تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيسالفصل الثاني...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل قال العراقي: (ومن الأدلة على جواز دعاء الصالحين وندائهم ما ذكر الله عن نبيه سليمان، وقوله لآصف، فإنه1طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله).
فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا.
وقصة آصف من أدلة التوحيد، وآصف توسل إلى الله بتوحيده وإلهيته، وكرر ذلك في دعائه، وقد قيل: إنه يعرف الاسم الأعظم، فهو طالب من الله، راغب إليه، سائل له، ليس بفاعل أصلاً2، وسليمان عليه السلام آمر ليس بسائل ولا طالب.
وفرق بين الأمر والمسألة.
ومن لم يفرق بين الأمرين، و3لم يدر حكم المسألتين، فليرجع إلى وراء، وليقتبس نوراً من كلام أئمة العلم والهدى.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: "لا تنسنا يا أُخَيَّ من صالح دعائك" 1.

وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفاً بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء، أو أمر به، فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع.
فالآية من أدلة التوحيد، وصرف الوجوه إلى الله، وإقبال القلوب عليه، فإن آصف توسل إلى الله بتوحيده وربوبيته، وقَصَدَه وحده، ولم يقصد سليمان ولا غيره، مع أن سليمان أفضل منه لنبوته.
وفيها أن الأنبياء لا يسألون ولا يقصدون، بل ربما صار حصول مقصودهم، ونيل مطلوبهم على يد من هو دونهم من المؤمنين.
وأن أعظم الوسائل وأشرف المقاصد هو توحيد الله بعبادته ودعائه وحده لا شريك له، كما فعل آصف.
وفيها براءة أولياء الله من الحول والقوة، كما دلت عليه القصة، فإنه1 توضأ، وصلى، ودعا، فقال في دعائه: "يا ذا الجلال والإكرام" قاله مجاهد.
وقال الزهري2: يا إِلهَنا وإله كل شيء، إلهاً واحداً، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها".
فأي شبهة تبقى مع هذا، وأي حجة فيه على أن غير الله يدعى؟ 1 في النسخ الخطية: "وأنه".
2 في طبعة آل ثاني: "الزيادي" وهو خطأ.

ثم أخذ العراقي في هذيان وإسهاب حاصله: أن السبب لا يفعل، وأن الله هو الفاعل.
ومراده بهذا أن دعاء الأموات والغائبين من الأولياء والصالحين يجوز ويسوغ، إذا اعتُقِد أن الله هو الفاعل.
وقد مَرَّ رد هذا، وتقرير جهل قائله، ومفارقته لما عليه أهل الإسلام، وقد تقدم أن أصل الإسلام وقاعدته: هي عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالقصد والطلب.
وأن توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى لا يكفي في السعادة والنجاة، ولا يكون به الرجل مسلماً حتى يعبد الله وحده، ويتبرآ مما سواه من الأنداد والآلهة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله" 1.
وهذا ظاهر بحمد الله، وإن خفي على خفافيش البصائر، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا2إلى ركن وثيق، فهاموا من

الجهل والضلال في كل فج عميق، مع انتسابهم إلى العلوم والدفاتر، وتقدمهم في المجالس والمحاضر.1
لا عيبَ في القومِ من طولٍ ومن قصرٍ... جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ2

فصول الكتاب · 13 فصل · 153 صفحة
جارٍ التحميل