهِ فَهُوَ حسن وَهِي سنة حَسَنَة

الْفَصْل الثَّالِث فِي مشروعيته وَأَنه من خِصَال الْفطْرَة

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله الْفطْرَة خمس الْخِتَان والاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الأظافر ونتف الْإِبِط فَجعل الْخِتَان رَأس خِصَال الْفطْرَة وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه الْخِصَال من الْفطْرَة لِأَن الْفطْرَة هِيَ الحنيفية مِلَّة إِبْرَاهِيم وَهَذِه الْخِصَال

أَمر بهَا إِبْرَاهِيم وَهِي من الْكَلِمَات الَّتِي ابتلاه ربه بِهن كَمَا ذكر عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن طَاوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة قَالَ ابتلاه بِالطَّهَارَةِ خمس فِي الرَّأْس وَخمْس فِي الْجَسَد خمس فِي الرَّأْس قصّ الشَّارِب والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والسواك وَفرق الرَّأْس وَفِي الْجَسَد تقليم الأظافر وَحلق الْعَانَة والختان ونتف الْإِبِط وَغسل أثر الْغَائِط وَالْبَوْل بِالْمَاءِ والفطرة فطرتان فطْرَة تتَعَلَّق بِالْقَلْبِ وَهِي معرفَة الله ومحبته وإيثاره على مَا سواهُ وفطرة عملية وَهِي هَذِه الْخِصَال فَالْأولى تزكي الرّوح وتطهر الْقلب وَالثَّانيَِة تطهر الْبدن وكل مِنْهُمَا تمد الْأُخْرَى وتقويها وَكَانَ رَأس فطْرَة الْبدن الْخِتَان لما سَنذكرُهُ فِي الْفَصْل السَّابِع إِن شَاءَ الله وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عمار بن يَاسر رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْفطْرَة أَو الْفطْرَة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وقص الشَّارِب والسواك وتقليم الأظافر وَغسل البراجم ونتف الْإِبِط والاستحداد والاختتان والانتضاح وَقد اشتركت خِصَال الْفطْرَة

فِي الطَّهَارَة والنظافة وَأخذ الفضلات المستقذرة الَّتِي يألفها الشَّيْطَان ويجاورها من بني آدم وَله بالغرلة اتِّصَال واختصاص ستقف عَلَيْهِ فِي الْفَصْل السَّابِع إِن شَاءَ الله وَقَالَ غير وَاحِد من السّلف من صلى وَحج واختتن فَهُوَ حنيف فالحج والختان شعار الحنيفة وَهِي فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا قَالَ الرَّاعِي يُخَاطب أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ (أخليفة الرَّحْمَن إِنَّا معشر ... حنفَاء نسجد بكرَة وَأَصِيلا) (عرب نرى لله فِي أَمْوَالنَا ... حق الزَّكَاة منزلا تَنْزِيلا)

الْفَصْل الرَّابِع فِي الِاخْتِلَاف فِي وُجُوبه واستحبابه

اخْتلف الْفُقَهَاء فَقَالَ الشّعبِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد هُوَ وَاجِب وشدد فِيهِ مَالك حَتَّى قَالَ من لم يختتن لم تجز إِمَامَته وَلم تقبل شَهَادَته وَنقل كثير من الْفُقَهَاء عَن مَالك أَنه سنة حَتَّى قَالَ القَاضِي عِيَاض الاختتان عِنْد مَالك وَعَامة الْعلمَاء سنة وَلَكِن السّنة عِنْدهم يَأْثَم بِتَرْكِهَا فهم يطلقونها على مرتبَة بَين الْفَرْض

الْفَرْض وَبَين النّدب وَإِلَّا فقد صرح مَالك بِأَنَّهُ لَا تقبل شَهَادَة الأقلف وَلَا تجوز إِمَامَته وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حنيفَة لَا يجب بل هُوَ سنة وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن أبي مُوسَى من أَصْحَاب أَحْمد هُوَ سنة مُؤَكدَة وَنَصّ أَحْمد فِي رِوَايَة أَنه لَا يحب على النِّسَاء وَاحْتج الموجبون لَهُ بِوُجُوه أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ النَّحْل 123 والختان من مِلَّته لما تقدم الْوَجْه الثَّانِي مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَنه جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ قد أسلمت قَالَ ألق عَنْك شعر الْكفْر يَقُول احْلق وَأَخْبرنِي آخر مَعَه أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لآخر الق عَنهُ شعر الْكفْر واختتن وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مخلد بن خَالِد عَن عبد الرَّزَّاق وَحمله على النّدب فِي إِلْقَاء الشّعْر لَا يلْزم مِنْهُ حمله عَلَيْهِ فِي الآخر الْوَجْه الثَّالِث قَالَ حَرْب فِي مسائلة عَن الزُّهْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أسلم فليختتن وَإِن كَانَ كَبِيرا وَهَذَا وَإِن كَانَ مُرْسلا فَهُوَ يصلح للاعتضاد الْوَجْه الرَّابِع مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ عَن آبَائِهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ وجدنَا فِي قَائِم سيف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّحِيفَة أَن الأقلف لَا يتْرك فِي الاسلام حَتَّى يختتن وَلَو بلغ ثَمَانِينَ سنة قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا حَدِيث ينْفَرد بِهِ أهل الْبَيْت بِهَذَا الاسناد الْوَجْه الْخَامِس مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث أبي بَرزَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الأغلف لَا يحجّ بَيت الله حَتَّى يختتن وَفِي لفظ سَأَلنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن رجل أقلف يحجّ بَيت الله قَالَ لَا حَتَّى يختتن ثمَّ قَالَ لَا يثبت لِأَن إِسْنَاده مَجْهُول الْوَجْه السَّادِس مَا رَوَاهُ وَكِيع عَن سَالم أبي الْعَلَاء الْمرَادِي عَن عَمْرو ابْن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد عَن سَالم الْمرَادِي عَن عَمْرو

