الْبَاب الثَّامِن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن القيم
- الكتاب
- تحفة المودود بأحكام المولود
- المؤلف
- محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
- المحقق
- عبد القادر الأرناؤوط
- الناشر
- مكتبة دار البيان - دمشق
- الطبعة
- الأولى، 1391 - 1971
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا هِشَام عَن أبي الزبير عَن جَابر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من تسمى باسمي فَلَا يتكنى بكنيتي وَمن تكنى بكنيتي فَلَا يتسمى باسمي وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمْرَة عَن عَمه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تجمعُوا بَين اسْمِي وكنيتي وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة وَقيل إِن مُحَمَّد بن طَلْحَة لما ولد أَتَى طَلْحَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ اسْمه مُحَمَّد أكنيه أَبَا الْقَاسِم فَقَالَ لَا تجمعهما لَهُ هُوَ أَبُو سُلَيْمَان
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى النَّهْي عَن ذَلِك مَخْصُوص بحياته لأجل السَّبَب الَّذِي ورد النَّهْي لأَجله وَهُوَ دُعَاء غَيره بذلك فيظن أَنه يَدعُوهُ واحتجت هَذِه الْفرْقَة بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه حَدثنَا أَبُو بكر وَعُثْمَان ابْنا أبي شيبَة قَالَا حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن فطر عَن مُنْذر عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ قَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ يَا رَسُول الله إِن ولد لي بعْدك ولد أُسَمِّيهِ بِاسْمِك وأكنيه بكنيتك قَالَ نعم وَقَالَ حميد بن زنجوية فِي كتاب الْأَدَب سَأَلت ابْن أبي أويس مَا كَانَ مَالك يَقُول فِي رجل يجمع بَين كنية النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واسْمه فَأَشَارَ إِلَى شيخ جَالس مَعنا فَقَالَ هَذَا مُحَمَّد بن مَالك سَمَّاهُ مُحَمَّدًا وكناه أَبَا الْقَاسِم وَكَانَ يَقُول إِنَّمَا نهى عَن ذَلِك فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَرَاهِيَة أَن يدعى أحد باسمه وكنيته فيلتفت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَما الْيَوْم فَلَا بَأْس بذلك قَالَ حميد بن زنجوية إِنَّمَا كره أَن يدعى أحد بكنيته فِي حَيَاته وَلم يكره أَن يدعى باسمه لِأَنَّهُ لَا يكَاد أحد يَدعُوهُ باسمه فَلَمَّا قبض ذهب ذَلِك أَلا ترى أَنه أذن لعَلي إِن ولد لَهُ ولد بعده أَن يجمع لَهُ الِاسْم والكنية وَإِن نَفرا من أَبنَاء وُجُوه الصَّحَابَة جمعُوا بَينهمَا مِنْهُم مُحَمَّد بن أبي بكر
وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَمُحَمّد بن سعد بن أبي وَقاص وَمُحَمّد بن حَاطِب وَمُحَمّد بن الْمُنْذر وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه حَدثنَا ابْن الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنَا عَليّ ابْن هَاشم عَن فطر عَن مُنْذر عَن ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه سيولد لَك بعدِي ولد فسمه باسمي وكنه بكنيتي فَكَانَت رخصَة من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَلي وللكراهة ثَلَاثَة مآخذ أَحدهَا إِعْطَاء معنى الِاسْم لغير من يصلح لَهُ وَقد أَشَارَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى هَذِه الْعلَّة بقوله إِنَّمَا أَنا قَاسم أقسم بَيْنكُم فَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقسم بَينهم مَا أَمر ربه تَعَالَى بقسمته لم يكن يقسم كقسمة الْمُلُوك الَّذين يُعْطون من شاؤوا ويحرمون من شاؤوا وَالثَّانِي خشيَة الالتباس وَقت المخاطبة والدعوة وَقد أَشَارَ إِلَى هَذِه الْعلَّة فِي حَدِيث أنس الْمُتَقَدّم حَيْثُ قَالَ الدَّاعِي لم أعنك فَقَالَ تسموا باسمي وَلَا تكنوا بكنيتي وَالثَّالِث أَن فِي الِاشْتِرَاك الْوَاقِع فِي الِاسْم والكنية مَعًا زَوَال مصلحَة الِاخْتِصَاص والتمييز بِالِاسْمِ والكنية كَمَا نهى أَن ينقش أحد على خَاتمه كنقشه فعلى المأخذ الأول يمْنَع الرجل من فِي حَيَاته وَبعد مَوته وعَلى المأخذ الثَّانِي يخْتَص الْمَنْع بِحَال حَيَاته وعَلى المأخذ الثَّالِث يخْتَص الْمَنْع بِالْجمعِ بَين
