شرح زاد المستقنع للشنقيطي - كتاب الطهارةصفحات 423-445
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الحيض

صفحات 423-445
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد المختار الشنقيطي
الكتاب
شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب الطهارة)
المؤلف
محمد بن محمد المختار الشنقيطي
الناشر
الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

رحمه الله: [وإنْ عَلمتْ عدَدَه، ونَسِيتْ مَوْضِعَه مِنَ الشّهر، ولو في نِصْفِه جلستْ مِنْ أَوّله كمنْ لا عَادَة لَها] فبيّن أنها ترجع إلى أول الشهر، ولكن يلزمها أن تعتبر عدد عادتها، فلو قالت: عادتي ستة أيام، ولكني نسيت هل هي في أول الشهر، أو في نصفه، أو في آخره فحينئذ نقول لها: إعتدي بأوله، كالحال فيمن لا عادة لها إذا تحيضت بغالب حيض النساء مكثت الست، أو السبع من بداية الشهر.
وقوله: [ولوْ فِى نِصْفِه] إشارة إلى خلاف مذهبي، وتوضيحه: أن النّاسية لموضع العادة لها حالتان: الحالة الأولى: أن تنسى موضع العادة نسياناً تاماً فلا تدري هل هي في أول الشهر، أو في أوسطه، أو في آخره، فليس عندها أي معرفة، ويقع هذا في بعض الحوادث كما في حال إغماء المرأة، وغيبوبتها ثم إفاقتها، وقد نسيت كل شيء من عادتها.
وفي هذه الحالة لا إشكال في ردِّها إلى أَوّل الشهر.
الحالة الثانية: أن تكون ذاكرة لموضعها، وهو نصف الشهر الأول مثلاً، ثم تنسى هل الستة الأيام عادتها في أول النصف الأول من الشهر، أو في آخره، أو تكون ذاكرة لموضعه، وهو نصفه الثاني، ثم تنسى هل هي في أوله، أو في آخره.
وفي هذه الحالة إختلف العلماء رحمهم الله في حكمها على قولين: القول الأول: نُلزمها بأوّل النِّصفِ الذي تذكره.
والقول الثاني: نُلزمها بأوّل الشّهر مطلقاً.

ومحل الخلاف: إذا كان نسيانها لموضعه من النصف الثاني هل نردها إلى أول الشهر، أو إلى أول النصف الثاني؟ والذي يترجح: أننا نُلْزِمُها بأوّل النصفِ الذي تذكره، لأننا على يقين بأن النصف الأول ليس فيه حيض فنلزمها بأول النصف الثاني كما ألزمناها بأول الشهر عند نسيان الموضع.
والمصنف رحمه الله مشى على القول المرجوح فردّها إلى أول الشهر في جميع الأحوال.
قوله رحمه الله: [ومَنْ زادتْ عادتُها، أو تَقدّمتْ، أو تأَخّرتْ، فما تكرّر ثلاثة حيض]: مراده رحمه الله أن العادة تتغير بالزيادة، والنقصان بشرط أن تتكرر ثلاثة أشهر بعدد واحد من الزيادة، أو النقصان، فلو كانت عادتها ستة أيام، ثم زادت إلى ثمانية، واستمرت ثلاثة أشهر متتابعة بهذه الزيادة حكمنا بإنتقالها إلى الثمانية، ولزمها قضاء اليومين السابع، والثامن من الأشهر الثلاثة لأنه تبيّن أنها حيض، وهكذا في نقص العادة لكن في حال النقص ليس عليها قضاء كما هو معلوم.
قوله رحمه الله: [وما نَقصَ عَنِ العادَةِ طُهْر، وما عَادَ فِيها جَلسَتْه]: مراده رحمه الله: أنه إذا كان الإختلاف في العادة بالنقص فإنها تحكم بكونها طاهراً بمجرد إنقطاع الدم عنها، ولو عاد قبل إنتهاء أقلّ الطّهر حسبته حيضاً حتى يبلغ عادتها فلو كانت عادتها، مثلاً سبعة أيام، وانقطع الدم بعد خمسة أيام فإننا نحكم بكونها طاهراً بعد إنقطاعه ناقصاً، وهو معنى قوله هنا: [طُهْر] ثم لو عاودها بعد ثلاثة أيام فجرى معها يوماً، ثم إنقطع فإننا نحكم

بكون هذا اليوم حيضاً، وهو معنى قوله: [وما عَادَ فِيها جَلستُه] فنضيفه إلى الخمسة السابقة، فلو عاودها يوماً آخر فإنها تضيفه إلى ما سبق فتكون حينئذ قد أتمت سِتّة أيام، وبقي لها يوم من عادتها، فإن عاودها قبل أقل الطهر أضفناه للستة فتمّت به عادتها، وإن لم يعاودها نظرنا في الشهر الثاني، والثالث، فإن عاودها بنفس العدد، وهو السِّتةُ حكمنا بنقصان عادتها، وانتقالها من سبعة أيام إلى سِتّةِ أيام.
قوله رحمه الله: [والصُّفرةُ، والكُدْرةُ في زمنِ العادةِ حيضٌ]: قوله: [والصفرة، والكدرة]: الصفرةُ: مأخوذة من الصفار، وهو اللّون الأصفر، قال بعض العلماء -رحمة الله عليهم-: الصفرة التي تكون من المرأة: كلون القيح تخرج من الموضع، وقد إختلف العلماء رحمهم الله في حكمها، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: التّفصيل، وهو مذهب الجمهور: إن كانت الصفرة، والكدرة في زمان الحيض فهي حيض، وإن كانت بعد إنقضاء الحيض فليست بحيض.
والقول الثاني: إلغاؤها مطلقاً كما هو مذهب الظاهرية، ومن وافقهم رحمهم الله.
والقول الثالث: أنها حيض، ولو كانت بعد زمان الحيض، وهو قول للشافعي وأبي يوسف رحمهم الله.
وترجح مذهب الجمهور رحمهم الله بدليل السّنة فيما ثبت من حديث أمِّ عَطّية رضي الله عنها قالت: [كُنا لا نعدُّ الصُّفرةَ، والكدرةَ بعد الطُّهرِ

