شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصيامباب ما يفسد الصوم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مسألة: ومن أكل أو شرب أو استعط أو وصل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى أو كرر النظر حتى أنزل أو حجم أو احتجم عامداً ذاكراً لصومه؛ فسد, وإن فعله ناسياً أو مكرهاً؛ لم يفسد.

في هذا الكلام فصول: أحدها: أن الصوم يفسد بالجماع كما تقدم.
ويفسد بالأكل والشرب؛ فإن حقيقة الصوم هو الإِمساك عن الأكل

الجزء: 1 - الصفحة: 383

والشرب والجماع توابع لذلك.
وهذا من العلم العام المستفيض الذي توارثته الأمة خلفاً عن سلف.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ.
. .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
. .﴾ الآية [البقرة: 187]. فأذن في الرفث والأكل والشرب إلى تبين الفجر, وأمر بإتمام الصيام عن هذه الأشياء إلى الليل.
362 - وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له؛ إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به, يدع طعامه وشهوته من أجلي».
363 - وقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
متفق عليه.
وسواء في ذلك جميع المأكولات والمشروبات من الأغذية والأدوية وغيرها؛ مثل الثلج والبرد.
وسواء في ذلك الطعام والشراب المعتادان, اللذان يحصل بهما الاقتيات وغيرهما.
ولو استفَّ تراباً أو ابتلع حصاة؛ أفطر.

الحديث: 362 - الجزء: 1 - الصفحة: 384

قال أحمد في رواية أبي الصقر: إذا بلع الصائم خاتماً أو ذهباً أو فضة أو جوزة بقشرها أو خرزة أو حبة لؤلؤ أو طيناً متعمداً؛ فعليه القضاء ولا كفارة, ولا قضاء عليه ما لم يتعمد.
364 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باتِّقاء الكحل الذي يدخل من العين إلى الحلق, وليس في الكحل تغذية, فعلم أنه لا يشترط في الداخل أن يكون مما يغذي في العادة.
الفصل الثاني: أن الواصل إلى الجوف يفطر من أي موضع دخل, لا يختص ذلك بمدخل دون مدخل, كما لم يختص بداخل دون داخل في ذلك.
ولا بُد عند أصحابنا: أن يصل إلى البطن أو ما بينه وبين البطن مجرى نافذ.
هذا كلام أحمد وعامة أصحابه, وهو الذي حرره القاضي في كتبه المعتمدة: أن المفطر وصول الواصل إلى الجوف من أي وضع كان.
فإذا استعط بدهن أو ماء أو غيرها, بأن أدخله في أنفه, فوصل إلى دماغه؛ أفطر, سواء تيقن وصوله إلى حلقه وجوفه أو لم يتحققه؛ بناءً على أن بين الدماغ والجوف مجرى؛ فما يصل إلى الدماغ لا بد أن يصل إلى الحلق ويصل إلى الجوف, والحكمة إذا خفيت؛ أقيمت المظنة مقامها؛ كالنوم مع الحدث.
وذكر القاضي في بعض المواضع وغيره: أن نفس الوصول إلى الدماغ مفطر؛ لأنه جوف يقع الاغتذاء بالواصل إليه, فأشبه الجوف.

الحديث: 364 - الجزء: 1 - الصفحة: 385

والصواب الأول, لو لم يكن بين الدماغ والجوف منفذ؛ لم يفطر بالواصل إليه, وإن أنبت اللحم وغذّى؛ كما يقطر في الإِحليل, وكالكحل الذي تتغذَّى بع العين, وليس له نفوذ إلى الحلق؛ كالمراهم التي توضع في أعماق الجراح ونحوها؛ [فإن أنبت اللحم بها؛ فلا تفطر] , ولأن الغذاء الذي به البنية لا بد أن يحصل في المعدة.
قال: في رواية أبي الصقر: إذا استعط, أو وضع على أسنانه دواء, فدخل حلقه؛ فعليه القضاء.
وكذلك أطلق كثير من أصحابنا الاستعاط, وقال: إذا استعط بدهن أو غيره, ووصل إلى دماغه؛ أفطر [وعليه القضاء].
365 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً».
فلو لم يكن ما يدخل في الأنف مفطراً [كما يفطر ما يدخل في الفم]؛ لم ينهه عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائماً.
ولأن العين تفطر بالداخل منها؛ فلأن يفطر بالداخل من الأنف أولى.

