باب فروض الوضوء وصفته
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد المختار الشنقيطي
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب الطهارة)
- المؤلف
- محمد بن محمد المختار الشنقيطي
- الناشر
- الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية، الرياض - المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الثاني: ولو وقع واجباً كما في حال غسلهما عند الإستيقاظ من النوم؛ فإنه لا يجزئ؛ لأنه سابق للوجه فيفوت فرض الترتيب، حيث لا يصح غسل اليدين، ولا بعضهما قبل غسل الوجه كما بيّناه في شرط الترتيب، وعليه فلا يجزيه بكل حال.
وكثير يقع في هذا، وينبغي تنبيههم.
قوله رحمه الله: [ثُم يمسَحُ كل رأسه مَعَ الأذنيْنِ مرةً واحدةً]: شرع -رحمه الله- في بيانه للفرض الذي يلي غسل اليدين، وهو مسح الرأس، فقال: [ثم يمسحُ رأسَه كُلّه] وهذا على الصحيح، وقد تقدم بيان دليل وجوب مسح الرأس كله، وأنه هو الراجح من أقوال العلماء رحمهم الله، وقوله: [مَع الأذنين] أي: أن الأذنين تأخذان حكم الرأس، فيجب مسحهما؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: [الأذنَان مِنَ الرأسِ] وقد تقدم معنا بيان ذلك، وبيان صفة مسحهما مع الرأس، وقوله رحمه الله: [مرةً واحدةً] أي: أنه لا يثلث مسح الرأس حتى، ولو أسبغ الوضوء، فإذا غسل جميع الأعضاء ثلاثاً؛ فإن الرأس لا يمسحه إلا مرة واحدة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله، وذهب الشافعية رحمهم الله إلى القول بسنية التثليث في مسح الرأس، وإستدل الجمهور على مذهبهم بدليل النقل، والعقل، أما دليلهم من النقل: فهو السنة وذلك في أحاديث منها: حديث عثمان، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما في صفة وضوء النبيِّ صلّى الله عليه، وسلم حيث بيَّنا أنه غسلَ جميع أعضاء الوضوء ثلاثاً، ولم يذكرا ذلك في مسح الرأس، فلم
يفعله عثمان رضي الله عنه في وصفه لوضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال عبد الله رضي الله عنه: [فأقبلَ بهما، وأدبَر] ولم يذكر أنه ثلث المسح.
وقد جاء التصريح بإقتصاره عليه الصلاة، والسلام على المرة الواحدة حتى في حال إسباغه، كما في حديث علي رضي الله عنه حيث إنه وصف وضوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلم: [وأنه توضَّأَ فغسلَ كفّيه ثم مضمضَ ثلاثاً، واسْتَنْشَق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرةً ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثمّ قال: أحببتُ أنْ أُريَكُمْ كيفَ كان طُهُور رَسولِ الله صلّى الله عليه وسلم].
رواه الترمذي وصححه، وعن أنس رضي الله عنه مثله.
وفي حديث الربيع رضي الله عنها أنها رأتْ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضّأ فقالت: [مَسَحَ برأسِه ما أَقْبل منه، وما أَدْبر، وصَدْغَيه، وأُذُنيه مرةً واحدةً] رواه الترمذي، وصحّحه.
وأما دليلهم من العقل فقالوا: إِن تكرار المسح يجعل الممسوح مغسولاً، ومقصود الشرع في هذا العضو هو المسح، وليس الغسل.
وإستدل الشافعية رحمهم الله بحديث علي رضي الله عنه عند الدارقطني: [أنه مَسحَ برَأسِه، وأُذنَيْهِ ثلاثاً] وسنده ضعيف.
وعليه فإنه يترجح القول بأن المسح لا يكون إلا مرةً واحدةً حتى ولو كان الوضوء ثلاثاً؛ لصحّة دلالة النقل، والعقل على ذلك، ولأنّ دليل القول بالتّثليث لم يثبت.
فائدة: إستدل بعضهم بحديث: [توضأَ ثلاثاً، ثلاثاً] على أنه عام فيشمل مسح الرأس، وجوابه: أنه محمول على الأغلب، لأن أحاديث الجمهور مفصّلة بيّنت أن التثليث كان في أغلب أعضاء الوضوء لا في كلّها فتُقدم على هذا الحديث الذي وصف وصفاً غالبياً.
قوله رحمه الله: [ثمّ يغسلُ رجْلَيْه مع الكَعْبينِ]: ثم يغسل رجليه، وهذا هو الفرض الأخير غسل الرجلين، أو مسحهما إذا كان لابساً للخفين، أو الجوربين، والكعبان يجب غسلهما مع القدم لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وقد تقدم بيان دليل وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، وهل الكعبان يجب غسلهما، أو لا؟ وذكرنا الأقوال، والأدلة، والراجح في هذه المسألة تبعاً للخلاف في المرفقين مع اليدين بما يغني عن الإعادة.
