تحفة المودود بأحكام المولودصفحات 34-73
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب السَّادِس

صفحات 34-73
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تحفة المودود بأحكام المولود
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
عبد القادر الأرناؤوط
الناشر
مكتبة دار البيان - دمشق
الطبعة
الأولى، 1391 - 1971
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِي الْعَقِيقَة وأحكامها

وَفِيه اثْنَان وَعِشْرُونَ فصلا

1 -

الْفَصْل الأول فِي بَيَان مشروعيتها

2 - الْفَصْل الثَّانِي قي ذكر حجَّة من ذكرهَا 3 - الْفَصْل الثَّالِث فِي أَدِلَّة الِاسْتِحْبَاب 4 - الْفَصْل الرَّابِع فِي الْجَواب عَمَّا أحتجوا بِهِ 5 - الْفَصْل الْخَامِس فِي اشتقاق اسْمهَا وَمن أَي شَيْء أَخذ 6 - الْفَصْل السَّادِس هَل تكره تَسْمِيَتهَا عقيقة أم لَا 7 - الْفَصْل السَّابِع فِي ذكر الْخلاف فِي وُجُوبهَا واستحبابها وحجج الْفَرِيقَيْنِ 8 - الْفَصْل الثَّامِن فِي الْوَقْت الَّذِي تسْتَحب فِيهِ الْعَقِيقَة 9 - الْفَصْل التَّاسِع فِي أَنَّهَا افضل من الصَّدَقَة 10 - الْفَصْل الْعَاشِر فِي تفاضل الذّكر وَالْأُنْثَى فِيهَا 11 - الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي ذكر الْغَرَض من الْعَقِيقَة وَحكمهَا وفوائدها واحياء سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

12- الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي أَن طبخ لَحمهَا أفضل من التَّصَدُّق بِهِ نيئا 13 - الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي كَرَاهَة كسر عظمها 14 - الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي السن المجزىء فِيهَا 15 - الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي أَنه لَا يجزىء عَن الرَّأْس إِلَّا الرَّأْس وَلَا يَصح اشْتِرَاك السَّبْعَة فِيهَا فِي البدنه وَالْبَقَرَة 16 - الْفَصْل السَّادِس عشر هَل تجزىء الْعَقِيقَة بِغَيْر النعم من الابل وَالْبَقر 17 - الْفَصْل السَّابِع عشر فِي بَيَان مصرفها وَمَا يتَصَدَّق بِهِ مِنْهَا ويهديه واستحباب الْهَدِيَّة مِنْهَا للقابلة 18 - الْفَصْل الثَّامِن عشر فِي حكم اجْتِمَاع الْعَقِيقَة وَالْأُضْحِيَّة وَهل يجزىء أَحدهمَا عَن الآخر أم لَا 19 - الْفَصْل التَّاسِع عشر فِي حكم من لم يعق عَنهُ أَبَوَاهُ هَل يعق عَن نَفسه إِذا بلغ 20 - الْفَصْل الْعشْرُونَ فِي حكم جلدهَا وسواقطها هَل يجوز بَيْعه أم حكمه حكم الْأُضْحِية 21 - الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِيمَا يُقَال عَن ذبح الْعَقِيقَة 22 - الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي حِكْمَة اختصاصها بِالْيَوْمِ السَّابِع وَالرَّابِع عشر وَالْحَادِي وَالْعِشْرين

الْفَصْل الأول - فِي بَيَان مشروعيتها

قَالَ مَالك هَذَا الْأَمر الَّذِي لَا اخْتِلَاف فِيهِ عندنَا وَقَالَ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ أدْركْت النَّاس وَمَا يدعونَ الْعَقِيقَة عَن الْغُلَام وَالْجَارِيَة قَالَ ابْن الْمُنْذر وَذَلِكَ أَمر مَعْمُول بِهِ بالحجاز قَدِيما وحديثا يَسْتَعْمِلهُ الْعلمَاء وَذكر مَالك أَنه الْأَمر الَّذِي لَا اخْتِلَاف فِيهِ عِنْدهم قَالَ وَمِمَّنْ كَانَ يرى الْعَقِيقَة عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وروينا ذَلِك عَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعُرْوَة بن الزبير وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالزهْرِيّ وَأبي الزِّنَاد وَبِه قَالَ مَالك وَأهل الْمَدِينَة وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَجَمَاعَة يكثر عَددهمْ من أهل الْعلم متبعين فِي ذَلِك سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِذا ثبتَتْ السّنة وَجب القَوْل بهَا وَلم يَضرهَا من عدل عَنْهَا قَالَ وَأنكر أَصْحَاب الرَّأْي أَن تكون الْعَقِيقَة سنة وخالفوا فِي ذَلِك الْأَخْبَار الكائنة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن أَصْحَابه وَعَمن رُوِيَ عَنهُ ذَلِك من التَّابِعين انْتهى

الْفَصْل الثَّانِي - فِي ذكر حجج من كرهها

قَالُوا روى عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ لَا أحب العقوق قَالُوا وَلِأَنَّهَا من فعل أهل الْكتاب كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الْيَهُود تعق عَن الْغُلَام وَلَا تعق عَن الْجَارِيَة ذكره الْبَيْهَقِيّ قَالُوا وَهِي من الذَّبَائِح الَّتِي كَانَت الْجَاهِلِيَّة تفعلها فأبطلها الْإِسْلَام كالعتيرة وَالْفرع قَالُوا وَقد روى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي رَافع رَضِي الله عَنهُ أَن الْحسن بن عَليّ لما ولد أَرَادَت أمه فَاطِمَة أَن تعق عَنهُ بكبشين فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تعقي وَلَكِن احلقي شعر رَأسه فتصدقي بوزنه من الْوَرق ثمَّ ولد حُسَيْن بعد ذَلِك فصنعت مثل ذَلِك

الْفَصْل الثَّالِث _ فِي أَدِلَّة الِاسْتِحْبَاب

فَأَما أهل الحَدِيث قاطبة وفقهاؤهم وَجُمْهُور أهل الْعلم فَقَالُوا هِيَ من سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن سلمَان بن عمار الضَّبِّيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ الْغُلَام عقيقة فأهريقوا عَنهُ دَمًا وأميطوا عَنهُ الْأَذَى وَعَن سَمُرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل غُلَام رهينة بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم سابعه وَيُسمى فِيهِ ويحلق رَأسه رَوَاهُ أهل السّنَن كلهم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَعَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح وَفِي لفظ أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نعق عَن الْجَارِيَة شَاة وَعَن

الْغُلَام شَاتين رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده وَعَن أم كرز الْكَعْبِيَّة أَنَّهَا سَأَلت الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْأُنْثَى وَاحِدَة وَلَا يضركم ذكرانا كن أَو إِنَاثًا رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقَالَ الضَّحَّاك بن مخلد أنبأ أَبُو حَفْص سَالم بن تَمِيم عَن أَبِيه عَن عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْيَهُود تعق عَن الْغُلَام وَلَا تعق عَن الْجَارِيَة فعقوا عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة ذكره الْبَيْهَقِيّ

وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظ النَّسَائِيّ بكبشين كبشين وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِتَسْمِيَة الْمَوْلُود يَوْم سابعه وَوضع الْأَذَى عَنهُ والعق قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَعَن بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ قَالَ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ولد لِأَحَدِنَا غُلَام ذبح شَاة ولطخ رَأسه بدمها فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نذبح شَاة ونحلق رَأسه ونلطخه بزعفران رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وروى ابْن الْمُنْكَدر من حَدِيث يحيى بن يحيى أَنبأَنَا هشيم عَن عُيَيْنَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه أَن أَبَا بكرَة ولد لَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَكَانَ أول مَوْلُود ولد بِالْبَصْرَةِ فَنحر عَنهُ جزورا فأطعم أهل الْبَصْرَة وَأنكر بَعضهم ذَلِك وَقَالَ أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشاتين عَن الْغُلَام وَعَن الْجَارِيَة بِشَاة وَعَن الْحسن عَن سَمُرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الْعَقِيقَة كل غُلَام مُرْتَهن

بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم سابعه ويحلق ويدمى قَالَ أَبُو دَاوُد فَكَانَ قَتَادَة إِذا سُئِلَ عَن الدَّم كَيفَ يصنع بِهِ قَالَ إِذا ذبحت الْعَقِيقَة أخذت مِنْهَا صوفة واستقبلت بهَا أوداجها ثمَّ تُوضَع على يافوخ الصَّبِي حَتَّى يسيل على رَأسه مثل الْخَيط ثمَّ يغسل رَأسه ويحلق قَالَ أَبُو دَاوُد وَهَذَا وهم من همام بن يحيى يَعْنِي ويدمى ثمَّ سَاقه من طَرِيق أُخْرَى قَالَ كل غُلَام رهينة بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم سابعه ويحلق وَيُسمى قَالَ أَبُو دَاوُد وَيُسمى أصح وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وَهَذَا الحَدِيث قد سَمعه الْحسن من سَمُرَة فَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن حبيب بن الشَّهِيد قَالَ قَالَ لي ابْن سِيرِين سُئِلَ الْحسن مِمَّن سمع حَدِيث الْعَقِيقَة فَسَأَلته فَقَالَ من سَمُرَة بن جُنْدُب وَقد ذكر الْبَيْهَقِيّ عَن سلمَان بن شُرَحْبِيل حَدثنَا يحيى بن حَمْزَة قَالَ

قلت لعطاء الخرساني مَا مُرْتَهن بعقيقته قَالَ يحرم شَفَاعَة وَلَده وَقَالَ اسحق بن هَانِيء سَأَلت أَبَا عبد الله عَن حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته مَا مَعْنَاهُ قَالَ نعم سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يعق عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة فَإِذا لم يعق عَنهُ فَهُوَ محتبس بعقيقته حَتَّى يعق عَنهُ وَقَالَ الْأَثْرَم قَالَ أَبُو عبد الله مَا فِي هَذِه الْأَحَادِيث أوكد من هَذَا يَعْنِي فِي الْعَقِيقَة كل غُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَقَالَ يَعْقُوب بن بختان سُئِلَ أَبُو عبد الله عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ مَا أعلم فِيهِ شَيْئا أَشد من هَذَا الحَدِيث الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَقَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله وَلَا أحب لمن أمكنه وَقدر أَن لَا يعق عَن وَلَده وَلَا يَدعه لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَهُوَ أَشد مَا رُوِيَ فِيهِ وَإِنَّمَا كره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذَلِك الِاسْم وَأما الذّبْح فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد فعل ذَلِك وَقَالَ أَحْمد بن الْقَاسِم قيل لأبي عبد الله الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ فَقَالَ أما وَاجِبَة فَلَا أَدْرِي لَا أَقُول وَاجِبَة ثمَّ قَالَ أَشد شَيْء فِيهِ أَن الرجل مُرْتَهن بعقيقته وَقد قَالَ أَحْمد فِي مَوضِع آخر مُرْتَهن عَن الشَّفَاعَة لوَالِديهِ

وَأما قَوْله ويدمى فقد اخْتلف فِي هَذِه اللَّفْظَة فرواها همام عَن يحيى عَن قَتَادَة فَقَالَ ويدمى وفسرها قَتَادَة بِمَا تقدم حكايته وَخَالفهُ فِي ذَلِك أَكثر أهل الْعلم وَقَالُوا هَذَا من فعل أهل الْجَاهِلِيَّة وَكَرِهَهُ الزُّهْرِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق قَالَ أَحْمد أكره أَن يدمى رَأس الصَّبِي هَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد سَأَلت أبي عَن الْعَقِيقَة أيذبح ويدمى رَأس الصَّبِي أَو الْجَارِيَة فَقَالَ أبي وَلَا يدمى وَقَالَ الْخلال أَخْبرنِي الْعَبَّاس بن أَحْمد أَن أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن تلطيخ رَأس الصَّبِي بِالدَّمِ فَقَالَ لَا أحبه انه من فعل الْجَاهِلِيَّة قيل لَهُ فان هماما كَانَ يَقُول يدميه فَذكر أَبُو عبد الله عَن رجل قَالَ كَانَ يَقُول يُسَمِّيه وَلَا أحب قَول همام فِي هَذَا وَأخْبرنَا أَحْمد بن هَاشم الْأَنْطَاكِي قَالَ قَالَ أَحْمد اخْتلف همام وَسَعِيد فِي الْعَقِيقَة قَالَ أَحدهمَا يدمى وَقَالَ الآخر يُسمى وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى أَن التدمية سنة قَالَ الْخلال أَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام قَالَ حَدثنَا حَنْبَل قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله فِي الصَّبِي يدمى رَأسه قَالَ هَذِه سنة ومذهبه الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ كَافَّة أَصْحَابه الْكَرَاهِيَة قَالَ الْخلال وَأَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام فِي مَوضِع آخر حَدثنَا حَنْبَل قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول يحلق رَأس الصَّبِي وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا صَالح وأنبأ أَحْمد بن مُحَمَّد

ابْن حَازِم حَدثنَا إِسْحَاق كلهم يذكر عَن أبي عبد الله قَالَ الدَّم مَكْرُوه لم يرو إِلَّا فِي حَدِيث سَمُرَة أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن الْفضل حَدثهمْ أَنه قَالَ لأبي عبد الله فيحلق رَأسه قَالَ نعم قلت فيدمى قَالَ لَا هَذَا من فعل الْجَاهِلِيَّة قلت فَحَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن كَيفَ هُوَ ويدمى فَقَالَ أما همام فَيَقُول ويدمى وَأما سعيد فَيَقُول وَيُسمى وَقَالَ فِي رِوَايَة الْأَثْرَم قَالَ ابْن أبي عرُوبَة يُسمى وَقَالَ همام ويدمى وَمَا أرَاهُ إِلَّا خطأ وَقد قَالَ أَبُو عبد الله ابْن ماجة فِي سنَنه حَدثنَا يَعْقُوب بن حميد بن كاسب حَدثنَا عبد الله بن وهب حَدثنِي عَمْرو بن الْحَارِث عَن أَيُّوب بن مُوسَى أَنه حَدثهُ عَن يزِيد بن عبد الْمُزنِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعق عَن الْغُلَام وَلَا يمس رَأسه بِدَم وَقد تقدم حَدِيث بُرَيْدَة كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ولد لِأَحَدِنَا غُلَام ذبح شَاة ولطخ رَأسه بدمها فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كُنَّا نذبح شَاة ونحلق رَأسه ونلطخه بزعفران وَقد روى الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من حَدِيث ابْن جريج عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يجْعَلُونَ قطنة فِي دم الْعَقِيقَة ويجعلونه على رَأس الصَّبِي فَأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَجْعَل مَكَان

الدَّم خلوقا قَالَ ابْن الْمُنْذر ثَبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أهريقوا عَلَيْهِ دَمًا وأميطوا عَنهُ الْأَذَى وَالدَّم أَذَى فَإِذا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أمرنَا بإماطة الْأَذَى عَنهُ وَالدَّم أَذَى وَهُوَ من أكبر الْأَذَى فَغير جَائِز أَن ينجس رَأس الصَّبِي بِالدَّمِ

الْفَصْل الرَّابِع فِي الْجَواب عَن حجج من كرهها

قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل وَقد حُكيَ عَن بعض من كرهها أَنَّهَا من أَمر الْجَاهِلِيَّة قَالَ هَذَا لقلَّة علمهمْ وَعدم معرفتهم بالأخبار وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن وَفعله أَصْحَابه وَجعلهَا هَؤُلَاءِ من أَمر الْجَاهِلِيَّة والعقيقة سنة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَهُوَ // إِسْنَاد جيد // يرويهِ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ فِي رِوَايَة

