تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيسالفصل السابع...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل قال: (وقد أجمع الحنابلة وغيرهم على طلب الشفاعة من الرسول بعد موته عند زيارته).
والجواب أن يقال: هذه دعوى عريضة كبيرة، لا تصدر إلا عن اطلاع كلي، وإحاطة تامة بأقوال أهل العلم، أو عن وقاحة كلية، وتهور في الكذب، وإيغال في الافتراء.
ومن المعلوم ضرورة عند من نظر في كلام هذا من أهل العلم، أنه ليس من القسم الأول، بل هو ممن يجهل الضروريات الإسلامية، والبديهيات الإيمانية اليقينية، مما لا يخفى على عامة المسلمين، فكيف له بمعرفة الإجماع في هذه المسألة.
والمدَّعِي يطالب بتصحيح دعواه.
ولكن نتنزل مع هذا ونكتفي منه بتصحيح ذلك عن واحد فقط ممن يحتج به من أئمة العلم والفتوى، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من بعدهم من التابعين، وتابعي التابعين، أو الأئمة الأربعة، أو أصحاب الوجوه والترجيحات في مذاهبهم.
وأما من لا يحتج به من الخُلُوْفِ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهؤلاء ليسوا بحجة، ولا يرجع إليهم بالاتفاق، والآثارُ والأحاديث دَلَّت على عيبهم وذمهم بما أحدثوه في دين الله من

الأقوال والأفعال، كما في حديث العرباض بن سارية1، وغيره من الأحاديث.
وما علمت أحداً من أهل العلم وأئمة الفتوى، قال هذا، لا من الصحابة ولا من غيرهم.

بل حكى الشيخ الإمام أحمد بن عبد الحليم الإجماع على المنع من دعائه صلى الله عليه وسلم، والطلب منه، وقرر أن هذا من شعب الشرك الظاهرة، وسيأتيك بسط كلامه.
وذكر الحنابلة كصاحب "الفروع" و"الإقناع" وغيرهم، حتى أصحاب المختصرات: أن المُسَلِّم عند القبر لا يستقبله عند الدعاء، ولا يدعو الله عنده.
وهذا منهم صيانة للتوحيد.
وأبو حنيفة قال: لا يستقبله عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم، بل يستقبل القبلة، وحكاه شيخ الإسلام.
وقد كره مالك للرجل أن يدعو عند القبر الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وذكر أنه يستقبل القبلة عند الدعاء، كما ذكره في "المبسوط" وغيره من كتب المالكية.
وفي منسك الإمام أحمد مثل هذا، بل كرهوا للرجل من أهل المدينة أن يأتي القبر الشريف كما دخل المسجد، لأنه محدث، لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصْلَحَ أوّلَها.1

وأما مَنْ قدم من سفر أو أراده من أهل المدينة فرخصوا1له في إتيان القبر الشريف للسلام، لأن ابن عمر كان يفعله. قال ابن أخيه عبيد الله بن عمر بن عاصم: لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ابن عمر.2
وعبيد الله المصغَّر3من أفضل آل عمر، ومن أعيان وقته، ثقةً وزهداً وعلماً.
وأما دعاؤه، وطلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم بعد موته، فهم مجمعون على المنع منه.
ولم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ما يقتضي الجواز والإباحة.

قال شيخ الإسلام أبو العباس –رحمه الله-: "والطلب من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وفي مغيبه1ليس مشروعاً قط، ولكن كثيراً من الناس يدعو2الموتى والغائبين من الشيوخ وغيرهم، فتتمثل3له الشياطين، و4تقضي بعض مآربه، لتضله5عن سبيل الله كما تفعل الشياطين بعباد الأصنام، وعباد الشمس والقمر، وتخاطبهم، وتتراءى لهم، وهذا كثير يوجد في زماننا، وغير زماننا".
انتهى.
وقال الشيخ –رحمه الله-: "وكان الصحابة والتابعون –لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك- لا يدخل أحد إليها، لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعاً إنما يفعلونه6في المسجد.7
وكان السلف إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المُسَلِّم عليه، فقال أبو حنيفة: ليستقبلوا القبلة أيضاًَ، و8لا يستقبلوا القبر.

وقال أكثر الأئمة: بل ليستقبلوا القبر عند السلام عليه خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء –أي الدعاء الذي يقصده لنفسه1- إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها.
واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُقَبِّله.
وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد.
قالت طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾.
الآية [نوح:23].
هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
وقد ذكر بعض هذا البخاري في "صحيحه"2 لما ذكر قول ابن عباس.
وذكر ابن جرير وغيره عن غير3 واحد من السلف.
وذكره وَثِيْمَةُ4وغيره في "قصص الأنبياء" من عدة طرق.
انتهى.

وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي من أكابر الحنابلة وعلمائهم: "والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئاً –يعني النبي صلى الله عليه وسلم- ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة، لا شفاعة ولا استغفاراًَ".
وقال أيضاً: "والحكاية التي تنسب إلى مالك مع أبي جعفر المنصور كذبٌ عند أهل المعرفة بالنقل الصحيح".
انتهى.
ومذهب مالك –رحمه الله- المعروف عند أصحابه يخالف هذه الحكاية المكذوبة ويردها.
قال القاضي عياض: قال مالك في "المبسوط": "لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو1، ولكن يسلم ويمضي".
وقال القاضي إسماعيل في "المبسوط" قال مالك: "لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو1، ولكن يسلم على النبي، وعلى أبي بكر، وعمر، ثم يمضي".
ولما نقل ابن وهب عن مالك أنه يدعو1للنبي2صلى الله عليه وسلم عند القبر، حمله أكابر أصحابه على الصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم.
وابن

عبد البر يقول: لفظ1الرواية على ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، هذا لفظ مالك.
وقال بعض المالكية: المراد بالدعاء السلام، بدليل أنه ذكر في رواية ابن وهب نفسه يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله.
وقد تقدم مذهب الحنابلة وأبي حنيفة.
وإذا كان هذا ممنوعاً مع أنه دعاء الله، فما ظنك بدعاء الرسول نفسه، وطلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم؟ فالأول مُنِع منه لأنه وسيلة وذريعة إلى هذا المحذور الذي هو سؤال غير الله، وقصده في الحاجات.
ولم يكن في عهد السلف شيء من هذا، وإنما حدث أوائله ومباديه بعد القرون المفضلة، وأنكرها أهل العلم والإيمان، محافظةً منهم2على السنة، وحمايةً لجانب التوحيد، وطاعة لله ورسوله، وسداً لذرائع الشرك ووسائله.
وقد روى الضياء في "المختارة" عن الحسن بن الحسن أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن ذلك، قال: "ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم"3.

وروي أيضاً عن علي بن الحسين زين العابدين.
وهذان الإمامان هما أفضل أهل البيت في زمانهما.
وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة في سنن أبي داود بلفظ: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا قبري عيداً... " الحديث.1

فانظر هذه السنة المأخوذة عن أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم نسباً وداراًَ.
وتأمل ما دلت عليه من الحِكم والفوائد: من ذلك نهيه عن اتخاذ قبره عيداً، والعيد ما يعتاد مجيئه في وقت مخصوص.
وتأمل حكمة ذلك ومقصوده، وما فهمه السلف منه1من النهي عن التردد إلى القبر الشريف، كلما دخل المسجد.
وفيه: أن الصلاة والسلام يبلغه، وإِنْ بَعُدَ المُسَلِّم.
وفيه: أن الذي يجب له صلى الله عليه وسلم من التوقير والتكريم، والصلاة والسلام، مطلوب في كل مكان، وعلى أي حال، وذلك أكمل وأتم2ممن يعتاد ذلك عند مجيئه إلى القبر، أو يزيد بالغلو والإطراء، فإذا بَعُدَ عنه فهو من أشد الناس معصية وجفاءً.

وفيه حماية أصل الدين وقاعدنه بصرف الوجوه إلى الله، وإنابة القلوب إليه، واعتمادها عليه.
ورعاية هذا الأصل من أهم1أصول الشريعة، ومداركِ الأحكام.
وسؤال المخلوق وصرف الوجه إليه بالمسألة والطلب في الأمور الكلية يعود على هذا الأصل بالهدم والقلع.
فمن عرف هذا حق المعرفة، ونظر في أدلته وأصوله: تبين له علم السلف، ودقة نظرهم، وحسن سياستهم للناس بما يصلح دينهم ودنياهم.
وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.2

وذكر أبو بكر الإمام الأثرم وغيره من أئمة الحنابلة: أن العلة في ذلك كون الصلاة ونحوها من العبادات عند القبور وسيلة وذريعة إلى تعظيم أربابها بما لم يشرع من الغلوِّ، والدعاء، وعبادتها مع الله.
فكيف والحالة هذه يقال بجواز طلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم أو أن ذلك مجمع عليه، كما زعمه المفتري، الجاهل بالله تعالى ومعرفة حقه، وحق رسله، فنعوذ بالله من الخذلان.
والعلمُ يَدْخُلُ كُلَّ قلبِ موفقٍ... من غير بَوَّابٍ ولا استئذانِ ويرده المحرومُ من خِذلانه... لا تشقِنَا اللهمَّ بالخِذْلاَنِ

فصول الكتاب · 13 فصل · 153 صفحة
جارٍ التحميل