شَيْئاً] ومفهومه: أنها في الحيض حيض، وكذلك صحّ أن أم المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها كُنَّ النساءُ كما في صحيح البخاري يَبْعثنَ لها بالدُّرجةِ فيها الصُّفرةُ، والكُدْرةُ من دم الحيض، فتقول: [انتظِرْنَ لا تَعْجَلِنّ حَتّى تَرينّ القَصّةَ البَيْضاءَ] " الدُرْجة " مثل: الخرقة " فيها الكرسف ": الذي هو القطن.
فقولها رضي الله عنها: [انتظِرْنَ لا تَعجَلِنَّ حتّى تَرينّ القَصّةَ البَيْضَاء] واضح في الدلالة على أنها إعتبرته حيضاً، وأمرت بالإنتظار حتى ترى السائلةُ علامةَ الطُّهر، وهي القصة البيضاء فدلّ على أنّ الصُّفرة والكُدرة حيض في زمان الحيض.
واستدل بعض العلماء رحمهم الله بظاهر القرآن في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وهو عام في طهرهنّ من الدم بلونه المعتاد، أو غيره كالصّفرة، والكُدرة.
وأكدوا هذا بدليل النظر، وهو القياس على الدم، وأن الصُّفرة تنشأ من الدم كما في القيح، وتأخذ أحكامه كما في النجاسة.
فهذا كلّه يدل على رجحان مذهب الجمهور رحمهم الله أن الصُّفرةَ، والكُدرة في وقت الحيض حيض، وما بعده ليست بحيض لأنها كدم الإستحاضة.
قوله رحمه الله: [ومَنْ رَأتْ يَوماً دَماً، ويوماً نقاءً؛ فالدّمُ حَيضٌ، والنَّقاءُ طُهْرٌ]: تعرف هذه المسألة بمسألة التّلفيق، فإذا رأت المرأة يوماً دماً، ثمّ يوماً نقاءً، ثمّ يوماً دماً، ثمّ يوماً نقاءً؛ فالحكم ما ذكره المصنف رحمه الله:

يوم الدم يومُ حيض، ويومُ النّقاء يومُ طُهْرٍ، فتحسب عادتها في أيام الدّماء وحْدَها، وهذا هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله، ودليله ظاهر الكتاب، والسُّنة، وهو أن النّصوص فيهما دلّت على أن الحيض في زمانه مترتب على وجود الدم، فإذا وجد الدم حكمنا بكونها حائضاً، وإذا لم يوجد حكمنا بكونها طاهراً، فهذا هو الأصل.
وعلى هذا المذهب فلو كانت عادتها خمسة أيام، وجاءها الدم يوماً كاملاً، ثم إنقطع يوماً كاملاً بعده واستمر بهذه الصورة، فإنه يحكم بخروجها من عادتها في تمام اليوم العاشر، فتلفّق أيام حيضها حتى تتم العدد.
قال رحمه الله: [ويُستَحب غسلها لكُل صَلاة]: شرع المصنف -رحمه الله- بهذه العبارة في بيان أحكام المستحاضة، والمستحاضة: نوع من النساء تتعلق بها أحكام في صلاتها، وصيامها مفرّعة على الحكم بطهارتها.
والإستحاضة: استفعال من الحيض، أي: أنّ الدم استمر معها، فالأصل أن دم الحيض يقف عند أمد معين كما قدمنا فلما استرسل دم حيضها، وزاد قيل لها إستحاضة.
قال بعض العلماء في تعريفها: (إنها دمُ فسادٍ، وعِلّةٍ يُرخيه الرحمُ من أعلاهُ، لا منْ قَعْرِه) وهذا التعريف من أنسب التعاريف.
والإستحاضة أصلها عرق؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما سأَلتهُ فاطمةُ رضي الله عنها عن استحاضتها قال عليه الصلاة والسلام: [إِنما ذلِكِ عِرقٌ]، وقال عليه الصلاة والسلام لحمنة بنت جحش رضي الله عنها في إستحاضتها: [إِنها رَكْضةٌ مِنْ رَكَضَاتِ

