الفصل التاسع...
فصل وقول العراقي: (هذه الآية صحيحة لكن الفهم باطل) مما يدل على جهله المركب، وكثافة فهمه، فإن القرآن أغنى وأعلى وأجل وأعظم من أن يعبر عنه بهذه العبارة، أو يقسم إلى صحيح وغيره. وإنما تستعمل هذه العبارة فيما يقبل القسمة من الأحاديث، لأنها تنقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع.1
ولا يُصَحِّح2إلا من يضعف، ولا يحسّن إلا من يقبح.
وقد أنكر أبو حنيفة على رجل صار يحسن ما يسمع منه من الروايات، وزجره عن ذلك، وقال: "إنما يحسن من يقبح".
هذا في السنة ونحوها، فكيف بالقرآن الذي هو كله حق وهدى، تنزيل من حكيم حميد.
وقوله: (إن الدعاء هو السجود في هذه الآية، وأن نداء الصالحين ليس بعبادة) إلى آخر عبارته.
فهذا الكلام نشأ عن جهله باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء، فإن العبادة تتضمن غاية الخضوع والذل، ومنه طريق مُعَبَّد: إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام، هذا أصلها في اللغة.
وأما في الشرع فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
قاله شيخ الإسلام.
وقال بعضهم: هي ما أمر به شرعاً، من غير اقتضاء عقلي، ولا اطراد عرفي.
وقال بعضهم: هي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
فدخل في هذه التعاريف والحدود جميع أنواع العبادات، فلا يقصد بها غير الله، ولا تصرف لسواه.
وهذا الغبي لم يعرف من أفرادها غير السجود.
ودعاءُ المسألة من أفضل أنواعها، وأجلها، كما في حديث النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة" 1.
والحصر يقتضي الاختصاص الادعائي، والتمييز على سائر العبادات.
قال بعض الشراح: هو كقوله: "الحج عرفة" 1.
أي ركن العبادة الأعظم هو الدعاء.
وفي حديث أنس: "الدعاء مخ العبادة" 1.
ومخ الشيء خالصه ولُبُّه.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين"2.
والعماد والعمود: ما يقوم به الشيء ويعتمد عليه، جعله عماداً3لأنه لا يقوم إلا به.
وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول.
وكان هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة في أكثر موارد القرآن والسنة.
ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل
شيء قدير.1
وقد سئل ابن عيينة عن معناه، فأنشد قول أمية في عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني... حياؤك إنَّ شيمتَك الحياءُ قال في "القاموس": الدعاء هو الرغبة إلى الله.
انتهى.
وقال الحسين بن محمد النعمي: الدعاء في الأصل موضوع لأن يكون من فقير عاجز خاضع، لغني قادر عزيز قاهر.
انتهى.
والدعاء يَرِدُ في الكتاب والسنة بمعنى الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي، ويرد بمعنى المسألة والطلب بالصيغة القولية.
وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
الآية [غافر:60] بدعاء العبادة، وبدعاء المسألة، والقولان معروفان، والآية تشمل النوعين.
قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكر أنهما متلازمان، فكل عابد سائل، وكل سائل عابد.
وقال رحمه الله: والدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة –وساق جملة من الآيات- ثم قال: ولفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وسميت به لتضمنها معنى الدعاء دعاءِ العبادة والمسألة.
ثم قال: فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه،
ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، وسمي الذكر دعاء لما فيه من التعريض بالمسألة.
قال: وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء إذا كانت مما لا1يحتاج إليه الطالب، أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك، فإنها تقال على وجه الأمر، إما لما في ذلك من حاجة الطالب، وإما لما فيه من نفع المطلوب منه.
وأما إذا كانت من الفقير من كل وجه، للغني من كل وجه، فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار.
انتهى.
قلت: وقد نص على ما ذكره الشيخ من الفرق علماء المعاني صاحب "المفتاح" وغيره.
وفرقوا في الصيغة الواحدة نظراً للمخاطب والمخاطِب –بكسر الطاء- فقالوا: هي من الأعلى أمر، ومن المساوي التماس، ومن دونه مسألة وطلب.
وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾.
[الأعراف:55] بدعاء المسألة، قاله العلامة ابن القيم، وقرر2أنه في هذه الآية أظهر.
وذكر أن استعمال الدعاء في العبادة والمسألة من استعمال اللفظ في حقيقته الواحدة، ليس من المشترك، ولا المتواطئ، ولا المجاز.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾.
[الإسراء:67] ظاهر في دعاء المسألة لمناسبة الحال والواقع.
