تحفة المودود بأحكام المولودصفحات 190-208
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب التَّاسِع

صفحات 190-208
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن القيم
الكتاب
تحفة المودود بأحكام المولود
المؤلف
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)
المحقق
عبد القادر الأرناؤوط
الناشر
مكتبة دار البيان - دمشق
الطبعة
الأولى، 1391 - 1971
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

لَا أشرف مِنْهَا مَعَ مَا فِيهِ من الطَّهَارَة والنظافة والزينة وتعديل الشَّهْوَة وَقد ذكر فِي حِكْمَة خفض النِّسَاء أَن سارة لما وهبت هَاجر لإِبْرَاهِيم أَصَابَهَا فَحملت مِنْهُ فغارت سارة فَحَلَفت لتقطعن مِنْهَا ثَلَاثَة أَعْضَاء فخاف إِبْرَاهِيم أَن تجدع أنفها وتقطع أذنها فَأمرهَا بثقب أذنيها وختانها وَصَارَ ذَلِك سنة فِي النِّسَاء بعد وَلَا يُنكر هَذَا كَمَا كَانَ مبدأ السَّعْي سعي هَاجر بَين جبلين تبتغي لابنها الْقُوت وكما كَانَ مبدأ الْجمار حصب إِسْمَاعِيل للشَّيْطَان لما ذهب مَعَ أَبِيه فشرع الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ تذكرة وإحياء لسنة خَلِيله وَإِقَامَة لذكره وإعظاما لعبوديته وَالله أعلم

الْفَصْل الثَّامِن فِي بَيَان الْقدر الَّذِي يُؤْخَذ من الْخِتَان

قَالَ أَبُو البركات فِي كِتَابه الْغَايَة وَيُؤْخَذ فِي ختان الرجل جلدَة الْحَشَفَة وَإِن اقْتصر على أَخذ أَكْثَرهَا جَازَ وَيسْتَحب لخافضة الْجَارِيَة أَن لَا تحيف نَص عَلَيْهِ وَحكي عَن عمر أَنه قَالَ للخاتنة أُبْقِي مِنْهُ إِذا خفضت وَقَالَ الْخلال فِي جَامعه ذكر مَا يقطع فِي الْخِتَان أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن الْفضل بن زِيَاد حَدثهمْ قَالَ سُئِلَ أَحْمد كم يقطع فِي الختانة قَالَ حَتَّى تبدو الْحَشَفَة وَأَخْبرنِي عبد الْملك الْمَيْمُونِيّ قَالَ قلت يَا أَبَا عبد الله مَسْأَلَة سُئِلت

عَنْهَا ختان ختن صَبيا فَلم يستقص فَقَالَ إِذا كَانَ الْخِتَان قد جَازَ نصف الْحَشَفَة إِلَى فَوق فَلَا يعْتد بِهِ لِأَن الْحَشَفَة تغلظ وَكلما غلظت هِيَ ارْتَفَعت الختانة ثمَّ قَالَ لي إِذا كَانَت دون النّصْف أَخَاف قلت لَهُ فَإِن الْإِعَادَة عَلَيْهِ شَدِيدَة جدا وَلَعَلَّه قد يخَاف عَلَيْهِ الْإِعَادَة قَالَ لي إيش يخَاف عَلَيْهِ وَرَأَيْت سهولة الْإِعَادَة إِذا كَانَت الختانة فِي أقل من نصف الْحَشَفَة إِلَى أَسْفَل وسمعته يَقُول هَذَا شَيْء لَا بُد أَن تتيسر فِيهِ الختانة وَقَالَ ابْن الصّباغ فِي الشَّامِل الْوَاجِب على الرجل أَن يقطع الْجلْدَة الَّتِي على الْحَشَفَة حَتَّى تنكشف جَمِيعهَا وَأما الْمَرْأَة فلهَا عذرتان إِحْدَاهمَا بَكَارَتهَا وَالْأُخْرَى هِيَ الَّتِي يجب قطعهَا وَهِي كعرف الديك فِي أَعلَى الْفرج بَين الشفرين وَإِذا قطعت يبْقى أَصْلهَا كالنواة وَقَالَ الْجُوَيْنِيّ فِي نهايته الْمُسْتَحق فِي الرِّجَال قطع القلفة وَهِي الْجلْدَة الَّتِي تغشى الْحَشَفَة وَالْغَرَض أَن تبرز وَلَو فرض مِقْدَار مِنْهُ على الكمرة لَا ينبسط على سطح الْحَشَفَة فَيجب قطعه حَتَّى لَا تبقى الْجلْدَة متدلية وَقَالَ ابْن كج عِنْدِي يَكْفِي قطع شَيْء من القلفة وَإِن قل بِشَرْط أَن يستوعب الْقطع تدوير رَأسهَا وَقَالَ الْجُوَيْنِيّ الْقدر الْمُسْتَحق من النِّسَاء مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم قَالَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْأَمر بالإقلال قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أشمي وَلَا تنكهي أَي اتركي الْموضع أَشمّ والأشم الْمُرْتَفع وَقَالَ