الشّيطانِ] قال بعض العلماء: ركضة حقيقية أي: أن الشيطان يركض، ويضرب هذا الموضع ضرباً حقيقياً كالرّكض الذي يكون من الفارس، أو من الرجل، وقال بعض العلماء: بل إنه ركض معنوي بمعنى: أن الشيطان يتذرّع بجريان الدم مع المرأة على هذه الصورة، فيلبّس عليها صلاتها، فيدخلها في متاهة، فلا تدري أهي حائض، فلا تصلي، ولا تصوم، أو ليست بحائض، فيجب عليها الصوم، والصلاة؟ قالوا: فوصف النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الإستحاضة بكونها رَكْضة لمكان هذا التلبيس الذي يكون من الشيطان هذا من جهة المعنى.
أما بالنسبة لحقيقة هذا العرق فإنه وردت له أسماء: الأول: ورد في السنن، وهو العاذل، والثاني: ورد في رواية أشار إليها الإمام ابن الأثير رحمه الله: وفيها إسم العاذر، فالرواية الأولى: باللام العاذل والثانية: بالراء، وذكر الإمام الحافظ العيني -رحمه الله- أن هناك اسماً له، وهو العادل، بدالٍ بَدَل الذَّال.
هذه ثلاثة أسماء، وهناك إسم رابع رواه الإمام أحمد في مسنده أنه العاند، فهذه أربعة أسماء: العاذل، والعاذر، والعادل، والعاند، قالوا: عاذلاً وصفاً له فليس هو عرق في الجسد إِسمه عاذل؛ والسبب في ذلك أن بعض الفقهاء سأل بعض الأطباء عن عرق اسمه العاذل فلم يعرفوه، والواقع أن العلماء قالوا: إن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وصفه بكونه عاذلاً من العذل، واللّوم؛ لأنه يوجب عَذْلَ المرأة، ولومها.
وأما تسميته بالعادل؛ فالعادل عن الشيء هو: الجائر عنه، يقال عدل عن الطريق إذا مال، وجار عنه؛ قالوا: لأنه بخروج المرأة عن عادتها بالحيض،

ودخولها في الإستحاضة عدلت عن الدم الطبيعي لها، وهو دم الجِبلّة أي: دم الحيض، فعدلت عن الأصل؛ لأن الأصل في الدم أن يجري معها على الصّحة أيام عادتها وينقطع بعد ذلك بطهرها، فجرى معها على سبيل المرض، ولم ينقطع بعد تمام عادتها.
وأما العاذر فقالوا: لأن المرأة تعذر بوجوده، وأما العاند: فلمكان استمراره مكان الدم؛ فكان كالممتنع، والصّعب على الإنسان وهي صفة الشيء العنيد.
هذا بالنسبة لأسماء دم الإستحاضة.
وهناك فوارق بين الحيض، والإستحاضة من جهة المكان فدم الحيض يخرج من قَعْر الرّحمِ، وأما دم الإستحاضة: فيخرج من أعلى الرَّحم، هذا بالنسبة لمكان الدمين.
أما بالنسبة لأوصاف الدّمينِ؛ فإنّ دم الحيض أقوى لوناً من دم الإستحاضة، فإذا كان أسود كان دم الإستحاضة أحمر، وهكذا كما تقدم معنا عند بيان التمييز باللّون.
أما بالنسبة للفارق الثالث: فوجود الألم، فإن دم الحيض تكون فيه حرارة، وألم للمرأة بخلاف دم الإستحاضة، فإنه يكون أخفَّ ألماً، أو ينعدم فيه الألم.
وقد تقدم معنا بيان ضوابط التمييز التي هي: اللونُ، والرِّيحُ، والألمُ، والكثْرةُ، والقلّةُ، والغِلَظُ، والرِّقةُ، هذه بالنسبة للفوارق التي بين دم الحيض، والإستحاضة، والمصنف رحمه الله بعد أن بيّن لنا أقل الحيض، وأكثَره، وأقلَّ الطّهر، وأكثَره، وشرحنا خلاف العلماء -رحمة الله عليهم- في تلك

المسائل بعد بيان ذلك فإنه يرد السؤال بعد أن عرفنا من هي المرأة الحائض، والمستحاضة، فما هي الأحكام المترتبة على إستحاضة المرأة، وما الذي يلزمها من جهة الطهارة، وكيفية أداء الصلوات، وما الذي يترتب على الحكم بكونها مستحاضة من جهة وطئها؟ وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالمرأة المستحاضة؛ فشرع رحمه الله في بيان هذه الأحكام بقوله: [والمُستحَاضةُ] أي: المرأة إذا حُكِمَ بكونها مستحاضة.
[ونحوها]: نحو الشيء مأخوذ من قولهم نَحا الشيءَ نَحْواً: إذا قصده، ومال إليه، وطلبه.
وقد يُطلق بمعنى الجهة، تقول: وجّهت وجهي نحو القبلة أي: جهة القبلة.
وقد يطلق النحو بمعنى: المثيل، والشّبيه؛ كما في الصحيحين عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حديث عثمانَ رضي الله عنه لما توضأ، وأسبغ الوضوء ثم رفع فعله إلى النبي -صلوات الله وسلامه عليه-، وأنه قال: [من توضّأَ نحو وضُوئِي هَذا] أي مثل وشبه وضوئي هذا فهذه إطلاقات النحو فمراد المصنف هنا بقوله [ونحوها] شبهها.
أولاً: نريد أن نعرف ما هو حكم الشرع بالنّسبة للمستحاضة؟ ثم بعد ذلك نعرف من الذي يلتحق بها، ويُشْبِه حكْمُهُ حُكْمَهَا في الطهارة؟ فالمستحاضة فيها أمور: أولاً: أجمع العلماء على أن المرأة إذا حكم بانتهاء حيضها، ودخولها في الإستحاضة أنه يجب عليها أن تغتسل، وهذا الحكم دلّ عليه ظاهر التنزيل، والنّصوص الصحيحة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال عليه الصلاة والسلام: [لتَنْظُرِ الأيامَ التي كَانتْ تَحيضُهُنّ قبلَ أَنْ يُصيبها الّذي أَصابَها فإِذا هِي خَلّفتْ

