الفصل الرابع...
فصل قال العراقي: (وهذا باب الكرامة) وتكلم في إثبات الكرامة، وأنها تكون بعد الموت، واستدل بقوله تعالى عن الملائكة ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
[فصلت: 31].
ومراد العراقي أن دعاء الصالحين، والاستشفاع بهم، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منهم، من جنس الكرامة المثبتة التي أثبتها أهل السنة.
وهذه طامة عظيمة، وغاية في الجهالة والسفاهة، بل هي من جنس احتجاج النصارى على دعاء المسيح، وأمه، وعبادتهما، ظنوا أن ما حصل للمسيح ولأمه –عليهما السلام- من المعجزات والكرامات1، يبيح لهم دعاءهما2، وعبادتهما.
وإذا خاطبت النصراني، سرد عليك من المعجزات والكرامات التي أعطيها المسيح واحتج بها على دعواه.
وعباد القبور يحتجون في هذا الباب بما لم يثبت.
وما ثبتَ
فأكثرُه دون ما أعطيه المسيح، ومع ذلك فالاحتجاج به على دعائهم من جنس حجج النصارى، لا يدل على المدَّعَى، بل غايته أن يدل1على علو الدرجة، وصدق الرسالة، أو ثبوت الولاية إذا اقترن به عمل صالح.
وأما الاستدلال بذلك على أنه يدعى ويرجى، ويشفع وينفع، فهذا من دين النصارى، والصائبة، وعباد الأصنام.
وهذه الشبهة هي التي أوقعت في الشرك جمهور المشركين، فإن أصل عبادة الأصنام هو التعلق على الصالحين، وتصوير صورهم وتماثيلهم.
بل عباد الكواكب دعاهم إلى عبادتها ما أودع الله فيها من الحِكم والمنافع التي ظهرت آثارها في هذا العالم، كما يعرفه من عرف مذاهب القوم.
وطرد الدليل الذي استدل به العراقي: أن يقال بدعاء كل ذي كرامة وقربة2، إذا اعتقد أن الفاعل هو الله، ولا يتوجه الإنكار على النصارى في قولهم: يا عيسى افعل كذا، يا روح القدس أعطني كذا، ويا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، لأنه من أولي العزم، ومن أكابر أهل الكرامات.
والمسلم إذا تصور هذا ظهر له ما فيه من الجهل والضلال، بمجرد الفطرة، ومعرفة الإسلام، وأما من رزق الفهم فيما جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم، ووفق للاستدلال بآيات الله ومخلوقاته، التي نصبها شاهدة ودالة على توحيده في ربوبيته، فذلك أكمل إيماناً، وأتم علماً وإيقاناً، يرى كفر من تعلق على غير الله، ودعاه فيما يختص بالله من أوضح الواضحات، وأبين البينات.
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
[الشورى:9].
استدل بعموم قدرته وإيجاده وإحيائه الموتى على وجوب توليه بعبادته وحده لا شريك له.
والقرآن والسنة يدلان على هذا، ويقررانه بأنواع الدلالات، وألطف التقريرات.
والآية التي استدل بها ليس فيها ما يدل على دعواه، بل فيها ما يبطلها ويدحضها1، فإن أول الآية نص على وجوب التوحيد، وإفراد الله بالعبادة والاستقامة على ذلك بالتزام حقوقه وواجباته، وتنزل الملائكة ومخاطبتهم للمؤمن بهذا الخطاب، وتوليهم2له لا يدل على أنه يفعل ويشفع، وإنما يدل على كرامته، وعلو درجته، ونيل مشتهاه، ومدعاه في دار الكرامة.
فأين في هذا ما يدل على أنه يدعى في حياته، أو بعد مماته؟ وفي الحديث: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ3مقعده من النار".
وفي رواية: "بغير علم"1.
وهذا الجاهل في الاستدلال بآيات الله، ويحملها على غير محملها، ويتأولها على غير تأويلها، بل على نقيضه وضده، فسبحان من طبع على قلبه.
ط [وقد استدل بعض من يدعي العلم على مسألة تصرف الأولياء، وأنهم يدعون، بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
[آل عمران:169]. فقال بعض عوام المسلمين: إن كانت القراءة يَرزقون –بفتح الياء- فذاك متجه، وإلا فالآية حجة عليك] 1.
قال في "الفتاوى البزازية": من كتب الحنفية: "قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر".
انتهى.
فإن أراد علماء الشريعة فهو حكاية للإجماع، والإجماع على هذا يعلم بالضرورة من دين الإسلام، وهذا أحد الطرق التي يعرف بها الإجماع.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في رسالته "في الرد على من زعم أن الأولياء يدعون ويتصرفون على أن ذلك كرامة".
قال: "وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي،
والعذاب السرمدي، لما فيه من روائج الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة عقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة". انتهى.1
والمقصود أنه حكى إجماع الأمة على كفر من زعم ذلك.