قوله رحمه الله: [ويَغسِلُ الأَقْطعُ بَقيَّةَ المفروضِ]: لأنّ الله أمره بغسل الجميع، فإذا سقط عنه البعض لمكان العذر فإن سقوط البعض لا يقتضي سقوط الكل؛ فالخطاب متوجه عليه أن يغسل يده كاملة فإذا قُطع بعضُها، وبَقي ساعِده مثلاً فإن السَّاعد داخل في المأمور، فيجب عليه غسل ما بقي من الساعد بعد القطع.
قوله رحمه الله: [فإِن قُطِعَ منَ المِفْصَلِ غَسلَ رَأسَ العَضُدِ مِنْه]: هذا مبني على ما ذكرناه من كون الكعبين، والمرفقين داخلين في الغسل ولا يمكن إستيعابهما إلا بالشروع في العضد كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، فصار طرف العضد داخلاً من هذا الوجه، فإذا بقي بعد قطع اليد شيء منه وجب غسله، وفيه نظر، حاصله أن غسل العضد إن
كان للإستيعاب لم يلزمه غسله عند قطع ما قبله، وإن كان غسله مفروضاً أصلاً صحّ غسله، فعلى الأول يكون تابعاً، وعلى الثاني يكون أصلاً، فيسقط في الأول لسقوط أصله دون الثاني حيث إنه أصل مأمور بغسله.
قوله رحمه الله: [ثمّ يرفع نظره إلى السماء ويقول ما ورد]: رفع النظر إلى السماء بعد الفراغ من الوضوء لم يصح فيه شيء عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحيح أنه يقتصر على القول من ذكر الشهادة، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله، وقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أن من قالها عند تمام وضوءه، فُتِحَت له أبوابُ الجنّة الثمانيةِ يدخل من أيها شاء -نسأل الله العظيم أن يجعلنا، وإياكم ذلك الرجل-.
قوله رحمه الله: [وتُباحُ مَعُونته، وتَنْشِيفُ أَعْضَائِه]: الإباحة: إستواء طرفي الحكم أي: لا يؤمر به ولا ينهى عنه، وقوله: [تُباحُ مَعونتُه] أي: معونة المتوضئ، كما ثبت في الأحاديث الصّحيحة من صبِّ الصّحابة رضي الله عنهم لوضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث أنس، وحذيفة، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم في الصحيح، فإنها كلّها دلّت على مشروعية خدمة الأحرار بعضهم لبعض، وخاصة إذا كان من أهل الفضل، وكبار السن، والوالدين، فإنّ هؤلاء خدمتهم عبادة، وقربة لله -جل وعلا-، وتجب عند وجود الحاجة، كالمشلول، ونحوه.
وإذا كان صغير السن، وأردت أن تخدمه فلا حرج إذا قُصد بذلك وجه الله لا رياءً، ولا سمعةً لكن الأفضل لطالب العلم ألا يمكّنَ الناس من خدمته في
بداية طلبه للعلم، أو في صغر سنه لما في ذلك من الفتنة، والإنسان في مقتبل عمره لا يأمن الفتنة بخلاف كبار السن، فإن الخشوع فيهم أكثر، وقربهم من الموت يُبْعدهم من قصد إهانة الناس غالباً، مع ما لهم من حق كبر السن، ولذلك يستحب بعض العلماء أن الإنسان إذا كان صغير السن ولو كان من العلماء أنه يتورع عن خدمة الناس له حتى يكون ذلك أبلغ في إخلاصه، وفي طاعته لله -جل وعلا-، أُثر عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: (إن صحبت رفقة في سفر؛ فلا يعلموا بصيامك؛ إنهم إن علموا بصيامك قالوا: أنزلوا الصائم، أكرموا الصائم احملوا الصائم حتى يذهب أجرك) أي: لا يزالوا يكرمونك حتى يذهب أجرك بما يكون منهم من إكرام، ولذلك ينبغي للإنسان أن يتورع، وقد عهدنا علماء أجلاء -رحمة الله عليهم- بلغوا من العلم شأواً عظيماً كانوا يتورعون عن خدمة الناس لهم خاصةً في هذه الأزمنة التي قل أن يُوجد فيها المُخلِص وكذلك إن وجد المُخلص قد يوجد المُغالي، وكثير من البدع، والأهواء، والغلو في الصالحين نشأ بسبب الخدمة، ولذلك لا ينبغي أن يُتخذَ الدين طريقاً لإهانة عباد الله -جل وعلا- فإن الله أخرج الناس بالإسلام من العبودية لغيره إلى العبودية له -سبحانه وتعالى-، وقد تكلم الإمام ابن القيم -رحمة الله عليه- كلاما نفيسا في الفوائد، وقال: إن كثيراً من الفساق يغترون بصحبة الصالحين حتى يكونوا جريئين على المعاصي بسبب فضلهم على الصالح بخدمته، ولذلك تجده يخدمه فيغتر بصحبته، فيجرأ على حدود الله، ولا يصلح من حاله، وتصبح صحبته
للعالم صحبة شكلية للخدمة، لكن أن ينتفع بعلمه، ويستفيد من ورعه وتقواه لا تجد لذلك أثراً حتى -والعياذ بالله- يفسد عليه دينه.