ذَلِكَ فَلتغتسلْ ثُمّ لتُصَلِّ] فقوله عليه الصلاة والسلام: [فإِذَا هي خَلّفتْ ذَلِكَ] أي: خلفت أيام حيضها وهي أيام العادة، [فَلتَغْتَسِلْ]: وهو أمر بالغسل فدلّ على أن المستحاضة يجب عليها الغسل عند انتهاء أيام عادتها، مع جريان دم الإستحاضة معها، وهذا بالإجماع.
ثانياً: يلزمها طهارة فرجها، وهو موضع الإستحاضة، أما لماذا تلزمها طهارة الموضع؛ فلأن دم الإستحاضة خارج نجس من الموضع المعتبر، فكما أن المرأة يجب عليها أن تغسل فرجها إذا خرج منه البول، فكذلك يجب عليها أن تغسل الفرج من دم الإستحاضة.
وقال بعض العلماء: غسل هذا الموضع أوجبناه على المستحاضة بدليل النقل؛ وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الصّحيح لفاطمةَ بنتِ أَبي حُبيش رضي الله عنها: [فإذا أقبلتِ الحِيضةُ فاتْركِي الصّلاةَ فإذا ذهبَ قَدْرُها فاغسِلي عَنْكَ الدم، وصَلِّي] أي: كلما أردت الصلاة؛ فاغسلي عنك هذا الدم الذي سألتِ عن حكمه، وهو دم الإستحاضة، فدلّ على نجاسته، ووجوب غسله كالبول، والغائط.
ثم يرد السؤال: لو أنها غسلت الموضع، وخرج معها الدّم، فما الحكم؟ والجواب: أن المستحاضة في الأصل لها حالتان: الحالة الأولى: إذا غسلت الموضع وسدَّت مكانه بقطن، أو بقماش إنحبس الدم، وإمتنع من الخروج، وهذه الحالة هي أخفُّ أحوال المستحاضة.
الحالة الثانية: أن يكون دمها ثجّاجاً قوياً لا يستمسك بالقطن، ولا بغيره.

فأما في الحالة الأولى فلا إشكال أنها تغسل الموضع، وتضع القطن لتمنع خروجه حال صلاتها، ولكي تبقى على طهارتها، وقد أشار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حَمْنةَ رضي الله عنها بذلك فقال لها: [أَنعتُ لَكِ الكُرسُفَ] أي: هل أصف لك القطن، ومراده آنها تضعه في الفرج؛ ليمنع خروج الدم، فدلّ على مشروعية سدّها للفرج بقطنة، ونحوها.
وأما الحالة الثانية: أن يكون الدم شديداً، أو ثَجّاجَاً ففي هذه الحالة تغسل الموضع كما تقدم في النّصِ، ثم تضعُ القُطنَ، وتشدُّ الموضع، أو تشدُّ الموضع دون وجود حائل من قطن، أو قماش.
وتشدُّ الموضع إما بجمع حافتي الفرج، أو وضع الحبل، أو الذي يُشدُّ على نفس الموضع على حسب ما ترى المرأة أنه يسدُّ، ويمنع خروج الدم، وهذا هو الذي عبّر عنه المصنف بقوله رحمه الله: [وتَعصُبُ الفَرْجَ]، والعَصْبُ، والعِصَابة مأخوذة من: الإحاطة، سُمّيت العِصَابَةُ عِصَابَة؛ لأنها تُحيط بالشيءِ، كما سُميّتْ عصبةُ الإنسان بذلك، وهم قرابته؛ لأنه إذا نزلت به ضائقة، أو شِدّة أحاطوا به بإذن الله -عز وجل- وكانوا معه، فالعصابة أصلها الإحاطة، وبناءً على هذا التعبير قالوا تشد طرفي الموضع.
والدليل على أنه يلزمها هذا الشد ظاهر حديث حَمْنة رضي الله عنها فإنها لما قالت للنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنّي أُسْتَحَاض حَيضةً شديدةً، فلا أَطْهُر؟ قال عليه الصلاة والسلام: [أنعتُ لَكِ الكُرْسُفَ؟] قالت: هو أكثر من ذلك؛ فقال عليه الصلاة والسلام: [فاتّخِذي ثَوْباً] قالت: هو أكثر من ذلك، قال: [فتلجّمي] والتّلجم مأخوذ من: اللجام، واللجام في الأصل يكون

حائلاً كما في لجام الدابة؛ لأنه يلجمها فيمنعها فهو حائل، ومانع، ولذلك قوله عليه الصلاة والسلام: [تَلجّمي] معناه اُعصبي الفرج؛ لأن عصبه لجام، ومانع يَقِي من خروج الخارج، أو يحفظ الموضع من إخراج الخارج، وبناءً على ذلك أخذ العلماء رحمهم الله من قوله عليه الصلاة والسلام: [تَلجّمِي] أن السُّنة في المرأة المستحاضة أنها تَشدُّ الموضعَ إذا غَلبها الدمُ.
هذا بالنسبة لأحوال المستحاضة إذا حُكِمَ بانتهاء حيضها، ودخولها في الإستحاضة.
وقول المصنف رحمه الله: [ونَحْوِها] يعنى: نحو المستحاضة، النحو: بمعنى المثل، والشبيه كما تقدم: إما أن يكون نحوها بمعنى شبيهاً للمستحاضة من كل وجه، وهذه حالة، أو يكون شبيهاً لها من بعض الوجوه دون بعضها، وهي الحالة الثانية.
ونبدأ بالشّبيه الذي يشبه المستحاضة من كل الوجوه، وهو الذي معه سلس البول، فإذا نظرت إلى كون دم الإستحاضة دماً نجساً من خارج معتبر غلب بكثرة خروجه، فإن الأمر كذلك بالنسبة لمن كان معه سلس البول، فإن البول خارج يوجب انتقاض الوضوء كما توجبه الإستحاضة؛ وهو نجس، وخارج من الموضع المعتبر فهو كدم الإستحاضة سواء بسواء، إذاً من كان به سلس بول نُعْطِيه حكمَ الإستحاضة، وهكذا من به سلس المذي؛ لأن المذي نجس، وكذلك من به بواسير إذا نزفت، واستمر نزيف الدم كالإستحاضة، فإن هذه الأمثلة الثلاثة البول، والمذي، والبواسير كلّها

ناقضة للوضوء، وهي نجسة وخارجة من الموضع فهي تشبه الإستحاضة في مسائلها، فإذا استرسلت كدم الإستحاضة أخذت حكمه، وتعرف مسألتهم بمسألة دائم الحدث.
الحالة الثانية: أن يكون الشبيه للمستحاضة من بعض الوجوه، ومثاله من به نواسير، والنواسير تكون على فتحة الدبر، فهي ليست من الداخل كالبواسير بل من الخارج، ومن هنا لم تُشْبِه الإستحاضة في كونها ناقضة للطهارة، وموجبة للحدث الأصغر، وكذلك الرَّعاف، ونزيف الجروح كلّها تشبه الإستحاضة من بعض الوجوه لا من كلها فهي كالإستحاضة من جهة كونها نجسة، وقد تقدم بيان الأدلة على نجاسة الدم سواء خرج من الموضع، أو خرج من غيره، فأصبحت شبيهة بالإستحاضة من جهة الحكم بنجاستها، والتخفيف فيها إن غلبت، فإذا جرى الدم في النواسير، والرعاف ولم يرقأ فُصِّل في حكمه كالإستحاضة لكنه مخالف لها في كونه لا يوجب انتقاض طهارة الحدث على أصح قولي العلماء رحمهم الله كما قدمناه في النواقض، فتلخص أن هذه الثلاثة تأخذ حكم الإستحاضة في طهارة الخبث، دون طهارة الحدث، وهذا على القول بأنها لا تنقض الوضوء، وأما على القول بأنها ناقضة تكون كالبول، تشبه من كل الوجوه.
ويكون الناسور، والرعاف، ونزيف الجروح كالإستحاضة إذا استمر جريان الدم فيه، أما لو كان قطرات تنقطع فإنه لا إشكال فيه فيغسل الموضع، ثم يصلي، فإذا شابه الإستحاضة فكان نزيفه مسترسلاً، أو قطراته لا تنقطع، ولو كانت قليلة، واستمرت وقت الصلاة، فحينئذ يفصّل فيه كالإستحاضة

فإن أمكن حبسه بوضع القطن، ونحوه، أو شدّه؛ فإنه يشدّ، ويُحبس، وأما إذا كان لا ينحبس فحكمه حكم دم الإستحاضة إذا إِسترسل تتطهر المرأة لدخول وقت كل صلاة، وهكذا من به السلس، والناسور، والجروح، والقروح السيّالة ثم يصلي في وقته حتى ينتهي وقت الصلاة فيطهّر الموضع ثانية.
والذى يُطْعن، أو يجرح فينزف جرحه له حالتان: الحالة الأولى: أن يمكن إيقاف النزف بأن يكون خفيفاً؛ بحيث لو وضع في الموضع قطنة سكن نزيفه؛ فحينئذ يجب إيقاف الدم بوضع حائل من قطن، أو قماش، أو نحوه، ولو بالشُّدِ.
الحالة الثانية: أن يكون قوياً لا يرقأ، فإذا كان كذلك؛ صلى، ولو خرج معه ذلك الدم النجس، وتطهر لدخول وقت كل صلاة.
والدليل على ذلك: أن عمر -رضي الله عنه- صلى بجراحته كما في صحيح البخاري، وكذلك -أيضاً- الصحابي رضي الله عنه لما أصابه السهم حينما كان حارساً على فَمِ الشّعبِ، ومع ذلك صلى، وجرحه ينزف دماً؛ لأن نزيف السهام نزيف قوي مستحكم، فمثله لا يرقأ؛ ولذلك تكون هاتان الحالتان مستثنيتين من الأصل الذي يوجب غسل الموضع النجس.
قوله رحمه الله: [وتتوضأ لوقت كل صلاة]: ذكرنا الآن حكم الموضع وما يجب فيه من طهارة وهذا كله راجع إلى طهارة الخبث فبقي السؤال عن طهارة المستحاضة من الحدث، فبيّن رحمه الله: أنها تتوضأ لوقت كل صلاة أي عند دخول وقت كل صلاة، وهذا بعد إغتسالها عند إنتهاء عادتها،

وهذا الغسل محل إجماع عند العلماء رحمهم الله، وهو غسل الحيض، وأما ما بعد الغسل مما ذكره المصنف رحمه الله من وضوئها لكل صلاة، فهو مسألة خلافية فيها ما يقرب من أربعة أقوال للسلف -رحمة الله عليهم-: القول الأول: يجب عليها أن تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء -رحمة الله عليهم- من الحنفية في المشهور، والشافعية، والحنابلة.
القول الثاني: يستحب لها الوضوء عند كل صلاة، ولا يجب، وبهذا القول قال المالكية، والظاهرية، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، الذي يسمى ربيعة الرأي -رحمة الله على الجميع- قالوا لا يجب عليها، ولكن يستحب لها الوضوء عند دخول وقت كل صلاة.
القول الثالث: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وهو أشدّ الأقوال، ومأثور عن بعض أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- وإحدى الروايات عن علي -رضي الله عنه وأرضاه-، وأفتى به سعيد بن المسيب من فقهاء المدينة رحمه الله.
القول الرابع: أنه يجب عليها أن تغتسل في اليوم مرة واحد دون تعيين، وهو قول علي -رضي الله عنه وأرضاه-.
واستدل أصحاب القول الأول: بما ورد في صحيح البخاري في روايةٍ لحديث عائِشةَ رضي الله عنها في قصة فاطمةَ بنتِ أَبي حُبيش رضي الله عنها، وفيها قوله: [وتَوضّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ] ومثله حديثها عند أحمد، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجة.