الكنية وَالِاسْم دون إِفْرَاد أَحدهمَا وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب تَدور على هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة وَالله أعلم
الْفَصْل الثَّامِن فِي جَوَاز التَّسْمِيَة بِأَكْثَرَ من اسْم وَاحِد
لما كَانَ الْمَقْصُود بِالِاسْمِ التَّعْرِيف والتمييز وَكَانَ الِاسْم الْوَاحِد كَافِيا فِي ذَلِك كَانَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ أولى وَيجوز التَّسْمِيَة بِأَكْثَرَ من اسْم وَاحِد كَمَا يوضع لَهُ اسْم وكنية ولقب وَأما أَسمَاء الرب تَعَالَى وَأَسْمَاء كِتَابه وَأَسْمَاء رَسُوله فَلَمَّا كَانَت نعوتا دَالَّة على الْمَدْح وَالثنَاء لم تكن من هَذَا الْبَاب بك من بَاب تَكْثِير الاسماء لجلالة الْمُسَمّى وعظمته وفضله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جُبَير بن مطعم قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لي خَمْسَة أَسمَاء أَنا مُحَمَّد وَأَنا أَحْمد وَأَنا الماحي الَّذِي يمحو الله بِي الْكفْر وَأَنا الحاشر الَّذِي يحْشر النَّاس على قدمي وَأَنا العاقب الَّذِي لَيْسَ بعده نَبِي
وَقَالَ الامام أَحْمد حَدثنَا أسود بن عَامر حَدثنَا أَبُو بكر عَن عَاصِم ابْن بَهْدَلَة عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول أَنا مُحَمَّد وَأحمد وَنَبِي الرَّحْمَة وَنَبِي التَّوْبَة والحاشر والمقفي وَنَبِي الْمَلَاحِم قَالَ أَحْمد وَحدثنَا يزِيد بن هَارُون حَدثنَا المَسْعُودِيّ عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي عُبَيْدَة عَن أبي مُوسَى قَالَ سمى لنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَفسه أَسمَاء مِنْهَا مَا حفظناه وَمِنْهَا مَا لم نَحْفَظهُ قَالَ أَنا مُحَمَّد وَأحمد والمقفي والحاشر وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الْمَلَاحِم رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَذكر أَبُو الْحسن بن فَارس لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثَة وَعشْرين اسْما مُحَمَّد وَأحمد والماحي وَالْعَاقِب والمقفي وَنَبِي الرَّحْمَة وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الْمَلَاحِم وَالشَّاهِد والمبشر والنذير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والخاتم والمصطفى وَالرَّسُول وَالنَّبِيّ والأمي وَالقَاسِم والحاشر
الْفَصْل التَّاسِع فِي بَيَان ارتباط معنى الِاسْم بِالْمُسَمّى
وَقد تقدم مَا يدل على ذَلِك من وُجُوه أَحدهمَا قَول سعيد بن الْمسيب مَا زَالَت فِينَا تِلْكَ الحزونة وَهِي الَّتِي حصلت من تَسْمِيَة الْجد بحزن وَقد تقدم قَول عمر لجمرة بن شهَاب أدْرك أهلك فقد احترقوا وَمنع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَانَ اسْمه حَربًا أَو مرّة أَن يحلب الشَّاة تِلْكَ الَّتِي أَرَادَ حلبها وشواهد ذَلِك كَثِيرَة جدا فَقل أَن ترى اسْما قبيحا إِلَّا وَهُوَ على مُسَمّى قَبِيح كَمَا قيل (وَقل مَا أَبْصرت عَيْنَاك ذَا لقب ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِن فَكرت فِي لقبه) وَالله سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ فِي قَضَائِهِ وَقدره يلهم النُّفُوس