الْأَثْرَم فِي الْعَقِيقَة أَحَادِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُسندَة وَعَن أَصْحَابه وَعَن التَّابِعين وَقَالَ هَؤُلَاءِ هِيَ من عمل الْجَاهِلِيَّة وَتَبَسم كالمعجب وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ قلت لأبي عبد الله يثبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعَقِيقَة شَيْء فَقَالَ أَي وَالله غير حَدِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة قلت لَهُ فَتلك الْأَحَادِيث الَّتِي يعْتَرض فِيهَا فَقَالَ لَيست بِشَيْء لَا يعبأ بهَا وَأما أَحَادِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا أحب العقوق فسياق الحَدِيث من أَدِلَّة الِاسْتِحْبَاب فان لَفظه هَكَذَا سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ لَا أحب العقوق وَكَأَنَّهُ كره الِاسْم فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّمَا نَسْأَلك عَن أَحَدنَا يُولد لَهُ ولد فَقَالَ من أحب مِنْكُم أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَأما حَدِيث أبي رَافع فَلَا يَصح وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي هَذِه الْأَحَادِيث الْمُعَارضَة لأحاديث الْعَقِيقَة لَيست بِشَيْء لَا يعبأ بهَا وَقد استفاضت الْأَحَادِيث بِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن فروى أَبُو أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن

ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا ذكره أَبُو دَاوُد وَقد ذكر جرير بن حَازِم عَن قَتَادَة عَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كبشين وَذكر يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة قَالَت عق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْحسن وَالْحُسَيْن يَوْم السَّابِع وَلَو صَحَّ قَوْله لَا تعقي عَنهُ لم يدل ذَلِك على كَرَاهَة الْعَقِيقَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب أَن يتَحَمَّل عَنْهَا الْعَقِيقَة فَقَالَ لَهَا لَا تعقي عق هُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكفاها الْمُؤْنَة وَأما قَوْلهم إِنَّهَا من فعل أهل الْكتاب فَالَّذِي من فعلهم تَخْصِيص الذّكر بالعقيقة دون الْأُنْثَى كَمَا دلّ عَلَيْهِ لفظ الحَدِيث فانه قَالَ إِن الْيَهُود تعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة

الْفَصْل الْخَامِس فِي اشتقاقها وَمن أَي شَيْء أخذت

قَالَ أَبُو عَمْرو فَأَما الْعَقِيقَة فِي اللُّغَة فَذكر أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي وَغَيره

أَن أَصْلهَا الشّعْر الَّذِي يكون على رَأس الصَّبِي حِين يُولد وَإِنَّمَا سميت الشَّاة الَّتِي تذبح عَنهُ عقيقة لِأَنَّهُ يحلق عَنهُ ذَلِك الشّعْر عِنْد الذّبْح قَالَ وَلِهَذَا قَالَ أميطوا عَنهُ الْأَذَى يَعْنِي بذلك الشّعْر قَالَ أَبُو عبيد وَهَذَا مِمَّا قلت لَك انهم رُبمَا سموا الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه أَو من سَببه فسميت الشَّاة عقيقة لعقيقة الشّعْر وَكَذَلِكَ كل مَوْلُود من الْبَهَائِم فَإِن الشّعْر الَّذِي يكون عَلَيْهِ حِين يُولد عقيقة وعقة قَالَ زُهَيْر يذكر حمَار وَحش (أذلك أم أقب الْبَطن جأب ... عَلَيْهِ من عقيقته عفاء) قَالَ يَعْنِي صغَار الْوَبر وَقَالَ ابْن الرّقاع يصف حمارا (تحسرت عقة عَنهُ فأنسلها ... واجتاب أُخْرَى جَدِيدا بَعْدَمَا ابتقلا) قَالَ يُرِيد أَنه لما فطم من الرَّضَاع وَأكل البقل ألْقى عقيقته واجتاب أُخْرَى قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْعَقِيقَة والعقة فِي النَّاس والحمر وَلم يسمع فِي غير

ذَلِك انْتهى كَلَام أبي عبيد وَقد أنكر الامام أَحْمد تَفْسِير أبي عبيد هَذَا للعقيقة وَمَا ذكره عَن الْأَصْمَعِي وَغَيره فِي ذَلِك وَقَالَ إِنَّمَا الْعَقِيقَة الذّبْح نَفسه وَقَالَ وَلَا وَجه لما قَالَ أَبُو عبيد قَالَ أَبُو عَمْرو وَاحْتج بعض الْمُتَأَخِّرين لِأَحْمَد بن حَنْبَل فِي قَوْله هَذَا بِأَن مَا قَالَ أَحْمد من ذَلِك فمعروف فِي اللُّغَة لِأَنَّهُ يُقَال عق إِذا قطع وَمِنْه عق وَالدية إِذا قطعهمَا قَالَ أَبُو عَمْرو وَيشْهد لقَوْل أَحْمد بن حَنْبَل قَول الشَّاعِر (بِلَاد بهَا عق الشَّبَاب تمائمه ... وَأول أَرض مس جلدي ترابها) يُرِيد أَنه لما شب قطعت عَنهُ تمائه وَمثل هَذَا قَول ابْن ميادة (بِلَاد بهَا نيصت عَليّ تمائمي ... وقطعن عني حِين أدركني عَقْلِي) قَالَ أَبُو عَمْرو وَقَول أَحْمد فِي معنى الْعَقِيقَة فِي اللُّغَة أولى من قَول أبي عبيد وَأقرب وأصوب وَالله أعلم انْتهى كَلَام أبي عَمْرو وَقَالَ الْجَوْهَرِي عق عَن وَلَده يعق عقا إِذا ذبح يَوْم أسبوعه وَكَذَلِكَ إِذا حلق عقيقته فَجعل الْعَقِيقَة لأمرين وَهَذَا أولى وَالله أعلم وَأما قَوْله فِي الحَدِيث لَا أحب العقوق فَهُوَ تَنْبِيه على كَرَاهَة مَا تنفر عَنهُ

الْقُلُوب من الْأَسْمَاء وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَدِيد الْكَرَاهَة لذَلِك جدا حَتَّى كَانَ يُغير الِاسْم الْقَبِيح بالْحسنِ وَيتْرك النُّزُول فِي الأَرْض القبيحة الِاسْم والمرور بَين الجبلين الْقَبِيح اسمهما وَكَانَ يحب الِاسْم الْحسن والفأل الْحسن وَفِي الْمُوَطَّأ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ للقحة من يحلب هَذِه فَقَامَ رجل فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا اسْمك فَقَالَ لَهُ الرجل مرّة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْلِسْ ثمَّ قَالَ من يحلب هَذِه فَقَامَ رجل آخر فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا اسْمك فَقَالَ حَرْب فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اجْلِسْ ثمَّ قَالَ من يحلب هَذِه فَقَامَ رجل فَقَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا اسْمك فَقَالَ يعِيش فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احلب رَوَاهُ مُرْسلا فِي موطئِهِ وأسنده ابْن وهب فِي جَامعه فَقَالَ حَدثنِي ابْن لَهِيعَة عَن الْحَارِث ابْن يزِيد عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن يعِيش الْغِفَارِيّ قَالَ دَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا بِنَاقَة فَقَالَ من يحلبها فَقَامَ رجل فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ مرّة قَالَ اقعد فَقَامَ آخر فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ جَمْرَة قَالَ اقعد ثمَّ قَامَ رجل فَقَالَ مَا اسْمك قَالَ يعِيش قَالَ احلبها

قَالَ أَبُو عمر هَذَا من بَاب الفأل الْحسن لَا من بَاب الطَّيرَة وَعِنْدِي فِيهِ وَجه آخر وَهُوَ أَن بَين الِاسْم والمسمى علاقَة ورابطة تناسبه وقلما يتَخَلَّف ذَلِك فالألفاظ قوالب للمعاني والأسماء أَقْوَال المسميات (وَقل إِن أَبْصرت عَيْنَاك ذَا لقب ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِن فَكرت فِي لقبه) فقبح الِاسْم عنوان قبح الْمُسَمّى كَمَا أَن قبح الْوَجْه عنوان قبح الْبَاطِن وَمن هَاهُنَا وَالله أعلم أَخذ عَمْرو بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ مَا ذكره مَالك أَنه قَالَ لرجل مَا اسْمك فَقَالَ جَمْرَة فَقَالَ ابْن من قَالَ ابْن شهَاب قَالَ مِمَّن قَالَ من الحرقة قَالَ أَيْن مسكنك قَالَ بحرة النَّار قَالَ بأيتها قَالَ بِذَات لظى فَقَالَ عمر أدْرك أهلك فقد احترقوا فَكَانَ كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ وَقد ذكر ابْن أبي خَيْثَمَة من حَدِيث بُرَيْدَة كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتطير فَركب بُرَيْدَة فِي سبعين رَاكِبًا من أهل بَيته من بني أسلم فلقي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلًا فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَنْت قَالَ أَنا بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر

وَقَالَ يَا أَبَا بكر برد أمرنَا وَصلح ثمَّ قَالَ مِمَّن قلت من أسلم قَالَ لأبي بكر الْآن سلمنَا ثمَّ قَالَ مِمَّن قَالَ من سهم قَالَ خرج سهمك وَلما رأى سُهَيْل بن عَمْرو مُقبلا يَوْم صلح الْحُدَيْبِيَة قَالَ سهل أَمر كم وانْتهى فِي مسيره إِلَى جبلين فَسَأَلَ عَن اسمهما فَقَالَ مخز وفاضح فَعدل عَنْهُمَا وَلم يسْلك بَينهمَا وَغير اسْم عاصية بجميلة وَاسم أَصْرَم بزرعة قَالَ أَبُو دَاوُد فِي السّنَن وَغير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْم الْعَاصِ وعزيز وعتلة وَشَيْطَان وَالْحكم وغراب وشهاب فَسَماهُ هشاما وسمى حَربًا أسلم وسمى المضطجع المنبعث وَأَرْض عفرَة سَمَّاهَا خضرَة وَشعب الضَّلَالَة سَمَّاهُ شعب الْهدى وَبَنُو الزِّينَة سماهم بني الرشدة وَهَذَا بَاب عَجِيب من أَبْوَاب الدّين وَهُوَ الْعُدُول عَن الِاسْم الَّذِي تستقبحه

الْعُقُول وتنفر مِنْهُ النُّفُوس إِلَى الِاسْم الَّذِي هُوَ أحسن مِنْهُ والنفوس إِلَيْهِ أميل وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَدِيد الاعتناء بذلك حَتَّى قَالَ لَا يقل أحدكُم خبثت نَفسِي وَلَكِن ليقل لقست نَفسِي فَلَمَّا كَانَ اسْم الْعَقِيقَة بَينه وَبَين العقوق تناسب وتشابه كرهه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ إِن الله لَا يحب العقوق ثمَّ قَالَ من ولد لَهُ مَوْلُود فَأحب إِن ينْسك عَنهُ فَلْيفْعَل

الْفَصْل السَّادِس - هَل تكره تَسْمِيَتهَا عقيقة

اخْتلفت فِيهِ - فَكرِهت ذَلِك طَائِفَة وَاحْتَجُّوا بِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كره الِاسْم فَلَا يَنْبَغِي أَن يُطلق على هَذِه الذَّبِيحَة الِاسْم الَّذِي كرهه قَالُوا فَالْوَاجِب بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث أَن يُقَال لَهَا نسيكة وَلَا يُقَال لَهَا عقيقية وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى لَا يكره ذَلِك وَرَأَوا إِبَاحَته وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث سَمُرَة الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَبِحَدِيث سلمَان بن عَامر مَعَ الْغُلَام عقيقته فَفِي هذَيْن الْحَدِيثين لفظ الْعَقِيقَة فَدلَّ على الْإِبَاحَة لَا على الْكَرَاهَة قَالَ أَبُو عمر فَدلَّ ذَلِك على الْكَرَاهَة فِي الِاسْم وعَلى هَذَا كتب الْفُقَهَاء فِي كل الْأَمْصَار لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْعَقِيقَة لَا النسيكة قَالَ على أَن حَدِيث مَالك هَذَا

لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِالْكَرَاهَةِ وَكَذَلِكَ حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده إِنَّمَا فيهمَا كَأَنَّهُ كره الِاسْم وَقَالَ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل قلت وَنَظِير هَذَا اخْتلَافهمْ فِي تَسْمِيَة الْعشَاء بالعتمة وَفِيه رِوَايَتَانِ عَن الامام أَحْمد وَالتَّحْقِيق فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَرَاهَة هجر الِاسْم الْمَشْرُوع من الْعشَاء والنسيكة والاستبدال بِهِ اسْم الْعَقِيقَة وَالْعَتَمَة فَأَما إِذا كَانَ الْمُسْتَعْمل هُوَ الِاسْم الشَّرْعِيّ وَلم يهجر وَأطلق الِاسْم الآخر أَحْيَانًا فَلَا بَأْس بذلك وعَلى هَذَا تتفق الْأَحَادِيث وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

الْفَصْل السَّابِع - فِي ذكر الْخلاف فِي وُجُوبهَا واستحبابها وحجج الطَّائِفَتَيْنِ

قَالَ ابْن الْمُنْذر اخْتلفُوا فِي وجوب الْعَقِيقَة فَقَالَت طَائِفَة وَاجِبَة لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بذلك وَأمره على الْفَرْض روينَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ فِي رجل لم يعق عَنهُ قَالَ يعق عَن نَفسه وَكَانَ لَا يرى على الْجَارِيَة عقيقة قَالَ وَرُوِيَ عَن بُرَيْدَة أَن النَّاس يعرضون على الْعَقِيقَة يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يعرضون على الصَّلَوَات الْخمس قَالَ اسحاق بن رَاهَوَيْه حَدثنَا يعلى بن عبيد قَالَ حَدثنَا صَالح بن حبَان عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن النَّاس يعرضون يَوْم الْقِيَامَة على الْعَقِيقَة كَمَا يعرضون على الصَّلَوَات الْخمس فَقلت لِابْنِ بُرَيْدَة وَمَا الْعَقِيقَة قَالَ الْمَوْلُود يُولد فِي الاسلام يَنْبَغِي أَن يعق عَنهُ

وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد الْعَقِيقَة من أَمر الْمُسلمين الَّذين كَانُوا يكْرهُونَ تَركه قَالَ وروينا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ الْعَقِيقَة عَن الْغُلَام وَاجِبَة يَوْم سابعه وَقَالَ أَبُو عمر وَأما اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي وُجُوبهَا فَذهب أهل الظَّاهِر إِلَى أَن الْعَقِيقَة وَاجِبَة فرضا مِنْهُم دَاوُد وَغَيره قَالُوا إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر وَعمل بهَا قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَمَعَ الْغُلَام عقيقته وَقَالَ عَن الْجَارِيَة شَاة وَعَن الْغُلَام شَاتَان وَنَحْو هَذَا من الْأَحَادِيث وَكَانَ بُرَيْدَة الْأَسْلَمِيّ يُوجِبهَا ويشبهها بِالصَّلَاةِ وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة عَن الْغُلَام يَوْم سابعه فَإِن لم يعق عَنهُ عق عَن نَفسه وَقَالَ اللَّيْث بن سعد يعق عَن الْمَوْلُود أَيَّام سابعه فِي أَيهَا شاؤوا فَإِن لم يتهيأ لَهُم الْعَقِيقَة فِي سابعه فَلَا بَأْس أَن يعق عَنهُ بعد ذَلِك وَلَيْسَ بِوَاجِب أَن يعق عَنهُ بعد سَبْعَة أَيَّام فَكَانَ اللَّيْث بن سعد يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة فِي السَّبْعَة الْأَيَّام وَكَانَ مَالك يَقُول هِيَ سنة وَاجِبَة يجب الْعَمَل بهَا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر والطبري هَذَا كَلَام أبي عمر قلت وَالسّنة والواجبة هِنْد أَصْحَاب مَالك مَا تَأَكد اسْتِحْبَابه وَكره تَركه فيسمونه وَاجِبا وجوب السّنَن وَلِهَذَا قَالُوا غسل الْجُمُعَة سنة وَاجِبَة وَالْأُضْحِيَّة سنة وَاجِبَة والعقيقة سنة وَاجِبَة وَقد حكى أَصْحَاب أَحْمد عَنهُ فِي وُجُوبهَا

رِوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ عَنهُ نَص صَرِيح فِي الْوُجُوب وَنحن نذْكر نصوصه قَالَ الْخلال فِي الْجَامِع ذكر اسْتِحْبَاب الْعَقِيقَة وَأَنَّهَا غير غير وَاجِبَة أخبرنَا سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة مَا هِيَ قَالَ الذَّبِيحَة وَأنكر قَول الَّذِي يَقُول هِيَ حلق الرَّأْس أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن الْفضل حَدثهمْ قَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ قَالَ لَا وَلَكِن من أحب أَن ينْسك فلينسك قَالَ وَسَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْعَقِيقَة أتوجبها قَالَ لَا ثمَّ ذكر عَن أَحْمد بن الْقَاسِم أَن أَبَا عبد الله قيل لَهُ فِي الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ قَالَ أما وَاجِبَة فَلَا أَدْرِي وَلَا أَقُول وَاجِبَة ثمَّ قَالَ أَشد شَيْء فِيهِ أَن الرجل مُرْتَهن بعقيقته وَقَالَ الْأَثْرَم قلت لأبي عبد الله الْعَقِيقَة وَاجِبَة قَالَ لَا وَأَشد شَيْء رُوِيَ فِيهَا حَدِيث الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته هُوَ أَشدّهَا وَقَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله لَا أحب لمن أمكنه وَقدر أَن لَا يعق عَن وَلَده وَلَا يَدعه لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته فَهُوَ أَشد مَا رُوِيَ فِي الْعَقِيقَة

وَقَالَ الْحَارِث سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْعَقِيقَة وَاجِبَة هِيَ عَن الْغَنِيّ وَالْفَقِير إِذا ولد لَهُ أَن يعق عَنهُ قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل غُلَام رهينة بعقيقته حَتَّى يذبح عَنهُ يَوْم سابعه ويحلق رَأسه هَذِه سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وآني لأحب أَن تحيى هَذِه السّنة أَرْجُو أَن يخلف الله عَلَيْهِ وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم سَأَلت أَبَا عبد الله عَن حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا مَعْنَاهُ الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته قَالَ نعم سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة فَإِذا لم يعق عَنهُ فَهُوَ محتبس بعقيقته حَتَّى يعق عَنهُ وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد قيل لأبي عبد الله فِي الْعَقِيقَة فان لم تكن عِنْده قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَقَالَ الْحَارِث قيل لأبي عبد الله فِي الْعَقِيقَة فان لم يكن عِنْده يَعْنِي مَا يعق قَالَ إِن اسْتقْرض رَجَوْت أَن يخلف الله عَلَيْهِ أَحْيَا سنة وَقَالَ صَالح قلت لأبي يُولد للرجل وَلَيْسَ عِنْده مَا يعق أحب إِلَيْك أَن يستقرض ويعق عَنهُ أم يُؤَخر ذَلِك حَتَّى يوسر فَقَالَ أَشد مَا سَمِعت

فِي الْعَقِيقَة حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل غُلَام رهينة بعقيقته وَإِنِّي لأرجو إِن اسْتقْرض أَن يعجل الله لَهُ الْخلف لِأَنَّهُ أَحْيَا سنة من سنَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاتبع مَا جَاءَ بِهِ فَهَذِهِ نصوصه كَمَا ترى وَلَكِن أَصْحَابه فرعوا على القَوْل بِالْوُجُوب ثَلَاثَة فروع أَحدهَا هَل هِيَ وَاجِبَة على الصَّبِي فِي مَاله أَو على أَبِيه الثَّانِي هَل تجب الشَّاة على الذّكر أَو الشاتان الثَّالِث إِذا لم يعق عَنهُ أَبوهُ هَل تسْقط أَو يجب أَن يعق عَن نَفسه إِذا بلغ فَأَما الْفَرْع الأول فحكموا فِيهِ وَجْهَيْن أَحدهمَا يجب على الْأَب وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد قَالَ إِسْمَاعِيل بن سعيد الشالنجي سَأَلت أَحْمد عَن الرجل يُخبرهُ وَالِده أَنه لم يعق عَنهُ هَل يعق عَن نَفسه قَالَ ذَلِك على الْأَب وَالثَّانِي فِي مَال الصَّبِي وَحجَّة من أوجبهَا على الْأَب أَنه هُوَ الْمَأْمُور بهَا كَمَا تقدم وَاحْتج من أوجبهَا على الصَّبِي بقوله الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته وَهَذَا الحَدِيث يحْتَج بِهِ الطائفتان فان أَوله الْإِخْبَار عَن ارتهان الْغُلَام بالعقيقة وَآخره الْأَمر بِأَن يراق عَنهُ الدَّم قَالَ الموجبون وَيدل على الْوُجُوب قَوْله عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَهَذَا يدل على الْوُجُوب لِأَن الْمَعْنى يجزىء عَن الْجَارِيَة شَاة وَعَن الْغُلَام شَاتَان

وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث البُخَارِيّ عَن سلمَان بن عَامر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَعَ الْغُلَام عقيقته فأهريقوا عَنهُ دَمًا وأميطوا عَنهُ الْأَذَى قَالُوا وَهَذَا يدل على الْوُجُوب من وَجْهَيْن أَحدهمَا قَوْله مَعَ الْغُلَام عقيقته وَهَذَا لَيْسَ إِخْبَارًا عَن الْوَاقِع بل عَن الْوَاجِب ثمَّ أَمرهم أَن يخرجُوا عَنهُ هَذَا الَّذِي مَعَه فَقَالَ أهريقوا عَنهُ دَمًا قَالُوا وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا حَدِيث عَمْرو ابْن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِتَسْمِيَة الْمَوْلُود يَوْم سابعه وَوضع الْأَذَى عَنهُ والعق قَالُوا وروى التِّرْمِذِيّ حَدثنَا يحيى ابْن خلف حَدثنَا بشر بن الْمفضل حَدثنَا عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم عَن يُوسُف بن مَاهك أَنهم دخلُوا على حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن فَسَأَلُوهَا عَن الْعَقِيقَة فَأَخْبَرتهمْ أَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أخْبرتهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح

وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا عبد الله ابْن عُثْمَان بن خثيم عَن يُوسُف بن مَاهك عَن حَفْصَة بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة قَالَ أَبُو بكر حَدثنَا يَعْقُوب بن حميد بن كاسب حَدثنَا عبد الله بن وهب قَالَ حَدثنِي عَمْرو بن الْحَارِث عَن أَيُّوب بن مُوسَى أَنه حَدثهُ أَن يزِيد بن عبد الْمُزنِيّ حَدثهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعق عَن الْغُلَام وَلَا يمس رَأسه بِدَم قَالُوا وَهَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر قَالَ أَبُو بكر وَحدثنَا ابْن فُضَيْل عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن ابراهيم قَالَ كَانَ يُؤمر بالعقيقة وَلَو بعصفور فصل

قَالَ الْقَائِلُونَ بالاستحباب لَو كَانَت وَاجِبَة لَكَانَ وُجُوبهَا مَعْلُوما من الدّين

لِأَن ذَلِك مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وتعم بِهِ الْبلوى فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يبين وُجُوبهَا للْأمة بَيَانا عَاما كَافِيا تقوم بِهِ الْحجَّة وَيَنْقَطِع مَعَه الْعذر قَالُوا وَقد علقها بمحبة فاعلها فَقَالَ من ولد لَهُ ولد فَأحب أَن ينْسك عَنهُ فَلْيفْعَل قَالُوا وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهَا لَا يدل على الْوُجُوب وَإِنَّمَا يدل على الِاسْتِحْبَاب قَالُوا وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ لَا يحب الله العقوق كَأَنَّهُ كره الِاسْم وَقَالَ من ولد لَهُ ولد وَأحب أَن ينْسك عَنهُ فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَهَذَا مُرْسل وَقد رَوَاهُ مرّة عَن عَمْرو عَن أَبِيه قَالَ أرَاهُ عَن جده وروى مَالك عَن زيد بن أسلم عَن رجل من بني ضَمرَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ لَا أحب العقوق وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كره الِاسْم وَقَالَ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَإِذا انْضَمَّ إِلَى الأول قَوِيا قلت وَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب قد جوده عبد الرَّزَّاق فَقَالَ أخبرنَا دَاوُد بن قيس قَالَ سَمِعت عَمْرو بن شُعَيْب يحدث عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْعَقِيقَة فَذكر الحَدِيث