الحديث: 365 - الجزء: 1 - الصفحة: 386

لأن ما يدخل من الأنف يحصل به للبدن اغتذاء ونمو, وإن قلَّ؛ كما يحصل بالقليل من الطعام والشراب.
فأما شم الأرواح الطيبة من البخور وغيره؛ فلا بأس به للصائم.
قال أبو علي ابن البناء: ويكره أن يشم ما لا يأمن أن يجتذبه نفسه؛ كالمسك والكافور السحيق ونحوه.
ومن ذلك الأذن: فإذا قطر في أذنه دهناً أو غيره, فوصل دماغه؛ أفطر.
قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يخف أن يدخل مسامعه وحلقه الماء؛ فلا بأس أن ينغمس فيه.
ذكره أصحابنا, وهو قياس قول أحمد: فإنه يفطر بما يدخل من العين؛ فمن الأذن أولى.
366 - وعن سعيد بن المسيب, عن علي بن أبي طالب؛ قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم, ولكن لا يستعط, ولا يُصَيِّرْ شيئاً».
رواه حرب.
لأنه واصل إلى الدماغ فيفطر؛ كما لو وصل من الأنف والعين أولى.
فعلى هذا: لا يكره أن يغتسل ويغوص [في] الماء ويغيب فيه.
قاله القاضي وغيره.
وكلام أحمد مقيد بما إذا لم يخف أن يدخل الماء مسامعه, وهو الصواب.
ومن ذلك العين: فإذا اكتحل بما يصل إلى حلقه: إما لرطوبته

الحديث: 366 - الجزء: 1 - الصفحة: 387

كالأشياف, أو لحدَّته؛ كالذرور والطيب؛ أفطر.
وإن شك في وصوله؛ فالأصل صحة الصوم, لكن لا يكتحل بما يخشى دخوله وقال القاضي وابن عقيل: يكره الكحل مطلقاً.
قال في رواية حنبل في الكحل للصائم: إن كان فيه طيب يدخل حلقه؛ فلا.
ولا يكتحل نهاراً؛ لأنه ربما وصل إلى حلقه, والطيب كذلك.
والذرور يدخل إلى حلقه, فإن خشي على عينه؛ تعالَجَ ويقضي إذا لم يجد بُدّاً.
وهذا عندنا على الجهد, ولا يعين على نفسه.
وقال في رواية الأثرم: الصائم لا يكتحل بالصبر وما أشبهه, هذا يوجد طعمه, فأما الإِثمد؛ فما خفّ منه وجعله عند الإِفطار؛ فهو أسهل.
وقال في رواية أبي الصقر: إذا علم أنه قد دخل؛ فعليه القضاء, وإلا؛ فلا شيء عليه.
فقد بيَّن أن القضاء لا يجب إلا مع تيقن الدخول, وأمر باجتناب ما يخشى دخوله.
367 - وذلك لما روى عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة, عن أبيه, عن جده, عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بالإِثمد المروَّح عند النوم, وقال: «ليتقه الصائم».

الحديث: 367 - الجزء: 1 - الصفحة: 388

رواه أبو داوود, وقال: قال لي يحيى بن معين: وهو حديث منكر, وعبد الرحمن: قيل: هو ضعيف, [وقال الرازي:] هو صدوق.
وقد روي ما يصحح هذا الحديث: 368 - فروى إسحاق بن راهوية, عن أبي نعيم, عن عبد الرحمن بن النعمان, عن أبي النعمان الأنصاري, عن أبيه, عن جده؛ قال: وكان جدي قد أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمسح رأسه, وقال: «لا تكتحل نهاراً وأنت صائم واكتحل ليلاً».
قال أبو النعمان: جدي يقول: لا تكتحل نهاراً.
قال إسحاق: الأمر فيه على ما قال جد أبي النعمان – وكانت له صحبة -: «لا تكتحل نهاراً وأنت صائم» , وهذا أصح شيء في هذا الباب, وذلك أن معناه حسن.