ابْن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف وَقَالَ حَنْبَل فِي مسائلة حَدثنَا أَبُو عمر الحوضي حَدثنَا همام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف قَالَ وَكَانَ الْحسن لَا يرى مَا قَالَ عِكْرِمَة قَالَ وَقيل لعكرمة أَله حج قَالَ لَا قَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا حج حَتَّى يطهر وَهُوَ من تَمام الْإِسْلَام قَالَ حَنْبَل وَقَالَ أَبُو عبد الله الأقلف لَا يذبح وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي أبي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تحل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل لَهُ ذَبِيحَة وَلَا يجوز لَهُ الشَّهَادَة قَالَ قَتَادَة وَكَانَ الْحسن لَا يرى ذَلِك الْوَجْه السَّابِع أَن الْخِتَان من أظهر الشعائر الَّتِي يفرق بهَا بَين الْمُسلم وَالنَّصْرَانِيّ فوجوبه أظهر من وجوب الْوتر وَزَكَاة الْخَيل وَوُجُوب الْوضُوء على من قهقه فِي صلَاته وَوُجُوب الْوضُوء على من احْتجم أَو تقيأ أَو رعف وَوُجُوب التَّيَمُّم إِلَى الْمرْفقين وَوُجُوب الضربتين على الأَرْض وَغير ذَلِك مِمَّا وجوب الْخِتَان أظهر من وُجُوبه وَأقوى حَتَّى إِن الْمُسلمين لَا يكادون

يعدون الأقلف مِنْهُم وَلِهَذَا ذهب طَائِفَة من الْفُقَهَاء إِلَى أَن تَكْبِير يجب عَلَيْهِ أَن يختتن وَلَو أدّى الى تلفة كَمَا سَنذكرُهُ فِي الْفَصْل الثَّانِي عشر إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْوَجْه الثَّامِن أَنه قطع شرع الله لَا تؤمن من سرايته فَكَانَ وَاجِبا كَقطع يَد السَّارِق الْوَجْه التَّاسِع أَنه لَا يجوز كشف الْعَوْرَة لَهُ لغير ضَرُورَة وَلَا مداواة فَلَو لم يجب لما جَازَ لِأَن الْحَرَام لَا يلْتَزم للمحافظة على الْمسنون الْوَجْه الْعَاشِر أَنه لَا يسْتَغْنى فِيهِ عَن ترك واجبين وارتكاب محظورين أَحدهمَا كشف الْعَوْرَة فِي جَانب المختون وَالنَّظَر الى عَورَة الْأَجْنَبِيّ فِي جَانب الخاتن فَلَو لم يكن وَاجِبا لما كَانَ قد ترك لَهُ واجبان وارتكب محظوران الْوَجْه الْحَادِي عشر مَا احْتج بِهِ الْخطابِيّ قَالَ أما الْخِتَان فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مَذْكُورا فِي جملَة السّنَن فَإِنَّهُ عِنْد كثير من الْعلمَاء على الْوُجُوب وَذَلِكَ أَنه شعار الدّين وَبِه يعرف الْمُسلم من الْكَافِر وَإِذا وجد المختون بَين جمَاعَة قَتْلَى غير مختونين صلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين

الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن الْوَلِيّ يؤلم فِيهِ الصَّبِي ويعرضه للتلف بِالسّرَايَةِ وَيخرج من مَاله أُجْرَة الخاتن وَثمن الدَّوَاء وَلَا يضمن سرايته بالتلف وَلَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز إِضَاعَة مَاله وإيلامه الْأَلَم الْبَالِغ وتعريضه للتلف بِفعل مَا لَا يجب فعله بل غَايَته أَن يكون مُسْتَحبا وَهَذَا ظَاهر بِحَمْد الله الْوَجْه الثَّالِث عشر أَنه لَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ للخاتن الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَإِن أذن فِيهِ المختون أَو وليه فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على قطع عُضْو لم يَأْمر الله وَرَسُوله بِقطعِهِ وَلَا أوجب قطعه كَمَا لَو أذن لَهُ فِي قطع أُذُنه أَو إصبعه فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ ذَلِك وَلَا يسْقط الْإِثْم عَنهُ بِالْإِذْنِ وَفِي سُقُوط الضَّمَان عَنهُ نزاع الْوَجْه الرَّابِع عشر أَن الأقلف معرض لفساد طَهَارَته وَصلَاته فَإِن القلفة تستر الذّكر كُله فيصيبها الْبَوْل وَلَا يُمكن الِاسْتِجْمَار لَهَا فصحة الطَّهَارَة وَالصَّلَاة مَوْقُوفَة على الْخِتَان وَلِهَذَا منع كثير من السّلف وَالْخلف إِمَامَته وَإِن كَانَ مَعْذُورًا فِي نَفسه فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة من بِهِ سَلس الْبَوْل وَنَحْوه فالمقصود بالختان التَّحَرُّز من احتباس الْبَوْل فِي القلفة فتفسد الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس فِيمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَغَيره لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلِهَذَا يسْقط بِالْمَوْتِ لزوَال التَّكْلِيف بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاة

الْوَجْه الْخَامِس عشر أَنه شعار عباد الصَّلِيب وَعباد النَّار الَّذين تميزوا بِهِ عَن الحنفاء والختان شعار الحنفاء فِي الأَصْل وَلِهَذَا أول من اختتن إِمَام الحنفاء وَصَارَ للختان شعار الحنيفية وَهُوَ مِمَّا توارثه بَنو إِسْمَاعِيل وَبَنُو إِسْرَائِيل عَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يجوز مُوَافقَة عباد الصَّلِيب القلف فِي شعار كفرهم وتثليثهم فصل

قَالَ المسقطون لوُجُوبه قد صرحت السّنة بِأَنَّهُ سنة كَمَا فِي حَدِيث شَدَّاد ابْن أَوْس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد قَالُوا وَقد قرنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمسنونات دون الْوَاجِبَات وَهِي الاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط قَالُوا وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ قد أسلم مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس

الْأسود والأبيض والرومي والفارسي والحبشي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم أَو مَا بَلغنِي أَنه فتش أحدا مِنْهُم وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا الْمُعْتَمِر عَن سلم ابْن أبي الذَّيَّال قَالَ سَمِعت الْحسن يَقُول يَا عجبا لهَذَا الرجل يَعْنِي أَمِير الْبَصْرَة لَقِي أشياخا من أهل كيكر فَقَالَ مَا دينكُمْ قَالُوا مُسلمين فَأمر بهم ففتشوا فوجدوا غير مختونين فختنوا فِي هَذَا الشتَاء وَقد بَلغنِي أَن بَعضهم مَاتَ وَقد أسلم مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّومِي والفارسي والحبشي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم قَالُوا وَأما استدلالكم بقوله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ النَّحْل 123 فالملة هِيَ الحنيفية وَهِي التَّوْحِيد وَلِهَذَا بَينهَا بقوله ﴿حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ وَقَالَ يُوسُف الصّديق أَنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء يُوسُف 37 و 38 وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل صدق الله فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ آل عمرَان 95 فالملة فِي هَذَا كُله هِيَ أصل الايمان من التَّوْحِيد والإنابة إِلَى