و3في حديث عكرمة بن أبي جهل لما فرَّ يوم الفتح إلى السِّيْف، وركب البحر، جاءتهم ريح عاصف، وظنوا الهلكة، أخلصوا الدعاء لله،
وصاروا يتواصون بذلك، ويقول بعضهم لبعض لا ينجي في مثل هذا إلا الله. فقال عكرمة: إن كان لا ينجي في الشدة إلا هوتعالى، فكذلك لا ينجي في الرخاء إلا هو. وقال: لئن أنجاني الله لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، فكان ذلك، وأسلم وحسن إسلامه –رحمه الله- والقصة معروفة عند أهل العلم.1
وفي الحديث: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه"2 سماها دعوة، وهي سؤال وطلب، وتوسل بالتوحيد.
والعراقي يقول: (لا تسمى دعاء وإنما هي نداء) وهذا رد على رسول الله، وتكذيب بآيات الله، وقول على الله بغير علم.
وفي السنن من حديث حصين بن عبد الرحمن الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أسلم: "كم كنت تعبد؟ قال: سبعة، واحد في السماء، وستة في الأرض، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء"1.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
[الأنعام:40] الآية.
وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
[العنكبوت:65].
وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله، والنهي عن دعاء غيره، على المنع من مسألة المخلوق ودعائه، بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك، لا سيما شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، اللذين1يزعم هذا العراقي أنه على طريقتهما.
أيها المدَّعِي سُلَيْمى سفاهاً.2.. لستَ منها ولا قلامةَ ظُفْرِ إنما أنتَ من سُلَيْمى3كواوٍ... ألحقت في الهجاء ظلماً بعَمْرِو يوضح هذا أن ما لا يقدر عليه إلا الله4من الأمور العامة الكلية لهداية القلوب, ومغفرة الذنوب, والنصر على الأعداء, وطلب الرزق من غير جهة معينة, والفوز بالجنة, والإنقاذ من النار, ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية، ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله.
وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقاً.
ومسألة المخلوق في الأصل محرمة، وإنما أبيحت للضرورة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. [الشرح:7-8]. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه بايع نفراً من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئاً. فكان أحدهم يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنيه.1
وقد اشتهر عنه صلى الله عليه وسلم أنه منع من تعليق الأوتار والتمائم، وأمر بقطعها، وبعث رسوله بذلك2، كما في السنن وغيرها.
وقال: "من
تعلق شيئاً وكل إليه"1.
بل نهى عن قول الرجل: ما شاء الله وشئت.
وقال لمن قال له ذلك: "أجعلتني لله نداً" 1.
ومنع من التبرك بالأشجار والأحجار.
وقال لأبي واقد الليثي وأصحابه من مسلمة الفتح لما قالوا له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: " قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " 1.
ونهى عن الصلاة عند القبور وإن لم يقصدها المصلي.
ولعن من فعل ذلك، وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله.1
ونهى عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره1، حسماً لمادة الشرك، وقطعاً لوسائله، وسداً لذرائعه، وحماية للتوحيد، وصيانة لجانبه.
فمن المستحيل شرعاً وفطرة وعقلاً؛ أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة بإباحة دعاء الموتى والغائبين، والاستغاثة بهم في المهمات والملمات، كقول النصراني: يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، أو يا عيسى، أعطني كذا، وافعل بي2كذا، وكذلك قول القائل: يا علي، أو يا حسين، أو يا عباس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو فلان وفلان: أعطني كذا، أو أجرني من كذا، أو أنا في حسبك، أو نحو ذلك من الألفاظ الشركية، التي3
تتضمن1العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس، فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شُعَب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار، ومقتِ العزيز الغفار.
وقد نص على ذلك مشايخ الإسلام، حتى ذكره ابن حجر في "الإعلام" مقرراً له.
وتأويل الجاهلين، والميل إلى شبه المبطلين، هو الذي أوقع هؤلاء وأسلافهم الماضين، من أهل الكتاب والأميين، في الشرك بالله رب العالمين.
فبعضهم يستدل على شركه بالمعجزات والكرامات.
وبعضهم برؤيا المنامات.
وبعضهم بالقياس على السوالف والعادات.
وبعضهم بقول من يُحَسِّن به الظن.
وكل هذه الأشياء ليست من الشرع في شيء، وعند رهبان النصارى وعباد الصليب والكواكب من هذا الضرب شيء كثير، وبعضهم أحذق من هذا العراقي وأمثاله، الذين لم يفهموا من العبادة سوى السجود، ولم يجدوا في معلومهم سواه، فأين الحب والخضوع، والتوكل والإنابة، والخوف والرجاء، والرغب والرهب، والطاعة والتقوى، ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنة والظاهرة؟ فكل هذا عند العراقي يصرف لغير الله، ولا يكون عبادة، لأن
العبادة السجود فقط، بل عبارته تفهم أن السجود لا يحرم إلا على من زعم الاستقلال، وقد رأينا من المشركين، ولم نرَ مثل هذا الرجل في جهله ومجازفته وبلادته.