والمنبغي أن يحمل الإنسان نفسه على أتم الوجوه، وأقربها إخلاصاً لله -جل وعلا-، خرج عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- من المسجد فخرج معه أصحابه يشيّعوه قال: مالكم؟ قالوا: رأيناك تسير وحدك فأردنا أن نشيّعك، قال: (إليكم عنّي إنها فتنة للتابع، والمتبوع) هذا عبد الله بن مسعود في عصر الخيرية، وفي القرون المفضلة يقول: إنها فتنة للتابع أي: أن الإنسان إذا سار مع العالم، دون أن يسأله، ودون أن يستفيد من علمه ذلك فتنة للتابع بالإغترار بالصحبة، ورؤية الناس له مع أهل الفضل، وأيضاً فتنة للمتبوع أي: أن العالم ربما دخله الغرور برؤية من حوله ممن يشيّعه، ويسير معه.
ولذلك الأسلم والأكمل أن الإنسان يتورع وإذا نظر الله إليك قد حباك العلم والفضل لا تهين عباده ولا تأخذ منهم أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً كَمُلَ أجرك عنده -جل وعلا-، ولذلك قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ 1 لكن لا يعني هذا التحريم، والمنع ولكن نقول: أن الإنسان إذا خشي الفتنة على نفسه، أو على من معه، فإنه ينبغي عليه أن يتورّع، وهذه المسألة أحبُّ أن أُنبه عليها؛ لأنه حصل فيها كثير من الدَخَل، فلقد رأينا كثيراً من طلاب العلم
يصحبون العلماء، ويكون في بداية صحبته للعالم كأحسن ما أنت رآءٍ أدباً، وخلقاً، واستفادة من العالم، وكثرة سؤال، ومدارسة له، ولكن ما إن يدخل إلى مقام خدمته، والقيام على شأنه، ويداخله في أموره الخاصة إلا وتغير حاله فيخرج عن حدِّ الأدب، ولربما يأتي وقت، وقد رأينا ذلك بأعيننا في بعض ضعاف النّفوس في حال صحبتهم لمشائخنا يأتي وقت يجرؤ فيه على أن يُفتي فيه بحضرة العالم، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من المزالق الخطيرة إذا صحبت أهل العلم لا حرج أن تخدمهم، وأنت تريد وجه الله؛ ولكن اعلم أن صحبة العلماء للعلم، والفائدة، وليست للمظاهر، والأمور التي قد تكون فتنة على الإنسان في دينه، ودنياه، وآخرته.
قال رحمه الله: [تُباحُ مَعُونتُه]: أي: يجوز أن يعاونه الغير.
قوله رحمه الله: [وتَنْشيفُ أَعضائه]: التنشيف: هو التجفيف أي: يباح التنشيف، ويجوز، ولكن الأفضل أن لا ينشف أعضاء الوضوء لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: [مَا مِنْ مُسْلم يُقرِّبُ وضُوءَه فيُمضمِضَ، ويَسْتَنْشق، ويَغسِل وجْهَه إلا خَرجتْ كُلُّ خَطيئةٍ نَظرتْ إِليها عَيْناهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخرِ قَطْرِ الماءِ] فقوله: [مَع الماءِ، أوْ مع آخِرِ قَطْرِ المَاءِ]، وكذلك قال في اليدين: [حتى تَخْرجَ مِنْ تَحتِ أَظْفارِ أَصابِعه مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماء] فقد دلّ على فضيلة عدم تنشيف الأعضاء، وترك الماء يتقاطر حتى يكون أكثر طهارة من الذنوب، والخطايا.
وكذلك ثبتت السُّنة بتأكيد هذا المعنى المستنبط في الوضوء، فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما اغتسل، وجاءته أمّ المؤمنين بمنديل قالت رضي الله عنها: [فلم يُرِده، وجعل يَنْفضُ الماءَ بيديْه].
ولهذا استحَبّ طائفةٌ من العلماء أنه يُبقي الأعضاء مبلولة، حتى يكون ذلك أدعى لخروج خطاياه، مع الماء أو مع آخر قطر الماء على ظاهر الحديث.