الله وإخلاص الدّين لَهُ وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلم أَصْحَابه إِذا أَصْبحُوا أَن يَقُولُوا أَصْبَحْنَا على فطْرَة الْإِسْلَام وَكلمَة الْإِخْلَاص وَدين نَبينَا مُحَمَّد وملة أَبينَا إِبْرَاهِيم حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين قَالُوا وَلَو دخلت الْأَفْعَال فِي الْملَّة فمتابعته فِيهَا أَن تفعل على الْوَجْه الَّذِي فعله فَإِن كَانَ فعلهَا على سَبِيل الْوُجُوب فاتباعه أَن يَفْعَلهَا كَذَلِك وان كَانَ فعلهَا على وَجه النّدب فاتباعه أَن يَفْعَلهَا على وَجه النّدب فَلَيْسَ مَعكُمْ حِينَئِذٍ إِلَّا مُجَرّد فعل إِبْرَاهِيم وَالْفِعْل هَل هُوَ على الْوُجُوب أَو النّدب فِيهِ النزاع الْمَعْرُوف والأقوى أَنه إِنَّمَا يدل على النّدب إِذا لم يكن بَيَانا لواجب فَمَتَى فَعَلْنَاهُ على وَجه النّدب كُنَّا قد اتبعناه قَالُوا وَأما حَدِيث عثيم ابْن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده ألق عَنْك شعر الْكفْر واختتن فَابْن جريج قَالَ فِيهِ أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي هَذَا الَّذِي قَالَ ابْن جريج فِي هَذَا الْإِسْنَاد أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب أَنما حَدثهُ ابراهيم بن أبي يحيى فكنى عَن اسْمه وَإِبْرَاهِيم هَذَا مُتَّفق على ضعفه بَين أهل الحَدِيث مَا خلا الشَّافِعِي وَحده قَالُوا وَأما مُرْسل الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أسلم فليختتن وَأَن كَانَ كَبِيرا فمرسيل الزُّهْرِيّ عِنْدهم من أَضْعَف الْمَرَاسِيل لَا تصلح للاحتجاج.
.

قَالَ ابْن أبي حَاتِم حَدثنَا أَحْمد بن سِنَان قَالَ مَكَان يحيى بن سعيد الْقطَّان لَا يرى إرْسَال الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة شَيْئا وَيَقُول هُوَ بِمَنْزِلَة الرّيح وقرىء على عَبَّاس الدوري عَن يحيى بن معِين قَالَ مَرَاسِيل الزُّهْرِيّ لَيست بِشَيْء قَالُوا وَأما حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن آبَائِهِ فَحَدِيث لَا يعرف وَلم يروه أهل الحَدِيث ومخرجه من هَذَا الْوَجْه وَحده تفرد بِهِ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن آبَائِهِ بِهَذَا السَّنَد فَهُوَ نَظِير أَمْثَاله من الْأَحَادِيث الَّتِي تفرد بهَا غير الْحفاظ المعروفين بِحمْل الحَدِيث قَالُوا وَأما حَدِيث أبي بَرزَة فَقَالَ ابْن الْمُنْذر حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدَّثتنَا أم الْأسود عَن منية عَن جدها أبي بَرزَة فَذكره قَالَ ابْن الْمُنْذر هَذَا إِسْنَاد مَجْهُول لَا يثبت قَالُوا وَأما استدلالكم بقول ابْن عَبَّاس الأقلف لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا تقبل لَهُ صَلَاة فَقَوْل صَحَابِيّ تفرد بِهِ قَالَ أَحْمد وَكَانَ يشدد فِيهِ وَقد خَالفه الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره وَأما قَوْلكُم إِنَّه من الشعائر صَحِيح لَا نزاع فِيهِ وَلَكِن لَيْسَ كل مَا كَانَ من الشعائر يكون وَاجِبا فالشعائر منقسمة إِلَى وَاجِب كالصلوات الْخمس وَالْحج وَالصِّيَام وَالْوُضُوء وَإِلَى مُسْتَحبّ كالتلبية وسوق الْهَدْي

وتقليده وَإِلَى مُخْتَلف فِيهِ كالأذان وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّة والختان فَمن أَيْن لكم أَن هَذَا من قسم الشعائر الْوَاجِبَة وَأما قَوْلكُم أَنه قطع شرع الله لَا تؤمن سرايته فَكَانَ وَاجِبا كَقطع يَد السَّارِق من أبرد الأقيسة فَأَيْنَ الْخِتَان من قطع يَد اللص فيا بعد مَا بَينهمَا وَلَقَد أبعد النجعة من قَاس أَحدهمَا على الآخر فالختان إكرام المختون وَقطع يَد السَّارِق عُقُوبَة لَهُ وَأَيْنَ بَاب الْعُقُوبَات من أَبْوَاب الطهارات والتنظيف وَأما قَوْلكُم يجوز كشف الْعَوْرَة لَهُ لغير ضَرُورَة وَلَا مداواة فَكَانَ وَاجِبا لَا يلْزم من جَوَاز كشف الْعَوْرَة وُجُوبه فَإِنَّهُ يجوز كشفها لغير الْوَاجِب إِجْمَاعًا كَمَا يكْشف لنظر الطَّبِيب ومعالجته وَإِن جَازَ ترك المعالجة وَأَيْضًا فَوجه الْمَرْأَة عَورَة فِي النّظر وَيجوز لَهَا كشفه فِي الْمُعَامَلَة الَّتِي لَا يجب ولتحمل الشَّهَادَة عَلَيْهَا حَيْثُ لَا تجب وَأَيْضًا فَإِنَّهُم جوزوا لغاسل الْمَيِّت حلق عانته وَذَلِكَ يسْتَلْزم كشف الْعَوْرَة أَو لمسها لغير وَاجِب وَأما قَوْلكُم إِن بِهِ يعرف الْمُسلم من الْكَافِر حَتَّى إِذا وجد المختون بَين جمَاعَة قَتْلَى غير مختونين صلي عَلَيْهِ دونهم لَيْسَ كَذَلِك فَإِن بعض الْكفَّار يختتنون وهم الْيَهُود فالختان لَا يُمَيّز بَين الْمُسلم وَالْكَافِر إِلَّا إِذا كَانَ فِي مَحل لَا يختتن فِيهِ إِلَّا الْمُسلمُونَ وَحِينَئِذٍ فَيكون فرقا بَين الْمُسلم وَالْكَافِر وَلَا