الحديث: 368 - الجزء: 1 - الصفحة: 389

ورواه [البخاري] , عن عبد الرحمن بن نعمان الأنصاري, عن أبيه, عن جده؛ قال: وكان جدي قد أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمسح رأسه, وقال: «لا تكتحل بالنهار وأنت صائم, واكتحل ليلاً بالإِثمد؛ فإنه يجلو البصر وينبت الشعر».
فروايته عنه موقوفاً ومرفوعاً يدل على أن له أصلاً.
وأيضاً؛ فإن الكحل الحاد يصل إلى الجوف, ويظهر الكحل بعينه إذا تنخعه الإِنسان على اللسان, فعلم أن في العين منفذاً يصل منه, وإذا كان فيها منفذاً وصل بالداخل منه كسائر المنافذ.
وأيضاً؛ فإن الدمع يخرج من العين, والدمع محله الدماغ, فعلم أن في العين منافذ ينزل منها الدمع.
فإن قيل: دخول الكحل وخروج الدمع من المسام التي في العين, والمسام ليست كالمنافذ التي يحصل الفطر بالداخل منها, بدليل أنه لو اغتسل بالماء أو دهن رأسه أو طيب بدنه؛ فإنه يجد في حلقه برودة الماء وطعم الدهن ولا يفطر, والعرق يخرج من هذه المسام كما يخرج الدمع من العين.
قيل: الداخل من العين جسم الكحل, وهو الذي يوجد عند التَّنخع, فأما الذي يجده من الدهن والماء؛ فإنما هو برده وطعمه, وذلك العرض الذي فيه لا جسمه, والعرق يخرج من ظاهر الجسد لا من باطنه, فصار كما لو كان بدنه مجروحاً, فداواه بدواءٍ؛ فإن المفطر لا بد أن يدخل إلى داخل البدن, والكحل بهذه المثابة؛ بخلاف الدهن والماء ونحوهما.
369 - فإن قيل: فقد روى أبو عاتكة, عن أنس بن مالك؛ قال: جاء

الحديث: 369 - الجزء: 1 - الصفحة: 390

رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: اشتكت عيني, أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم».
رواه الترمذي, وقال: إسناده ليس بالقوي, ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء, وأبو عاتكة ضعيف.
370 - وعن بقية بن الوليد؛ قال: ثنا الزبيدي, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة؛ قالت: «اكتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم».
رواه ابن ماجه.

الحديث: 370 - الجزء: 1 - الصفحة: 391

371 - وقد تقدم عن علي: أنه قال: «لا بأس أن يكتحل الصائم».
372 - وعن عبد الله بن أبي بكر؛ قال: «كان أنس بن مالك يكتحل وهو صائم».
رواه أبو داود وغيره.
قيل: أما المرفوع؛ فضعيف, وحديث أنس وعائشة قضية في عين.
والظاهر أن الكحل كان مما لا يدخل إلى الحلق؛ لأنه فسر في الحديث الذي تقدم أنه أمر بالإِثمد المروح؛ الذي فيه طيب تبدو رائحته, ففرق بين المروح وغيره.
قال ابن أبي موسى: وإن اكتحل باليسير من الإِثمد غير المطيب بالمسك ونحوه؛ لم يفطر.
373 - وقد روي عن ابن رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ونزلت معه, فدعا بكحل إثمد غير ممسك, واكتحلت معه في رمضان».

الحديث: 371 - الجزء: 1 - الصفحة: 392

ومن ذلك: الدبر؛ فلو احتقن أو أدخل دهناَ أو غيره إلى مقعدته؛ أفطر.
فأما إن قطر في إحليله؛ فقال أصحابنا: لا يفطر.
قال أحمد في رواية أحمد بن الحسين في الرجل يصيب في إحليله الدهن بالدواء: أرجو أن لا يكون عليه شيء ما لم يصل إلى البطن.
والأشياف في المقعدة يصل إلى البطن, وهذا خلاف ذاك.
فعلى هذا يكره أن يكتحل.
قاله القاضي؛ لأنه يخاف من الفطر.
والصحيح: أنه إذا غلب ظنه أنه لا يصل إلى حلقه؛ لم يكره؛ فقد فرق بين القُبُل والدبر بأن ما يدخل الدبر يصل إلى البطن؛ بخلاف ما يدخل [من] الإِحليل.
قال: أصحابنا الفطر إنما هو بما يصل إلى البطن أو إلى ما بينه وبين الطريق طريق؛ لأن الصوم هو الإِمساك عن الأكل والشرب ونحوهما مما يصل إلى المعدة, والواصل من العين والأذن يصل إلى الدماغ, وبين الدماغ والبطن مجرى يصل منه إلى البطن, وليس بين المثانة مجرى إلى الجوف, وما يحصل منها من البول؛ فإنما يحصل بالرشح كالعرق يخرج من البدن, فإذا لم يصل منها إلى الجوف؛ لم يفطر؛ كمن أخذ في فمه ماءً لم يفطره؛ فإن علم أنه رشح منه

الجزء: 1 - الصفحة: 393

شيء إلى البطن؛ فهل يكون كالعين؟.
. . . فإن أدخل في دبره عوداً أو بقي طرفه خارجاً, أو ابتلع خيطاً طرفه بيده, ثم أخرجه, فقال أصحابنا: يفطر.
وظاهر كلامه في العود يدخل البطن.
. . . قال ابن أبي موسى: ومن داوى جرحه بيابس أو رطب, فوصل إلى جوفه؛ أفطر.
ومن ذلك أن يداوي المأمومة أو الجائفة بدواء يصل إلى الجوف لرطوبته, فأما [الدواء اليابس]؛ فهو لا يصل إلى الجوف في العادة, فإن وصل إليه؛ فهو والرطب سواء؛ لأنه لا فرق بين الواصل من المخارق المعتادة وغير المعتادة.
. . . فإن جرح نفسه أو جرحه غيره باختياره فوصل إلى جوفه؛ أفطر, سواء استقر النصل في جوفه أو لم يستقر؛ لأنه ذاكر لصومه وصل إلى جوفه باختياره ما أمكنه الاحتراز منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 394

وإن جرح بغير اختياره, فوصل إلى جوفه؛ لم يفطر.
هذا قول [أصحابنا] القاضي وغيره.