الْفَصْل الثَّامِن - فِي الْوَقْت الَّذِي تسْتَحب فِيهِ الْعَقِيقَة

قَالَ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْمسَائِل سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول الْعَقِيقَة تذبح يَوْم السَّابِع وَقَالَ صَالح بن أَحْمد قَالَ أبي فِي الْعَقِيقَة تذبح يَوْم السَّابِع فَإِن لم يفعل فَفِي أَربع عشرَة فَإِن لم يفعل فَفِي إِحْدَى وَعشْرين وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ قلت لأبي عبد الله مَتى يعق عَنهُ قَالَ أما عَائِشَة فَتَقول سَبْعَة أَيَّام وَأَرْبَعَة عشرَة ولأحد وَعشْرين وَقَالَ أَبُو طَالب قَالَ أَحْمد تذبح الْعَقِيقَة لأحد وَعشْرين يَوْمًا انْتهى وَالْحجّة على ذَلِك حَدِيث سَمُرَة الْمُتَقَدّم الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم السَّابِع وَيُسمى قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث صَحِيح وَقَالَ عبد الله ابْن وهب أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَمْرو عَن ابْن جريج عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن عَن عَائِشَة قَالَت عق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن حسن وحسين يَوْم السَّابِع وسماهما وَأمر أَن يماط عَن رؤوسهما الْأَذَى وَقَالَ أَبُو بكر بن الْمُنْذر حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الصَّائِغ قَالَ حَدثنِي أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ حَدثنَا أَبُو زُهَيْر عبد الرَّحْمَن بن مغراء حَدثنَا مُحَمَّد بن اسحاق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أمرنَا رَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين سَابِع الْمَوْلُود بِتَسْمِيَة وعقيقته وَوضع الْأَذَى عَنهُ وَهَذَا قَول عَامَّة أهل الْعلم وَنحن نحكي مَا بلغنَا من أَقْوَالهم وَأَرْفَع من رُوِيَ عَنهُ ذَلِك عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ كَمَا حَكَاهُ احْمَد عَنْهَا فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ وَكَذَلِكَ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة يعق عَنهُ يَوْم سابعه وَقَالَ أَبُو عمر وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة عَن الْغُلَام يَوْم سابعه فَإِن لم يعق عَنهُ عق عَن نَفسه وَقَالَ اللَّيْث بن سعد يعق عَن الْمَوْلُود فِي أَيَّام سابعه فان لم يتهيأ لَهُم الْعَقِيقَة فِي سابعه فَلَا بَأْس أَن يعق عَنهُ بعد ذَلِك وَلَيْسَ بِوَاجِب أَن يعق عَنهُ بعد سَبْعَة أَيَّام قَالَ أَبُو عمر وَكَانَ اللَّيْث يذهب إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَة فِي السَّبْعَة الْأَيَّام وَقَالَ عَطاء إِن اخطأ هم أَمر الْعَقِيقَة يَوْم السَّابِع أَحْبَبْت أَن يُؤَخِّرهُ إِلَى الْيَوْم السَّابِع الآخر وَكَذَلِكَ قَالَ احْمَد وَإِسْحَاق وَالشَّافِعِيّ وَلم يزدْ مَالك على السَّابِع الثَّانِي وَقَالَ ابْن وهب لَا بَأْس أَن يعق عَنهُ فِي السَّابِع الثَّالِث وَهُوَ قَول عَائِشَة وَعَطَاء وَاحْمَدْ وَإِسْحَاق قَالَ مَالك وَلَا يعد الْيَوْم الَّذِي ولد فِيهِ إِلَّا أَن يُولد قبل الْفجْر من لَيْلَة ذَلِك الْيَوْم وَالظَّاهِر أَن التَّقْيِيد بذلك اسْتِحْبَاب وَإِلَّا فَلَو ذبح عَنهُ فِي الرَّابِع أَو الثَّامِن أَو الْعَاشِر أَو مَا بعده أَجْزَأت وَالِاعْتِبَار بِالذبْحِ لَا بِيَوْم الطَّبْخ وَالْأكل

الْفَصْل التَّاسِع فِي بَيَان أَن الْعَقِيقَة افضل من التَّصَدُّق بِثمنِهَا وَلَو زَاد

قَالَ الْخلال بَاب مَا يسْتَحبّ من الْعَقِيقَة وفضلها على الصَّدَقَة اُخْبُرْنَا

سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث قَالَ سُئِلَ أَبُو عبد الله وَأَنا اسْمَع عَن الْعَقِيقَة أحب إِلَيْك أَو يدْفع ثمنهَا للْمَسَاكِين قَالَ الْعَقِيقَة وَقَالَ فِي رِوَايَة الْحَارِث وَقد سُئِلَ عَن الْعَقِيقَة إِن اسْتقْرض رَجَوْت أَن يخلف الله عَلَيْهِ أَحْيَا سنة وَقَالَ لَهُ صَالح ابْنه الرجل يُولد لَهُ وَلَيْسَ عِنْده مَا يعق أحب إِلَيْك أَن يستقرض ويعق عَنهُ أم يُؤَخر ذَلِك حَتَّى يوسر قَالَ أَشد مَا سمعنَا فِي الْعَقِيقَة حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل غُلَام رهينة بعقيقته وَإِنِّي لأرجو إِن اسْتقْرض أَن يعجل الله الْخلف لِأَنَّهُ أَحْيَا سنة من سنَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاتبع مَا جَاءَ عَنهُ انْتهى وَهَذَا لِأَنَّهُ سنة ونسيكة مَشْرُوعَة بِسَبَب تجدّد نعْمَة الله على الْوَالِدين وفيهَا سر بديع موروث عَن فدَاء إِسْمَاعِيل بالكبش الَّذِي ذبح عَنهُ وفداه الله بِهِ فَصَارَ سنة فِي أَوْلَاده بعده أَن يفْدي أحدهم عِنْد وِلَادَته بِذبح وَلَا يستنكر أَن يكون هَذَا حرْزا لَهُ من الشَّيْطَان بعد وِلَادَته كَمَا كَانَ ذكر اسْم الله عِنْد وَضعه فِي الرَّحِم حرْزا لَهُ من ضَرَر الشَّيْطَان وَلِهَذَا قل من يتْرك أَبَوَاهُ الْعَقِيقَة عَنهُ إِلَّا وَهُوَ فِي تخبيط من الشَّيْطَان وأسرار الشَّرْع أعظم من

هَذَا وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَاب أَن الذّكر وَالْأُنْثَى يَشْتَرِكَانِ فِي مَشْرُوعِيَّة الْعَقِيقَة وَإِن تفاضلا فِي قدرهَا وَأما أهل الْكتاب فَلَيْسَتْ الْعَقِيقَة عِنْدهم للْأُنْثَى وَإِنَّمَا هِيَ للذّكر خَاصَّة وَقد ذهب إِلَى ذَلِك بعض السّلف قَالَ أَبُو بكر بن الْمُنْذر وَفِي هَذَا الْبَاب قَول ثَالِث قَالَه الْحسن وَقَتَادَة كَانَا لَا يريان عَن الْجَارِيَة عقيقة وَهَذَا قَول ضَعِيف لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَالسّنة تخَالفه من وُجُوه كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْل الَّذِي بعد هَذَا فَكَانَ الذّبْح فِي مَوْضِعه أفضل من الصَّدَقَة بِثمنِهِ وَلَو زَاد كالهدايا وَالْأَضَاحِي فَإِن نفس الذّبْح وإراقة الدَّم مَقْصُود فَإِنَّهُ عبَادَة مقرونة بِالصَّلَاةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ وَقَالَ ﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين﴾ الْأَنْعَام 162 فَفِي كل مِلَّة صَلَاة ونسيكة لَا يقوم غَيرهمَا مقامهما وَلِهَذَا لَو تصدق عَن دم الْمُتْعَة وَالْقرَان بأضعاف أَضْعَاف الْقيمَة لم يقم مقَامه وَكَذَلِكَ الْأُضْحِية وَالله أعلم

