تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيسالفصل الخامس...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل واستدل العراقي على دعاء الصالحين وندائهم بالحوائج1بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.
[النازعات:5].
وذكر عن البيضاوي أنها أرواح الموتى.
الجواب أن يقال: قد حكى البيضاوي أقوالاً في الكلام2 على هذه الآية، وقدَّم أنها الملائكة، وحكى أنها النجوم، وحكى أنها خيل الغزاة، وحكى أنها أنفس الغزاة.
وعلى زعم هذا وطرد دليله: كل ما ذكر يدعى مع الله حتى خيل الغزاة، والبيضاوي لا يقول بدعاء أحد مع الله، بل ذكر في "تفسيره" مواضع يعز استقصاؤها في المنع من3ذلك وتحريمه.
ثم هذا القول الذي قاله العراقي رجوع إلى عبادة الملائكة، والنجوم، والأنفس المفارقة، هذا حقيقة دين الصابئة، أوقع العراقي فيه: ظنه أن العبادة لا تكون عبادة وشركاً إلا إذا اعتقد التأثير من

دون الله، وهذا الشرط هو الذي أوقعه فيما وقع فيه من تجويز عبادة الملائكة، والنجوم، والأنفس المفارقة.
وهذه1المسألة غلط فيها كثير من الضالين، مع أن الله تعالى وضحها في كتابه توضيحاً كافياً شافياً.
وقد تقدم بعض ذلك قريباً.

والشرك: جعل شريك لله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة1، كالحب، والخضوع، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والنسك، والطاعة، ونحو ذلك من العبادات.
فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه، قد2عدل به سواه، وجعل له نداً من خلقه.
ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شَرِكَةً في الربوبية، أو استقلالاً منها.
والعجب كل العجب أن مثل هؤلاء يقرؤون3كتاب الله، ويتعبدون بتلاوته، وربما عرفوا شيئاً من قواعد العربية، وهو في هذا

الباب من أضل خلق الله، وأبعدهم عن فهم وحيه وتنزيله.
ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم به1، ووصفهم به، خاص بقوم مضَوا، وأناس سلفوا وانقرضوا، لم يعقبوا وارثاً.
وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين: هذه نزلت في عباد2الأصنام، هذه نزلت3 في النصارى، هذه في الصابئة، فيظن الغُمر4أن ذلك مختص5بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة.
ثم اعلم أن قول البيضاوي هنا قول لا يلتفت إليه، ولا يعول في الدليل عليه، لأنه صدر عَمَّن لا يرضى، ولا يؤتم به في هذا الشأن ولا يقتدى، ولم يقله أحد من أئمة التفسير والهدى، بل قد صرحوا بخلافه كما يعرفه أولو6الأحلام والنهى، ونبهوا على أن أصل الشرك هو سؤال أرواح الموتى.
والبيضاوي وأمثاله إنما يؤخذ عنهم ما شهدت له الأدلة الشرعية، وجرى على القوانين المرضية، التي يتلقاها أهل العلم والإيمان، من أحكام السنة والقرآن.

وقد قال عمر بن الخطاب –رضي الله تعالى عنه-: "ذهاب الإسلام من ثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن،1وحكم الأئمة المضلين"2.
هذا لو سلمنا ثبوت العلم لمن يحكي مثل هذه الأقوال، وإلا فأين العنقاء لتطلب، وأين السمندل ليجلب؟ 3 وأهل التحقيق من المفسرين على أن المراد بهذه الآية هم الملائكة، فإسناد التدبير إليهم كإسناد النزع، والنشط، والتقسيم، والزجر، كما في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾.
[الذاريات:4] وقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا*فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
[الصافات:2-3]. وليس في هذه الآيات الكريمات ما يدل على دعاء الملائكة، وعبادتهم، فإنهم رسل مأمورون مدبرون، كما أن إبلاغ الرسالة من الرسول البشري لا يدل على دعائه، ولا يقتضيه، فكذلك الملائكة،

لأنهم رسل بالأوامر الكونية والشرعية.
والقدرةُ والتدربير وتسخير المخلوقات كل ذلك لله وحده، وهو من أدلة توحيده وإلهيته، وصرف الوجوه إليه، والإعراض عما سواه.
قال تعالى في حق الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾.
إلى قوله ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
[الأنبياء:26-29]. وقال في شأن جبريل وغيره من الملائكة ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
[مريم:64].
فتأمل ما في هذا القول من كمال العبودية، ومتابعة الأمر، والبراءة من الملكة والحول والقوة، والاعتراف له تعالى بذلك.
فاستدل بعموم الربوبية، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ثناء عليه تعالى بإثبات العلم، ونفي ما يضاده، أو ينافي كماله.
قال تعالى في حق المسيح: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
الآية [النساء:172]. والمقصود أن تسخير الملائكة، وتدبيرها، وإرسالها من أدلة إلهيته تعالى، واستحقاقه لأن يعبد وحده لا شريك له.
* ومن العجب أن هذا العراقي زعم هنا أن ابن القيم قال في كتاب "الروح" وابن تيمية قال في كتاب "الفرقان": إن أرواح الموتى تدبر.
وقد برأهما الله، وحماهما من ذلك، بل هما من أبعد خلق الله عن هذه الأقاويل الجاهلية الشركية، ومن أشدهم نهياً عنها، وإبطالاً