يلْزم من ذَلِك وُجُوبه كَمَا لَا يلْزم وجوب سَائِر مَا يفرق بَين الْمُسلم وَالْكَافِر وَأما قَوْلكُم إِن الْوَلِيّ يؤلم فِيهِ الصَّبِي ويعرضه للتلف بِالسّرَايَةِ وَيخرج من مَاله أُجْرَة الخاتن وَثمن الدَّوَاء فَهَذَا لَا يدل على وُجُوبه كَمَا يؤلمه بِضَرْب التَّأْدِيب لمصلحته وَيخرج من مَاله أُجْرَة الْمُؤَدب والمعلم وكما يضحى عَنهُ قَالَ الْخلال بَاب الْأُضْحِية عَن الْيَتِيم أَخْبرنِي حَرْب بن اسماعيل قَالَ قلت لِأَحْمَد يضحى عَن الْيَتِيم قَالَ نعم إِذا كَانَ لَهُ مَال وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي سَمِعت أَبَا عبد الله يسئل عَن وَصِيّ يتيمة يَشْتَرِي لَهَا أضْحِية قَالَ لَهَا مَال قَالَ نعم قَالَ يَشْتَرِي لَهَا قَوْله لَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ للخاتن الْإِقْدَام عَلَيْهِ إِلَى آخِره ينْتَقض بإقدامه على قطع السّلْعَة والعضو التَّالِف وَقلع السن وَقطع الْعُرُوق وشق الْجلد للحجامة والتشريط فَيجوز الْإِقْدَام على مَا يُبَاح للرجل قطعه فضلا عَمَّا يسْتَحبّ لَهُ وَيسن وَفِيه مصلحَة ظَاهِرَة وقولكم إِن الأقلف معرض لفساد طَهَارَته وَصلَاته فَهَذَا إِنَّمَا يلام عَلَيْهِ إِذا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَمَا خرج عَن اخْتِيَاره وَقدرته وَلم يلم عَلَيْهِ وَلم تفْسد طَهَارَته كسلس الْبَوْل والرعاف وسلس الْمَذْي فَإِذا فعل مَا يقدر عَلَيْهِ من الِاسْتِجْمَار والاستنجاء لم يُؤَاخذ بِمَا عجز عَنهُ

قَوْلكُم إِنَّه من شعار عباد الصلبان وَعباد النيرَان فموافقتهم فِيهِ مُوَافقَة فِي شعار دينهم جَوَابه أَنهم لم يتميزوا عَن الحنفاء بِمُجَرَّد ترك الْخِتَان وَإِنَّمَا امتازوا بِمَجْمُوع مَا هم عَلَيْهِ من الدّين الْبَاطِل وموافقة الْمُسلم فِي ترك الْخِتَان لَا يسْتَلْزم موافقتهم فِي شعار دينهم الَّذِي امتازوا بِهِ عَن الحنفاء قَالَ الموجبون الْخِتَان علم الحنيفية وشعار الْإِسْلَام وَرَأس الْفطْرَة وعنوان الْملَّة وَإِذا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد قَالَ من لم يَأْخُذ شار بِهِ فَلَيْسَ منا فَكيف من عطل الْخِتَان وَرَضي بشعار القلف عباد الصلبان وَمن أظهر مَا يفرق بَين عباد الصلبان وَعباد الرَّحْمَن الْخِتَان وَعَلِيهِ اسْتمرّ عمل الحنفاء من عهد إمَامهمْ إِبْرَاهِيم إِلَى عهد خَاتم الْأَنْبِيَاء فَبعث بتكميل الحنيفية وتقريرها لَا بتحويلها وتغيرها وَلما أَمر الله بِهِ خَلِيله وَعلم أَن أمره المطاع وَإنَّهُ لَا يجوز أَن يعطل ويضاع بَادر إِلَى امْتِثَال مَا أَمر بِهِ الْحَيّ القيوم وختن نَفسه بالقدوم مبادرة إِلَى الِامْتِثَال وَطَاعَة لذِي الْعِزَّة والجلال وَجعله فطْرَة بَاقِيَة فِي عقبَة إِلَى أَن يَرث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَلذَلِك دَعَا جَمِيع الْأَنْبِيَاء من ذُريَّته أممهم إِلَيْهَا حَتَّى عبد الله وَرَسُوله وكلمته ابْن الْعَذْرَاء البتول فَإِنَّهُ اختتن مُتَابعَة لإِبْرَاهِيم

الْخَلِيل وَالنَّصَارَى تقر بذلك وتعترف أَنه من أَحْكَام الْإِنْجِيل وَلَكِن اتبعُوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل حَتَّى لقد أذن عَالم أهل بَيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الله بن عَبَّاس أذانا سَمعه الْخَاص وَالْعَام أَن من لم يختتن فَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فَأخْرجهُ من جملَة أهل الْإِسْلَام وَمثل هَذَا لَا يُقَال لتارك أَمر هُوَ بَين تَركه وَفعله بِالْخِيَارِ وَإِنَّمَا يُقَال لما علم وُجُوبه علما يقرب من الِاضْطِرَار وَيَكْفِي فِي وُجُوبه أَنه رَأس خِصَال الحنيفية الَّتِي فطر الله عباده عَلَيْهَا ودعت جَمِيع الرُّسُل إِلَيْهَا فتاركه خَارج عَن الْفطْرَة الَّتِي بعث الله رسله بتكميلها وَمَوْضِع فِي تعطيلها مُؤخر لما اسْتحق التَّقْدِيم رَاغِب فِي مِلَّة أَبِيه إِبْرَاهِيم ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين﴾ الْبَقَرَة 131 - 132 فَكَمَا أَن الْإِسْلَام رَأس الْملَّة الحنيفية وقوامها فالاستسلام لأَمره كمالها وتمامها فصل

وَأما قَوْله فِي الحَدِيث الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء فَهَذَا حَدِيث يرْوى عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد ضَعِيف وَالْمَحْفُوظ أَنه مَوْقُوف عَلَيْهِ ويروى أَيْضا عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بِهِ عَن أبي الْمليح

ابْن أُسَامَة عَن أَبِيه عَنهُ وَعَن مَكْحُول عَن أبي أَيُّوب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكره ذكر ذَلِك كُله الْبَيْهَقِيّ ثمَّ سَاق عَن ابْن عَبَّاس أَنه لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف وَلَا تقبل صلَاته وَلَا تجوز شَهَادَته ثمَّ قَالَ وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يُوجِبهُ وَأَن قَوْله الْخِتَان سنة أَرَادَ بِهِ سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة وَأمر بِهِ فَيكون وَاجِبا انْتهى وَالسّنة هِيَ الطَّرِيقَة يُقَال سننت لَهُ كَذَا أَي شرعت فَقَوله الْخِتَان سنة للرِّجَال أَي مَشْرُوع لَهُم لَا أَنه ندب غير وَاجِب فَالسنة هِيَ الطَّرِيقَة المتبعة وجوبا واستحبابا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني وَقَوله عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي وَقَالَ ابْن عَبَّاس من خَالف السّنة كفر وَتَخْصِيص السّنة بِمَا يجوز تَركه اصْطِلَاح حَادث وَإِلَّا فَالسنة مَا سنه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمته من وَاجِب