الْمَاوَرْدِيّ وَالسّنة أَن يستوعب القلفة الَّتِي تغشى الْحَشَفَة بِالْقطعِ من أَصْلهَا وَأَقل مَا يُجزئ فِيهِ أَن لَا يتغشى بهَا شَيْء من الْحَشَفَة وَأما خفض الْمَرْأَة فَهُوَ قطع جلدَة فِي الْفرج فَوق مدْخل الذّكر ومخرج الْبَوْل على أصل كالنواة وَيُؤْخَذ مِنْهُ الْجلْدَة المستعلية دون أَصْلهَا وَقد بَان بِهَذَا أَن الْقطع فِي الْخِتَان ثَلَاثَة أَقسَام سنة وواجب وَغير مجزئ على مَا تقدم وَالله أعلم

الْفَصْل التَّاسِع فِي أَن حكمه يعم الذّكر وَالْأُنْثَى

قَالَ صَالح بن أَحْمد إِذا جَامع الرجل امْرَأَته وَلم ينزل قَالَ إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل قَالَ أَحْمد وَفِي هَذَا أَن النِّسَاء كن يختتن وَسُئِلَ عَن الرجل تدخل عَلَيْهِ امْرَأَته فَلم يجدهَا مختونة أيجب عَلَيْهَا الْخِتَان قَالَ الْخِتَان سنة قَالَ الْخلال وَأَخْبرنِي أَبُو بكر الْمروزِي وَعبد الْكَرِيم الْهَيْثَم ويوسف بن مُوسَى دخل كَلَام بَعضهم فِي بعض أَن أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن الْمَرْأَة تدخل على زَوجهَا وَلم تختتن أيجب عَلَيْهَا الْخِتَان فَسكت والتفت إِلَى أبي حَفْص فَقَالَ تعرف فِي هَذَا شَيْئا قَالَ لَا فَقيل لَهُ إِنَّهَا أَتَى عَلَيْهَا ثَلَاثُونَ أَو أَرْبَعُونَ سنة فَسكت قيل لَهُ فَإِن قدرت على أَن تختتن قَالَ حسن قَالَ وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن يحيى الكحال قَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْمَرْأَة تختتن فَقَالَ قد خرجت فِيهِ أَشْيَاء ثمَّ قَالَ فَنَظَرت فَإِذا خبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

حِين يلتقي الختانان وَلَا يكون وَاحِدًا إِنَّمَا هُوَ اثْنَان قلت لأبي عبد الله فَلَا بُد مِنْهُ قَالَ الرجل أَشد وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا لم يختتن فَتلك الْجلْدَة مدلاة على الكمرة فَلَا يبْقى مأثم وَالنِّسَاء أَهْون قلت لَا خلاف فِي اسْتِحْبَابه للْأُنْثَى وَاخْتلف فِي وُجُوبه وَعَن أَحْمد فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا يجب على الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالثَّانيَِة يخْتَص وُجُوبه بالذكور وَحجَّة هَذِه الرِّوَايَة حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء فَفرق فِيهِ بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث ويحتج لهَذَا القَوْل بِأَن الْأَمر بِهِ إِنَّمَا جَاءَ للرِّجَال كَمَا أَمر الله سُبْحَانَهُ بِهِ خَلِيله عَلَيْهِ السَّلَام فَفعله امتثالا لأَمره وَأما ختان الْمَرْأَة فَكَانَ سَببه يَمِين سارة كَمَا تقدم قَالَ الإِمَام أَحْمد لَا تحيف خافضة الْمَرْأَة لِأَن عمر قَالَ لختانه ابقي مِنْهُ شَيْئا إِذا خفضت وَذكر الإِمَام أَحْمد عَن أم عَطِيَّة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر ختانه تختن فَقَالَ إِذا ختنت فَلَا تنهكي فَإِن ذَلِك أحظى للْمَرْأَة وَأحب للبعل وَالْحكمَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الْخِتَان تعم الذّكر وَالْأُنْثَى وَإِن كَانَت فِي الذّكر أبين وَالله أعلم