أَن تضع الْأَسْمَاء على حسب مسمياتها لتناسب حكمته تَعَالَى بَين اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ كَمَا تناسبت بَين الْأَسْبَاب ومسبباتها قَالَ أَبُو الْفَتْح ابْن جني وَلَقَد مر بِي دهر وَأَنا أسمع الِاسْم لَا أَدْرِي مَعْنَاهُ فآخذ مَعْنَاهُ من لَفظه ثمَّ أكشفه فَإِذا هُوَ ذَلِك بِعَيْنِه أَو قريب مِنْهُ فَذكرت ذَلِك لشيخ الاسلام ابْن تَيْمِية رَحمَه الله فَقَالَ وَأَنا يَقع لي ذَلِك كثيرا وَقد تقدم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أسلم سَالَمَهَا الله وغفار غفر الله لَهَا وَعصيَّة عَصَتْ الله وَرَسُوله وَلما أسلم وَحشِي قَاتل حَمْزَة وقف بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
فكره اسْمه وَفعله وَقَالَ غيب وَجهك عني وَبِالْجُمْلَةِ فألاخلاق والأعمال وَالْأَفْعَال القبيحة تستدعي أَسمَاء تناسبها وأضدادها تستدعي أَسمَاء تناسبها وكما أَن ذَلِك ثَابت فِي أَسمَاء الْأَوْصَاف فَهُوَ كَذَلِك فِي أَسمَاء الْأَعْلَام وَمَا سمي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحَمَّدًا وَأحمد إِلَّا لِكَثْرَة خِصَال الْحَمد فِيهِ وَلِهَذَا كَانَ لِوَاء الْحَمد بِيَدِهِ وَأمته الْحَمَّادُونَ وَهُوَ أعظم الْخلق حمدا لرَبه تَعَالَى وَلِهَذَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتحسين الْأَسْمَاء فَقَالَ حسنوا أسماءكم فَإِن صَاحب الِاسْم الْحسن قد يستحي من اسْمه وَقد يحملهُ اسْمه على فعل مَا يُنَاسِبه وَترك مَا يضاده ولهذى ترى أَكثر السّفل أَسمَاؤُهُم تناسبهم وَأكْثر الْعلية أَسمَاؤُهُم تناسبهم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْفَصْل الْعَاشِر فِي بَيَان أَن الْخلق يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة بآبائهم لَا بأمهاتهم
هَذَا الصَّوَاب الَّذِي دلّت عَلَيْهِ السّنة الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة وَنَصّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة كالبخاري وَغَيره فَقَالَ فِي صَحِيحه بَاب يدعى النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بآبائهم لَا بأمهاتهم ثمَّ سَاق فِي الْبَاب حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا جمع الله الْأَوَّلين والآخرين يَوْم الْقِيَامَة يرفع الله لكل
غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال هَذِه غدرة فلَان بن فلَان وَفِي سنَن أبي دَاوُد بِإِسْنَاد جيد عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّكُم تدعون يَوْم الْقِيَامَة بأسمائكم وَأَسْمَاء آبائكم فحسنوا أسماءكم فَزعم بعض النَّاس أَنهم يدعونَ بأمهاتهم وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث لَا يَصح وَهُوَ فِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَاتَ أحد مَا إخْوَانكُمْ فسو يتم التُّرَاب على قَبره فَليقمْ أحدكُم على رَأس قَبره ثمَّ ليقل يَا فلَان بن فُلَانَة فَإِنَّهُ يسمعهُ وَلَا يجِيبه ثمَّ يَقُول يَا فلَان بن فُلَانَة فَإِنَّهُ يَقُول أرشدنا يَرْحَمك الله الحَدِيث وَفِيه فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَإِن لم يعرف اسْم أمه قَالَ فلينسبه إِلَى أمه حَوَّاء يَا فلَان ابْن حَوَّاء قَالُوا وَأَيْضًا فالرجل قد لَا يكون نسبه ثَابتا من
أَبِيه كالمنفي بِاللّعانِ وَولد الزِّنَى فَكيف يدعى بِأَبِيهِ وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فضعيف بِاتِّفَاق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ واما من انْقَطع نسبه من جِهَة أَبِيه فَإِنَّهُ يدعى بِمَا يدعى بِهِ فِي الدُّنْيَا فَالْعَبْد يدعى فِي الْآخِرَة بِمَا يدعى بِهِ فِي الدُّنْيَا من أَب أَو أم وَالله أعلم