ومستحب فَالسنة هِيَ الطَّرِيقَة وَهِي الشَّرِيعَة والمنهاج والسبيل وَأما قَوْلكُم إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قرنه بالمسنونات فدلالة الاقتران لَا تقوى على مُعَارضَة أَدِلَّة الْوُجُوب ثمَّ إِن الْخِصَال الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِب كالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والاستنجاء وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحبّ كالسواك وَأما تقليم الْأَظْفَار فَإِن الظفر إِذا طَال جدا بِحَيْثُ يجْتَمع تَحْتَهُ الْوَسخ وَجب تقليمه لصِحَّة الطَّهَارَة وَأما قصّ الشَّارِب فالدليل يقتضى وُجُوبه إِذا طَال وَهَذَا الَّذِي يتَعَيَّن القَوْل بِهِ لأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِ وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من لم يَأْخُذ شَاربه فَلَيْسَ منا وَأما قَول الْحسن الْبَصْرِيّ قد أسلم مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس فَمَا فتش أحدا مِنْهُم فَجَوَابه أَنهم استغنوا عَن التفتيش بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْخِتَان فَإِن الْعَرَب قاطبة كلهم كَانُوا يختتنون وَالْيَهُود قاطبة تختتن وَلم يبْق إِلَّا النَّصَارَى وهم فرقتان فرقة تختتن وَفرْقَة لَا تختتن وَقد علم كل من دخل فِي الْإِسْلَام مِنْهُم وَمن غَيرهم أَن شعار الْإِسْلَام الْخِتَان فَكَانُوا يبادرون اليه بعد الْإِسْلَام كَمَا يبادرون إِلَى الْغسْل وَمن كَانَ مِنْهُم كَبِيرا يشق عَلَيْهِ وَيخَاف التّلف سقط عَنهُ وَقد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن ذَبِيحَة الأقلف

وَذكر لَهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل فَقَالَ ذَلِك عِنْدِي إِذا ولد بَين أبوين مُسلمين فَكبر وَلم يختتن وَأما الْكَبِير إِذا أسلم وَخَافَ على نَفسه الْخِتَان فَلهُ عِنْدِي رخصَة وَأما قَوْلكُم إِن الْملَّة هِيَ التَّوْحِيد فالملة هِيَ الدّين وَهِي مَجْمُوعَة أَقْوَال وأفعال واعتقاد وَدخُول الْأَعْمَال فِي الْملَّة كدخول الْإِيمَان فالملة هِيَ الْفطْرَة وَهِي الدّين ومحال أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاع إِبْرَاهِيم فِي مُجَرّد الْكَلِمَة دون الْأَعْمَال وخصال الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَمر بمتابعه فِي توحيده وأقواله وأفعاله وَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اختتن امتثالا لأمر ربه الَّذِي أمره بِهِ وابتلاه بِهِ فوفاه كَمَا أَمر فَإِن لم نَفْعل كَمَا فعل لم نَكُنْ متبعين لَهُ وَأما قَوْلكُم فِي حَدِيث عثيم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده بِأَنَّهُ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى فالشافعي كَانَ حسن الظَّن بِهِ وَغَيره يُضعفهُ فَحَدِيثه يصلح للاعتضاد بِحَيْثُ يتقوى بِهِ وَإِن لم يحْتَج بِهِ وَحده وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي مُرْسل الزُّهْرِيّ فَإِذا لم يحْتَج بِهِ وَحده فَإِن هَذِه المرفوعات والموقوفات والمراسيل يشد بَعْضهَا بَعْضًا وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَشبهه

وَأما قَوْلكُم إِن ابْن عَبَّاس تفرد بقوله فِي الأقلف لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ فَهَذَا قَول صَحَابِيّ وَقد احْتج الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم بأقوال الصَّحَابَة وصرحوا بِأَنَّهَا حجَّة وَبَالغ الشَّافِعِي فِي ذَلِك وَجعل مخالفتها بِدعَة كَيفَ وَلم يحفظ عَن صَحَابِيّ خلاف ابْن عَبَّاس وَمثل هَذَا التَّشْدِيد والتغليظ لَا يَقُوله عَالم مثل ابْن عَبَّاس فِي ترك مَنْدُوب يُخَيّر الرجل بَين فعله وَتَركه وَأما قَوْلكُم إِن الشعائر تَنْقَسِم إِلَى مُسْتَحبّ وواجب فَالْأَمْر كَذَلِك وَلَكِن مثل هَذَا الشعار الْعَظِيم الْفَارِق بَين عباد الصَّلِيب وَعباد الرَّحْمَن الَّذِي لَا تتمّ الطَّهَارَة إِلَّا بِهِ وَتَركه شعار عباد الصَّلِيب لَا يكون إِلَّا من أعظم الْوَاجِبَات وَأما قَوْلكُم أَيْن بَاب الْعُقُوبَات من بَاب الْخِتَان فَنحْن لم نجْعَل ذَلِك أصلا فِي وجوب الْخِتَان بل اعْتبرنَا وجوب أَحدهمَا بِوُجُوب الآخر فَإِن أَعْضَاء الْمُسلم وظهره وَدَمه حمى إِلَّا من حد أَو حق وَكِلَاهُمَا يتَعَيَّن إِقَامَته وَلَا يجوز تعطيله وَأما كشف الْعَوْرَة لَهُ فَلَو لم تكن مصْلحَته أرجح من مفْسدَة كشفها وَالنَّظَر إِلَيْهَا ولمسها لم يجز ارْتِكَاب ثَلَاث مفاسد عَظِيمَة لأمر مَنْدُوب يجوز فعله وَتَركه وَأما المداواة فَتلك من تَمام الْحَيَاة وأسبابها الَّتِي

لَا بُد للبنية مِنْهَا فَلَو كَانَ الْخِتَان من بَاب المندوبات لَكَانَ بِمَنْزِلَة كشفها لما لَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يجوز وَأما قَوْلكُم إِن الْوَلِيّ يخرج من مَال الصَّبِي أُجْرَة الْمعلم والمؤدب فَلَا ريب أَن تَعْلِيمه وتأديبه حق وَاجِب على الْوَلِيّ فَمَا أخرج مَا لَهُ إِلَّا فِيمَا لَا بُد لَهُ من صَلَاحه فِي دُنْيَاهُ وآخرته مِنْهُ فَلَو كَانَ الْخِتَان مَنْدُوبًا مُحصنا لَكَانَ إِخْرَاجه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة التَّطَوُّع عِنْده وبذله لمن يحجّ عَنهُ حجَّة التَّطَوُّع وَنَحْو ذَلِك وَأما الْأُضْحِية عَنهُ فَهِيَ مُخْتَلف فِي وُجُوبهَا فَمن أوجبهَا لم يخرج مَاله إِلَّا فِي وَاجِب وَمن رَآهَا سنة قَالَ مَا يحصل بهَا من جبر قلبه وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ وتفريحه أعظم من بَقَاء ثمنهَا فِي ملكه