فقوله: [تَوضّئِي]: أمر يدل على وجوب الوضوء على المستحاضة عند دخول وقت كل صلاة، وهو معنى قوله: [لِكلِّ صلاةٍ].
وهذه هي أشهر الأقوال في المستحاضة.
أما الذين قالوا بغسلها لكل صلاة؛ فالروايات ضعيفة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأمره للمستحاضة بالغسل، إلا ما ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمرها أن تغتسل قال كما في الصحيح: [وكانتْ تَغتَسلُ لكل صَلاةٍ] قالوا: هذا يدل على وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة، وهو مذهب من ذكرنا من الصحابة رضي الله عنهم؛ والصحيح أنه لا يجب، وأن اغتسال فاطمة -رضي الله عنها- كان اجتهاداً منها وليس بأمر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لها لأنه عليه الصلاة والسلام: إنما أمرها أن تغتسل عند إنتهاء عادتها فقط كما هو ظاهر القرآن، والأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام.
أما الذين قالوا: بأنه يجب عليها طُهرٌ في يوم واحد فهناك أحاديث ضعيفة، وآثار إستدلوا بها لا تقوى على إثبات ما ذكروه.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على ظاهر ما ذكرناه من حديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ رضي الله عنها، عند أبي داود، والترمذي، وأحمد، والبيهقي، والحاكم، وصححه غير واحد، وسئل الإمام البخاري -رحمه الله- عنه فحسّن إسناده.
هذا حاصل ما يُقال في حكم المستحاضة من جهة طُهْرها.

وقوله رحمه الله: [وتُصلّي فُروضاً، ونَوافلَ]: وتصلي الفروض في الوقت، فتصلي فرض العصر، والظهر، والمغرب، والعشاء، والفجر كُلاً بحسب وقته.
فإذا توضأت لصلاة الفجر صلّت بهذا الوضوء الفرض، والنوافل، فابتدأت بركعتي الرّغيبةِ فصلّتهما، ثم ثَنّت بصلاة الفجر، ثم إذا توضأت لصلاة الظهر صَلّت الرّاتبة القبلية، والبعدية، وفرض الظّهر، والفروضَ المقْضِيّة، وسائر النوافل، والتطوع ما دام أن وقت الظهر لم ينته، وهكذا الحكم في بقية الصلوات.
قوله رحمه الله: [ولا تُوطَأُ إِلا مَعَ خَوْفِ العَنَتِ]: الجمهور على أنه لا حرج في وطء المرأة المستحاضة، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولم يرد دليلٌ في الكتاب، ولا في السّنة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالمنع، أو التحريم، والله -عز وجل- حرّم وطء المرأة الحائض، ولم يحرم وطء المستحاضة.
قالوا: إن الأصل في المرأة أن يَستمتع بها الزوج، وهذا على ظاهر التنزيل في قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ 1 فإذا ثبت أن الأصل حل الوطء، وجاء عارضٌ، وهو دم الحيض، ونقلنا عن الأصل فإن هذا العارض الناقل يتقيّد بزمانِه، ومدة وجُودِه، فإذا زالَ، وانقطع رجعنا إلى الأصل الموجب لحلِّ الوطء، فهذا هو مسلك الجمهور أنه يجوز الوطء، وقال بعضهم: مع الكراهة.

وذهب بعض العلماء إلى أنه: يحرم عليه أن يطأها إلا إذا خشي العنت، والعنت: هو الزنا، يعنى إذا خشي الوقوع في الزنا له أن يطأ الزوجة، ولا حرج عليه في ذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله واختارها جمع من أصحابه رحم الله الجميع.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ فقالوا: إن المراد بالأذى وجود الدم في الفرج فيؤذي الزوج، وأجيب بأن تخصيص الآية لدم الحيض، دون غيره دليلٌ على أن المراد التحريم حال وجود الحيض، دون غيره بدليل قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فجعله أذى إلى غاية الطّهر، فلو كان دم الإستحاضة مثله لما قيّده بغاية الطهر لأن دم الإستحاضة يأتي بعد الطُّهر سواء كان الطُّهر حقيقة، أو كان حُكماً فصارت الآية دليلاً على الحلِّ؛ لا على التحريم.
ومما يؤكد ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عن حكم دم الإستحاضة، فلم يأمرْ مستحاضةً أن يعتزلَها زوجُها، ولا يجوز تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، فلو كان وطؤها حراماً لا يجوز إلا عند خوف الزِّنا لبيّنه عليه الصلاة والسلام، فلما لم يأمر باجتناب المستحاضة دلّ على أنها قد حلّت لزوجها بطُهْرِها من الحيض كما يقول الجمهور رحمهم الله.
قوله رحمه الله: [ويُسْتحبُّ غُسلُها لِكُلّ صَلاةٍ]: يعني إذا دخل عليها وقت كل صلاة؛ فإنها يستحب لها أن تغتسل، أي تغسل البدن، ولا يجب عليها ذلك؛ لظاهر ما ذكرناه من فعل فاطمة -رضي الله عنها وأرضاها-.

