لا، فهذا النفاق الذي يستحق صاحبه القتل هو النفاق الاعتقادي، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر على خالد هذا، ولا قال له: لا تقل له: منافق، لكنه نحاه عن القتل، وأقره على فهمه، وهو يستحق القتل، وسأدلل على هذا بأنه جاء في حديث آخر الإشارة إلى أنه يستحق القتل، لكن عدم قتله كان لأمر آخر وعلة أخرى وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، ثم إن آخر الرواية تدل على أنه منافق يستحق القتل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج من ضئضئ هذا الرجل أناس يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، ثم قال: (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد وإرم).
فهذه دلالة على كفره بهذا وخروجه من هذه الملة، فسب الرسول صلى الله عليه وسلم كفر، وليس فيه عذر بالجهل، وليس فيه إقامة حجة، ولا إزالة شبهة؛ لأنه معلوم ضرورة.
وقد وقع اتفاق أهل العلم أن حد هذا الكافر المرتد القتل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه)، واختلف العلماء هل يستتاب أو لا يستتاب؟ والصحيح الراجح أنه يستتاب حتى لا يقتل ردة، والدليل فعل عمر، وإذا كانت الاستتابة يعامل بها الكافر، فمن باب أولى الرجل الذي كان مسلماً فكفر ويرجى له أن يرجع إلى الإسلام سريعاً، فالشريعة تفتح أبوابها على مصراعيها للكافر ليدخل في الإسلام، فالمسلم من باب أولى عليه أن يرد إلى الإسلام فيستتاب فإن كان الحد حقاً لله كاستهزاء بالله أو سب له جل وعلا، فإنه يستتاب ولا يقتل، بل يسقط عنه حكم القتل.
أما في حق النبي صلى الله عليه وسلم في عصرنا فلا يسقط عنه حد القتل على الراجح من أقوال أهل العلم، نعم يستتاب ليقتل حداً لا ردة، يعني: فلا يعاقب يوم القيامة على سبه للرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما تاب وقتل حداً، فإذا سب الله إذا تاب لا يقتل، وإذا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتاب فلا بد أن يقتل، والفارق بينهما أن الله جل وعلا بين لنا أن رحمته سبقت غضبه، وأن الله جل وعلا في حقه يسامح ويغفر.
والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك كان في حياته كما عمل مع عبد الله بن أبي السرح لما سب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يكتب للنبي الوحي، ففر إلى مكة وقال: كنت أكتب الوحي للرسول، فيقول لي: اكتب كذا فأكتب غيره، يريد أن يشكك في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد، ولما ذهب إلى عثمان، وجاء به عثمان إلى الرسول، ومد يده ثلاث مرات ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يغض الطرف عنه، ويريد أحداً يقوم يقتله، وفي الثالثة بايعه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: (أما قام أحدكم عندما رآني لا أريد أن أبايعه يقتله، فقالوا: كيف نعرف يا رسول الله؟ لو أشرت إلينا بعينك)، ولكن أدبه النبوي جعله يقول: (ما كان للنبي أن يكون له خائنة الأعين).
يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم له أن يسقط هذا الحد، وكما أسقط في هذه الحالة، ولم يرد قتل هذا الخارجي الذي قال: هذه قسمة لا يراد بها وجه الله جل وعلا، وذلك لمصلحة أعظم.
وأيضاً أسقط القتل عن ابن أبي السرح؛ لأنه حق النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا تنازل عنه فله ذلك، لكن أين النبي صلى الله عليه وسلم في عصرنا ليتنازل عن حقه؟ فنقول: الأصل في زماننا إقامة الحد عليه وهو القتل، إلا أن يتنازل الرسول، وهذا ليس موجوداً في عصورنا هذه، فلا بد أن يقام عليه الحد، حيث لا ناقل لنا عن الأصل، فيستتاب فإن تاب ورجع فإنه يقتل حداً لا ردة، بل يقتل على الإسلام، وإن لم يتب يقتل ردة، ولا يكون مسلماً.