الْفَصْل الْخَامِس فِي وَقت وُجُوبه

وَوَقته عِنْد الْبلُوغ لِأَنَّهُ وَقت وجوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ وَلَا يجب قبل ذَلِك وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير قَالَ سُئِلَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مثل من أَنْت حِين قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَنا يَوْمئِذٍ مختون وَكَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك وَقد اخْتلف فِي سنّ ابْن عَبَّاس عِنْد

وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ الزبير والواقدي ولد فِي الشّعب قبل خُرُوج بني هَاشم مِنْهُ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَتُوفِّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَله ثَلَاث عشرَة سنة وَقَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا ابْن عشر سِنِين وَقد قَرَأت الْمُحكم يَعْنِي الْمفصل قَالَ أَبُو عمر روينَا ذَلِك عَنهُ من وُجُوه قَالَ وَقد رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قبض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا ختين أَو مختون وَلَا يَصح قلت بل هُوَ أصح شَيْء فِي الْبَاب وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه كَمَا تقدم لَفظه وَقَالَ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق قَالَ سَمِعت سعيد بن جُبَير يحدث عَن ابْن عَبَّاس قَالَ توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة قَالَ عبد الله قَالَ أبي وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب قلت وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قَالَ أَقبلت رَاكِبًا على أتان وَأَنا يَوْمئِذٍ قد ناهزت الِاحْتِلَام وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بِالنَّاسِ بمنى إِلَى غير جِدَار فمررت بَين يَدي بعض الصَّفّ 0000 الحَدِيث وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكثر أهل السّير

وَالْأَخْبَار أَن سنه كَانَ يَوْم وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث عشرَة سنة فَإِنَّهُ ولد فِي الشّعب وَكَانَ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَأقَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَدِينَةِ عشرا وَقد أخبر أَنه كَانَ يَوْمئِذٍ مختونا قَالُوا وَلَا يجب الْخِتَان قبل الْبلُوغ لِأَن الصَّبِي لَيْسَ أَهلا لوُجُوب الْعِبَادَات الْمُتَعَلّقَة بالأبدان فَمَا الظَّن بِالْجرْحِ الَّذِي ورد التَّعَبُّد بِهِ وَلَا ينْتَقض هَذَا بالعدة الَّتِي تجب على الصَّغِيرَة فَإِنَّهَا لَا مؤونة عَلَيْهَا فِيهَا إِنَّمَا هِيَ مُضِيّ الزَّمَان قَالُوا فَإِذا بلغ الصَّبِي وَهُوَ أقلف أَو الْمَرْأَة غير مختونة وَلَا عذر لَهما ألزمهما السُّلْطَان بِهِ وَعِنْدِي أَنه يجب على الْوَلِيّ أَن يختن الصَّبِي قبل الْبلُوغ بِحَيْثُ يبلغ مختونا فَإِن ذَلِك لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَأما قَول ابْن عَبَّاس كَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك أَي حَتَّى يُقَارب الْبلُوغ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن بِمَعْرُوف أَو فارقوهن بِمَعْرُوف﴾ الْبَقَرَة 65 وَبعد بُلُوغ الْأَجَل لَا يَتَأَتَّى الْإِمْسَاك وَقد صرح ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَوْم موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مختونا وَأخْبر فِي حجَّة الْوَدَاع الَّتِي عَاشَ بعْدهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بضعَة وَثَمَانِينَ يَوْمًا أَنه كَانَ قد ناهز الِاحْتِلَام وَقد أَمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْآبَاء أَن يأمروا أَوْلَادهم بِالصَّلَاةِ لسبع وَأَن يضربوهم على تَركهَا لعشر فَكيف يسوغ لَهُم ترك ختانهم حَتَّى يجاوزوا الْبلُوغ وَالله أعلم

الْفَصْل السَّادِس فِي الِاخْتِلَاف فِي كَرَاهِيَة يَوْم السَّابِع

وَقد اخْتلف فِي ذَلِك على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن الإِمَام أَحْمد قَالَ الْخلال بَاب ذكر ختان الصَّبِي أَخْبرنِي عبد الْملك بن عبد الحميد أَنه ذَاكر أَبَا عبد الله ختاننه الصَّبِي لكم يختتن قَالَ لَا أَدْرِي لم أسمع فِيهِ شَيْئا فَقلت إِنَّه يشق على الصَّغِير ابْن عشر يغلظ عَلَيْهِ وَذكرت لَهُ ابْني مُحَمَّدًا أَنه فِي خمس سِنِين فأشتهي أَن أختنه فِيهَا ورأيته كَأَنَّهُ يَشْتَهِي ذَلِك ورأيته يكره الْعشْرَة لغلظه عَلَيْهِ وشدته فَقَالَ لي مَا ظَنَنْت أَن الصَّغِير يشْتَد عَلَيْهِ هَذَا وَلم أره يكره للصَّغِير للشهر أَو السّنة وَلم يقل فِي ذَلِك شَيْئا إِلَّا أَنِّي رَأَيْته يعجب من أَن يكون هَذَا يُؤْذِي الصَّغِير قَالَ عبد الْملك وسمعته يَقُول كَانَ الْحسن يكره أَن يختتن الصَّبِي يَوْم سابعه أخبرنَا مُحَمَّد بن عَليّ السمسار قَالَ حَدثنَا مهنا قَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الرجل يختن ابْنه لسبعة أَيَّام فكرهه وَقَالَ هَذَا فعل الْيَهُود وَقَالَ لي أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ الْحسن يكره أَن يختن الرجل ابْنه لسبعة أَيَّام فَقلت من ذكره عَن الْحسن قَالَ بعض الْبَصرِيين وَقَالَ لي أَحْمد بَلغنِي أَن سُفْيَان الثَّوْريّ سَأَلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي كم يختن الصَّبِي فَقَالَ سُفْيَان لَو قلت لَهُ فِي كم ختن ابْن عمر بنيه فَقَالَ لي أَحْمد مَا كَانَ أَكيس سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَعْنِي حِين قَالَ لَو قلت لَهُ فِي كم ختن ابْن عمر بنيه

أَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام حَدثنَا حَنْبَل أَن أَبَا عبد الله قَالَ وَإِن ختن يَوْم السَّابِع فَلَا بَأْس وَإِنَّمَا كرهه الْحسن كَيْلا يتشبه باليهود وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْء أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا صَالح أَنه قَالَ لِأَبِيهِ يختن الصَّبِي لسبعة أَيَّام قَالَ يرْوى عَن الْحسن أَنه قَالَ فعل الْيَهُود قَالَ وَسُئِلَ وهب بن مُنَبّه عَن ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا يسْتَحبّ ذَلِك فِي الْيَوْم السَّابِع لخفته على الصّبيان فَإِن الْمَوْلُود يُولد وَهُوَ خدر الْجَسَد كُله لَا يجد ألم مَا أَصَابَهُ سبعا وَإِذا لم يختتن لذَلِك فَدَعوهُ حَتَّى يقوى وَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي ذكر وَقت الْخِتَان وَقد اخْتلفُوا فِي وَقت الْخِتَان فَكرِهت طَائِفَة أَن يختن الصَّبِي يَوْم سابعه كره ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك بن أنس خلافًا على الْيَهُود وَقَالَ الثَّوْريّ هُوَ خطر قَالَ مَالك وَالصَّوَاب فِي خلاف الْيَهُود قَالَ وَعَامة مَا رَأَيْت الْخِتَان ببلدان إِذا أثغر وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل لم أسمع فِي ذَلِك شَيْئا وَقَالَ اللَّيْث بن سعد الْخِتَان للغلام مَا بَين السَّبع سِنِين إِلَى الْعشْرَة قَالَ وَقد حُكيَ عَن مَكْحُول أَو غَيره أَن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ختن ابْنه إِسْحَاق لسبعة أَيَّام وختن ابْنه إِسْمَاعِيل لثلاث عشرَة سنة وَرُوِيَ عَن أبي جَعْفَر أَن فَاطِمَة كَانَت تختن وَلَدهَا يَوْم السَّابِع قَالَ ابْن الْمُنْذر لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب نهي يثبت وَلَيْسَ لوُقُوع الْخِتَان خبر يرجع إِلَيْهِ وَلَا سنة

تسْتَعْمل فالأشياء على الْإِبَاحَة وَلَا يجوز حظر شَيْء مِنْهَا إِلَّا بِحجَّة وَلَا نعلم مَعَ من منع أَن يختن الصَّبِي لسبعة أَيَّام حجَّة وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر قَالَ عق رَسُول الله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحسن وَالْحُسَيْن وختنهما لسبعة أَيَّام وفيهَا من حَدِيث مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح عَن أَبِيه أَن إِبْرَاهِيم ختن إِسْحَاق وَهُوَ ابْن سَبْعَة أَيَّام قَالَ شَيخنَا ختن إِبْرَاهِيم إِسْحَاق لسبعة أَيَّام وختن إِسْمَاعِيل عِنْد بُلُوغه فَصَارَ ختان إِسْحَاق سنة فِي بنيه وختان إِسْمَاعِيل سنة فِي بنيه وَالله أعلم

الْفَصْل السَّابِع فِي حِكْمَة الْخِتَان وفوائده

الْخِتَان من محَاسِن الشَّرَائِع الَّتِي شرعها الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ ويجمل بهَا محاسنهم الظَّاهِرَة والباطنة فَهُوَ مكمل للفطرة الَّتِي فطرهم عَلَيْهَا وَلِهَذَا كَانَ من تَمام الحنيفبة مِلَّة إِبْرَاهِيم وأصل مَشْرُوعِيَّة الْخِتَان لتكميل الحنيفية فَإِن الله عز وَجل لما عَاهَدَ إِبْرَاهِيم وعده أَن يَجعله للنَّاس إِمَامًا ووعده أَن يكون أَبَا لشعوب كَثِيرَة وَأَن يكون الْأَنْبِيَاء والملوك من صلبه وَأَن يكثر نَسْله وَأخْبرهُ أَنه جَاعل بَينه وَبَين نَسْله عَلامَة الْعَهْد أَن يختنوا كل مَوْلُود مِنْهُم وَيكون عهدي هَذَا ميسما فِي أَجْسَادهم فالختان علم للدخول فِي مِلَّة إِبْرَاهِيم وَهَذَا

مُوَافق لتأويل من تَأَول قَوْله تَعَالَى ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة﴾ الْبَقَرَة 138 على الْخِتَان فالختان للحنفاء بِمَنْزِلَة الصَّبْغ والتعميد لعباد الصَّلِيب فهم يطهرون أَوْلَادهم بزعمهم حِين يصبغونهم فِي المعمودية وَيَقُولُونَ الْآن صَار نَصْرَانِيّا فشرع الله سُبْحَانَهُ للحنفاء صبغة الحنيفية وَجعل ميسمها الْخِتَان فَقَالَ ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة﴾ الْبَقَرَة 138 وَقد جعل الله سُبْحَانَهُ السمات عَلامَة لمن يُضَاف مِنْهَا إِلَيْهِ الْمعلم بهَا وَلِهَذَا النَّاس يسمون دوابهم ومواشيهم بأنواع السمات حَتَّى يكون مَا يُضَاف مِنْهَا إِلَى كل إِنْسَان مَعْرُوفا بسمته ثمَّ قد تكون هَذِه السمة متوارثة فِي أمة بعد أمة فَجعل الله سُبْحَانَهُ الْخِتَان علما لمن يُضَاف اليه وَإِلَى دينه وملته وينسب اليه بِنِسْبَة الْعُبُودِيَّة والحنيفية حَتَّى إِذا جهلت حَال إِنْسَان فِي دينه عرف بسمة الْخِتَان ورنكه وَكَانَت الْعَرَب تدعى بِأمة الْخِتَان وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث هِرقل إِنِّي أجد ملك الْخِتَان قد ظهر فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه لَا يهمنك هَذَا فَإِنَّمَا تختتن الْيَهُود فاقتلهم فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك وَإِذا برَسُول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد جَاءَ بكتابه فَأمر بِهِ أَن يكْشف وَينظر هَل هُوَ مختون فَوجدَ مختونا