ولولا ما نقصده من انتفاع من اطلع على هذه الرسالة لم نتعرض لرد شيء من كلامه، لظهور بطلانه.
ويزيد هذا ظهوراً ما جاء في الحديث من قوله: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشاً أو خموشاً في وجهه يوم القيامة" 1.
وقوله: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس على
وجهه مزعة لحم" 1.
وقوله: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أَوْشَكَ 2 له بالغنى: إما 3 بموت عاجل، أو غنى عاجل" 4.
وقوله: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة: الذي غرم مفضع، أو فقر مدقع، أو دم موجع" 1.
هذا في سؤال الخلق ما يقدرون عليه من الأسباب الجزئية، فكيف ترى بما لا يقدر عليه إلا الله من الأمور العامة الكلية.
وعلى زعم هذا العراقي لا يكره شيء من ذلك ولا يمنع لمن قصد الصالحين ودعاهم.
وقوله: (على أنها أرباب) يريد به ما مَرَّ من أن دعاءها2ومسألتها بطريق السبب والشاعة لا يضر.
وقد تقدم رد هذا بما يغني عن إعادته.
وقد عُلِّق على الحكم بالكفر وإباحة الدم والمال بنفس الشرك، وعبادة غير الله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾.
[التوبة:36].
وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
[الأنفال: 39].
والفتنة: الشرك.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾.
الآية [المائدة: 72].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾.
[النساء:48].
ومن المشتهر عندهم أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعِلِّية.
وهذا الأحمق زاد قيداً فقال: "لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله".
وفي تلبية المشركين في الجاهلية: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"1.
فهؤلاء لم يدَّعوا الاستقلال.
وعلى زعم هذا ليسوا بمشركين.
وقوله: (وهذا نداء لا دعاء) من أدل الأشياء على جهله، وعدم ممارسته لشيء من العلم وإن قَلَّ، فإن النداء هو رفع الصوت بالدعاء، أو الأمر، أو النهي، ويقابله النجا الذي هو المسارَّة وخفض الصوت.
هذا بإجماع أهل اللغة، كما حكاه ابن القيم في "نونيته" وشيخ الإسلام في "تسعينيته" وليس قسيماً للدعاء كما ظنه الغبي.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾.
الآية [الكهف: 52].
ما فعلوه عين ما أمروا به، وكفى بهذه الآية حجة على إبطال قوله.
وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾.
[الأنبياء:83].
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾.
[الأنبياء:76].
﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
[الأنبياء:87].
وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا*إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾.
[مريم:2، 3]. وسمى هذا النداء دعاءً في كتابه العزيز.
قال عن نوح عليه السلام ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾.
[القمر:10].
وقال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
[آل عمران:38].
وفي الحديث: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه" 1.
وفيه أيضاً: "لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً" 2.
يعني الشيطان الذي تفلت عليه صلى الله عليه وسلم.
وفيه: "ألا أنبئكم بأول أمري وآخره: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى" 3.
يشير بدعوة سليمان إلى قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾.
الآية [ص:35].
وبدعوة إبراهيم إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾.
[البقرة:129]. فسمى هذه المسألة دعوة، والتاء فيها للوحدة.
وقال معاذ –رضي الله تعالى عنه- في الطاعون: "إنه ليس برجز، إنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، ورحمة بكم" يشير إلى قوله: "اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون"1.
فانظر هذه النصوص، وما أفادت من إطلاق اسم الدعاء على المسألة والطلب.
وقد تقدم بعض هذا، وكُرِّر تتميماً للفائدة، وربما جَرَّ شأن شؤوناً.
وأما قول العراقي: (إن الشيخ ذكر هذا على سبيل التغليظ والزجر، وله مائة عبارة تنفي ذلك وتخالفه) فيكفي من هذا العراقي أن يصحح دعواه بعبارة واحدة، ولا نكلفه تصحيح المائة، لأنه أعجز وأقلّ.
وقد تقدم التنبيه على كذبه ومجازفته، وأنه وجد كتباً وموادّ1شَتَّت فهمه، وحجبت إدراكه وعلمه، فلم يزدد بها إلا حيرة وشكاًَ وما أحسن ما قيل: جهد المغفَّل في الزمان مضيَّع... وإن ارتضى أستاذَه وزمانَه كالثور في الدولاب يسعى وهو لا... يدري الطريقَ فلا يزالُ مكانَه وعبارات الشيخ في هذا الباب –أعني: إنكار الشرك، وتكفير أهله، والحكم عليهم بما حكم الله به ورسوله في الدنيا والآخرة- موجود مشهور، لو تتبعناه لعزَّ حصره واستقصاؤه، ولكن نشير ببعضه2إلى ما وراءه.
قال رحمه الله: وما علمتُ عالماً نازع في أن الاستغاثة بالنبي أو غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله لا تجوز.