قوله رحمه الله: [وأَكْثَرُ مُدّة النّفاسِ أَربعونَ يَوْماً]: شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في أحكام دم النفاس، والنفاس: مأخوذ من النَّفْسِ، وتطلق النَّفْسُ في اللغة بمعان فيقال: نَفْسُ الشيء بمعنى ذاته، ومنه قولهم: رأيت محمداً نَفْسَه أي: بذاته، وتطلق النَّفْسُ بمعنى: الرّوح على خلاف بين أهل العلم هل هما بمعنى واحد، أو مختلفان، وتطلق النَّفْسُ بمعنى: الأخ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 1، وتطلق النَّفْسُ: على الدّم، ومنه ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لعائِشةَ رضي الله عنها لما حاضت بسرف: [مالكِ أنُفِسْتِ] أي هل أصابك دم الحيض؟ فلما كان الدَّمُ من أسمائه النّفْسُ؛ سُمّي النِّفاسُ نِفَاساً لذلك، من باب تسمية الشيء بسببه، والنفاس: هو (الدّم الذي يَخرجُ عَقيبَ الوِلادَةِ) فالمراد به دم الولادة، والفرق بينه، وبين دم الحيض أن دم الحيض دم مُعتاد، وهذا دم مخصوص بالولد يكون بعد خروجه من بطن أمه.
قال رحمه الله: [أَكثرُ النّفاسِ أربعونَ يَوْماً]: هذه مسألة خلافية، وللعلماء فيها قولان مشهوران: القول الأول: الجمهور على أن أكثر النفاس أربعون يوماً، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وأم سلمة رضي الله عنهم؛ وإستدلوا بما ثبت في الحديث الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: [كَانتِ النّفساءُ

تَجْلِسُ عَلى عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَربعينَ يَوْماً] فدلّ على أنّ أكثَره أربعونَ يوماً.
القول الثاني: أكثر النفاس ستون يوماً، وهو مذهب المالكية، والشافعية، وقول عبد الرحمن الأوزاعي فقيه الشام -رحمة الله على الجميع-، وما جاوز الستين فهو استحاضة، وليس بدم نفاس.
وعلى مذهب الجمهور تجلس أربعين يوماً، وما زاد فهو استحاضة، وليس بدم نفاس، وهو الراجح في نظري والعلم عند الله لورود السُّنة به، وليس لأقله حدُّ معين، فلو أن امرأة ولدت ثم جرى معها الدم لحظة واحدة، فأخرجت دفعة واحدة منه ثم انقطع عنها؛ حكمنا بكونها طاهرة؛ لأنه ليس لأقل النفاس حد معتبر.
هذا بالنسبة لأقل النِّفاس، وأكثره.
قوله رحمه الله: [ومتى طَهُرتْ قَبْلَه تَطَهرتْ، وصَلتْ]: قوله: [ومَتى طَهُرتْ قَبْلَهُ] يعني: قبل أكثر النفاس، فالضمير عائد إلى النّفاس، وقوله: [تَطهّرتْ، وصَلّتْ] أي: أننا نحكم بطُهْرِها، ومثال ذلك: امرأة ولدت في أول الشهر، واستمر معها دمُ النّفاس عشرين يوماً، ثم طَهُرت حكمنا بطهرها، فتغتسل، وتصلّي، وتصوم.

وقوله رحمه الله: [طَهُرتْ]: يعني رأت علامات الطهر، وهي إحدى علامتين: الأولى: القَصّةُ البيضاء: وهي ماء أبيض كالجير تعرفه النساء، وهو الذي قصدته عائشة رضي الله عنها بقولها: [إِنْتَظِرْنَ لا تَعْجَلِنَّ حَتّى ترينَّ القَصّةَ البَيْضاءَ].
والثانية: الجفوف، والمراد به جفوف الفرج بحيث لو وضعت قطنة خرجت نقيّة لا دم فيها.
فإذا رأت إِحدى هاتين العلامتين قبل تمام الأربعين حكمنا بطهرها، فإذا رأت الدم كما قدمنا في المثال السابق عشرين يوماً، ثم رأت علامة الطهر حكمنا بطهرها، ثم إن لم يعاودها قبل تمام الأربعين يوماً فلا إشكال، وإن عاودها قبل تمام الأربعين فهي نفساء حتى تتم أكثر النفاس.
قوله رحمه الله: [ويُكْرَهُ وطْؤُها قَبلَ الأَربعين بَعْد التَّطْهِيرِ]: قال بعض العلماء: المرأة النفساء إذا طَهُرت قبل الأربعين لا تُوطأ، وهو رواية عن الإمام أحمد -رحمة الله عليه- إختارها جمع من أصحابه رحمهم الله.
ومنهم من قال إنه محمول على الكراهية، والجمهور على الجواز.
لكن ذكر بعض الأطباء فائدة، وهي أن الجماع قبل الأربعين يؤثر في الفرج، وأنه لا يرجع إلى طبيعته قبل الأربعين، ولذلك قال بعض الأطباء: الأفضل ألا يقع جماع، وذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى أن العلّة هي خوف رجوع الدم، ويكون إِنقطاع الطهر عندها مؤقتاً بمعنى اليوم، واليومين، وهذا يحدث فإن المرأة تكون نفساء، ثم تطهر بعد عشرين يوم، وفي اليوم