الْفَصْل الْعَاشِر فِي تفاضل الذّكر وَالْأُنْثَى فِيهَا وَاخْتِلَاف النَّاس فِي ذَلِك

وَفِيه مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَة الأولى الْعَقِيقَة سنة عَن الْجَارِيَة كَمَا هِيَ سنة عَن الْغُلَام هَذَا قَول جُمْهُور أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ وَقد تقدم مَا حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن وَقَتَادَة أَنَّهُمَا كَانَا لَا يريان عَن الْجَارِيَة

عقيقة وَلَعَلَّهُمَا تمسكا بقوله مَعَ الْغُلَام عقيقته وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحسن وَقَتَادَة من حَدِيث سَمُرَة والغلام اسْم الذّكر دون الْأُنْثَى وَيرد هَذَا القَوْل حَدِيث أم كرز أَنَّهَا سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة لَا يضر كم ذكرانا كن أم إِنَاثًا وَهُوَ حَدِيث صَحِيح صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَحَدِيث عَائِشَة أمرنَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نعق عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَقد تقدم إِسْنَاده وَقَالَ أَبُو عَاصِم حَدثنَا سَالم بن تَمِيم عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْيَهُود تعق عَن الْغُلَام وَلَا تعق عَن الْجَارِيَة فعقوا عَن الْغُلَام شَاتين وَعَن الْجَارِيَة شَاة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من هَذَا الطَّرِيق وَقَالَ مَالك يذبح عَن الْغُلَام شَاة وَاحِدَة وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَالذكر وَالْأُنْثَى فِي ذَلِك سَوَاء وَاحْتج لهَذَا القَوْل بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه حَدثنَا أَبُو معمر حَدثنَا عبد الْوَارِث حَدثنَا أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا

كَبْشًا كَبْشًا قَالَ أَبُو عمر وروى جَعْفَر عَن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن فَاطِمَة ذبحت عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا قَالَ وَكَانَ عبد الله بن عمر يعق عَن الغلمان والجواري من وَلَده شَاة شَاة وَبِه قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ كَقَوْل مَالك سَوَاء قَالَ أَبُو عمر وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَجَمَاعَة من أهل الحَدِيث عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة ثمَّ ذكر طرف حَدِيث أم كرز وَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده يرفعهُ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة وَلَا تعَارض بَين أَحَادِيث التَّفْضِيل بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَبَين حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي عقيقة الْحسن وَالْحُسَيْن فَإِن حَدِيثه قد رُوِيَ بلفظين أَحدهمَا أَنه عق عَنْهُمَا كَبْشًا كَبْشًا وَالثَّانِي أَنه عق عَنْهُمَا كبشين وَلَعَلَّ الرَّاوِي أَرَادَ كبشين عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فاقتصر على قَوْله كبشين ثمَّ رُوِيَ بِالْمَعْنَى كَبْشًا كَبْشًا وذبحت أمهما عَنْهُمَا كبشين وَالْحَدِيثَانِ كَذَلِك رويا فَكَانَ أحد الكبشين من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالثَّانِي من فَاطِمَة واتفقت جَمِيع الْأَحَادِيث

وَهَذِه قَاعِدَة الشَّرِيعَة فَإِن الله سُبْحَانَهُ فَاضل بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَجعل الْأُنْثَى على النّصْف من الذّكر فِي الْمَوَارِيث والديات والشهادات وَالْعِتْق والعقيقة كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث أبي أُمَامَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَيّمَا امرىء مُسلم أعتق مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار يجزىء كل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ وَأَيّمَا امرىء مُسلم أعتق امْرَأتَيْنِ مسلمتين كَانَتَا فكاكه من النَّار يجزىء كل عُضْو مِنْهُمَا عضوا مِنْهُ وَفِي مُسْند الامام أَحْمد من حَدِيث مرّة بن كَعْب السّلمِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيّمَا رجل أعتق رجلا مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار يجزىء بِكُل عُضْو من أَعْضَائِهِ عضوا من أَعْضَائِهِ وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة كَانَت فكاكها من النَّار يجزىء بِكُل عُضْو من أعضائها عضوا من أعضائها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي السّنَن فجرت المفاضلة فِي الْعَقِيقَة هَذَا المجرى لَو لم يكن فِيهَا سنة كَيفَ وَالسّنَن الثَّابِتَة صَرِيحَة بالتفضيل

الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي ذكر الْغَرَض من الْعَقِيقَة وَحكمهَا وفوائدها

قَالَ الْخلال فِي جَامعه بَاب ذكر الْغَرَض فِي الْعَقِيقَة وَمَا يؤمل لإحياء السّنة من الْخلف ثمَّ ذكر رِوَايَة الْحَارِث أَنه قَالَ لأبي عبد الله فِي الْعَقِيقَة فَإِن لم يكن عِنْده مَا يعق قَالَ إِن اسْتقْرض رَجَوْت أَن يخلف الله عَلَيْهِ أَحْيَا سنة وَمن رِوَايَة صَالح عَن أَبِيه إِنِّي لأرجو إِن اسْتقْرض أَن يَجْعَل الله لَهُ الْخلف أَحْيَا سنة من سنَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاتبع مَا جَاءَ عَنهُ وَمن فوائدها أَنَّهَا قرْبَان يقرب بِهِ عَن الْمَوْلُود فِي أول أَوْقَات خُرُوجه إِلَى الدُّنْيَا والمولود ينْتَفع بذلك غَايَة الِانْتِفَاع كَمَا ينْتَفع بِالدُّعَاءِ لَهُ وإحضاره مَوَاضِع الْمَنَاسِك وَالْإِحْرَام عَنهُ وَغير ذَلِك وَمن فوائدها أَنَّهَا تفك رهان الْمَوْلُود فَإِنَّهُ مُرْتَهن بعقيقته قَالَ الامام أَحْمد مُرْتَهن عَن الشَّفَاعَة لوَالِديهِ وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح مُرْتَهن بعقيقته قَالَ يحرم شَفَاعَة وَلَده وَمن فوائدها أَنَّهَا فديَة يفدى بهَا الْمَوْلُود كَمَا فدى الله سُبْحَانَهُ إِسْمَاعِيل الذَّبِيح بالكبش وَقد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يفعلونها ويسمونها عقيقة ويلطخون رَأس الصَّبِي بدمها فَأقر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الذّبْح وأبطل اسْم العقوق ولطخ رَأس الصَّبِي بدمها فَقَالَ لَا أحب العقوق وَقَالَ لَا يمس رَأس

الْمَوْلُود بِدَم وَأخْبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن مَا يذبح عَن الْمَوْلُود إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يكون على سَبِيل النّسك كالأضحية وَالْهَدْي فَقَالَ من أحب أَن ينْسك عَن وَلَده فَلْيفْعَل فَجَعلهَا على سَبِيل الْأُضْحِية الَّتِي جعلهَا الله نسكا وَفِدَاء لإسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام وقربه إِلَى الله عز وَجل وَغير مستبعد فِي حِكْمَة الله فِي شَرعه وَقدره أَن يكون سَببا لحسن إنبات الْوَلَد ودوام سَلَامَته وَطول حَيَاته فِي حفظه من ضَرَر الشَّيْطَان حَتَّى يكون كل عُضْو مِنْهَا فدَاء كل عُضْو مِنْهُ وَلِهَذَا يسْتَحبّ أَن يُقَال عَلَيْهَا مَا يُقَال على الْأُضْحِية قَالَ أَبُو طَالب سَأَلت أَبَا عبد الله إِذا أَرَادَ الرجل أَن يعق كَيفَ يَقُول قَالَ يَقُول باسم الله ويذبح على النِّيَّة كَمَا يُضحي بنيته يَقُول هَذِه عقيقة فلَان بن فلَان وَلِهَذَا يَقُول فِيهَا اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك وَيسْتَحب فِيهَا مَا يسْتَحبّ فِي الْأُضْحِية من الصَّدَقَة وتفريق اللَّحْم فالذبيحة عَن الْوَلَد فِيهَا معنى القربان والشكران وَالْفِدَاء وَالصَّدَََقَة وإطعام الطَّعَام عِنْد حوادث السرُور الْعِظَام شكرا لله وَإِظْهَار لنعمته الَّتِي هِيَ غَايَة الْمَقْصُود من النِّكَاح فَإِذا شرع الْإِطْعَام للنِّكَاح الَّذِي هُوَ وَسِيلَة إِلَى حُصُول هَذِه النِّعْمَة فَلِأَن يشرع عِنْد الْغَايَة الْمَطْلُوبَة أولى وَأَحْرَى وَشرع بِوَصْف الذّبْح المتضمن لما ذَكرْنَاهُ من الحكم فَلَا أحسن وَلَا أحلى فِي الْقُلُوب من مثل هَذِه الشَّرِيعَة فِي الْمَوْلُود وعَلى نَحْو هَذَا جرت سنة الولائم