الْفَصْل الْعَاشِر فِي حكم جِنَايَة الخاتن وسراية الْخِتَان

قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ التَّوْبَة 91 وَفِي السّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من تطبب وَلم يعلم مِنْهُ طب فَهُوَ ضَامِن أما جِنَايَة يَد الخاتن فمضمونه عَلَيْهِ أَو على عَاقِلَته كجناية غَيره فَإِن زَادَت على ثلث الدِّيَة كَانَت على الْعَاقِلَة وَإِن نقصت عَن الثُّلُث فَهِيَ فِي مَاله وَأما مَا تلف بِالسّرَايَةِ فَإِن لم يكن من أهل الْعلم بصناعته وَلم يعرف بالحذق فِيهَا فَإِنَّهُ يضمنهَا لِأَنَّهَا سرَايَة جرح لم يجز الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَهِيَ كسراية الْجِنَايَة مَضْمُونَة وَاخْتلفُوا فِيمَا عَداهَا فَقَالَ أَحْمد وَمَالك لَا تضمن سرَايَة مَأْذُون فِيهِ حدا كَانَ أَو تأديبا مُقَدرا كَانَ أَو غير مُقَدّر لِأَنَّهَا سرَايَة مَأْذُون فِيهِ فَلم يضمن كسراية اسْتِيفَاء مَنْفَعَة النِّكَاح وَإِزَالَة الْبكارَة وسراية الفصد والحجامة والختان وبط الدمل وَقطع السّلْعَة الْمَأْذُون فِيهِ لحاذق لم يَتَعَدَّ وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يضمن

سرَايَة الْمُقدر حدا كَانَ أَو قصاصا وَيضمن سرَايَة غير الْمُقدر كالتعزيز والتأديب لِأَن التّلف بِهِ دَلِيل على التجاوز والعدوان وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يضمن سرَايَة الْوَاجِب خَاصَّة وَيضمن سرَايَة الْقود لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيح لَهُ اسْتِيفَاؤهُ بِشَرْط السَّلامَة وَالسّنة الصَّحِيحَة تخَالف هَذَا القَوْل وَإِن كَانَ الخاتن عَارِفًا بالصناعة وختن الْمَوْلُود فِي الزَّمن الَّذِي يختتن فِي مثله وَأعْطى الصِّنَاعَة حَقّهَا لم يضمن سرَايَة الْجرْح اتِّفَاقًا كَمَا لَو مرض المختون من ذَلِك وَمَات فَإِن أذن لَهُ أَن يختنه فِي زمن حر مفرط أَو برد مفرط أَو حَال ضعف يخَاف عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِن كَانَ بَالغا عَاقِلا لم يضمنهُ لِأَنَّهُ أسقط حَقه بِالْإِذْنِ فِيهِ وَإِن كَانَ صَغِيرا ضمنه لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر إِذْنه شرعا وَإِن أذن فِيهِ وليه فَهُوَ مَوضِع نظر هَل يجب الضَّمَان على الْوَلِيّ أَو على الخاتن وَلَا ريب أَن الْوَلِيّ المتسبب والخاتن مبَاشر فالقاعدة تَقْتَضِي تضمين الْمُبَاشر لِأَنَّهُ يُمكن الإحالة عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا إِذا تعذر تَضْمِينه فَهَذَا تَفْصِيل القَوْل فِي جِنَايَة الخاتن وسراية ختانه وَالله أعلم

الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي أَحْكَام الأقلف من طَهَارَته وَصلَاته وذبيحته وشهادته وَغير ذَلِك

قَالَ الْخلال أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وَكِيع عَن سَالم بن الْعَلَاء

الْمرَادِي عَن عَمْرو بن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته قَالَ وَكِيع الأقلف إِذا بلغ فَلم يختتن لم تجز شَهَادَته أَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام حَدثنَا حَنْبَل قَالَ حَدثنِي أَبُو عبد الله حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد عَن سَالم الْمرَادِي عَن عَمْرو بن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف قَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله قَالَ لَا يُعجبنِي أَن يذبح الأقلف وَقَالَ حَنْبَل فِي مَوضِع آخر حَدثنَا أَبُو عَمْرو الحوضي حَدثنَا همام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف قَالَ وَكَانَ الْحسن لَا يرى مَا قَالَه عِكْرِمَة قَالَ قيل لعكرمة أَله حج قَالَ لَا قَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا حج لَهُ حَتَّى يتَطَهَّر هُوَ من تَمام الْإِسْلَام وَقَالَ حَنْبَل فِي مَوضِع آخر قَالَ أَبُو عبد الله الأقلف لَا يذبح وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي أبي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تحل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا تجوز لَهُ شَهَادَة قَالَ قَتَادَة وَكَانَ الْحسن لَا يرى ذَلِك وَقَالَ إِسْحَاق بن مَنْصُور قلت لأبي عبد الله ذَبِيحَة الأقلف قَالَ لَا بَأْس بهَا وَقَالَ أَبُو طَالب سَأَلت أَبَا عبد

