أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَإِن قيل إِذا لم تصح هَذِه المغاضبة لرَبه على هَذَا الْوَجْه فَمَا الصَّحِيح الَّذِي يعول عَلَيْهِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْمُطَالبَة فِي لوم الله

تَعَالَى لَهُ حَيْثُ قَالَ ﴿فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى لنَبيه عَلَيْهِ السَّلَام ﴿فاصبر لحكم رَبك وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ وَكَذَلِكَ فِي قولة نَبينَا عَلَيْهِ السَّلَام حمل أخي يُونُس أعباء الرسَالَة فانفسخ تحتهَا كَمَا يَنْفَسِخ الرّبع قُلْنَا أما مغاضبته عَلَيْهِ السَّلَام فَكَانَت لِقَوْمِهِ لَا لرَبه وَلَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِ وأنى وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو لم يبلغ نَبِي الرسَالَة إِلَى قومه لعذب بِعَذَاب قومه أَجْمَعِينَ) نقل على الْمَعْنى وَإِنَّمَا كَانَت لِقَوْمِهِ لما نَالَ مِنْهُم من الأذية فَاحْتمل أذاهم حَتَّى ضَاقَ صَدره ويئس من فلاحهم ففر بِنَفسِهِ بَعْدَمَا بلغ غَايَة التَّبْلِيغ كَمَا أمره الله تَعَالَى ثمَّ غلب ظَنّه لسعة حلم الله تَعَالَى أَلا يَطْلُبهُ بذلك الْفِرَار لكَونه قد أدّى مَا عَلَيْهِ وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿فَظن أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ أَي ان لن نضيق عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ أَي ضيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿أولم يعلمُوا أَن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ أَي يضيق

وَيحْتَمل أَنه ظن أَن قدرَة الله تَعَالَى لم تتَعَلَّق بإيلامه وسجنه تفضلا مِنْهُ وَأَنه تَعَالَى يعْفُو عَنهُ فِي ذَلِك الْفِرَار فَوَقع خلاف ظَنّه وَهَذَا هُوَ الَّذِي يجوز أَن يَعْتَقِدهُ الْأَنْبِيَاء وَأَن يعْتَقد فيهم وَقَالَ الفجرة إِنَّه ظن أَن لَا يقدر الله عَلَيْهِ أَي لَا يُمكنهُ أَن يفعل فِيهِ وَهَذَا كفر صراح لَا يُمكن أَن يَعْتَقِدهُ مقلد فِي الْإِيمَان فَكيف نَبِي وَقد تذاكرت مَعَ طَالب من طلبة الأندلس ملحوظ بِالطَّلَبِ فَقَالَ لي ذَلِك وبالاجماع أَنه من ظن أَن لَا يقدر الله عز وَجل عَلَيْهِ على وَجه الْعَجز عَنهُ أَو الْفَوْت من قَضَائِهِ وَقدره فَهُوَ كَافِر وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿فالتقمه الْحُوت وَهُوَ مليم﴾ أَي أَتَى مَا يلام عَلَيْهِ وَلَيْسَ كل من أَتَى مَا يلام عَلَيْهِ يَقع لومه فَإِن كَانَ تَعَالَى لم يلمه فقد انْدفع الِاعْتِرَاض لعدم اللوم وَالْأَظْهَر أَنه لم يلمه إِذْ لَو وَقع اللوم لقَالَ وَهُوَ ملوم وان كَانَ لامه فاللوم قد يكون عتابا وَقد يكون ذما فَإِن صَحَّ وُقُوع لومه فَكَانَ من الله عتابا لَهُ على فراره لَا ذما إِذْ المعاتب محبور والمذموم مدحور فَاعْلَم رَحِمك الله صِحَة التَّفْرِقَة بَين اللوم والذم قَالَ الشَّاعِر (لَعَلَّ عتبك مَحْمُود عواقبه... فَرُبمَا صحت الْأَجْسَام بالعلل) وَقَالَ آخر (إِذا ذهب العتاب فَلَيْسَ ود... وَيبقى الود مَا بَقِي العتاب)

وَقَالَ آخر (لَو كنت عاتبتي لسكن لوعتي... أملي رضاك وزرت غير مراقب) (لَكِن صددت فَمَا لصدك حِيلَة... صد الملول خلاف صد العاتب) أَلا ترى كَيفَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة من ربه لنبذ بالعراء وَهُوَ مَذْمُوم﴾ مَعْنَاهُ لَوْلَا مَا عصمناه ورحمناه لأتى مَا يذم عَلَيْهِ على أصل الْجَوَاز لَا على فرع الْوُقُوع وَهَذَا من النمط الَّذِي قدمْنَاهُ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ ﴿واجنبني﴾ وَهِي أَن يعبد الْأَصْنَام وَهُوَ قد أَمن من ذَلِك بالْخبر وَقَوله تَعَالَى فِي قصَّة شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ الْآيَة وَقَوله تَعَالَى لنبينا عَلَيْهِ السَّلَام ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾ وَهُوَ تَعَالَى لم يَشَأْ ذَلِك بالْخبر وَأما قَوْله تَعَالَى لنبينا عَلَيْهِ السَّلَام ﴿فاصبر لحكم رَبك وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ يَعْنِي كيونس عَلَيْهِ السَّلَام فِي فراره حِين ضَاقَ صَدره كَمَا قدمْنَاهُ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد نعلم أَنَّك يضيق صدرك بِمَا يَقُولُونَ﴾ كَمَا ضَاقَ صدر يُونُس فَلَا تَفِر كفراره وَلذَا جَاءَ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام (لَا تفضلُونِي على يُونُس بن مَتى)

لما قيل لَهُ ﴿وَلَا تكن كصاحب الْحُوت﴾ فَنَهَاهُ أَن يفعل فعله فِي قصَّة مَخْصُوصَة خَافَ على قُلُوب عوام أمته من اعْتِقَاد هَذِه القولة على خلاف مَا هِيَ بِهِ فيعتقدون أَنَّهَا نهي لَهُ على الْعُمُوم وحاشى وكلا وَكَيف يَصح فِيهَا الْعُمُوم وَقد أمره تَعَالَى أَن يتخلق ويقتدي ويهتدي بأخلاقه وأخلاق نظرائه عَلَيْهِم السَّلَام حَيْثُ قَالَ لَهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فَقَالَ ذَلِك وَالله اعْلَم وَأما قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام (حمل أخي يُونُس أعباء الرسَالَة فانفسخ تحتهَا كَمَا يَنْفَسِخ الرّبع) الحَدِيث فَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنى انه كلف مقاساة الجهلة وَالصَّبْر على الأذية فَضَاقَ صَدره بذلك وَلم يحْتَملهُ ففر وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن تحمل هَذِه الْأَقْوَال وعَلى مَا هُوَ أغمض وَأَعْلَى فِي التبرئة من هَذَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه

فصول الكتاب · 46 فصل · 170 صفحة
جارٍ التحميل