قال: وعلو درجته صلى الله عليه وسلم بعد الموت لا تقتضي أن يسأل، كما لا تقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحدا أن يذكر دليلاً شرعياً على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع، بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة.
وقال رحمه الله: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم: كفر إجماعاً.
قال البهوتي في شرحه على هذا الموضع: لأنه فِعْل عبّاد الأصنام القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
[الزمر:3].
وقال –رحمه الله- بعد أن سرد جملة من الآيات: وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، ومثل أن يطلب شفاء مريض من الآدميين والبهائم، ووفاءَ دَينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، أو ما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه1، وغفران ذنبه، أو دخول الجنة، ونجاته من النار، أو أن يتعلم القرآن، أو2العلم، أو أن يصلح قلبه، أو2يحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك: فهذه الأمور لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقال لملك ولا نبي ولا شيخ سواء كان حياً أو ميتاً: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشفِ3مريضي، ولا عافِ4أهلي ودوابي، وما أشبه ذلك.
ومن سأل ذلك مخلوقاً كائناً من كان، فهو مشرك بربه، من المشركين الذين يعبدون الملائكة والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى: المسيحَ وأمَّه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
الآية [المائدة:116]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية [التوبة:31].
وقال -رحمه الله-: وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك
جهلاً وضلالاً من المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع، والله سبحانه وتعالى قد أرسل جميع رسله، وأنزل جميع كتبه: بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك، ولا نبي، ولا صالح، ولا تماثيلهم، ولا قبورهم، ولا شمس، ولا قمر، ولا كوكب، ولا ما صُنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيئاً من الأشياء، وبَيَّنَ أن كل ما يعبد من دونه فإنه يضر ولا ينفع، وإن كان ملكاً أو نبيًّا، وأن عبادته كفر.
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾.
إلى قوله: ﴿مَحْذُوْراً﴾.
[الإسراء:56-57]. بَيَّن سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس ما يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً1، وأن هؤلاء المدعوين من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالاً من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم، كما ذكر ذلك ابن مسعود.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
[سبأ:22-23]. بَيَّنَ سبحانه أن كل ما يدعى من دونه، من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات والارض, ولا لهم نصيب فيهما, وليس لله ظهير يعاونه من خلقه.
وهذه الأقسام الثلاثه هي التي تحصل مع المخلوقين, إما أن يكون لغيره ملك دونه, أو يكون شريكاً له, أو يكون معيناً وظهيراً له, والرب تعالى ليس من خلقه مالك, ولا شريك, ولا ظهير له1, لم يبق إلا الشفاعة, وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له, فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
[سبأ:23].
ثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ -إلى قوله- بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
[آل عمران:79-80] بين أن اتخاذهم أرباباً كفر.
وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ -إلى قوله - وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
[المائدة:17].
وقد بين أن من دعا المسيح وغيره، فقد دعا ما لا يملك له ضراً ولا نفعاً.
وقال لخاتم الرسل: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾.
[الأنعام: 50]، وقال: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾.
الآية [الأعراف:188]. وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾.
[الجن:21].
وقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ*لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
[آل عمران:127-128]. وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾.
[القصص:56].
وقال: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾.
[النحل:37] انتهى.
وكلامه في هذا المعنى يعزُّ حصره أو يتعذر.
وكذلك صاحبه شمس الدين ابن القيم.
كلامه في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يحصر، إلا بكلفة ومشقة، وتقدم قوله في "المدارج".
وقال أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغام، عدلوا عن أوضاع الشرع1إلى تعظيم أوضاع وضعوها هم لأنفسهم، فسهلت عليهم2، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر3غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل خطاب الموتى بالحوائج، ودَسِّ الرقاع في قبورهم، فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا، وتعليق الستور على القبور اقتداءً بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يحضر مشهد الكف4، أو لم يَعْقِد على قبره، أو قبر أبيه بالآخر، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر وعمر.
انتهى.
والمقصود أن النصوص بهذا المعنى كثيرة شهيرة، والعاقل يسير فينظر.
ويكفي المؤمن أن دعاء الموتى والغائبين لا يُعْرَف عن أحد من أهل العلم والإيمان الذين لهم لسن صدق في الأمة، ولم تأتِ به
شريعة من الشرائع، بل المنقول عن جميع الأنبياء يرده ويبطله، فإن الله حكى أدعيتهم وتوجهاتهم، وما قالوه وأمروا به، وندب عباده إلى الاقتداء بهم فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
[الأنعام:90].
وقد أجمع المسلمون على ذم البدع وعيبها.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾.
[الشورى:21].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
[الأحقاف:4].
وفي حديث العرباض بن سارية: "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" 1.
وهذا الوجه كافٍ2في الجواب، للاتفاق على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة.