شرح زاد المستقنع للشنقيطي - كتاب الطهارةصفحات 383-422
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الحيض

صفحات 383-422
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد المختار الشنقيطي
الكتاب
شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب الطهارة)
المؤلف
محمد بن محمد المختار الشنقيطي
الناشر
الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال الصنف رحمه الله: [باب الحيض]: الحيض باب عظيم، تتفرّع عليه مسائل مهمّة تتعلق بعبادات الناس، ومعاملاتهم، ولذلك إعتنى به المحدثون، والفقهاء -رحمة الله عليهم-، وما من كتاب يتكلم عن أحكام الشريعة في العبادات؛ إلا عقد له باباً خاصاً أورد فيه أحاديثه إن كان من كتب الحديث، أو أحكامه إن كان من كتب الفقه، وإتقانه ليس من السهولة بمكان بل هو عسير؛ إلا على من يسره الله عليه، ولذلك بين الإمام النووي -رحمه الله-: " أنه منْ عويصِ الأَبوابِ "، ولا شك أن الذي يتقنه يسدُّ ثغراً عظيماً من ثغور الإسلام.
والسبب في ذلك أن المرأة تلتبس عليها صلاتها، وصيامها، وعمرتها، وحجها، وغير ذلك من عباداتها التي تشترط لها طهارتها، ويلتبس على الرجل إباحة جماعها، وجواز تطليقه لها، وانقضاء العدة، وعدم انقضائها، كل هذه المسائل تحتاج معرفة جوابها إلى الإلمام بالأحكام التي بينها العلماء رحمهم الله في باب الحيض.
ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يعتني به.
وقد ألف العلماء -رحمة الله عليهم- فيه تآليف مفيدة، وجمعها الإمام الدارمي في كتاب مستقل، وتكلّم الإمام النووي -رحمه الله- على مسائله فيما لا يقل عن مائتي صفحة، وقال: (إنه لم يستوعب شتاتها)، والحيض حينما يبحث، يبحث من وجهين:

الوجه الأول: أصول باب الحيض، وهي المسائل التي تنبني عليها أحكامه في الأصل؛ كما في مسائل أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر، وأكثره، وضوابط العادة، والتمييز، وعلامة الطهر، ونحوها من المسائل.
والوجه الثاني: الفروع المتعلقة بهذه الأصول، ومسائلها مهمة جداً، وهي تنبني على مسائل الأصول فينبغي على طالب العلم أن يعتني بضبطها، وكيفية تخريجها، وبنائها على أصولها، قال بعض أئمة الحديث: (في الحيض ما يقرب من مائة حديث، ولهذه الأحاديث ما يقرب من مائة، وخمسين طريقاً)، ولذلك قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: (هي مسائل تأكُلُ الكَبِدَ، وتُنْهِضُ الكَتِدَ، ولا يُتْقِنُها منكم أَحدٌ).
ومن أوضح الدلائل على أهمية مسائل الحيض، وصعوبة ضبطها ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: (إنّه جلس فيه تسع سنوات حتى فهمه)، وللأسف نجد من يُثَرّب على العلماء ويقول: علماء الحيض والنفاس، ووالله الذي لا إله إلا هو لو أمست امرأته حائضاً، وهو لا يعرف أحكام الحيض، والنفاس لما أحسن جوابها، ولعرف قدر علماء الحيض، والنفاس، ولو انتصب أمام مسائل الناس، وفتاويهم وما ينزل بهم في حيض نسائهم، ونفاسهم من مسائل العبادات، والمعاملات، وما يترتب عليها من أحكام شرعية لعرف فضل علماء الحيض، والنفاس، ولذلك لا يجوز لأحد أن يستخفّ بهذا الباب، والاستخفاف بعلمائه يدل على مرض في قلب صاحبه، وهذه كلمة قد ينطق بها صاحبها، ولا يعلم مقدار خطرها عليه في دينه، وعند ربّه كما

قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ 1، ولذلك ما جاء الأمة البلاء إلا من الغلو، تجد العابد الصائم القائم يحتقر طلاب العلم، ويحسَّ أن الدين هو الصيام والقيام، وتجد طالب العلم يحتقر العابد، وهذا لا يجوز؛ وهو سبب الهلاك كما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-[إنما أهلكَ منْ كانَ قبلكمْ الغُلُو] فلا يجوز الغلو في الدين، فالإنسان إذا فتح الله عليه في طاعة فعليه أن لا يحتقر غيره، فكل على ثغرة، والله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ 2 فأنبه على هذا؛ لأنها مسألة خطيرة جداً أن يُستهزئَ بالعلماء، وينبغي على طلاب العلم أن يتنبهوا لهذه الآفة من آفات اللسان -نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الهوى، والردى-، المقصود أن هذا الباب باب عظيم، وينبغي على طالب العلم أن يتهيأ لضبطه، وإتقانه.
قوله رحمه الله: [باب الحيض]: الحيض في اللغة: السيلان.
يقال: حاضَ الوادي: إذا سالَ ماؤُه، وحاضت السّمرةُ: -وهي نوع من الشجر-، إذا سال منها الصُمْغُ، والمرأة حائض، وحائضة، ونُوزع في الثاني، لأن الذي لا يشترك فيه الذكر، والأنثى لا يُؤنث بالتاء، فيقال: امرأة حائضٌ، كما يقال: امرأة طالقٌ؛ لأن الرجل لا يُطلق، وكذلك لا يحيض، ولا يقال: امرأة طالقة، أو حاملة.

واختلفت تعاريف العلماء للحيض اصطلاحاً، منها قولهم: [دمٌ يُرخِيه رحمُ المرأةِ عادة لغيرِ مرضٍ وولادة].
(يُرْخِيهِ): أي يسيل منه، وقولهم: (رحم المرأة) الرَّحم بفتح الراء، وكسر الحاء، وبكسر الراء مع سكون الحاء، هو مكان منبت الولد، ووعاؤه.
وقوله (رحم المرأة) قيد يخرج الدماء الخارجة من المواضع الأخرى من جسد المرأة.
وقولهم (لغير مرض) قيد أيضاً يخرج الدماء الخارجة من فرج المرأة بسبب المرض كدم الإستحاضة.
وقولهم (وولادة) أي لغير ولادة، وهو قيد أيضاً يخرج دم النفاس، فلا يسمى حيضاً؛ لأنه دم ولادة.
أما بالنسبة للحيض فذكره المصنف -رحمه الله- في هذا الموضع لتعلقه بمباحث الطهارة.
وأما بالنسبة لمناسبة ذكره بعد إزالة النجاسة: فدم الحيض دم نجس بالإجماع، وهو نوع من أنواع النجاسات، ومن باب الفائدة: فإنه لو أمكن لطالب العلم أن يقرأ كلام الأطباء في هذا الدم الذي يرخيه الرحم، وينظر إلى بديع صنع الله -عز وجل- وعظيم حكمته، وكمال علمه -سبحانه وتعالى-، فلو قرأت كلام الأطباء ونظرت إلى الحِكَم التي توجد في هذا الدم في كيفية خروجه، وكيف يتهيأ ذلك الرحم لإخراجه، وإفرازه، ثمّ كيف ينقبض بإذن الله -عز وجل- بعد الخروج، وكيف يتهيأ الحمل في الرحم، ثم كيف يتم إفرازه للهرمونات التي

تعين على الحمل، حتى إذا شعر المبيض أنه ليست هناك ولادة إِمتنع من إفراز هرمون الحمل، فأخذت الأوعية تتقلّص، ثم أخذت تُفرز ذلك الدمَ، ثم يرسل الله -عز وجل- له كالخميرة تفكِّك هذا التَّجلُّطَ، سبحان الله! هذا كلُّه من الدلائل على عظمة الله -جل جلاله-.
الحيض له أسماء ومنها: النفاس، والإكبار، والإعصار، والطمث، والضحك، والفراك، والدِّراس، والطمس، والعراك فهذه أسماء عشرة مع إسمه الأصلي.
قال المصنف رحمه الله: [لا حيض قبل تسع سنين]: أي لا حيض للمرأة إذا كان عمرها دون تسع سنين، وهذه مسألة أقل سن تحيض فيه المرأة، ويستفاد منه أننا لا نحكم بكون الدم حيضاً إلا إذا بلغت هذا السن، فإذا جرى معها الدم، وهي أصغر منه؛ فليس بحيض، وإنما هو إستحاضة، وأما إذا بلغت السن المعتبر للحيض، وهو تسع سنين، ثم جرى معها الدم حكمنا بكونه حيضاً، وبكون المرأة بالغة، لأن الحيض من علامات البلوغ الخاصة بالنساء.
وإعتبار سن التسع هو أحد أقوال العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، وقد تكلمنا عليها في شرح البلوغ، وهو الراجح في نظري، والعلم عند الله، وذلك لدلالة الشرع، والعادة، أما دليل الشرع: فما ثبت في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه عقَدَ على عائشة رضي الله عنها، وهي بنت ستّ سنين، ودخل عليها وهي بنت تسع سنين؛ فدلّ على أن الجارية في هذا السن تتأهل للبلوغ، والحيض، وأكد هذا دليل الأثر عن أم المؤمنين

عائشة رضي الله عنها حيث نصّت على أن التسع سنين تتهيأ فيها الجارية للبلوغ، وأما دليل العادة، فإنه ثبت بالعادة، والتجربة أن هذه السن هي أقل ما وجد كما صرح بذلك الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال: " أعْجَلُ من رأيت في الحيضِ نساءَ تهامةَ رأيت جَدَّةً، وهي إِبنةُ إِحْدَى، وعِشْرينَ سَنةً " وهذا يدلّ على أن أقل ما وجد من سن تحيض فيه المرأة هو سن التسع، فصارت حدّاً معتبراً لأقل الحيض.
إذا تقرر أن بداية الحيض بالتسع: يرد السؤال عن نهاية الحيض، والسبب الذي جعل العلماء يذكرون مسألة بداية الحيض، ونهايته: دلالة الكتاب، فإن الله -عز وجل- قال: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 1 فأثبت أن الحيض لا يكون لكل صبية، وأن هناك من النساء من تحيض لأنها بلغت سن الحيض، ومنهن من لا تحيض لأنها لم تبلغ ذلك السن، فعلمنا أن للحيض بداية، وأنه لا يكون من كلّ صبية، ولما قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ علمنا أيضاً أن هناك نهاية للحيض؛ ولذلك اعتنى العلماء رحمهم الله ببيان بداية الحيض، ونهايته، وقد بينا متى تكون البداية، أما النهاية فإنها تُسمّى عندهم بسنّ اليَأْسِ، وهي: السن التي إذا وصلت إليها المرأة يئست من جريان دم الحيض معها لكونه ينقطع في مثل تلك السن غالباً، وقد إختلف العلماء رحمهم الله في آخر سن ينقطع فيه دم الحيض، فقال بعضهم: هو خمسون عاماً على ما ذكر المصنف رحمه الله.

وقال بعض أهل العلم: ستون، وقال بعضهم وهو القول الثالث وهو الأقوى والعلم عند الله: إن هذا يختلف باختلاف البيئات، والنساء، وطبيعة الأرض التي فيها المرأة، فالبلاد الحارّة تختلف عن البلاد الباردة في طبائع النساء؛ ولذلك لا يحد فيه سن معين ويرجع في تحديده إلى غالب حال النساء في كل موضع بحسبه.
إذا تقرر أن آخر الحيض، أو نهاية سن الحيض هي الخمسون بناء على ما ذكر المصنف فإنه ينبني عليه أنها لو بلغت الخمسين، ودخلت في إحدى وخمسين ورئي معها الدّمُ؛ أنه استحاضة، فلا يُعطى حكمَ دم الحيض، ينبني عليه أيضاً أن تقول لها: إعتدِّي بالأشهر، ولا تعتدِّي بالحيض؛ لأن الدم الذي معها أُلغي، فهذه فائدة معرفة آخر زمن للحيض، أنك إذا أثبت أنه يتأقّت فببلوغ المرأة لهذا الأمد المؤقت يُحكم بكونها آيسةً منه فتعتدُّ بالأشهر، ولا يمنع دمُها ما يمنعه دمُ الحيض.
قوله رحمه الله: [ولا مَعَ حَمْلٍ]: لأن الله جعل عدة الحوامل وضع الحمل، فإذا ولدت خرجت من عدتها كما نصّ على ذلك في قوله سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فلو كانت الحامل تحيض لجعل عدتها بالأقراء إعمالاً للأصل؛ ولذلك قال الإمام أحمد -رحمة الله عليه-: " إنما تَعرفُ النساءُ الحملَ بانقطاعِ الدّمِ ". أي: أن الحمل من طبيعته، ومن شأنه أنه يُعرفُ بانقطاع دم الحيض، فدلّ على أنه لا يجتمع الحيض، والحمل، وهذا هو مذهب الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد هي المذهب رحمة الله على الجميع.

وقال طائفة من العلماء: إنه يجتمع الحيض، والحمل، وهو مذهب بعض أهل العلم منهم المالكية، وعندهم تفصيل في ضوابط الحيض في الحمل، وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد رحم الله الجميع.
فائدة الخلاف: أنه لو حملت المرأة، وجرى معها دم، فإن قلنا: إن الحامل تحيض، وجاء في أمد الحيض حكم بكونه دم حيض، ومُنعت من الصلاة، والصيام، وإن قلنا: إن الحامل لا تحيض؛ ففي هذه الحالة يُحكم بكونه دم فساد، وعلّة، وهي طاهرة.
قال رحمه الله: [وأَقلّهُ]: أي: أقلّ الحيض [يومٌ، وليْلَةٌ] أي: أن أقل الحيض أن يستمر جريان الدم يوماً، وليلة، ويُستفاد منه أنه إذا جرى أقلّ من ذلك فليس بحيض، وإنما هو إستحاضة، وهذا هو أحد أقوال العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة رحمة الله على الجميع.
وهذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: لا حدّ لأقلِّ الحيض كما هو مذهب المالكية، والظاهرية، واختيار شيخ الإسلام إِبن تيمية -رحمة الله على الجميع-.
القول الثاني: أقلّه يوم، وليلة، وهو كما تقدم مذهب الشافعية، والحنابلة -رحمة الله على الجميع-.
القول الثالث: أن أقلّه ثلاثة أيام، وهو مذهب الحنفية رحمهم الله.

فائدة هذا الخلاف: أنك إذا قلت: لا حدّ لأقلّ الحيض فإنك تقول: إذا رأت المرأة دم الحيض في زمان الحيض، وإمْكَانه، وجرى معها، ولو ساعةً من نهار؛ فإنها تحكم بكونها حائضاً.
وإن قلت أقلّه يوم، وليلة؛ فإنك تقول: إن جرى الدم مع المرأة ننظر إن إستمر يوماً كاملاً أربعاً، وعشرين ساعة؛ فهو دم حيض، وإن إستمر أقل من ذلك فهو دم استحاضة، لا يمنع صوماً، ولا صلاةً.
وإن قلت: أقلّه ثلاثة أيام فكذلك.
والذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول: بعدم التّحديدِ، أي: أن الحيض لا حدّ لأقله فما دام أنه جرى مع المرأة الدم في وقت الحيض، فهو حيض حتى ولو كان دفعة واحدة.
وذلك لأن اليقين أنه حيض لأنه جاء في وقته، وفي أمده، وليس في الشرع دليل قوي يدلّ على التّحديد لأن ما استدلوا به عليه إما ضعيف لضعف سنده، أو دلالته كما بيّناه في شرح البلوغ، فبقينا على الأصل.
قوله رحمه الله: [وأكثرُه خمسةَ عشرَ يوماً]: إذاً الآن عرفنا من هي المرأة التي تحيض؟ وعرفنا ما هو أقل الدم الذي يمكن أن نحكم بكونه حيضاً، وأنّ الصحيح لا حدّ له.
يرد سؤال بعد هذا وهو: هب أن هذه المرأة عمرها تسع سنوات، وجرى معها الدم، إن قلنا على مذهب من يقول جرى معها الدم، ولو دفعة جرى معها، واستمر، وإن قلنا على مذهب من يقول يوم وليلة جرى معها، واستمر أكثر من ثلاثة أيام، وحكمنا بأنها حائض على الأقوال كلها واستمر

حتى بلغ أياماً، فهل نقول: إنه ما دام أننا حكمنا بكونها حائضاً تبقى حائضاً طيلة جريانه معها، أم أن دم الحيض مؤقّت، وما زاد عن تأقيته نعتبره إستحاضة؟ الجواب: أن دم الحيض بالإجماع مؤّقت؛ بدليل أن الله أخبر في كتابه عن دم الحيض أنه ينقطع عند حدِّ معين، وهو طهر المرأة كما في قوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ 1 فأخبر أن للحيض غاية، وكذلك بين عليه الصلاة والسلام أن للحيض أياماً مخصوصة، وذلك في قوله: [لتَنْظُره الأيامَ التي كَانت تَحيضُهُنَّ] فبين أن الحيض مختص بأيام، وليس بمستديم، بل له غاية ونهاية، مؤقت بها، وإذا ثبت أن له نهاية، وغاية؛ فإنه يرد السؤال: ما هي هذه الغاية التي إذا بلغها الدم، وجاوزها حكمنا بكون المرأة قد إنتهى حيضها وأصبحت مستحاضة؟ والجواب أنها: خمسة عشر يوماً؛ أي أن المرأة إذا جرى معها دم الحيض، واستمر معها لأكثر من خمسة عشر يوماً جزمنا بأن ما زاد على الخمسة عشر إستحاضة؛ لأنه لا حيض بعد خمسة عشر يوماً؛ ثم يرد السؤال هل كل الخمسة عشر يوماً حيض، أو بعضها؟ فيه تفصيل سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.

وهذا على قول الجمهور؛ وفيه حديث: [تَمكُثُ إِحدَاكُنّ شَطرَ عُمْرِها لا تُصلّي]؛ ولكنه متكلّم في سنده، والعمل عند أهل العلم -رحمة الله عليهم- على أن ما جاوز الخمسة عشر ليس بحيض، وهو إجماع لأن الخمسة عشر لم يقل أحد بعدد أكثر منها فما زاد عليها متفق على عدم إعتباره حيضاً، والخلاف بين العلماء رحمهم الله في ما دون الخمسة عشر، وفوق الثلاثة عشر؛ فالجمهور رحمهم الله على التَّحديد بالخمسة عشر، والحنفية رحمهم الله على التَّحديد بثلاثة عشر يوماً لحديث ضعيف الإسناد، وفيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الحيض: [أقلّه ثلاثةَ أيامٍ، وأكثرُه ثلاثةَ عشرَ يوماً] وهو حديث ضعيف الإسناد عند المحدثين، فأصبح القول بخمسة عشر محل إتفاق فكان أرجح؛ لأن ما دونها إذا شُكَّ فيه بقي على الأصل، وهو كونه حيضاً.
إذاً ففائدة معرفة أكثر الحيض: أنه إذا نزف معها الدم، واستمر حتى جاوز أكثر الحيض علمت أنها مستحاضة، هذا بالنسبة لمعرفة أكثر الحيض.
لكن يرد السؤال: إذا علمنا أنه لا حدّ لأقل الحيض، وأن أكثره خمسة عشر يوماً؛ فما هو غالب حيض النساء؟ فقال رحمه الله: [غالبُه ستٌ، أو سَبْعٌ]: والدليل على ذلك: قوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث حمْنةَ بنتِ جَحْشٍ رضي الله عنها: [تَحيّضي في علمِ اللهِ سِتاً، أو سَبْعاً] وقد حسّنه الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي رحمهم الله، وقد دلّ على أن الغالب في المرأة أن يجري معها دم الحيض، وتكون عادتها ستة أيام، أو سبعة، و " أو " في قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [ستّاً، أو

سبعاً] للتنويع في الغالب أي: أن من النساء من تحيض ستاً، ومنهم من تحيض سبعة أيام.
قوله رحمه الله: [وأَقلّ طُهرٍ بَيْنَ حَيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يوماً]: الطُّهر هو: النقاء من الدنس، وأصل الطهر: النظافة يقال: طَهُرَ الشيءُ إذا نظف، ومن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها دم الحيض، وينقطع عند أمد معيّن هذا على الغالب، وتكون هناك علامة على إنقطاعه، وهي ما يُسَمَّى القَصّةَ البيضاءَ، وهي: ماء كالجِيرِ يخرج من الموضع، ويعرفه النساء، وعنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بقولها كما في صحيح البخاري: [إِنتظرْنَ لا تَعجَلِنّ حَتّى تَرينَّ القصةَ البيضاءَ] هذه علامة الطهر الأولى.
وهناك علامة ثانية مختلف فيها وهي: الجُفوفُ، والجُفوفُ: أن تضع المرأة القطن في الموضع فيخرج نقياً لا دم فيه، يعني يجفُّ الموضع، هذه مختلف فيها: هل هي علامة طهر، أو لا؟ فمن حكمة الله -جل وعلا- أن المرأة يجري معها الدم، ثم ينقطع بعلامة، وهي الطهر، فتبقى طاهراً أمداً، هذا الأمد يقلّ، ويكثر، ولذلك يحتاج الفقيه، وطالب العلم أن يعرف ما هو أقلُّ الطُّهر بين الحيضة، والحيضة لكي يتمكن من الحُكم بدخول المرأة في الحيضة الثانية بعد مجاوزتها أقل الطهر إذا كان الدم مستمراً معها، أو عاودها بعد إنقطاعه فبيّنه المصنف رحمه الله بقوله هنا: [وأقلُّ طهرٍ بين حيضتينِ ثلاثةَ عشرَ يوماً].

قوله رحمه الله: [ولا حدّ لأكثره] أي: أن أكثر الطهر ليس له حدُّ فقد تطهر شهوراً, وقد ينقطع عنها الحيض، فتبقى طاهراً بقيّة عمرها كما هو الحال في الآيسة، فلا حدّ لأكثر الطُّهر في الحيض.
[وتقضِي الحائضُ الصومَ، لا الصّلاة]: بعد أن بيّن رحمه الله مقدمات كتاب الحيض شرع -رحمه الله- في مسألة مهمة، وهي موانع الحيض، والحيض يمنع عشرة أمور، ذكر المصنف -رحمه الله- أشهرها، وأهمها.
فقال رحمه الله: [وتَقْضيِ الصّومَ، لا الصّلاة]: أي: أن المرأة إذا أصابها الحيض, وحكمنا بمنعها من الصيام، والصلاة، فإنها إذا طهرت من الحيض وجب عليها قضاء الصوم، دون الصلاة.
أما الدليل على هذا الحكم؛ فحديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- سألتهاُ عمرة بنت عبد الرّحمنِ، فقالت: " ما بال الحائض تقضي الصومَ، ولا تقضي الصلاة؟ " فقالت لها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أحَرُورية أنت؟ وحروريةٌ نسبة إلى حَروراءَ، وهو موضع كان فيه الخوارج، فقالت لها أحرورية أنت؟ أي: هل أنت من الخوارج الذين يُكثرون التّشدُقَ في الدين, والتنطع فيه؟.
فقالت: لا، بل سائلة، أي: أسأل، وأستشكل.
فقالت -رضي الله عنها -: " كنّا نَحيضُ على عَهْدِ رسولِ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنُؤمرُ بقضاء الصوم, ولا نُؤمر بقضَاءِ الصلاة " فدلّ على أن الحائض لا تصوم، ولا تصلي, وأنه يلزمها قضاء الصوم، ولا يلزمها قضاء الصلاة.
قوله رحمه الله: [ولا يَصِحّانِ مِنْها، بلْ يَحرمانِ]: قوله: [ولا يصحان منها]:أي أن المرأة إذا حاضت فلا يجوز لها أن تصوم، وتصلي، فإذا

صامت لم يصحّ صومها، وإذا كانت عالمة بالتحريم، وصامت؛ فهي آثمة شرعاً، لكن لو كانت لا تدري أن هذا الدم دم حيض فكانت تظنّه دمَ استحاضة، وصامت، أو صلّت ظانّة أنها طاهر، وتبيّن أن هذا الدم دم حيض؛ فإنه لا إثم عليها؛ لأنها لم تقصد المخالفة؛ ولا يحكم بصحة صومها، ولا صلاتها، فيلزمها أن تُعيد الصّوم، دون الصلاة.
قوله رحمه الله: [ويحرمُ وطْؤُها في الفَرجِ]: أي: يحرم على الرجل أن يجامع امرأته الحائض في فرجها؛ والدليل على ذلك قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ووجه الدلالة: في قوله سبحانه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض﴾ فالمحيض: إِسم مكان كالمقيل، أي مكان الحيض.
فقوله: ﴿إعْتَزِلُوا﴾ أمر بالإعتزال، وقيّد المعتزل بالمكان في قوله: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ وهو: إِسم مكان للحيض كالمَقيلِ اسم مكانٍ للقيلولة، فدلّ على حُرمة الوطء في الفرج الذي هو مكان الحيض مدة الحيض، وخصّ الله التحريم بالوطء، وجعل الإعتزال منحصراً فيه، ومفهوم ذلك أنها لا تُعتزلُ في غيره، ومن هنا جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمؤاكلة الحائض، ومشاربتها، ومجالستها على خلاف ما كان يفعله أهل الكتاب من اليهود، وغيرهم من عدم مؤاكلة الحائض ومجالستها حتى ينتهي حيضها، وثبتت السنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتحريم الوطء في الفرج بالنسبة للمرأة الحائض، كما في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: [إصنَعُوا كل شيءٍ إلا النِّكاحَ]، فقوله: [إِلا

النِّكاحَ] التقدير: فلا تصنعوه أي لا تفعلوه لأن ما بعد إلا مخالف لما قبلها في الحكم، كما هو مقرّر في علم الأصول.
وكما دلّ دليل، الكتاب، والسنة على إعتبار هذا المانع، كذلك دلَّ دليل الإجماع، فقد أجمع العلماء رحمهم الله على تحريم وطء الحائض كما نقله الإمام النووي رحمه الله، وغيره.
إذاً فالحيض يمنع الوطء في الفرج، لكن هل يجوز للزوج أن يُستمتع منها بغير الفرج؟ هذه المسألة خلافية عند العلماء: الأصل عندهم أنه يجوز له أن يستمتع بالمرأة إذا كانت حائضاً بغير الجماع، لكن يأمرها فتتّزر، فتلبس إزارها من ثوب، ونحوه ويُغَطّى الموضعُ المحرّم، وبعضهم يحدّده بما بين السُّرة، والركبة؛ " لأنّ ما قاربَ الشيءَ أَخذَ حُكْمَه "، وقد قال عليه الصلاة والسلام: [كالرّاعِي يرعَى حولَ الحِمى يُوشِكُ أَنْ يقع فيه]، وأكدوا ذلك بقولها: [كانَ يأمرُ إِحدَانا فَتتّزرَ فيباشِرُها، وهي حائضٌ] والوزرة: لا تكون إلا إذا غطّت هذا الموضع، فالإزار الغالب فيه أن يكون بهذا القدر.
وقال بعض العلماء رحمهم الله: المحرّم عليه الفرجان، ولا مانع أن يستمتع بغير الفرجين: ولو كان بالمباشرة، يعني أن المراد بالاتزار أن تشدّ الموضع فقط، ثم لو لامس غير موضع الجماع، وإستمتع به لا حرج عليه على ظاهر القرآن في قوله سبحانه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
وهذا المذهب الثاني أقوى من جهة النصِّ، وهو ظاهر القرآن، والسنة.

والمذهب الأول أحوط، وأبعد عن الشّبهة في بقائه على الأصل الموجب لتحريم الوطء، وما قارب الفرج وسيلة للمحرم.
وفرّق بعض العلماء -وهو قول ثالث- يفرق بين الذي يستطيع أن يضبط نفسه، والذي لا يستطيع أن يضبطها، فقالوا: يباشر بما دون الفرج قريباً من الفرج إذا كان يملك نفسه، والغالب عليه السلامة وإلا فلا، وهذا القول له أصل من السنة في قبلة الصائم كما سيأتي إن شاء الله، وهو مبني على القياس ومعارَضٌ بعموم الوارد هنا.
حرم الله وطء الحائض رحمة بالعباد، حتى ذكر بعض الأطباء المعاصرين أنه في إحدى المؤتمرات الطبية، قالت طبيبة غربية متخصصة: إنها وصلت إلى أمر هام في الطب، وهو أن من يجامع المرأة، وهي حائض أنه تلتهب عنده البروستات، وهي الغُدّة المعروفة.
فقال أحد الأطباء المسلمين: هذا الذي توصلت إليه اليوم عرفه المسلمون منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً؛ فإن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فأخبر أنه أذى، فهو يشمل أذى الحسِّ، والمعنى، فكان هذا من إعجاز القرآن، فالمسلمون يعرفون أن هذا الشيء يفضي إلى الضرر، ويستوي في ذلك عوامهم، وعلمائهم.
فمن رحمة الله أنه حرم الجماع في هذا الوقت، وذكر بعض الأطباء أنه كما يؤدي إلى الضّرر بالرجل فإنه كذلك يؤدي إلى أضرار في نفسية المرأة.
قوله رحمه الله: [فإِنْ فَعَل فعليهِ دينارٌ، أو نِصْفُه كفارةً] قوله: [فإن فَعل]: أي المكلف، فجاوز حدود الله عز وجل وجامع امرأته، وهي حائض.

قوله رحمه الله: [فعَليْه دينارٌ، أو نِصْفُه]: الأصل في هذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد اختلف في رفعه، ووقفه أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال في الذي يأتي إمرأته، وهي حائض: [يتصدّقُ بدينار، أو نصفِ دينارٍ] رواه الخمسة، وقال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة قال: [بدينار، أو نصفِ دينار] وحسنه غير واحد من أهل العلم؛ قال الإمام أحمد: ما أحسنَ حديثَ عبد الحميدِ عن مِقْسم عن إبنِ عباسٍ، فقيل: تذهب إليه؟ فقال: نعم، وقد صحّح هذا الحديث الحاكم، وابن القطان، وابن دقيق العيد، وغيرهم، هذا الحديث أمر فيه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يتصدق من جامع الحائض بدينار، أو نصفِ دينار، ثم اُختلف في هذه الصدقة، فقال بعض العلماء: دينار، أو نصف دينار على التخيير، أي أنه مخيّرٌ، إن شاء تصدّق بدينار، وإن شاء تصدّق بنصفه، وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد -رحمة الله عليه-، واستشكل بعض العلماء كيف يؤمر بالأقل، والأكثر في كفّارة واحدة، وهذا ليس بإشكال؛ فإن الله -عز وجل- أمر من أفطر، وكان شيخاً كبيراً، أو لا يطيق الصوم بالفدية إطعام مسكين وهو الأقل، ثم قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ 1 فبين أنّ له أن يزيد بأكثر، فدل على أنه قد ترد الكفارة بالجمع بين الأقل والأكثر، فنقول: لا مانع من أن الشرع يأمر بالدينار، ونصفه، ولا يتجه اعتراضهم بأنه جمع بين الكامل، ونصفه؛ لأنه جمع بين إِجْزاءٍ، وكمال، لا بين إجزاءين، وله نظائر منها:

أن الله أباح قصر الصلاة في السفر، وثبت في السُّنة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن الرباعية تقصر إلى ركعتين، ومع هذا فإن المسافر لو أتم صلاته فإنه لا حرج عليه، والأفضل القصر على السنة.
وقال بعض السلف، وهو فتوى ابن عباس -رضي الله عنهما-: إن هذا التخيير بين الدينار، ونصفه سببه: أن الجماع في الحيض يختلف، فإن كان في أول الحيض فعليه دينار، وإن كان في آخره فعليه نصفه.
وقال بعضهم -وهو قول ثان لبعض السلف- أيضاً: دينار إن كان في أول الحيض، ونصفه إن كان في أوسط الحيض، أو آخره.
وتقسيم الحيض إلى أوله، وأوسطه، وآخره يكون إما بالزمان، وإما بالتمييز، مثال ذلك بالزمان: مثاله أن تكون عادتها ستة أيام، فأوله: اليومان الأول والثاني، وأوسطه: الثالث والرابع، وآخره: الخامس والسادس.
أما تأقيته بالصفات فكأن يجري معها دم حيض الأيام الأولَ، أحمر شديد الحمرة إلى قريب السواد، فيجري بهذه الصفة لمدة يومين مثلاً، ثم يجري معها أحمر شديد الحمرة في اليومين الأوسطين، ثم يجري معها أحمر أقلّ حمرة، أو قريباً إلى الصُّفرةِ في اليومين الأخيرين فيكون ترتيبه بأوله، وأوسطه، وآخره بصفات الدم، هذا بالنسبة للتأقيت بالزمان والصفة.
فإذا وقع في زمان شدّة الدم، وحمرته في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصفه.
والحقيقة فتوى ابن عباس تقوّي التفصيلَ: وهو إنه إن كان في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصف ويقَوّيها النظر، فلا يبعد أن الشرع فرَّق بين من

جامع في أول الحيض، وآخره من جهة كون المجامع في آخر الحيض تضرّر بالمنع من الجماع أكثر ممن هو في أوله، لأنه قريب العهد بوقت الحل، فناسب أن تكون العقوبة أقوى لمن جامع في أول الحيض بخلاف من جامع في آخره.
ويكون تأقيت الأول، والآخر، بالزمان، وبالصفة في قوة الدم، وضعفه.
أما بالنسبة لقدر الدينار فإن الدينار القديم في عهده عليه الصلاة والسلام، وعهد من بعده من الخلفاء الراشدين، وبني أمية لم يكن مضروباً من المسلمين وأول ما ضُرب الدينار في عهد عبد الملك بن مروان رحمه الله، وكان وزن القديم منه، والجديد واحداً، وهو المثقال فالدينار يعادل المثقال، وهو يعادل الغرامين وربع الغرام فإذا وجب الدينار نَظرَ إلى قيمة الغرام من الذهب بالريالات فأخرجها، فلو كان الغرام يساوي أربعين ريالاً فمعناه أن الدّينار: يساوي تسعين ريالاً، ونصفُه: يساوي خمسة وأربعين ريالاً وإن وجد ذهباً أخرج ما يعادل الغرامين، والنصف، أو نصفها وهو الغرام، والربع على التفصيل المتقدم.
قوله رحمه الله: [ويَسْتَمْتِعُ مِنْها بِما دُونَه]: قوله رحمه الله: [ويستمتع] من المتعة، وهي اللّذة.
قوله رحمه الله: [بما دُونَه]: أي بما دون الموضع الذي حرّم الله الجماع فيه، وظاهر كلام المصنف كما قلنا العموم أي: سواء وُجد حائل، أو لم يُوجد؛ ودليله حديث عائشة رضي الله عنها أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: [إِصْنعُوا كل شيءٍ إلا النكاحَ] فقوله: [كلَّ شيءٍ] عامّ، لأن [كل]

كما يقول الأصوليون: من ألفاظ العموم، فله أن يستمتع بكل شيء، ما لم يصل إلى الحرام، وهو الوطء في الفرجين، وعمَّمَ حيث لم يذكر الحائل، والإزار، وظاهر فعله عليه الصلاة والسلام: أن تتزر المرأة.
قوله رحمه الله: [وإِذَا انقطعَ الدّمُ، ولم تغتسلْ لم يُبَح غيَرُ الصِّيامِ، والطلاقِ]: للحيض طُهران: الأول: طُهرٌ للموضع بانقطاع الدم، وبدوّ علامة الطُّهر، والثاني: طهر للمرأة باغتسالها بعد ذلك، فالأول ليس بيدها، والثاني بيدها.
فإذا طَهُرتْ المرأة بانقطاع دمها، ووجود علامة الطهر، وتَطهّرت بالاغتسال بعد ذلك فإنه بالإجماع ترتفع جميع موانع الحيض، ولا إشكال، لكن الإشكال لو طهرت من حيضها، ولم تُطَهِّر نفسها بالغسل، فهل يجوز له أن يجامعها، أو لا يجوز؟ وهل يجوز لها الصيام، وغيره من الموانع؟ قال رحمه الله: [لم يُبَحْ]: أي أن موانع الحيض، ومنها: الجماع لا تُباح إلا بعد غُسلها، وقوله: [غَير الصّيامِ, والطّلاقِ] أي أنه يباح لها فعل الصّيام، والطّلاق فقط، وهذا مذهب جمهور العلماء رحمهم الله.
وقال الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمة الله عليه-: إذا إنقطع دم الحيض جاز للرجل أن يجامع امرأته، ولو لم تغتسل.
فالإمام أبو حنيفة يقول: إن الغاية في التحريم في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ هي الطُّهر، فإذا طهرت المرأة بانقطاع الدم عنها إِنتهى منع الجماع؛ فإذاً الجماع مؤقت بوجود الحيض، " وما شُرِعَ لعلّةٍ يبطل بزوالها "

كما هي القاعدة في الأصول، فلما زال دم الحيض زال المانع؛ فجاز له أن يجامع.
لكن الجمهور قالوا: إن في الآية غاية، وشرطاً، فالغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، والشرط في قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
قال الإمام أبو حنيفة: العبرة بالغاية؛ لأن القاعدة في الأصول: " أنَّ ما بعدَ الغايةِ يُخالف مما قَبلَها في الحُكْمِ "، لأنه لو كان الذي بعد الغاية كالذي قبلها لم تكن هناك فائدة من ذكر الغاية، وهذا صحيح إذا كانت الغاية ليس معها شرط، أما إذا اقترنت بالشرط فلا بد من تحققه معها لإفادة الحكم وعليه؛ فإنه يترجح مذهب الجمهور رحمهم الله من إعتبارهما معاً، وقد جاءت في الشريعة نظائر لمسألتنا منها: قوله سبحانه وتعالى في بيان رفع الحجر عن اليتامى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 1 فقال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ فهذه غاية، وهي: البلوغ، ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ وهذا شرط، فلا مانع أن تثبت الغاية مع ثبوت الشرط، فنقول: إن آية الحيض فيها غاية، وشرط، والقاعدة: " أنه إِذا تخلّف الشرطُ تخلّف المشروطُ، وإذا وجدَ الشرطُ حُكم بالمَشْروطِ ". فإذًا تقول: إذا وجد الاغتسال؛ جاز له أن يجامع، وإلا فلا.

الدليل الثاني على رجحان مذهب الجمهور: أن الله عز وجل قال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ثم عقب بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فأسند الطهر لأنفسهن بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: فعلن الطُّهر، وعلى هذه القراءة يكون الطهر الثاني هو: الغسل فالغاية الطهر الأول، والشرط: الطهر الثاني لأن الله نسبه إلى النساء فدلّ على أنه من فعلهن، فصار طُهراً زائداً على الطهر الأوّل لا نفسه، وهناك قراءة بالتشديد: ﴿حَتَّى يَطَّهَرْنَ﴾ بالتشديد، وهي تصلح أن تكون دليلاً لمذهب الجمهور كما أشار إليه غير واحد من أهل العلم، واختاره الإمام الماوردي في جوابه في الحاوي، فالمقصود أن أصحَّ القولين هنا: أنه لا بد في إباحة جماع المرأة بعد الحيض من أن تَطْهر، وتغتسل، فإذا طَهرتْ، ولم تغتسل لا تُجامَع، وإنما يتريث حتى يتحقق الشرط الذي أمر الله -عز وجل- به.
قال رحمه الله: [لم يُبَح غيرُ الصِّيام، والطلاقِ] معناه: أنه يجوز لها فعل الصيام قبل أن تغتسل، فلو طهرت قبل أذان الفجر ولم تغتسل، ونوت الصيام ثم أذنَ، واغتسلت بعده صحّ صومُها، وأما الطلاق فإنه محرم، فلا يجوز طلاق الحائض؛ ولذلك غضب -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته، وهي حائض، وقال عليه الصلاة والسلام لأبيه عمر رضي الله عنه مبيّناً له طلاق السنة: [مُرهُ فليراجِعْها، ثمّ ليُمْسِكْها حتى تَطْهُر، ثم تَحيض، ثم تطهر، ثم إن شاءَ طلّق، وإن شاءَ أمسكَ، فتلكَ العدةُ التي أمرَ الله أن تطلق لها النساءُ]، فدلّ على تحريم طلاق المرأة الحائض، وأجمع على ذلك العلماء رحمهم الله وسمّوه طلاقاً بدعياً أي: أنه

مخالف للشرع، فكلهم متفقون على أن الحيض يمنع الطلاق، وينتهي هذا المنع بطهر المرأة، ولا يُشترط إغتسالها كالجماع، بل يجوز أن يطلقها بعد الطهر مباشرة للحديث السابق حيث بين أن المنع من الطلاق حال الحيض ينتهي عند الطهر، ولم يشترط الإغتسال بعده، وقوله رحمه الله: [لم يُبَح غير الصيام، والطلاق] معناه أن بقية الموانع لا بد فيها من الطُّهرين: الطهر الأول بانقَطاع الدم، ورؤية علامة الطهر، والطّهر الثاني: بالغسل، فلا يباح لها أن تصلي، ولا أن تدخل المسجد، ولا أن تمسّ المصحفَ، ولا أن تقرأ القرآن، ولا غيرها من بقية الموانع إلا بعد حصول هذين الأمرين.
قال رحمه الله: [والمبتدأةُ تَجلسُ أقله، ثم تَغتسلُ، وتصلّي] شرع المصنف -رحمه الله- بهذه العبارة في ذكر أحوال النساء، فالمرأة الحائض لا تخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون مُبتدأَةً، بمعنى أنها لأول مرة يأتيها دم الحيض.
والحالة الثانية: أن تكون مُعتادةً، بمعنى أن دم الحيض عاودها حتى ثبتت لها فيه عادة معينة.
والحالة الثالثة: أن تكون متحيِّرةً، بمعنى أنه لا يمكنها أن تعرف عادتها لأجل النسيان، سواء نسيت قدر العادة، أو مكانها من الشهر، هذه ثلاثة أحوال للمرأة.
ومن عادة أهل العلم أنهم يبدأون بالنوع الأول، وهذا فيه مراعاة لأحوال النساء.
يقولون: توصف بكونها مبتدأة إذا كان الحيض قد جاءها لأول مرة، هذا أول شرط للحكم بكونها مُبْتدأَةً.

والشرط الثاني: أن يكون سنُّها سنَّ المرأة التي تحيض، وهو التسع على أصحّ الأقوال كما قدمنا، فإذا كان سنها دون التسع؛ فإنه لا يُحكم بكون الدم الذي يجري منها دم حيض.
فالمرأة التي جاءها دم الحيض لأول مرة لا تستطيع أن تقول أردها إلى عادتها؛ لأنه ليس لها عادة، فإذاً لا بد من أن يكون لها حكم خاص، والسؤال: ما هو هذا الحكم الخاص بها؟ والجواب: أن هذه مسألة خلافية فمن أهل العلم من قال: المبتدأة حائض إذا جاءها الدم في زمان إمكان الحيض (أي بعد بلوغها تسع سنين) فنحكم بكونها حائضاً، وليس عندنا حد لأقل الدم، فإذا جرى معها الدم إمتنعت عما تمتنع عنه الحائض، فإن انقطع دون الخمسة عشر يوماً فهو حيض فتغتسل عند إنقطاعه فإن عاودها بنفس العدد ثلاثة أشهر متتابعة ثبتت عادتها، وهذا القول مبني على القول بعدم تحديد أقل الحيض.
وقال بعض العلماء: كلُّ إِمرأة مُبتدأة أردّها إلى عادة أمهاتها، وأخواتها.
وقال بعض العلماء: كل امرأة مُبتدأة أردها إلى عادة لِدَاتها، أو أتْرابها كما يُعبر العلماء، واللِّدةُ، والتِّرْب هي: التي تكون في سن المرأة.
وقال بعض العلماء: المبتدأة تجلس أقل الحيض، وتحكم بكونها حائضاً ذلك القدر الذي هو أقل الحيض، ثم تغتسل، وتصوم، وتصلي حتى يعاودها الدم ثلاث مرات على وتيرة واحدة؛ فنحكم بإنتقالها إلى كونها معتادة.

إذاً عندنا أربعة أقوال: الأول: يُحكم بكونها حائضاً، ولا حدَّ عنده لأقل الدم، وتنتقل لكونها معتادة بإنقطاعه دون الخمسة عشر يوماً بعدد يتكرر ثلاثة أشهر متتابعة.
والقول الثاني، والثالث يقول: أردّها إلى أترابها، وقريباتها، فهذان القولان دليلهما واضح وهو: إن الشيء إذا شابه غيره أخذ حكمه، ولذلك يقول: أنا لا أقول إن هذه المبتدأة تجلس أقل الحيض، ولكن أقول: تنظر إلى أمثالها، فإن كانت عادة أمهاتها وأمثالها في سنها ستة أيام مثلاً فهي عادتها ستة أيام حتى تثبت لها عادة جديدة.
يبقى عندنا القول الرابع: وهو قول من يقول للحيض حدٌ أقلي الذي هو يوم وليلة كما يقول الشافعية، والحنابلة أو ثلاثة أيام كما يقول الحنفية فأصحاب هذا القول يقولون: كلُّ مُبتدأة لا نحكم بكونها حائضاً إلا إذا جاوزت أقل الحيض، فالشافعية، والحنابلة يقولون: كلُّ إمرأة بلغت تسع سنوات، وجاءها الدم فإنها تجلس يوماً، وليلة حتى يثبت كونه حيضاً، فإن استمر هذا الدم معها يوماً، وليلة فهي حائض، وإن نقص عن اليوم، والليلة فهي مستحاضة، والدم دم فساد، ومرض، هذا المذهب الأول في تحديد أقل الحيض، وهو الذي درج عليه المصنف -رحمة الله عليه-.
والمذهب الثاني مذهب الحنفية يقولون: ثلاثة أيام، فهذه المبتدأة إن استمر معها الدم ثلاثة أيام حينئذٍ أَنْظُرُ في كونها حائضاً، وأما إن نقص عن الثلاثة الأيام فإنني أعتبرها مستحاضة، والدم الذي معها دم فساد، وعلِّة، وليس بدم حيض.
هذا بالنسبة لقضية أقل الحيض.

الآن عرفنا مذاهب العلماء -رحمة الله عليهم- في مسألة المرأة المبتدأة.
عندنا مسلكان: مسلك يقول: المرأة المبتدأة حائض، ولو كان الدم دفعة واحدة، وهو الذي رجحناه كما قدمنا في مسألة أقل الحيض، وقلنا: إنه مذهب المالكية، والظاهرية، واختاره شيخ الإسلام رحمة الله على الجميع.
والمسلك الثاني يقول: تجلس أقل الحيض، إما يوم وليلة على قول، أو ثلاثة أيام على القول الثاني.
الآن يا ترى إذا استمر معها يوماً، وليلة، أو استمر معها ثلاثة أيام على القول بالتثليث، فلا يخلو إما أن ينقطع لأقل الحيض، وإما أن ينقطع على أكثر الحيض، أو ينقطع بعد أكثر الحيض.
فإذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً، أو على الخمسة عشر يوماً فإنه على مذهب التحديد باليوم، والليلة يقولون: نعتبر اليوم، والليلة حيضاً، والزائد استحاضة، ثم نترك المرأة ثلاثة أشهر، فإذا انقطع في الثلاثة الأشهر بعدد واحد مثل: أن يستمر معها في الشهر الأول خمسة أيام، وينقطع، والشهر الثاني، والثالث كذلك قالوا: تثبت عادتها خمسة أيام بعد الشهر الثالث، ثم نطالبها بقضاء الأربعة الأيام من الشهر الأول، والثاني، والثالث؛ لأننا تيقنا أن الأربعة الباقية حيض، وليست باستحاضة، وعلى هذا المذهب تغتسل غسلان في الأشهر الثلاثة الأول منهما بعد اليوم، والليلة؛ والثاني بعد إنقطاع الدم أي: بعد اليوم الخامس، وهو تمام العدد الذي يحتمل أن يكون عادة.

لكن الذي يترجح كما تقدم بيانه أنه إذا انقطع دون أكثر الحيض، أنها تجلس القدر الذي جرى معها فيه الدم، فإذا إنقطع عنها لما دون خمسة عشر يوماً إغتسلت غسلاً واحداً.
والمذهب الثاني الذي ذكره المصنف مذهب مرجوح.
وعلى قول المصنف لو استمر معها الدم، وجاوز أكثر الحيض قال: عرفنا أنه دم فساد، وعلّة فتبقى على اليقين اليوم، والليلة أنها حائض، والزائد إِستحاضة حتى تثبت لها عادة بوتيرة معينة، أو تُميّز دمها، وسنبين كيف يكون التمييز.
الآن عرفنا بالنسبة للمبتدأة أن الجميع متفقون على أنه إذا جرى معها الدم ثلاثة أيام بالإجماع أنها تعتبر حائضاً.
ولكن الخلاف إذا جرى لأقل عند من يضع للحيض " حداً أقلياً، فإن جرى أقل من يوم، وليلة فالمالكية والظاهرية يعتبرونه حيضاً، وإن جرى يوماً، وليلة فالجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة يعتبرونه حيضاً، والحنفية لا يعتبرونه حيضاً حتى يبلغ ثلاثة أيام.
إذاً يشترط فيها أول شيء أن يكون سنها سن حيض.
وثانياً: أن تجاوز أقل الحيض عند من يقول للحيض حد أقلي، ولا يشترط ذلك عند من لا يرى تحديد أقل الحيض.

قوله رحمه الله: [والمبتدأةُ تجلسُ أقلّه ثم تغتسلُ، وتصلّي] قوله: [أقلَّه]: الضمير عائد إلى الحيض، وأقله هو يوم وليلة على ما سار عليه المصنف رحمه الله ثم تغتسل، وتصلي، وقوله: [تجلس]: يعني تحكم بكونها حائضاً، كما قدمنا بيانه.
قوله رحمه الله: [فإِنْ انقطَع لأكثرِهِ، فَما دونَ اغتسلتْ عنْدَ انقطاعِهِ]: هذه مسألة ثانية، نحن قررنا أن ما دون أكثر الحيض يُعتبر فيه اليوم، والليلة، لكن عندهم أيضاً أمر آخر، حيث قالوا: إذا جرى معها الدم لأول مرة، واستمر يوماً، وليلة حكمنا بكونها حائضاً، ثم تغتسل بعد اليوم، والليلة، وتصوم، وتصلي، فإن انقطع لأقل من أكثر الحيض فإنه يلزمها أن تغتسل غُسلاً ثانياً؛ لاحتمال أن يكون الكلُّ حيضاً، لأنها إلى الآن ما ثبتت لها عادة، فاحتاطوا في ذلك وقالوا: نرجع إلى اليقين أنها حائض في اليوم والليلة، فنأمرها بالاغتسال بعد اليوم والليلة؛ لأنه يقين أنه حيض، وما زاد عليه مشكوك فيه فنبقى على الأصل من كونها طاهراً فتغتسل، فإذا إِنقطع دون خمسة عشر يوماً فما الحكم؟ قالوا: تغتسل غُسْلاً ثانياً، لإحتمال أن يكون عادتها، وهكذا في الشهر الثاني، والثالث حتى تثبت عادتها.
قال رحمه الله: [فإنْ تَكَررَ ثلاثاً فحيضٌ، وتَقْضِي ما وَجَبَ فيه] قوله رحمه الله: [تكرر ثَلاثاً] أي: تكرر إتيان دم الحيض ثلاثة أشهر بعدد واحدٍ لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه، وقوله: [فحيض] أي أن عادتها في الحيض تكون ذلك العدد، وتعرف هذه المسألة عند العلماء بمسألة إثبات العادة،

وقد إختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة في عدد الأشهر التي يُشترط تكرارها، وذلك على قولين: القول الأول: وهو مذهب الجمهور، وهم المالكية، والشافعية، والحنابلة رحمهم الله: أن العادة تثبت بثلاثة أشهر تكون بعدد واحد، فإذا تكرر دم الحيض ثلاثة أشهر متتابعة بعدد واحد حكمنا بكونها معتادة بعد الشهر الثالث.
القول الثاني: أن العادة بشهرين، يتكرر فيهما الدم بعدد واحد لا يختلف، وهذا هو مذهب الحنفية رحمهم الله.
ومذهب الجمهور رحمهم الله أحوط، ومذهب الحنفية أقوى لأن المعاودة تحصل بالمرتين، وقد مشى المصنف رحمه الله على مذهب الجمهور في إثبات العادة، وهو إِشتراط التكرار ثلاثة أشهر، فمحل الخلاف: في اشتراط الشهر الثالث، وإذا ثبتت العادة، وجب الرجوع إليها، وقد دلّ على ذلك قول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [لِتنْظُر الأيامَ التي كانتْ تحيضهُنَّ قبلَ أنْ يُصيبَها الذي أَصابَها] فردّها عليه الصلاة والسلام إلى العادة، فدلّ على إعتبارها في الحيض، فلو أن امرأة سألتك، وقالت: إن الدم استمر معي عشرين يوماً فمتى أحكم بكوني طاهرة؟ تقول: هل لك عادة؟ فإن قالت: نعم كانت عادتي من قبل خمسة أيام، فتقول: اُمكثي خمسة أيام، ثم إذا مضت الخمسة الأيام فاغتسلي، وصلّي، وصومي.

إذاً تردها إلى العادة، وهذه فائدة معرفة ضابط العادة، حتى يُحتكم إليها بعد إثباتها عند اختلال دم المرأة، فإذا اختل وضع المرأة إما لجراحة، أو لمرض، أو لولادة، أو غير ذلك فإننا نردها إلى العادة، وكما قلنا العادة بإجماع العلماء معتبرة.
وقوله رحمه الله: [وتَقْضِي ما وجبَ فيه]: يعني في ذلك الأمد الذي ثبت أنه حيض بعد ثبوت العادة وهو الأيام الزائدة على اليوم، والليلة خلال الشهر الأول، والثاني، والثالث.
فالمبتدأة على ما مشى عليه المصنف رحمه الله تجلس أقل الحيض، ثم تغتسل، ثم تصوم، وتُصلي، فلو فرضنا: أن الدم كان يجري معها خمسة أيام، واستمر ثلاثة أشهر بذلك العدد، ثبتت عادتها بالخمسة، وتبين لنا بعد الشهر الثالث أن هذه المبتدأة مكثت يوماً من الشهر الأول، وأفطرت أربعة أيام، ثم مكثت يوماً من الشهر الثاني، وأفطرت أربعة أيام، ثم في الشهر الثالث كذلك تقول: تقضي ما وجب عليها فيه، ما الذي وجب؟ وجب عليها الصوم، أما الصلاة فإن الحائض لا يجب عليها أن تصلي، فتقول: الأربعة الأيام التي كانت تصومها ظانة أنها طاهر بعد اليوم والليلة خلال الثلاثة الأشهر يلزمها قضاؤها جميعها لأنه تبين أنها أيام حيض بعد ثبوت العادة، فهذا هو معنى قوله هنا: [وتقْضي ما وجب فيه] أي: تقضي الأيام الزائدة على اليوم، والليلة، والتي تبين أنها حيض بعد ثبوت العادة.
قوله رحمه الله: [وإِنْ عبَر أكثرَه فمستحاضةٌ]: قوله: [وإنْ عَبَر أَكثَره]: يعني عبر الدم أكثرَ الحيض فالضمير عائد إلى الدم الذى يجري مع المرأة،

وأكثره: هو خمسة عشر يوماً كما قدمنا، وقوله رحمه الله: [فمستحاضة]: أي: أنه يحكم بكونها مستحاضة بعد أكثر الحيض بالإجماع، وتوضيح ذلك: أن المرأة المبتدأة إما أن ينقطع الدم عنها دون خمسة عشر يوماً، أو على الخمسة عشر يوماً، أو بعد الخمسة عشر يوماً، قلنا: إذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً الحكم أنها تنظر في تكراره ثلاثة أشهر على وتيرة واحدة وتحتسب يقين الحيض، وهو اليوم، والليلة قبل ثبوت العادة ثم تقضيه على ما مشى عليه المصنف، وقلنا على القول الراجح أنها تمكث كل الذي دون الخمسة عشر يوماً لا تصوم فيه، ولا تُصلي على أنها حائض حتى تثبت لها العادة، وعلى القول الذي مشى عليه تغتسل غسلين، وعلى الراجح تغتسل غسلاً واحداً.
وأما إن عبر أكثر الحيض فقد قال رحمه الله: [فمستحاضة] والسؤال: هل نحكم بكونها مستحاضة بمجرد مجاوزتها للخمسة عشر يوماً، أو مستحاضة بعد اليوم والليلة؟ قال: مستحاضة بعد اليوم والليلة، فاليوم والليلة حيض، فلما استمر معها الدم أكثر من خمسة عشر يوما عرفنا أن هذا المستمر دم فساد وليس بدم حيض، إذاً نريد الآن أن نفهم كلام المصنف، ونفهم ما اخترناه على القول الراجح.
فكلام المصنف ينبني على الآتي: أن المرأة المبتدأة إذا انقطع دمها في أقل من أكثر الحيض، أو مساوياً لأكثر الحيض الذي هو خمسة عشر يوماً فحينئذٍ يقولون: تعتبر نفسها حائضاً يوماً وليلة، في الشهر الأول، والثاني، والثالث ثم بعده تحكم بكونها معتادة إذا

جاءها على وتيرة واحدة، هذا بالنسبة لما مشى عليه المصنف -رحمه الله-، أما لو انقطع فوقه فالحكم أن الحيض يوم وليلة، وما زاد استحاضة.
إذاً ما مشى عليه المصنف رحمه الله: أن الحيض يوم وليلة فتجلسه المبتدأة وتغتسل بانتهاء اليوم والليلة ولو جرى معها الدم، ثم إن انقطع الدم ثلاثة أشهر دون خمسة عشر يوماً فحينئذٍ تعتبر نفسها معتادة على ذلك القدر الذي جاءها على وتيرة واحدة، وتغتسل غُسلاً ثانياً عند انقطاعه خلال الثلاثة الأشهر، وإن جاوز أكثر الحيض الذي هو الخمسة عشر يوماً فحينئذٍ اليوم والليلة حيض والزائد استحاضة، ولا يلزمها غسل ثانٍ.
وأما على قول من لا يقول بالتحديد، وهو القول الذي رجحناه: فإنه بمجرد أن يجري معها الدم تعتبر نفسها حائضاً، وتمتنع من الموانع؛ لأنه زمن حيض، وأمد حيض، ولا تقدير من الشرع فالأصل، واليقين أنها حائض، حتى ينقطع ذلك الدم، فإن كان دون الخمسة عشر فهو حيض كله من أول مرة، وتغتسل بعد إنقطاعه، وإن جاوز الخمسة عشر فالزائد إستحاضة، وتغتسل بعد تمام أكثره غسلاً واحداً.
قوله رحمه الله: [فإن كانَ بعضُ دمِها أحمَر، وبعضُه أسودَ، ولمْ يعبرْ أكثَره، ولم يَنْقُصْ عن أقلهِ فهو حيضُها تجْلِسه في الشهر الثاني، والأحمرُ إستحاضة] هذا هو النوع الثالث من النساء: وهو المُمَيِّزةُ.
والمُميّزَةُ مأخوذهَ: من التّمييزِ، وتميز الشيء: أن تكون له حِلْيةٌ، وأوصافٌ يتميّز بها عن غيره، وهذا النوع من النساء يعتبر في الحقيقة عند بعض العلماء أقوى من العادة، يعني المرأة التي تعرف طبيعة دمها أقوى عنده من رجوعها

إلى العادة، فيردها إلى التمييز قبل أن يردّها إلى العادة، وإن كان الصحيح أن العادة أقوى من التمييز لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح لما سألتْ فاطمةُ بنتُ أبي حبيشٍ رضي الله عنها رسولَ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن حيضها فقال: [لتنظرِ الأيّامَ] وقال في الحديث الآخر: [دعي الصّلاةَ أيامَ أقرائِك] فردّها إلى عادتها، فدلّ على أن العادَة أقوى من التَّمييزِ.
وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان رحمة الله عليه فضعّف التّمييزَ، والصحيح أن التّمييز حجةٌ، ومُعتبر.
والدليل على أن التمييز يعتبرُ في الحيض قوله عليه الصلاة والسلام: [إِنَّ دمَ الحيض دمٌ أسودُ يُعرفُ, فإذَا كانَ ذلِكِ فأمسِكي عنِ الصّلاةِ] فقوله: [إِنّ دمَ الحيضِ دَمٌ أسودُ يُعرفُ] فيه دليل على إعتبار التمييز في الحيض حيث ردّها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى لونه الذي يتميّز به , وألوان دم الحيض: أقواها الأسود، ثم الأحمر شديد الحمرة كما يقول العلماء، وهو: القاني، ويختلف هذا الأحمر على مراتب، ثم بعد الأحمر الأشقرُ، وألغاه بعضُ العلماء، ثمّ الأصفرُ، ثمّ الأكدر، ثم التُّربي، فهذه ستّة ألوانٍ، أما اللون الأسود: فهو أقواها، ثم يليه الأحمر، وهو الطّبيعي في دم النساء، ولكنهم قالوا: أحمر محتدم أي: شديد الحمرة حارقٌ تعرفه النساء بوصفه، ثمّ أخف منه المُشْرق، والذي يقول بعضهم: الأشقر، أو الأشيقر، وقيل: إن الأشقر هو الصفرة التي وردت في حديث أمِّ عطيةَ رضي الله عنها، وأثرِ عائشةَ رضي الله عنها، ثمّ يليه الأصفر ثم الأكدر، والأكْدَرُ: كالماء الكَدرِ المتعكِّر ضارباً إلى شيء من الخُضرة، ثمّ التُّربي هذا بالنسبة لألوان دم الحيض.

وكما تميّز المرأةُ دَم الحيض باللّون، كذلك تميزه بالرّائحة، وبالكثرة، والقِلة وبالألم، وبالغِلَظِ والرِّقةِ، هذه ضوابط التمييز.
فاللون تميّز المرأةُ به دم الحيض بأن تعتبر أشدّ ألوانه حيضاً، وما خفّ بعده إستحاضة على حسب الألوان فمثلاً: لو أن امرأة قالت: جرى معي دم الحيض ستة أيام أحمر شديد الحمرة، ثمّ أصبح بعدها أصفر، تقول: حيضك الستة الأيام، وما بعدها إستحاضة، وهكذا الحكم لو تخلّل الدمَ القويَّ ما هو أضعفُ، فلو قالت: إنه يجري معها ثلاثة أيام أسود، ثم ثلاثاً أحمر، ثم ثلاثاً أسود، تقول: الثلاثة الأُول: حيض، والثلاثة الحمراء: استحاضة، والتي بعدها: حيض، فأنت طاهر في الثلاث الوسطى، حائض في الأولى، والأخيرة، ويحكمُ بخروجك من الحيض في اليوم التاسع، بناء على أن عادتك ستة أيام.
هذه مسألة التمييز باللون الأسود.
وإما التمييز باللون الأحمر، فمثل أن تقول: جرى معي الدّم أحمرَ شديدَ الحُمرة لمدة يومين، ثم يومين آخرين خفيفَ الحُمرة، ثمّ يومين شديدَ الحُمرة، ثمّ يومين خفيفَ الحُمرة، تقول: اليومان الأولان حيض، واليوم الثالث، والرابع، وهما اليومان اللذان يليانها استحاضة، ثم الخامس، والسادس اللذان إِشتَدَّت فيهما حمرة الدم هما من الحيض، فتضيفين اليومين هذين إلى اليومين الأوليين، هذه أربع، ثمّ تحكمين بطهارتك بانقضاء اليوم الرابع، وتدخلين في الإستحاضة في اليوم الخامس، والسادس، ثمّ في اليوم السابع دخلت في اليوم الخامس من حيضك، واليوم الثامن هو اليوم السادس من الحيضة

فيحكم بانتهاء حيضك في اليوم الثامن، وهكذا التمييز ببقية الألوان الأخرى، فالحكم فيها كما ذكرنا هنا في اللون الأحمر.
هذا بالنسبة لمسألة اختلاف ألوان الدم التمييز لها، ولا يشترط تَخلّل اللونِ الضعيفِ بين اللونِ القويِّ كما ذكرنا في المثال بل العبرة بقوةِ اللّون بغضِّ النّظر عن مكانها.
وأما بالنسبة للتّمييز بالرائحة: فإن دم الحيض له رائحة شديدة النّتن بخلافِ دمِ الإستحاضة فإنه أخفُّ منه، فإذا استطاعت أن تعرف دم حيضها برائحته، فقالت مثلاً: جاءني دم أحمر عشرين يوماً ولكن لاحظت أن لونه واحد، لاحظ في الحالة الأولى التمييز باللون لا بد أن تختلف الألوان، ولكن التمييز بالرائحة لا يختلف اللون، وإنما تختلف الرائحة، فتقول لك: جاءني عشرين يوماً دمٌ أحمر، فهل كلّه حيض؟ تقول: لا، ليس بحيض، هل لك عادة؟ قالت: ما لي عادة، تقول: إذاً هل تستطيعين أن تميزيه بالرائحة؟ قالت: نعم رائحته في الستّة الأُول نتنةٌ شديدة، وفي الأربعة عشر الباقية ليست كذلك، فحينئذ تحكم بكونها حائضاً في الستة الأول، دون ما بقي.
أو قالت: يومين برائحته، ثم أربعاً بدون، ثم يومين برائحته، ثم أربعاً بدون، ثم يومين برائحته.
فما الحكم؟ تقول: تلفقين، هذا يسمى مذهب التلفيق، اليومان اللذان فيهما رائحة دم الحيض حيضٌ، والأربع التي ليست فيها رائحة دم الحيض استحاضة، ثم بعدها دخلت في اليوم السابع وهو ثالث أيام الحيض، واليوم الثامن رابعه، وقس على هذا.
هذا بالنسبة للتمييز بالرائحة.

الضابط الثالث للتمييز: التمييز بالألم، حيث جرت العادة عند النساء في دم الحيض أنه أشد ألماً من دم الإستحاضة، وكل إمرأة تعرف طبيعة دمها في ذلك، فإذا قالت المرأة: جاءني عشرين يوماً، لكنه الستة الأيام الأول كان مؤلماً حارقاً، تقول: كونه في هذه الأيام بهذه الصفة فهو دم حيض، والأيام الباقية دم استحاضة.
هذه ثلاث علامات للتّمييز: اللّونُ، والرّائحةُ، والألمُ.
الضابط الرابع للتمييز: الكثرةُ، والقِلّة، قالوا: إن دم الإستحاضة يكون نازفاً بخلاف دم الحيض، فإنه أقل، ولذلك لما استحيضت حمنة رضي الله عنها، وسألتْ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: [إنِّي أَثُجُّ ثَجَّاً] والثجُّ: السّيلانُ.
وبعضهم يضع بدل الكثرة، والقِلّة علامة أخرى، وهي: الرِّقة، والغِلظة، فالغليظ: حيض، والرقيق: إستحاضة، فلو قالت مثلاً: جاءني دم الحيض عشرين يوماً لكن ألاحظ أن الستَّةَ الأُول كان الدّم فيها ثقيلاً غليظاً، والأربعة عشر يوماً الباقية كان رقيقاً، تقول: السّت: حيض، والباقي: استحاضة.
هذه ضوابط التمييز: اللّونُ، والرِّيحُ، والأَلمُ، والكثْرةُ والقِلَّة، والغِلظُ والرِّقةُ.

وقد جمعها بعض العلماء بقوله: باللّونِ والرِّيح وبِالتّألُمِ ... وَكثْرةٍ وقِلّةٍ مَيْزُ الدّمِ هذا على المذهب الذي يقول: الكثرة، والقلة، وبعضهم يرى الغلظ، والرقة فيقول في الشطر الثاني: وغِلَظٍ ورِقةٍ مَيْزُ الدّمِ قوله رحمه الله: [وإنْ لم يكنْ دَمُها مُتَمِّيزاً جَلستْ غَالبَ الحَيْضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ] هذا هو النوع الثالث: وهي المتحيّرة التي لا عادة لها، ولا تمييز، أو نسيت عادتها.
وحكمها: إذا استمر معها الدم حتى جاوز أكثر الحيض نردُّها إلى غالب الحيض، يعنى غالب الأيام التي تجلسها النساء، والغالب: أن المرأة تحيض سِتّاً، أو سبعاً، ودليلنا على ذلك السنة: في قوله عليه الصلاة والسلام: [تَحيّضِي في علمِ اللهِ سِتاً أَوْ سَبْعاً] فردّها إلى الغالب، فقال العلماء: الستّ، والسّبع هي غالب حيض النساء، فالمرأة إذا التبس عليها، واستمر معها الدم، ولم تكن لها عادة، ولا تمييز تَردّها إلى غالب الحيض، وقد تأتيك المرأة معتادة، ولكن نسيت عادتها، ولا تستطيع أن تميّز تردُّها إلى غالب حيض النساء أيضاً على تفصيل في أحوال النسيان سيذكره المصنف رحمه الله.

قوله رحمه الله: [والمستحاضةُ المعتادةُ، ولوْ مُميّزةً تجلسُ عادَتَها]: المستحاضة: إِستفعال من الحيض، يعني: استمر معها دم الحيض، فالمرأة إذا جرى معها الدم ثلاثين يوماً كما قررنا في المجلس الماضي فإنه بالإجماع لا يقال إن الشهر كله حيض بل نقول: بعضه حيض، وباقيه إستحاضة.
والدليل على ذلك: قوله -عليه الصلاة والسلام- في الصحيح لما سألته فاطمةُ بنتُ أبي حُبيشٍ رضي الله عنها فقالت له: -يا رسولَ الله- إني أُستحاضُ، فَلا أَطهُر، أَفأدعُ الصَّلاةَ؟، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنما ذلِكِ عِرْق، ولَيْس بالحَيْضةِ] فبيّن لها عليه الصلاة والسلام أنّ الدم كله لا يعتبر حيضاً بل بعضه حيض، وباقيه إستحاضة، وهكذا لما سألته حمنة بنت جحش رضي الله عنها فقالت: [يا رسولَ الله إنّي أُستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً] لم يعتبر عليه الصلاة والسلام جميع دمها حيضاً بل قال لها عليه الصلاة والسلام: [إِنما هذه ركضةٌ من ركَضَاتِ الشّيطانِ فتحيّضِي سِتّة أيام، أو سَبعةً في علمِ اللهِ] فإذا ثبت هذا، وهو أن الدم ليس كله حيضاً بل بعضه حيض، وبعضه إستحاضة؛ فإنه يرد السؤال: إذا كانت المرأة ترجع إلى عادتها، وتمييزها، كما دلت السنة على إعتبار الأمرين فهل تقدم عادَتها، أو تمييزَها؟ فبيّن رحمه الله: أن العادة مُقدّمةٌ على التّمْييز، وذلك لحديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ رضي الله عنها في الصحيحين حيث رَدّها عليه الصلاة والسلام إلى عادتها في قوله: [دَعِي الصّلاةَ أيامَ أَقرائِكِ] ولم يستفصل، فلم يسألها هل لك تمييز، أو لا؟ بل ردّها إلى عادتها مباشرة، فدلّ على قوة العادة وأنها هي المعتبرة سواء وُجد تمييزٌ، أو لم يُوجدْ لأنّ

القاعدة: [أَنّ تركَ الإستفصالِ في مقامِ الإحتمالِ ينزّلُ منزلةَ العمومِ في المقالِ] فكأنه قال لها عليه الصلاة والسلام: إرجعي إلى عادتك؛ سواء كان لك تمييز، أو لم يكن.
فهذا الحديث أصل في تقدم العادة على التمييز، ودلالته من هذا الوجه قويّة، ومما يُرجح هذا القول أيضاً: أن الحديث الذي دلّ على إعتبار العادة أقوى سنداً من الحديث الذي دلّ على إعتبار التّمييز بل ورد في إثبات العادة أكثر من حديث، وبعضها في الصحيحين بخلاف حديث التمييز إضافة إلى أن العادة مجمع على إعتبارها، بخلاف التمييز حيث لم يُجمع عليه، وبهذه الوجوه تكون العادة مقدّمةً على التمييز، والله أعلم.
قوله رحمه الله: [وإن نسِيتْها عملَت بالتّمييزِ الصَّالح]: أي: نسيت عادتها، وقوله: [عملتْ بالتّمييزِ الصَّالح] أي أن التمييز محلّه أن لا تكون لها عادة مثل: المبتدأة، أو تكون لها عادة، ولكن نسيتها، فلا عمل بالتمييز مع العادة التي تتذكرها المرأة، وقوله: [الصَّالح] أي: الذي له أوصاف مؤثرة يصلح بها لتميز دم الحيض من دم الإستحاضة كما قدمنا في صفات التمييز المعتبرة.
قوله رحمه الله: [فإِنْ لم يكُنْ لها تَمْييزٌ فَغالبُ الحيضِ]: أي: أن هذا النوع من النساء، إذا لم يكن له تمييز صالح، فإننا نردّه إلى غالب الحيض، وهو الستّ، والسبع كما تقدم بيانه، ودليله، فرتّب المصنف رحمه الله العمل بما تقدم على النحو التالي: أولاً: العادة، ثم يليها التمييز، ثم يليها الحكم بغالب الحيض.

قوله رحمه الله: [كالعالم بموضعه الناسي لعدده]: إذا كانت المرأة ناسية لعدد عادتها، ولكنها تعلم موضع العادة من الشهر فإننا نقول لها: تحيّضي بغالب حيض النساء، وهو الست، والسبع كما قدمنا ولكن يلزمها أن تعتبر الموضع الذي كانت تأتيها عادتها فيه، وتوضيح ذلك: أن المرأة المعتادة إذا ثبتت عادتها إشتملت تلك العادة على أمرين: الأول: موضع العادة، وهو زمان وقوعها من الشهر، وهو أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره.
والثاني: قدر العادة، وهو عدد الأيام التي يأتيها فيها الحيض.
فإذا كانت عادتها مثلاً ستّة أيام فإما أن تكون في أول الشهر، أو تكون في وسطه، أو تكون في آخره.
فإذا نسيت عادتها فلا تخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تنسى عدد العادة دون موضعها.
الحالة الثانية: أن تنسى موضع العادة دون عددها، أي العكس.
الحالة الثالثة: أن تنسى عدد العادة، وموضعها.
فإذا نسيت العدد، وعلمت بالموضع فحينئذ يحدّد العدد لها بما ورد في السُّنة، وهو غالب حيض النساء ويصبح بديلاً عما نسيته من عادتها حتى تذكره، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ردّ إلى هذا العدد لكونه غالب حيض النساء، ويلزمها أن تنظر إلى الموضع الذي كانت العادة تأتيها فيه؛ سواء كان في أول الشهر، أو في أوسطه، أو في آخره، فهذا هو مراد المصنف رحمه الله بقوله هنا: [كالعالم بِموضعِه النّاسِي لعدَدِه] ثم أشار إلى عكس هذه الصورة بقوله

فصول الكتاب · 11 فصل · 445 صفحة
جارٍ التحميل