فِي المناكح وَغَيرهَا فَإِنَّهَا إِظْهَار للفرح وَالسُّرُور بِإِقَامَة شرائع الْإِسْلَام وَخُرُوج نسمه مسلمة يكاثر بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة تعبدا لله ويراغم عدوه وَلما أقرّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَقِيقَة فِي الْإِسْلَام وأكد أمرهَا وَأخْبر أَن الْغُلَام مُرْتَهن بهَا نَهَاهُم أَن يجْعَلُوا على رَأس الصَّبِي من الدَّم شَيْئا وَسن لَهُم أَن يجْعَلُوا عَلَيْهِ شَيْئا من الزَّعْفَرَان لأَنهم فِي الْجَاهِلِيَّة إِنَّمَا كَانُوا يلطخون رَأس الْمَوْلُود بِدَم الْعَقِيقَة تبركا بِهِ فَإِن دم الذَّبِيحَة كَانَ مُبَارَكًا عِنْدهم حَتَّى كَانُوا يلطخون مِنْهُ آلِهَتهم تَعْظِيمًا لَهَا وإكراما فَأمر بترك ذَلِك لما فِيهِ من التَّشَبُّه بالمشركين وعوضوا عَنهُ بِمَا هُوَ أَنْفَع لِلْأَبَوَيْنِ وللمولود وللمساكين وَهُوَ حلق رَأس الطِّفْل وَالتَّصَدُّق بزنة شعره ذَهَبا أَو فضَّة وَسن لَهُم أَن يلطخوا الرَّأْس بالزعفران الطّيب الرَّائِحَة الْحسن اللَّوْن بَدَلا عَن الدَّم الْخَبيث الرَّائِحَة النَّجس الْعين والزعفران من أطيب الطّيب وألطفه وَأحسنه لونا وَكَانَ حلق رَأسه إمَاطَة الْأَذَى عَنهُ وَإِزَالَة الشّعْر الضَّعِيف ليخلفه شعر أقوى وَأمكن مِنْهُ وأنفع للرأس وَمَعَ مَا فِيهِ من التَّخْفِيف عَن الصَّبِي وَفتح مسام الرَّأْس ليخرج البخار مِنْهَا بيسر وسهولة وَفِي ذَلِك تَقْوِيَة بَصَره وَشمه وسَمعه وَشرع فِي الْمَذْبُوح عَن الذّكر أَن يكون شَاتين إِظْهَار لشرفه وَإِبَاحَة

لمحله الَّذِي فَضله الله بِهِ على الْأُنْثَى كَمَا فَضله فِي الْمِيرَاث وَالدية وَالشَّهَادَة وَشرع أَن تكون الشاتان مكافئتين قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أبي دَاوُد مستويتان أَو متقاربتان وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَيْمُونِيّ مثلان فِي رِوَايَة جَعْفَر بن الْحَارِث تشبه إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى لِأَن كل شَاة مِنْهُمَا كَانَت بَدَلا وَفِدَاء وَجعلت الشاتان مكافئتين فِي الْجِنْس وَالسّن فجعلتا كالشاة الْوَاحِدَة وَالْمعْنَى أَن الْفِدَاء لَو وَقع بِالشَّاة الْوَاحِدَة لَكَانَ يَنْبَغِي أَن تكون فاضلة كَامِلَة فَلَمَّا وَقع بالشاتين لم يُؤمن أَن يتجوز فِي إِحْدَاهمَا ويهون أمرهَا إِذْ كَانَ قد حصل الْفِدَاء بالواحدة وَالْأُخْرَى كَأَنَّهَا تتمه غير مَقْصُود فشرع أَن تَكُونَا متكافئتين دفعا لهَذَا التَّوَهُّم وَفِي هَذَا تَنْبِيه على تَهْذِيب الْعَقِيقَة من الْعُيُوب الَّتِي لَا يَصح بهَا القربان من الْأَضَاحِي وَغَيرهَا وَمِنْهَا فك رهان الْمَوْلُود فَإِنَّهُ مُرْتَهن بعقيقته كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد اخْتلف فِي معنى هَذَا الْحَبْس والارتهان فَقَالَت طَائِفَة هُوَ مَحْبُوس مُرْتَهن عَن الشَّفَاعَة لوَالِديهِ كَمَا قَالَ عَطاء وَتَبعهُ عَلَيْهِ الامام أَحْمد وَفِيه نظر لَا يخفى فَإِن شَفَاعَة الْوَلَد فِي الْوَالِد لَيست بِأولى من الْعَكْس وَكَونه والدا لَهُ لَيْسَ للشفاعة فِيهِ وَكَذَا سَائِر الْقرَابَات والارحام وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم واخشوا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن وَالِده شَيْئا﴾

) لُقْمَان 33 وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة﴾ الْبَقَرَة 48 وَقَالَ تَعَالَى ﴿من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلة وَلَا شَفَاعَة﴾ الْبَقَرَة 254 فَلَا يشفع أحد لأحد يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى فإذنه سُبْحَانَهُ فِي الشَّفَاعَة مَوْقُوف على عمل الْمَشْفُوع لَهُ من توحيده وإخلاصه وَمن الشافع من قربه عِنْد الله ومنزلته لَيست مُسْتَحقَّة بِقرَابَة وَلَا بنوة وَلَا أبوة وَقد قَالَ سيد الشفعاء وأوجههم عِنْد الله لِعَمِّهِ ولعمته وَابْنَته لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا وَفِي رِوَايَة لَا أملك لكم من الله شَيْئا وَقَالَ فِي شَفَاعَته الْعُظْمَى لما يسْجد بَين يَدي ربه ويشفع فَيحد لي حدا فَأخْرجهُمْ من النَّار وأدخلهم الْجنَّة فشفاعته فِي حد مَحْدُود يحدهم الله سُبْحَانَهُ لَهُ لَا يجاوزهم شَفَاعَته فَمن أَيْن يُقَال إِن الْوَلَد يشفع لوالده فَإِذا لم يعق عَنهُ حبس عَن الشَّفَاعَة لَهُ وَلَا يُقَال لمن لم يشفع لغيره إِنَّه مُرْتَهن وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يدل على ذَلِك

فصول الكتاب · 17 فصل · 311 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تحفة المودود بأحكام المولود · 311 صفحة
الْبَاب الأولالْبَاب الثَّانِيالْبَاب الثَّالِثالْبَاب الرَّابِعالْبَاب الْخَامِس
الْبَاب السَّادِس
الْبَاب السَّابِع
الْبَاب الثَّامِن
الْبَاب التَّاسِع
الْبَاب الْعَاشِر فِي ثقب أذن الصَّبِي وَالْبِنْتالْبَاب الْحَادِي عشر فِي حكم بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة قبل أَن يأكلا الطَّعَامالْبَاب الثَّانِي عشر فِي حكم رِيقه ولعابهالْبَاب الثَّالِث عشر فِي جَوَاز حمل الْأَطْفَال فِي الصَّلَاة وَإِن لم يعلم حَال ثِيَابهمْالْبَاب الرَّابِع عشر فِي اسْتِحْبَاب تَقْبِيل الْأَطْفَالالْبَاب الْخَامِس عشر فِي وجوب تَأْدِيب الْأَوْلَاد وتعليمهم وَالْعدْل بَينهمالْبَاب السَّادِس عشر
الْبَاب السَّابِع عشر
جارٍ التحميل