باب الإستنجاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد المختار الشنقيطي
- الكتاب
- شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع (كتاب الطهارة)
- المؤلف
- محمد بن محمد المختار الشنقيطي
- الناشر
- الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء - الإدارة العامة لمراجعة المطبوعات الدينية، الرياض - المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقوله رحمه الله: [مِنْ كُلِّ خَارج] فيه عموم لأن " كل " من ألفاظ العموم فيشمل كل خارج؛ سواء كان من القبل، أو من الدبر، وسواء كان من المائعات كالبول، والمذي، والودي، والدم، أو كان من الجامدات كالغائط، فإذا خرج الخارج أوجب الإستنجاء، أو الإستجمار.
قوله رحمه الله: [إِلا الرِّيحَ] إستثناء من العام المتقدم، ومعناه: فلا يجب الإستنجاء منها، وهذا بإجماع أهل العلم رحمهم الله، وحُكي خلاف شاذٌ أنه يستنجي منها.
ومن أهل العلم رحمهم الله من نبّه على مسألة مهمة، وهي خروج الريح برذاذ الغائط كما يقع ذلك في أحوال خاصة كما في حال الإسهال الشديد، ويشترط للزومه وجود دلالة على رذاذ الغائط، وإلا لزم البقاء على الأصل.
وعلى هذا القول فإن الإستنجاء لم يكن للريح وإنما هو من أجل خروج شيء من الغائط معه كما لا يخفى.
قوله رحمه الله: [ولا يَصِحُّ قَبْلَه وضوء، ولا تَيَمّمٌ] مراده رحمه الله أنه يشترط لصحة الوضوء إذا خرج الخارج الموجب للإستنجاء أن يستنجي قبل وضوئه، فلو أنه توضأ بعد خروج الخارج، ثم إستنجى دون أن يلمس مثل: أن يصب الماء على الفرج، ويُمْسِكَه بحائلٍ، ونحوه مما لا يحصل معه نقض، أو يتوضأ، ثم يدخل البركة ليحصل غسل الفرج، ونحو ذلك، فإنه لا يصح وضوؤه بل عليه أن يعيده بعد استنجائه.
وهذا هو أحد قولي العلماء رحمهم الله في المسألة، والثاني: أنه يصح الوضوء قبل الإستنجاء، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عمر رضي
الله عنه لما سأله: أينام أحدنا، وهو جنب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: [تَوضّأ، واغسلْ ذكرك، ثم نَمْ] قالوا: فجعل له الوضوء قبل الإستنجاء، فدل على جواز الأمرين، وما ذكره المصنف رحمه الله يترجح بما يلي:
أولاً: أنه الأصل الذي دلّ عليه دليل الكتاب في آية الوضوء من سورة المائدة، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ووجه الدلالة:
أن الله تعالى أمر بالوضوء عند إرادة القيام إلى الصلاة، وهذا يدل على أنه لا يُفصَل بينهما بفاصل الإستنجاء، وأنه هو الأصل.
الوجه الثاني: في قوله سبحانه: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فجعل الطهارة بالأصل، والبدل بعد المجيء من الغائط، وهو كناية عن حصول طهارة الخبث.
ثانياً: أن المحفوظ من هدي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وسنته أنه كان يستنجي، ثم يتوضّأ،
وما حفظ عنه في حديث صحيح أنه قدم الوضوء على الإستنجاء.
ثالثاً: أن الدليل الذي إستدلوا به مجاب عنه: بأن الواو لمطلق الجمع فقوله: [تَوضّأ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ] الاستدلال به على الوجه الذي ذكروه مبني على أن الواو تفيد العطف مع الترتيب، وهو مذهب ضعيف.
والصحيح عند طائفة من أئمة اللغة أن الواو تفيد مطلق الجمع بغَضِّ النظر عن كون هذا قبل هذا كأن تقول جاء محمدٌ، وعمرُ فهو لا يستلزم أن يكون محمد جاء قبل عمر؛ بل المراد حصول المجيء منهما، فقول النبي صلى الله
عليه وسلم: [توضأ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ] مراده حصول الأمرين، لا أن يوقع الوضوء قبل غسله لذكره، وقد تفيد الواو الترتيب إن دلّ الدليل على إرادته، وقصده كما في آية الوضوء؛ حيث ذكر فيها سبحانه الممسوح بين مغسولين؛ فدلّ على الترتيب، وأنه مقصود بين أعضاء الوضوء، وبناءً على ذلك يترجح القول بوجوب تقديم الإستنجاء على الوضوء، وأنه لا يصح الوضوء قبله.