الله عَن ذَبِيحَة الأقلف فَقَالَ ابْن عَبَّاس شدد فِي ذَبِيحَته جدا وَقَالَ الْفضل بن زِيَاد سَأَلت أَبَا عبد الله عَن ذَبِيحَة الأقلف فَقَالَ يرْوى عَن إِبْرَاهِيم وَالْحسن وَغَيرهمَا أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ بهَا بَأْسا إِلَّا شَيْئا يرْوى عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس أَنه كرهه قَالَ أَبُو عبد الله وَهَذَا يشْتَد على النَّاس فَلَو أَن رجلا أسلم وَهُوَ كَبِير فخافوا عَلَيْهِ الْخِتَان أَفلا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَذكر الْخلال عَن أبي السَّمْح أَحْمد بن عبد الله بن ثَابت قَالَ سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل وَسُئِلَ عَن ذَبِيحَة الأقلف وَذكر لَهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فَقَالَ أَحْمد ذَاك عِنْدِي إِذا كَانَ الرجل يُولد بَين أبوين مُسلمين فَكيف لَا يختتن فَأَما الْكَبِير إِذا أسلم وَخَافَ على نَفسه الْخِتَان فَلهُ عِنْدِي رخصَة ثمَّ ذكر قصَّة الْحسن مَعَ أَمِير الْبَصْرَة الَّذِي ختن الرِّجَال فِي الشتَاء فَمَاتَ بَعضهم قَالَ فَكَانَ أَحْمد يَقُول إِذا أسلم الْكَبِير وَخَافَ على نَفسه فَلهُ عِنْدِي عذر

الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي المسقطات لوُجُوبه

وَهِي أُمُور أَحدهَا أَن يُولد الرجل وَلَا قلفة لَهُ فَهَذَا مستغن عَن الْخِتَان إِذا لم يخلق لَهُ مَا يجب ختانه وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ لَكِن قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين

يسْتَحبّ إمرار الموسى على مَوضِع الْخِتَان لِأَنَّهُ مَا يقدر عَلَيْهِ من الْمَأْمُور بِهِ وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم وَقد كَانَ الْوَاجِب أَمريْن مُبَاشرَة الحديدة وَالْقطع فَإِذا سقط الْقطع فَلَا أقل من اسْتِحْبَاب مُبَاشرَة الحديدة وَالصَّوَاب أَن هَذَا مَكْرُوه لَا يتَقرَّب إِلَى الله بِهِ وَلَا يتعبد بِمثلِهِ وتنزه عَنهُ الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ عَبث لَا فَائِدَة فِيهِ وإمرار الموسى غير مَقْصُود بل هُوَ وَسِيلَة إِلَى فعل الْمَقْصُود فَإِذا سقط الْمَقْصُود لم يبْق للوسيلة معنى وَنَظِير هَذَا مَا قَالَ بَعضهم إِن الَّذِي يخلق على رَأسه شعر يسْتَحبّ لَهُ فِي النّسك أَن يمر الموسى على رَأسه وَنَظِير قَول بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم أَن الَّذِي لَا يحسن الْقِرَاءَة بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا الذّكر أَو أخرس يُحَرك لِسَانه حَرَكَة مُجَرّدَة قَالَ شَيخنَا وَلَو قيل إِن الصَّلَاة تبطل بذلك كَانَ أقرب لِأَنَّهُ عَبث يُنَافِي الْخُشُوع وَزِيَادَة عمل غير مَشْرُوع وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الَّذِي ولد وَلَا قلفة لَهُ كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنه إِذا ولد فِي الْقَمَر تقلصت قلفته وتجمعت وَلِهَذَا يَقُولُونَ ختنه الْقَمَر وَهَذَا غير مطرد وَلَا هُوَ أَمر مُسْتَمر فَلم يزل النَّاس يولدون فِي الْقَمَر وَالَّذِي يُولد بِلَا قلفة نَادِر جدا وَمَعَ هَذَا فَلَا يكون زَوَال القلفة تَاما بل يظْهر رَأس الْحَشَفَة بِحَيْثُ يبين مخرج الْبَوْل وَلِهَذَا لَا بُد من ختانه ليظْهر تَمام

الْحَشَفَة وَأما الَّذِي يسْقط ختانه فَأن تكون الْحَشَفَة كلهَا ظَاهِرَة وَأَخْبرنِي صاحبنا مُحَمَّد بن عُثْمَان الخليلي الْمُحدث بِبَيْت الْمُقَدّس أَنه مِمَّن ولد كَذَلِك وَالله أعلم فصل الثَّانِي من مسقطاته ضعف الْمَوْلُود عَن احْتِمَاله بِحَيْثُ يخَاف عَلَيْهِ من التّلف وَيسْتَمر بِهِ الضعْف كَذَلِك فَهَذَا يعْذر فِي تَركه إِذْ غَايَته أَنه وَاجِب فَيسْقط بِالْعَجزِ عَنهُ كَسَائِر الْوَاجِبَات فصل