الحادي والعشرين لا ترى شيئاً، ثم في اليوم الثاني والعشرين يعود عليها الدم، ولذلك قالوا: لا نأمن أنها ما دامت داخل الأربعين أن الدم يعود إليها بعد أن إنقطع.
والقول بالجواز أرجح؛ لأنه هو الأصل، ولم يرد دليل في الشرع بالتّحريم كما قدمنا في وطء المستحاضة، وقد نقل عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله: [إِذَا صَلّتْ حَلّتْ] وهو يدلّ على أنه إذا حلّت الصلاة للمرأة حلّ وطؤها سواء كانت نفساء، أو حائضاً.
قوله رحمه الله: [فإِنْ عَاودَها الدّمُ فَمشكُوكٌ فيه]: يعني إذا عاود الدّمُ المرأة النفساء بعد أن طهرت وقبل تمام الأربعين فمشكوك فيه بمعنى: أنه يحتمل أنه: نِفَاسٌ إستصحاباً للأصل، ويحتمل أنه: إستحاضة، ومشى المصنف رحمه الله على كونه مشكوكاً فيه، والأصل يقتضى إلحاقه بالنفاس؛ لأنه في أمده، ووقته وهو الراجح، لكن يُعتذر للقول المرجوح بأنها رأت علامة الطهر قبله فتنازعه الأصلان؛ فهذا هو وجه إعتباره مشكوكاً فيه.
قوله رحمه الله: [تَصُومُ، وتُصلّي، وتَقضِي الوَاجِبَ]: بناءً على الأصل، واليقين أنها طاهر، والدم مشكوك فيه فنلغي الشك، ونبقي على اليقين للقاعدة المشهورة [اليَقينُ لا يُزَالُ بِالشّك] فاليقين أنها مطالبة بفريضة الصلاة، والصيام، وشكَكْنا في سقوطهما؛ فبقينا على الأصل الموجب للمطالبة بهما، فهذا هو وجه مطالبتها بالصوم، والصلاة، وقد قدمنا أن الراجح أنه نفاس إن عاد قبل تمام أكثره.

قوله رحمه الله: [وهو كالحيْضِ فِيمَا يَحِلُّ، ويَحرُمُ، ويَجِبُ]: قوله رحمه الله: [وهو] أي: النفاس، وقوله: [كالحيض فيما يحلُّ، ويَحرمُ، ويَجِبُ] أي: أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض، وقد تقدم بيان موانع الحيض، فالمرأة النفساء لا تصوم، ولا تصلي، ولا تدخل المسجد، ولا تلمس المصحف كما ذكرنا في الحائض، ويستثني من ذلك ما ذكره -رحمه الله- من قوله: قوله رحمه الله: [ويَسْقُط؛ غيرَ العدةِ، والبلوغِ]: قوله: [ويَسْقُطُ]؛ أي: أن النفاس كالحيض يسقط التكليف بالصلاة، والصوم، وقد سمى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الحيض نفاساً؛ لكن يستثنى من مساواة النفاس بالحيض العدة، والبلوغ، فإنك لا تحكم بكون المرأة تعتد بدمِ النّفاس بخلاف دم الحيض؛ فإنها تعتد به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 1 فردّهن إلى الدم الذي هو دم الحيض، قيل: قروء أطهار وقيل: حيضات كما سنبينه في باب الطلاق إن شاء الله تعالى، ولأن العدّة في الحامل تنتهي بوضع الحمل، لا بخروج دم النفاس، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
أما بالنسبهَ للبلوغ فقالوا: لا يثبت البلوغ بدم النفاس؛ لأنها بحملها يثبت البلوغ، ولذلك يرى العلماء أن الحمل دليل على البلوغ.
قال النّاظم رحمه الله:

وكلُّ تَكْليفٍ بِشَرْطِ العَقْلِ ... مَعَ البُلُوغِ بِدَم أَوْ حَمْلِ أو بمنيٍ أوْ بإنباتِ الشَّعَرْ ... أو بِثمَاني عَشرةٍ حَوْلاً ظَهَرْ وإن كان الصحيح أن خمسة عشر توجب البلوغ، لظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيح، كما سيأتي بيانه في علامات البلوغ.
قوله رحمه الله: [وإِنْ ولَدتْ تَوأَمَينِ؛ فَأوّلُ النِّفَاسِ، وآخِرهُ مِنْ أَوّلِهمَا]: أي أننا نعتد في توقيت دم النفاس بأوّل الولدين، فعلى سبيل المثال: لو أنّ إِمرأة ولدت ولدين: الولد الأول ولدته في اليوم العاشر من الشهر، والثاني ولدته في الثاني عشر فإننا نعتد باليوم العاشر؛ فإذا أتمّت به الأربعين طهُرت على مذهب القائلين بالأربعين.
وإعتبار الولد الأول هو مذهب الجمهور؛ لأنه الأصل في الولادة، والثاني تَبع له.
وقال الظاهرية ومن وافقهم العبرة بالولد الثاني، فتبدأ إحتساب مدة النفاس من الولد الثاني فبيّن رحمه الله أن العبرة بأول الولدين لا بآخرهما، وهكذا الحكم عنده فيما لو كانت الولادة لتوائم أكثر، فالعبرة بالولد الأوّل لأنه حَمْل واحدٌ آخذ حكم البطن الواحد لا فرق بين أن تضع ولداً، أو أولاداً فكلّه بطنٌ واحد كما لو ولدت واحداً.
وآخِر دَعْوانا أنِ الحمد لله رب العَاَلميْنَ وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فصول الكتاب · 11 فصل · 445 صفحة
جارٍ التحميل