فَلَمَّا أخبرهُ أَن الْعَرَب تختتن قَالَ هَذَا ملك هَذِه الْأمة وَلما كَانَت وقْعَة أجنادين بَين الْمُسلمين وَالروم جعل هِشَام بن الْعَاصِ يَقُول يَا معشر الْمُسلمين إِن هَؤُلَاءِ القلف لَا صَبر لَهُم على السَّيْف فَذكرهمْ بشعار عباد الصَّلِيب ورنكهم وَجعله مِمَّا يُوجب إقرام الحنفاء عَلَيْهِم وتطهير الأَرْض مِنْهُم وَالْمَقْصُود أَن صبغة الله هِيَ الحنيفية الَّتِي صبغت الْقُلُوب بمعرفته ومحبته وَالْإِخْلَاص لَهُ وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وصبغت الْأَبدَان بخصال الْفطْرَة من الْخِتَان والاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والسواك والاستنجاء فظهرت فطْرَة الله على قُلُوب الحنفاء وأبدانهم قَالَ مُحَمَّد بن جرير قي قَوْله تَعَالَى ﴿صبغة الله﴾ يَعْنِي بالصبغة صبغة الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن النَّصَارَى إِذا أَرَادَت أَن تنصر أطفالهم جعلتهم فِي مَاء لَهُم تزْعم أَن ذَلِك لَهَا تقديس بِمَنْزِلَة غسل الْجَنَابَة لأهل الْإِسْلَام وَأَنه صبغة لَهُم فِي النَّصْرَانِيَّة فَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿كونُوا هودا أَو نَصَارَى تهتدوا قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ إِلَى قَوْله ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة﴾ الْبَقَرَة 135 - 138

قَالَ قَتَادَة إِن الْيَهُود تصبغ أبناءها يهودا وَالنَّصَارَى تصبغ أبناءها نَصَارَى وَإِن صبغة الله الْإِسْلَام فَلَا صبغة أحسن من الْإِسْلَام وَلَا أطهر وَقَالَ مُجَاهِد صبغة الله فطْرَة الله وَقَالَ غَيره دين الله هَذَا مَعَ مَا فِي الْخِتَان من الطَّهَارَة والنظافة والتزيين وتحسين الْخلقَة وتعديل الشَّهْوَة الَّتِي إِذا أفرطت ألحقت الْإِنْسَان بالحيوانات وَإِن عدمت بِالْكُلِّيَّةِ ألحقته بالجمادات فالختان يعدلها وَلِهَذَا تَجِد الأقلف من الرِّجَال والقلفاء من النِّسَاء لَا يشْبع من الْجِمَاع وَلِهَذَا يذم الرجل ويشتم ويعير بِأَنَّهُ ابْن القلفاء إِشَارَة الى غلمتها وَأي زِينَة أحسن من أَخذ مَا طَال وَجَاوَزَ الْحَد من جلدَة القلفة وَشعر الْعَانَة وَشعر الْإِبِط وَشعر الشَّارِب وَمَا طَال من الظفر فَإِن الشَّيْطَان يختبىء تَحت ذَلِك كُله ويألفه ويقطن فِيهِ حَتَّى إِنَّه ينْفخ فِي إحليل الأقلف وَفرج القلفاء مَا لاينفخ فِي المختون ويختبىء فِي شعر الْعَانَة وَتَحْت الْأَظْفَار فالغرلة أقبح فِي موضعهَا من الظفر الطَّوِيل والشارب الطَّوِيل والعانة الْفَاحِشَة الطول وَلَا يخفى على ذِي الْحس السَّلِيم قبح الغرلة وَمَا فِي إِزَالَتهَا من التحسين والتنظيف والتزيين وَلِهَذَا لما ابتلى الله خَلِيله إِبْرَاهِيم بِإِزَالَة هَذِه الْأُمُور فأتمهن

جعله إِمَامًا للنَّاس هَذَا مَعَ مَا فِيهِ من بهاء الْوَجْه وضيائه وَفِي تَركه من الكسفة الَّتِي ترى عَلَيْهِ وَقد ذكر حَرْب فِي مسَائِله عَن مَيْمُونَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهَا قَالَت للخاتنة إِذا خفضت فأشمي وَلَا تنهكي فَإِنَّهُ أسرى للْوَجْه وأحظى لَهَا عِنْد زَوجهَا وروى أَبُو دَاوُد عَن أم عَطِيَّة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر ختانه تختن فَقَالَ إِذا ختنت فَلَا تنهكي فَإِن ذَلِك أحظى للْمَرْأَة وَأحب للبعل وَمعنى هَذَا أَن الخافضة إِذا استأصلت جلدَة الْخِتَان ضعفت شَهْوَة الْمَرْأَة فَقلت حظوتها عِنْد زَوجهَا كَمَا أَنَّهَا إِذا تركتهَا كَمَا هِيَ لم تَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا ازدادت غلمتها فَإِذا أخذت مِنْهَا وأبقت كَانَ فِي ذَلِك تعديلا للخلقة والشهوة هَذَا مَعَ أَنه لَا يُنكر أَن يكون قطع هَذِه الْجلْدَة علما على الْعُبُودِيَّة فَإنَّك تَجِد قطع طرف الْأذن وكي الْجَبْهَة وَنَحْو ذَلِك فِي كثير من الرَّقِيق عَلامَة لرقهم وعبوديتهم حَتَّى إِذا أبق رد إِلَى مَالِكه بِتِلْكَ الْعَلامَة فَمَا يُنكر أَن يكون قطع هَذَا الطّرف علما على عبودية صَاحبه لله سُبْحَانَهُ حَتَّى يعرف النَّاس أَن من كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من عبيد الله الحنفاء فَيكون الْخِتَان علما لهَذِهِ السّنة الَّتِي

فصول الكتاب · 17 فصل · 311 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تحفة المودود بأحكام المولود · 311 صفحة
الْبَاب الأولالْبَاب الثَّانِيالْبَاب الثَّالِثالْبَاب الرَّابِعالْبَاب الْخَامِس
الْبَاب السَّادِس
الْبَاب السَّابِع
الْبَاب الثَّامِن
الْبَاب التَّاسِع
الْبَاب الْعَاشِر فِي ثقب أذن الصَّبِي وَالْبِنْتالْبَاب الْحَادِي عشر فِي حكم بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة قبل أَن يأكلا الطَّعَامالْبَاب الثَّانِي عشر فِي حكم رِيقه ولعابهالْبَاب الثَّالِث عشر فِي جَوَاز حمل الْأَطْفَال فِي الصَّلَاة وَإِن لم يعلم حَال ثِيَابهمْالْبَاب الرَّابِع عشر فِي اسْتِحْبَاب تَقْبِيل الْأَطْفَالالْبَاب الْخَامِس عشر فِي وجوب تَأْدِيب الْأَوْلَاد وتعليمهم وَالْعدْل بَينهمالْبَاب السَّادِس عشر
الْبَاب السَّابِع عشر
جارٍ التحميل