الثَّالِث أَن يسلم الرجل كَبِيرا وَيخَاف على نَفسه مِنْهُ فَهَذَا يسْقط عَنهُ عِنْد الْجُمْهُور وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة جمَاعَة من أَصْحَابه وَذكر قَول الْحسن أَنه قد أسلم فِي زمن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّومِي والحبشي والفارسي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم وَخَالف سَحْنُون بن سعيد الْجُمْهُور فَلم يسْقطهُ عَن الْكَبِير الْخَائِف على نَفسه وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب أَحْمد حَكَاهُ ابْن تَمِيم وَغَيره فصل

وَظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا أَنه يسْقط وُجُوبه فَقَط عِنْد خوف التّلف

وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يمْنَع من فعله وَلَا يجوز لَهُ وَصرح بِهِ فِي شرح الْهِدَايَة فَقَالَ يمْنَع مِنْهُ وَلِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة مِنْهَا الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ الْبَارِد فِي حَال قُوَّة الْبرد وَالْمَرَض وَصَوْم الْمَرِيض الَّذِي يخْشَى تلفه بصومه وَإِقَامَة الْحَد على الْمَرِيض وَالْحَامِل وَغير ذَلِك فَإِن هَذِه الْأَعْذَار كلهَا تمنع إِبَاحَة الْفِعْل كَمَا تسْقط وُجُوبه فصل

الرَّابِع الْمَوْت فَلَا يجب ختان الْمَيِّت بِاتِّفَاق الْأمة وَهل يسْتَحبّ فجمهور أهل الْعلم على أَنه لَا يسْتَحبّ وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَذكر بعض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين أَنه مُسْتَحبّ وقاسه على أَخذ شَاربه وَحلق عانته ونتف إبطه وَهَذَا مُخَالف لما عَلَيْهِ عمل الْأمة وَهُوَ قِيَاس فَاسد فَإِن أَخذ الشَّارِب وتقليم الظفر وَحلق الْعَانَة من تَمام طَهَارَته وَإِزَالَة وسخه ودرنه وَأما الْخِتَان فَهُوَ قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ وَالْمعْنَى الَّذِي لأَجله شرع فِي الْحَيَاة قد زَالَ بِالْمَوْتِ فَلَا مصلحَة فِي ختانه وَقد أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة بغرلته غير مختون فَمَا الْفَائِدَة أَن يقطع مِنْهُ عِنْد الْمَوْت عُضْو يبْعَث بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ من تَمام خلقه فِي النشأة الْأُخْرَى

فصل

وَلَا يمْنَع الْإِحْرَام من الْخِتَان نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَقد سُئِلَ عَن الْمحرم يختتن فَقَالَ نعم فَلم يَجعله من بَاب إِزَالَة الشّعْر وتقليم الظفر لَا فِي الْحَيَاة وَلَا بعد الْمَوْت

الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي ختان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وَقد اخْتلف فِيهِ على أَقْوَال أَحدهَا أَنه ولد مختونا وَالثَّانِي أَن جِبْرِيل ختنه حِين شقّ صَدره الثَّالِث أَن جده عبد الْمطلب ختنه على عَادَة الْعَرَب فِي ختان أَوْلَادهم وَنحن نذْكر قائلي هَذِه الْأَقْوَال وحججهم فَأَما من قَالَ ولد مختونا فاحتجوا بِأَحَادِيث أَحدهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر فَقَالَ وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولد مختونا من حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس عَن أَبِيه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ ولد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مختونا مَسْرُورا يَعْنِي مَقْطُوع السُّرَّة فأعجب ذَلِك جده عبد الْمطلب وَقَالَ لَيَكُونن لِابْني هَذَا شَأْن عَظِيم ثمَّ قَالَ ابْن عبد الْبر لَيْسَ إِسْنَاد حَدِيث الْعَبَّاس هَذَا بالقائم قَالَ وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا على ابْن عمر وَلَا يثبت أَيْضا قلت حَدِيث ابْن عمر روينَاهُ من طَرِيق أبي نعيم حَدثنَا أَبُو الْحسن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن خَالِد الْخَطِيب حَدثنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان حَدثنَا عبد الرَّحْمَن ابْن أَيُّوب الْحِمصِي حَدثنَا مُوسَى بن أبي مُوسَى الْمَقْدِسِي حَدثنَا خَالِد بن سَلمَة

عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ ولد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَسْرُورا مختونا وَلَكِن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان هَذَا هُوَ الباغندي وَقد ضَعَّفُوهُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ كثير التَّدْلِيس يحدث بِمَا لم يسمع وَرُبمَا سرق الحَدِيث وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث سُفْيَان بن مُحَمَّد المصِّيصِي حَدثنَا هشيم عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَرَامَتِي على الله أَنِّي ولدت مختونا وَلم ير سوءتي أحد قَالَ الْخَطِيب لم يروه فِيمَا يُقَال غير يُونُس عَن هشيم وَتفرد بِهِ سُفْيَان بن مُحَمَّد المصِّيصِي وَهُوَ مُنكر الحَدِيث قَالَ الْخَطِيب أَخْبرنِي الْأَزْهَرِي قَالَ سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن سُفْيَان ابْن مُحَمَّد المصِّيصِي وَأَخْبرنِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ قَالَ قَالَ لنا الدَّارَقُطْنِيّ شيخ لأهل المصيصة يُقَال لَهُ سُفْيَان بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ كَانَ ضَعِيفا سيء الْحَال وَقَالَ صَالح بن مُحَمَّد الْحَافِظ سُفْيَان بن مُحَمَّد المصِّيصِي لَا شَيْء وَقد رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر من طَرِيق الْحسن بن عَرَفَة حَدثنَا هشيم عَن يُونُس عَن الْحسن عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَرَامَتِي على رَبِّي عز وَجل أَنِّي ولدت مختونا لم ير أحد سوءتي وَفِي إِسْنَاده إِلَى الْحسن بن عَرَفَة عدَّة مَجَاهِيل قَالَ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَقد سَرقه ابْن الْجَارُود وَهُوَ كَذَّاب

فَرَوَاهُ عَن الْحسن بن عَرَفَة وَمِمَّا احْتج بِهِ أَرْبَاب هَذَا القَوْل مَا ذكره مُحَمَّد ابْن عَليّ التِّرْمِذِيّ فِي معجزات النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ وَمِنْهَا أَن صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب قَالَت أردْت أَن أعرف أذكر هُوَ أم أُنْثَى فرأيته مختونا وَهَذَا الحَدِيث لَا يثبت وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد يعرف بِهِ وَقد قَالَ أَبُو الْقَاسِم عمر بن أبي الْحسن بن هبة الله بن أبي جَرَادَة فِي كتاب صنفه فِي ختان الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرد بِهِ على مُحَمَّد بن طَلْحَة فِي تصنيف صنفه وَقرر فِيهِ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولد مختونا وَهَذَا مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم لم يكن من أهل الحَدِيث وَلَا علم لَهُ بِطرقِهِ وصناعته وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْكَلَام على إشارات الصُّوفِيَّة والطرائق وَدَعوى الْكَشْف على الْأُمُور الغامضة والحقائق حَتَّى خرج فِي الْكَلَام على ذَلِك عَن قَاعِدَة الْفُقَهَاء وَاسْتحق الطعْن عَلَيْهِ بذلك والإزراء وَطعن عَلَيْهِ أَئِمَّة الْفُقَهَاء والصوفية وأخرجوه بذلك عَن السِّيرَة المرضية وَقَالُوا إِنَّه أَدخل فِي علم الشَّرِيعَة مَا فَارق بِهِ الْجَمَاعَة فاستوجب بذلك الْقدح والشناعة وملأ كتبه بالأحاديث الْمَوْضُوعَة وحشاها بالأخبار الَّتِي لَيست بمروية وَلَا مسموعة وَعلل فِيهَا خَفِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة الَّتِي لَا يعقل مَعْنَاهَا بعلل مَا أضعفها وَمَا أوهاها وَمِمَّا ذكره فِي كتاب لَهُ وسمه بِالِاحْتِيَاطِ أَن يسْجد عقب كل صَلَاة يُصليهَا سَجْدَتي السَّهْو وَإِن لم يكن سَهَا فِيهَا وَهَذَا مِمَّا لَا يجوز فعله بِالْإِجْمَاع