لها في غالب كتبهم ومصنفاتهم، وقد شنعوا على من قال هذا، وكفروه، وحكوا هذا القول عن الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم.
وفي "الفرقان" للشيخ ما يبطل هذا المذهب من وجوه عديدة تقارب السبعين.
فانظر ترى، إن كنت من أهل العلم والهدى.
وفي كتاب "الروح" ما يقارب ذلك من إبطال هذا القول، وتكفير فاعله.
ومن وقف على الكتابين، وله فهم عن الله ورسوله، يعرف ما قلناه، ويتضح له صحته ومغزاه.
والخطاب مع ذكي النفس، قوي الهمة، رفيع القدر، العارف بأخذ العلم واستنباطه، وأما وضيع النفس، ضعيف الهمة، خسيس القدر، الجاهل بأخذ العلم من معدنه ومظانه فليس الكلام معه، ومثله لا يزداد بكثرة الكتب والأقوال إلا شكاًّ وحيرة.
ثم استدل العراقي برؤيا الأرواح بعد الموت عند النصر والظفر.
وهذا من أعجب ما سمعنا عن هؤلاء الضلال.
والرؤيا على أقسام معروفة، وتأويلات مختلفة، فمنها حقائق وصور مشهورة.
ومنها أمثال مضروبة، وعلى الأول ليست فاعلة، ولا سبباً أصلاً، بل هي علامات وشواهد، ولا يخالف في هذا من شم رائحة العلم والتمييز.
وقد قالوا: إن رؤيته صلى الله عليه وسلم مناماً –بشرطها المقرر، وهو أن يراه صلى الله عليه وسلم على صفته ومثاله- يختلفُ تأويلُه بحسب اختلاف الرائي، واختلاف الزمان والمكان، فرؤيته عند الحرب تحمد للمؤمنين وفيها بشارة لهم،

بخلاف غيرهم من الكفار والمنافقين، والبغاة المعتدين، فهي نذارة لهم، وعقوبة عاجلة، وكذلك المكان الذي تكثر فيه المعاصي، ويظهر الفجور.
واللبيب يفهم من الرؤيا والمثل ما لا يفهمه سواه، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته الدنيوية، وأبو بكر، وعمر كانوا يجاهدون بأنفسهم وأموالهم، وقد قال تعالى لنبيه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾.
[الأنفال:17].
ولما وعدهم أن يمدهم بالملائكة تقاتل معهم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
[الأنفال:10] فأخبر أن النصر من عند الله لا من عند غيره، لتنيب القلوب إليه، فتعتمد في مهماتها ةعليه، وتستغيث به وحده لا شريك له.
فإذا كان هذا حالهم في الحياة فكيف ترى حال الأرواح بعد الممات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُوْ لَهُ".
وهؤلاء الضلالُ يقولون: إن أرواح الأولياء تدبر، وتهزم، وتنصر، وتفعل، وتفعل، قل أأنتم أعلم أم الله.
وهذا الرجل يعرف من نظر في كلامه أنه أجنبي عن العلم والإيمان، لم يعرف ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وكيف كان الشرك في الأمم.
ولكنه وجد مادة وكتباً شتت فهمه، أراد

الاستغناء بها فلم تزده إلا جهلاً وعمى، وأضاف إلى ذلك الجراءة في الكذب على أهل العلم، ونسبة الأقوال الضالة إليهم، كما كذب على الشيخ وتلميذه، وزعم أنهما قالا: أرواح الموتى من المدبرات، وروح النبي صلى الله عليه وسلم هزمت الجيوش.
والصواب أن الشيخ –رحمه الله- نص على أن القول بمثل هذا من أقوال الفلاسفة والصابئة*.

قال رحمه الله – فيمن قال إن أرواح الموتى تجيب من دعاها1: "هذا يشبه بقول من يقول: الأرواح بعد المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها، وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة، ومن أخذ عنهم كابن سينا وأبي حامد وغيرهما.
وهذه الأحوال هي من أصول الشرك، وعبادة الأصنام، وهي من المقاييس التي قال بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس".
وقال أيضاً –رحمه الله- في الكلام على رؤساء المتكلمين: "وكل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم، فهم الآمرون بالشرك، الفاعلون له"2 إلى أن قال: "وقد رأيت في مصنفاتهم في عبادة الملائكة، وعبادة الأنفس المفارقة –أنفس الملائكة وغيرهم- ما هو أصل الشرك".
وقال العلامة ابن القيم –رحمه الله- في "مدارجه": ومن أنواعه –يعني الشرك الأكبر- طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم،

والتوجه إليهم.
وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله.
انتهى.
[ونَقْلَ العراقي عن كتاب "الروح" أن روح النبي صلى الله عليه وسلم هزمت جيوش الكفار والظلم مع كثرة عددهم، لا أصل له، وكتاب "الروح" موجود، ومسموع من المشايخ الثقات العارفين بنصوصه وأقواله وأصوله وفروعه، ليس فيه هذا، بل فيه ردُّه وإبطاله كما تقدم.
كذلك نقله عن الشيخ كذب ظاهر، وإفك وخيم.
ويغلب على ظني أنه سمع في كتاب "الروح" ذكر رؤيا الأرواح وصعودها، ونزولها، وحضورها تارة عند الحرب أو غيره، ورؤية بعض الناس لأصحابها: فظن أن هذا هو القول بأن الأرواح تدبر، وتهزم الجيوش، لأن في ذهنه وخَلْده ما عليه الصابئة والفلاسفة من أن الأنفس المفارقة قد تؤثر في هذا العالم، ولم يميز بين مذهب الصابئة، وما عليه المسلمون، ومن بلغ في الجهالة إلى هذه الغاية والحد، فقد تعطل قلبه عن الإدراك والمنافع وفسد] 1.

فصول الكتاب · 13 فصل · 153 صفحة
جارٍ التحميل