* فصل:

فإن تجوَّف جوف في فخذه أو يده أو ظهره أو غير ذلك, وليس بينه وبين البطن منفذ, فوضع فيه شيء؛

لم يفطره؛ كما لو وضعه في فمه وأنفه.
الفصل الثالث: إذا استقاء, وهو أن يستدعي القيء؛ فإنه يفطر.
فأما إن ذرعة القيء؛ فلا قضاء عليه.
374 - والأصل فيه ما روى عيسى بن يونس, عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ذرعه القيء وهو صائم؛ فليس عليه قضاء, ومن استقاء عمداً؛ فليقض».
رواه الخمسة.
لكن لم يذكر أبو داوود وابن ماجه: «عمداً».

الحديث: 374 - الجزء: 1 - الصفحة: 395

قال الدارقطني: رواته كلهم ثقات.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب, لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من حديث عيسى بن يونس, وقال محمد: لا أراه محفوظاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 396

375 - قلت: وقد رواه ابن ماجه, عن أبي زرعة, عن علي بن الحسن بن سليمان أبي الشعثاء, عن حفص بن غياث, عن هشام: مثل رواية عيسى بن يونس.

الحديث: 375 - الجزء: 1 - الصفحة: 397

376 - ورواه النسائي موقوفاً على أبي هريرة من حديث الأوزاعي عن عطاء عنه.
377 - وعن أبي الدرداء حدثه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر».
فلقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد دمشق, فقلت: إنّ أبا الدرداء حدثْني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر.
قال: صدق, وأنا صببت له وضوءه.
رواه الخمسة إلا ابن ماجه.

الحديث: 376 - الجزء: 1 - الصفحة: 398

378 - وفي رواية: «استقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأفطر, فأتى بماء, فتوضأ».

الحديث: 378 - الجزء: 1 - الصفحة: 399

379 - وعن ابن عمر؛ قال: «إذا استقاء الصائم؛ فعليه القضاء, وإذا ذرعه القيء؛ فلا قضاء عليه».
380 - وعن زيد بن أرقم؛ قال: «ليس بفطر من ذرعه القيء وهو صائم».
رواه سعيد.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عمداً.
381 - فإن قيل: فقد روى البخاري عن أبي هريرة؛ قال: «إذا قاء؛ فلا يفطر, إنما يخرج ولا يولج».
قال: ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر, والأول أصح.

الحديث: 379 - الجزء: 1 - الصفحة: 400

382 - 383 - قال: وقال ابن عباس وعكرمة: «الفطر مما دخل وليس مما خرج».
384 - وعن إبراهيم؛ قال: قال: «إنما الصيام مما دخل وليس مما خرج, وإنما الوضوء مما خرج [وليس مما دخل]».
رواه سعيد.
385 - وقد روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه عن عطاء ابن يسار, عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة, والقيء, والاحتلام».
رواه الترمذي وقال: هو غير محفوظ, وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير

الحديث: 382 - الجزء: 1 - الصفحة: 401

واحد هذا الحديث عن زيد بن اسلم مرسلاً, ولم يذكر فيه: عن أبي سعيد.
386 - وقد رواه الدارقطني من حديث هشام بن سعد عن زيد متصلاً.
. . . ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ويقول: روى هذا الحديث عن أبيه عن عطاء بن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يفطرون الصائم: القيء, والحجامة, والاحتلام».
387 - وقال العمري: عن نافع, عن ابن عمر: «إذا ذرعه القيء؛ فلا قضاء عليه, وإن استقاء؛ فعليه القضاء».
388 - ورواه أبو داوود من حديث سفيان, عن زيد بن أسلم, عن

الحديث: 386 - الجزء: 1 - الصفحة: 402

بعض أصحابه, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفطر من قاء ولا من احتجم ولا من احتلم».
قيل: أما الحديث المرفوع؛ فضعيف, ثم قِرانه بالاحتلام قد يحتمل أنه أراد من ذرعه القيء؛ فإنه لو استمنى أفطر, فيحمل هذا على من ذرعه القيء.
ثم لو لم يكن في الباب حديث مرفوع, وتعارضت أقوال الصحابة؛ لكان قول من فطَّره أولى بالاتباع؛ لأن التفطير بالاستقاء لا يدرك بالقياس على الأكل والشرب.
فمن نفى الفطر به؛ بناه على ما ظهر من أن الفطر إنما هو مما دخل, ومن أوجب الفطر به؛ فقد اطلع مزيد علم وسنة خفيت على غيره.
والاستقاء: أن يستدعي القيء بيده أو بجذب نفسه.
فأما إن نظر إلى شيء بغتة أو تفكر في شيء بغتة حتى قاء: فقال ابن عقيل: يفطر إذا قصد ذلك.
كما اختار أنه يفسد صومه إذا نظر

الجزء: 1 - الصفحة: 403

أو تفكر فأنزل.
وذكر عمن خالفه من أصحابنا: أنه إذا نظر فقاء أو تذكر فقاء؛ لم يفطر.
والقيء المفطر: هو الطعام ونحوه الذي يخرج من الجوف, فأما ما ينزل من الرأس؛ فلا بأس به.
فأما النخامة: التي تخرج من الجوف: فقال في رواية المروذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخاعة وأنت صائم؛ إلا أنه لا يعجبني أن يفعل.
والنخاعة إذا كانت من الصدر, ليس فيها طعام؛ فلا بأس.
وإن استقاء حتى يخرج الطعام؛ فعليه القضاء.
وقال في رواية حنبل: إذا تنخم الصائم, ثم ازدرده؛ فقد أفطر.
فإن بلع ريقه؛ لم يفطر.
لأن النخامة تنزل من الرأس, والريق من الفم؛ فبينهما فرق.
ولو أن رجلاً تنخع من جوفه, ثم ازدرده؛ فقد أفطر.
لأنه شيء قد بان منه, وكان بمنزلة من أكل شيئاً.
ولا ينبغي أن يتنخم ويقلع من جوفه بلغماً أو غيره؛ إلا أن يغلبه أمر, فيقذفه ولا يزدرده؛ فقد نص في استخراج النخامة من الصدر عمداً على روايتين: قال القاضي: وتحقيق المذهب في قدر القيء الذي يحصل به الفطر مبني على قدر ما يحصل به نقض الطهر, وفيه ثلاث روايات: إحداها: ما كان ملء الفم.

الجزء: 1 - الصفحة: 404

والثانية: ما كان نصفه.
والثالثة: قليلة وكثيرة سواء في الفساد.
والرواية الأولى؛ قال [في رواية] حنبل: إذا استقاء عمداً أفطر.
قيل له: ما القلس؟ قال: إذا كان فاحشاً.
قيل له: ما الفاحش؟ قال: ما كان كثيراً في الفم.
ونصر القاضي إذا كان فاحشاً على ظاهر رواية حنبل, وتعليله يقتضي أن يخرج إلى فمه مقدار لا يمكنه أن يمسكه حتى يمجه؛ بخلاف ما دونه.
والإِفطار بملء الفم اختيار الشريف.
. . . . الفصل الرابع: إذا استمنى أو فعل فعلاً فأنزل به مثل أن يباشر بقبلةٍ أو لمسٍ أو نظر, فيمني أم يمذي.
وقد تقدم ذلك بحديث عمر لما قبَّل وهو صائم.

* فصل:

ويكره للصائم أن يباشر أو يقبل أو ينظر لشهوة

في إحدى الروايتين.
قال في رواية حنبل وقد سئل عن القبلة للصائم؟ فقال: لا يُقبِّل.
وينبغي له أن يحفظ صومه, والشاب ينبغي له أن يجتنب ذلك؛ لما يخاف من نقض صومه.
وفي الأخرى: لا يكره.
لمن لا تحرك القبلة شهوته.

الجزء: 1 - الصفحة: 405

وأما المباشرة باليد: فقال في رواية ابن منصور وقد سُئل عن الصائم يقبل أو يباشر؟ قال: المباشرة شديدة, والقبلة أهون.
الفصل الخامس: إذا احتجم؛ فإنه يفطر.
نص عليه في رواية الجماعة, وهو قول أصحابه.
قال في رواية ابن إبراهيم في الرجل يحتجم على ساقه أو على يده أو على شيء منه: فقد أفطر.
وقال في رواية المروذي فيمن نظر صيام عشرة أيام فاحتجم فيها: عليه القضاء والكفارة, وان احتجم في رمضان؛ فعليه القضاء.
وقال في رواية ابن عبدك فيمن احتجم في شهر رمضان: فإن كان قد بلغه الخبر؛ فعليه القضاء والكفارة, وإن لم يبلغه الخبر؛ فعليه القضاء.
فقد نص في رواية المروذي: أنه لا كفارة فيها, وإنما عليه كفارة ترك النذر, وهذا هو المذهب.
وقال في الرواية الأخرى: عليه الكفارة مع العلم.
قال ابن عقيل: لم يقدرها, والأشبه أنها كفارة الوطء.
قال: ويحتمل أن يجب فدية المرضع والحامل.
وأما الذي يحجم غيره: فقال أكثر أصحابنا: يفطر أيضاً.
قال أحمد في رواية حنبل: «الحجامة تفطر».
وقال في رواية ابن إبراهيم: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم

الجزء: 1 - الصفحة: 406

والمحجوم» , يقولون: إنهما كانا يغتابان؛ فالغيبة أشد للصائم بفطره أجدر أن يفطره الغيبة, ومن يَسْلَم من الغيبة؟ وقال أيضاً في رواية عبد الله من أصح حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم»: حديث شداد بن أوس وثوبان؛ لأن شيبان جمع الحديثين جميعاً.
فظاهر هذا أنه أخذ به, ولم يذكر الخرقي الحجم في المفطرات.
. . . 389 - والأصل في ذلك ما روى ابن قلابة, عن أبي الأشعث, عن شداد بن أوس: أنه مرَّ زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع لثمان عشرة خلت من رمضان, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».

الحديث: 389 - الجزء: 1 - الصفحة: 407

390 - وعن أبي قلابة ومكحول, عن أبي أسماء, عن ثوبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل يحتجم في رمضان, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
رواهما الخمسة إلا الترمذي.

الحديث: 390 - الجزء: 1 - الصفحة: 408

391 - وعن رافع بن خديج؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم».
رواه أحمد والترمذي, وقال: حديث حسن.

الحديث: 391 - الجزء: 1 - الصفحة: 409

قال الترمذي: ذكر عن أحمد بن حنبل: أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج.
وذكر عن علي بن عبد الله: أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس.
[قال الترمذي: وسألت محمد بن إسماعيل؟ فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس] وثوبان.
فقلت له: وكيف ما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن شداد بن أوس الحديثين جميعاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 410

وذكر عباس بن عبد العظيم؛ قال: سمعت علي بن عبد الله, وسئل عن أصح حديث في الحجامة للصائم؟ فقال: أصحهما حديث رافع بن خديج.
وقال أحمد في رواية عبد الله: من أصح حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ حديث شداد بن أوس وثوبان؛ لأن شيبان جمع الحديثين جميعاً.
اهـ. وقال الأثرم: ذكرت لأبي عبد الله حديث ثوبان وشداد بن أوس: صحيحان هما عندك؟ قال: نعم.
وقال ابن إبراهيم: قيل لأبي عبد الله: أي حديث أقوى عندك في الحجامة؟ قال: حديث ثوبان.
وقال في رواية الميموني: حديث رافع بن خديج إسناده جيد؛ [إلا أنه لا أحد رواه غير عبد الرزاق].
392 - وعن الحسن, عن معقل بن سنان الأشجعي: أنه قال: مرَّ عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من رمضان, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
رواه أحمد.

الحديث: 392 - الجزء: 1 - الصفحة: 411

393 - 394 - وعن عائشة وبلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
رواهما أحمد والنسائي.

الحديث: 393 - الجزء: 1 - الصفحة: 412

وعن أبي هريرة مثله.
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.

الجزء: 1 - الصفحة: 413

......................................

الجزء: 1 - الصفحة: 414

396 - وعن أسامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمستحجم».
رواه أحمد والنسائي.
وقد روى أحمد في «مسائل عبد الله» هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية بضعة عشر من الصحابة رضي الله عنهم, ومنهم:

الحديث: 396 - الجزء: 1 - الصفحة: 415

397 - علي بن أبي طالب.
398 - وسعد بن أبي وقاص.

الحديث: 397 - الجزء: 1 - الصفحة: 416

399 - وأبو زيد الأنصاري.
400 - وأبو موسى.

الحديث: 399 - الجزء: 1 - الصفحة: 417

401 - وعبد الله بن عمر.
402 - وابن عباس.
403 - وصفية.

الحديث: 401 - الجزء: 1 - الصفحة: 418

قال حرب: سمعت إسحاق يقول: «مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم من احتجم في شهر رمضان؛ فقد أفطر الحاجم والمحجوم» , وصح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار متصلة.
. . . فإن قيل: يجوز أن يكون قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» ذكره على وجه التعريف لهما بذلك, ويكونان قد أفطرا بسبب غير الحجامة.
404 - فقد قيل: إنهما كانا يغتابان, فقال: أفطرا لذلك السبب, لا لأن الحجامة تفطر.

الحديث: 404 - الجزء: 1 - الصفحة: 419

405 - يدل عليه ما رواه محمد بن حمدون بن خالد, عن الحسن بن الفضل البصري, ثنا غياث بن كلوب, ثنا مطرف بن سمرة, عن أبيه؛ قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل بين يدي حجام – وذاك في رمضان وهما يغتابان رجلاً – فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
رواه القشيري عن عبدوس عنه, وقال: هو صريح في أن الحجامة لا تفطر, والغيبة أيضاً.
والخبر محمول على الاستحباب أو هو منسوخ.
ويجوز أن يكون قوله: «أفطرا»؛ أي: قاربا الفطر؛ فإنه يخشى على المحتجم أن يضعف فيفطر كما يفطر المريض, وعلى الحاجم أن يمتص من الدم شيئاً فيفطر به فتكون الحجامة مكروهة لا مفطرة.
وقد روي عن السلف ما يدل على ذلك: 406 - فروى عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة للصائم والمواصلة, ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه, فقيل له: يا رسول الله! إنك تواصل إلى السحر.
فقال: «إني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني».
رواه أحمد وأبو داوود.

الحديث: 405 - الجزء: 1 - الصفحة: 420

407 - وعن ثابت البناني: «أنه قال لأنس بن مالك: ألستم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا؛ إلا من أجل الضعف».
رواه البخاري وأبو داود, ولفظه: «ما ندع الحجامة للصائم إلا كراهة الجهد».
408 - وعن حميد؛ قال: «سئل [أنس] عن الحجامة للصائم؟ قال: ما كنت [أرى] أنه يكره إلا أن يجهده».
رواه أحمد في «مسائل عبد الله».
ورواه سعيد ولفظه: «ما كنا نكره منه إلا جهده».
409 - وقال إبراهيم: «كانوا يكرهون الحجامة للصائم مخافة الضعف».
رواه سعيد.
410 - ثم هذا الحديث منسوخ بما روى عكرمة, عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «احتجم وهو محرم, واحتجم وهو صائم».
رواه أحمد والبخاري.

الحديث: 407 - الجزء: 1 - الصفحة: 421

............................

الجزء: 1 - الصفحة: 422

.............................

الجزء: 1 - الصفحة: 423

411 - ورواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه, ولفظهم: «احتجم وهو محرم صائم».
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهذا الحديث قد رواه جماعة كثيرة عن أيوب عن عكرمة مرسلاً.
412 - ورواه النسائي أيضاً, عن عطاء, عن ابن عباس: «احتجم بلحي الجمل وهو صائم محرم».
قالوا: وهذا الحديث كان في حجة الوداع, والحديث الأول كان في عام الفتح؛ فاحتجامه بعد النهي.

الحديث: 411 - الجزء: 1 - الصفحة: 424

ويدل على ذلك: 413 - ما روي عن أنس بن مالك؛ قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم, فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «أفطر هذان».
ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الحجامة للصائم.
رواه الدارقطني وقال: كلهم ثقات ولا أعلم له علة.
414 - وعن رجل عن أنس؛ قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان بعدما قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
415 - وقد روي عن ابن مسعود: «أنه لا يرى بأساً بالحجامة للصائم».

الحديث: 413 - الجزء: 1 - الصفحة: 425

416 - وعن أبي سعيد مثله.
417 - وعن الحسين بن علي: «أنه احتجم في رمضان».
418 - وعن أم سلمة: «أنها احتجمت وهي صائمة».
رواهن سعيد.
419 - 420 - قال البخاري: «ويُذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة: احتجموا صياماً».

الحديث: 416 - الجزء: 1 - الصفحة: 426

421 - قال: وقال بكير: [عن أم علقمة]: «كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهانا».
422 - وعن أبي سعيد؛ قال: «رخص النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم والحجامة».
رواه النسائي والدارقطني وقال: كلهم ثقات.

الحديث: 421 - الجزء: 1 - الصفحة: 427

........................

الجزء: 1 - الصفحة: 428

...................

الجزء: 1 - الصفحة: 429

...........................

الجزء: 1 - الصفحة: 430

423 - وعن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يفطرن الصائم: الحجامة, والقيء, والاحتلام».
رواه الترمذي كم حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد, وقال: هو غير محفوظ, وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلاً, ولم يذكروا: عن أبي سعيد.
424 - ورواه الدارقطني من حديث هشام بن سعد عن زيد مثله.
425 - ورواه أبو داوود من حديث سفيان, عن [زيد بن أسلم] , عن بعض أصحابه, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم».