وفاعله مَنْسُوب إِلَى الغلو والابتداع وَمَا حَكَاهُ عَن صَفِيَّة بقولِهَا فرأيته مختونا يُنَاقض الْأَحَادِيث الْأُخَر وَهُوَ قَوْله لم ير سوءتي أحد فَكل حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب يُنَاقض الآخر وَلَا يثبت وَاحِد مِنْهَا وَلَو ولد مختونا فَلَيْسَ من خَصَائِصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن كثيرا من النَّاس يُولد غير مُحْتَاج إِلَى الْخِتَان قَالَ وَذكر أَبُو الْغَنَائِم النسابة الزيدي أَن أَبَاهُ القَاضِي أَبَا مُحَمَّد الْحسن ابْن مُحَمَّد بن الْحسن الزيدي ولد غير مُحْتَاج إِلَى الْخِتَان قَالَ وَلِهَذَا لقب بالمطهر قَالَ وَقَالَ فِيمَا قرأته بِخَطِّهِ خلق أَبُو مُحَمَّد الْحسن مطهرا لم يختن وَتُوفِّي كَمَا خلق وَقد ذكر الْفُقَهَاء فِي كتبهمْ أَن من ولد كَذَلِك لَا يختن وَاسْتحْسن بَعضهم أَن يمر الموسى على مَوضِع الْخِتَان ختان الْقَمَر يشيرون فِي ذَلِك إِلَى أَن النمو فِي خلقَة الْإِنْسَان يحصل فِي زِيَادَة الْقَمَر وَيحصل النُّقْصَان فِي الْخلقَة عِنْد نقصانه كَمَا يُوجد فِي ذَلِك الجزر وَالْمدّ فينسبون النُّقْصَان الَّذِي حصل فِي القلفة إِلَى نُقْصَان الْقَمَر قَالَ وَقد ورد فِي حَدِيث رَوَاهُ سيف بن مُحَمَّد ابْن أُخْت سُفْيَان الثَّوْريّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ابْن صياد

ولد مَسْرُورا مختونا وَسيف مطعون فِي حَدِيثه وَقيل إِن قَيْصر ملك الرّوم الَّذِي ورد عَلَيْهِ امْرُؤ الْقَيْس ولد كَذَلِك وَدخل عَلَيْهِ امْرُؤ الْقَيْس الْحمام فَرَآهُ كَذَلِك فَقَالَ يهجوه (إِنِّي حَلَفت يَمِينا غير كَاذِبَة ... لأَنْت أغلف إِلَّا مَا جنى الْقَمَر) يعيره أَنه لم يختتن وَجعل وِلَادَته كَذَلِك نقصا وَقيل إِن هَذَا الْبَيْت أحد الْأَسْبَاب الباعثة لقيصر على أَن سم امرء الْقَيْس فَمَاتَ وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي فِيمَن ولد بِلَا قلفة (فدَاك نكس لَا يبض حجره ... مخرق الْعرض حَدِيد ممصره) (فِي ليل كانون شَدِيد خصره ... عض بأطراف الزبانى قمره) يَقُول هُوَ أقلف لَيْسَ بمختون إِلَّا مَا قلص مِنْهُ الْقَمَر وَشبه قلفته بالزبانى وَهِي قرنا الْعَقْرَب وَكَانَت الْعَرَب لَا تَعْتَد بِصُورَة الْخِتَان من غير ختان وَترى الْفَضِيلَة فِي الْخِتَان نَفسه وتفخر بِهِ قَالَ وَقد بعث الله نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صميم الْعَرَب وَخَصه بِصِفَات الْكَمَال من الْخلق وَالنّسب فَكيف يجوز أَن يكون مَا ذكره من كَونه مختونا مِمَّا يُمَيّز بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويخصص وَقيل إِن الْخِتَان من الْكَلِمَات الَّتِي ابتلى الله بهَا خَلِيله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأتمهن وأكملهن وَأَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء ثمَّ الأمثل فالأمثل وَقد عد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْخِتَان من الْفطْرَة وَمن الْمَعْلُوم أَن الِابْتِلَاء بِهِ مَعَ الصَّبْر

مِمَّا يُضَاعف ثَوَاب الْمُبْتَلى بِهِ وأجره والأليق بِحَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا يسلب هَذِه الْفَضِيلَة وَأَن يُكرمهُ الله بهَا كَمَا أكْرم خَلِيله فَإِن خَصَائِصه أعظم من خَصَائِص غَيره من النَّبِيين وَأَعْلَى وختن الْملك إِيَّاه كَمَا روينَاهُ أَجْدَر من أَن يكون من خَصَائِصه وَأولى هَذَا كُله كَلَام ابْن العديم وَيُرِيد بختن الْملك مَا رَوَاهُ من طَرِيق الْخَطِيب عَن أبي بكرَة أَن جِبْرِيل ختن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين طهر قلبه وَهُوَ مَعَ كَونه مَوْقُوفا على أبي بكرَة لَا يَصح إِسْنَاده فَإِن الْخَطِيب قَالَ فِيهِ أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد البَجلِيّ أَنبأَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن سُلَيْمَان حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عُيَيْنَة الْبَصْرِيّ حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي حَدثنَا مسلمة بن محَارب بن سليم بن زِيَاد عَن أَبِيه عَن أبي بكرَة وَلَيْسَ هَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا يحْتَج بِهِ وَحَدِيث شقّ الْملك قلبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد رُوِيَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا أَن جِبْرِيل ختنه إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ شَاذ غَرِيب قَالَ ابْن العديم وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات أَن جده عبد الْمطلب ختنه فِي الْيَوْم السَّابِع قَالَ وَهُوَ على مَا فِيهِ أشبه بِالصَّوَابِ وَأقرب إِلَى الْوَاقِع

ثمَّ سَاق من طَرِيق ابْن عبد الْبر حَدثنَا أَبُو عَمْرو أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد قِرَاءَة مني عَلَيْهِ أَن مُحَمَّد بن عِيسَى حَدثهُ قَالَ حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب بن زِيَاد العلاف حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي السّري الْعَسْقَلَانِي حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن عبد الْمطلب ختن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم سابعه وَجعل لَهُ مأدبة وَسَماهُ مُحَمَّدًا قَالَ يحيى بن أَيُّوب مَا وجدنَا هَذَا الحَدِيث عِنْد أحد إِلَّا عِنْد ابْن أبي السّري وَهُوَ مُحَمَّد بن المتَوَكل بن أبي السّري وَالله أعلم

الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي الْحِكْمَة الَّتِي لأَجلهَا يُعَاد بَنو آدم غرلًا

لما وعد الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ صَادِق الْوَعْد الَّذِي لَا يخلف وعده أَنه يُعِيد الْخلق كَمَا بدأهم أول مرّة كَانَ من صدق وعده أَن يُعِيدهُ على الْحَالة الَّتِي بدأه عَلَيْهَا من تَمام أَعْضَائِهِ وكمالها قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ الْأَنْبِيَاء 104 وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ الْأَعْرَاف 29 وَأَيْضًا فَإِن الْخِتَان إِنَّمَا شرع فِي الدُّنْيَا لتكميل الطَّهَارَة والتنزه من الْبَوْل وَأهل الْجنَّة لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ فَلَيْسَ هُنَاكَ نَجَاسَة تصيب الغرلة فَيحْتَاج إِلَى

التَّحَرُّز مِنْهَا والقلفة لَا تمنع لَذَّة الْجِمَاع وَلَا تعوقه هَذَا إِن قدر استمرارهم على تِلْكَ الْحَالة الَّتِي بعثوا عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا يلْزم من كَونهم يبعثون كَذَلِك أَن يستمروا على تِلْكَ الْحَالة الَّتِي بعثوا عَلَيْهَا فَإِنَّهُم يبعثون حُفَاة عُرَاة بهما ثمَّ يكسون ويمد خلقهمْ وَيُزَاد فِيهِ بعد ذَلِك يُزَاد فِي خلق أهل الْجنَّة وَالنَّار وَإِلَّا فوقت قيامهم من الْقُبُور يكونُونَ على صورتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وعَلى صفاتهم وهيئاتهم وأحوالهم فيبعث كل عبد على مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثمَّ ينشئهم الله سُبْحَانَهُ كَمَا يَشَاء وَهل تبقى تِلْكَ الغرلة الَّتِي كملت خلقهمْ فِي الْقُبُور أَو تَزُول يُمكن هَذَا وَهَذَا وَلَا يعلم إِلَّا بِخَبَر يجب الْمصير إِلَيْهِ وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم

فصول الكتاب · 17 فصل · 311 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تحفة المودود بأحكام المولود · 311 صفحة
الْبَاب الأولالْبَاب الثَّانِيالْبَاب الثَّالِثالْبَاب الرَّابِعالْبَاب الْخَامِس
الْبَاب السَّادِس
الْبَاب السَّابِع
الْبَاب الثَّامِن
الْبَاب التَّاسِع
الْبَاب الْعَاشِر فِي ثقب أذن الصَّبِي وَالْبِنْتالْبَاب الْحَادِي عشر فِي حكم بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة قبل أَن يأكلا الطَّعَامالْبَاب الثَّانِي عشر فِي حكم رِيقه ولعابهالْبَاب الثَّالِث عشر فِي جَوَاز حمل الْأَطْفَال فِي الصَّلَاة وَإِن لم يعلم حَال ثِيَابهمْالْبَاب الرَّابِع عشر فِي اسْتِحْبَاب تَقْبِيل الْأَطْفَالالْبَاب الْخَامِس عشر فِي وجوب تَأْدِيب الْأَوْلَاد وتعليمهم وَالْعدْل بَينهمالْبَاب السَّادِس عشر
الْبَاب السَّابِع عشر
جارٍ التحميل