الحديث: 423 - الجزء: 1 - الصفحة: 431

426 - ورواه عبد الرزاق, عن أبي بكر عن عبد الله, عن زيد بن عطاء, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: وذكره معمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
427 - وعن [أيمن] بن نابل: أنه سأل القاسم بن محمد: أيحتجم الصائم؟ قال: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم».
رواه عبد الرزاق.
واحتجاجه به يدل على أنه لم يفطر.
وأيضاً؛ فإن الأصل في الفطر أن يكون مما دخل إلى الجوف دون ما خرج منه, وإنما خرج عن هذا دم الحيض, وهو يخرج بغير اختيار الإِنسان, ولأنه استخراج دم من البدن, فلم يفطر؛ كالفصاد وبط الدماميل والجرح.
قلنا: أما كونهما أفطرا بغير الحجامة؛ فلا يصح لوجوه: أحدها: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» , فعلق الحكم باسم مشتق من معنى, فيجب أن يتعلق بذلك المعنى, ولو علَّقناه بغيره؛ كان خلاف ظاهر اللفظ, وذلك لا يجوز؛ إلا أن يعلم أن هناك سبباً آخر, فلو فتح هذا الباب؛ لم يبق حكم معلق باسم من الأسماء إلا ويجوز أن يدعي مدع أن الحكم له سبب غير معنى الاسم.
الثاني: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»: لفظ عام لم يخصصه بمحجوم بعينه؛ فإنه قد رواه عنه جماعة من أصحابه رواية مطلقة عامة, وبلغوه إلى من بعدهم تبليغ من يعلمهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ولو كان ذلك لسبب يختص

الحديث: 426 - الجزء: 1 - الصفحة: 432

بذلك المحتجم؛ لم يكن في رواية هذا الحديث فائدة أصلاً, لا سيما إذا لم يذكر السبب الذي به أفطر.
الثالث: أنه قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة للصائم.
428 - وروى أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة للصائم وقال لعلي: «لا تحتجم وأنت صائم».
وهذا صريح بالنهي عن نفس الحجامة.
الرابع: أن الصحابة الذين رووا هذا الحديث, والذين لم يرووه, فهموا منه أنه نهى عن الحجامة.
429 - فروى أحمد في «مسائل عبد الله» بإسناده عن علي: أنه قال: «لا تدخل الحمام وأنت صائم, ولا تحتجم وأنت صائم».
430 - وفي لفظ عن علي: «أفطر الحاجم والمحجوم».

الحديث: 428 - الجزء: 1 - الصفحة: 433

431 - وعن عطاء؛ قال: قال أبو هريرة: «أفطر الحاجم والمحجوم».
432 - وفي رواية عن أبي هريرة: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم, ولو احتجمت؛ لم أبال».
433 - وعن عائشة وصفية: أنهما قالتا: «أفطر الحاجم والمحجوم».
434 - وعن أبي العالية؛ قال: دخلت على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة ممسياً, فوجدته يأكل ثمراً وكامخاً, فقال: «احتجمتُ».
فقلت: ألا احتجمتَ نهاراً؟ فقال: «أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم».
435 - وعن ابن عمر: أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».

الحديث: 431 - الجزء: 1 - الصفحة: 434

436 - وعن سالم: «أن ابن عمر كان يحتجم وهو صائم.
قال: فبلغه حديث [أو شيء] , فكان إذا كان صائماً احتجم بالليل».
438 - وروى أحمد, عن الحسن, عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم».

الحديث: 436 - الجزء: 1 - الصفحة: 435

439 - وعن عبد الله بن أيوب المخرمي؛ قال: سمعت روحاً يقول لأبي عبد الله: أدركت الناس بالبصرة منذ خمسين سنة, إذا دخل شهر رمضان؛ أغلق الحجَّامون دكاكينهم».
ذكره عنه المروذي.
قال البخاري: «وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم, ثم تركه, وكان يحتجم بالليل, واحتجم أبو موسى ليلاً».
الخامس: أن السبب الذي زعموا أنهما أفطرا به الغيبة؛ [قال أحمد:] يقولون: إنهما كانا يغتابان, والغيبة أشد للصائم؛ ففطره أجدر أن تفطره الغيبة, ومن يسلم من الغيبة؟ وقال أيضاً: لو كان للغيبة؛ ما كان لنا صوم.
وأما حمله على مقارنة الفطر, وأن ذلك يفيد الكراهة؛ فلا يصح أيضاً؛ لوجوه: أحدها: أن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»: نص في حصول الفطر بهما, ولا يجوز أن يعتقد بقاء صومهما, والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنهما بالفطر, لا سيما

الحديث: 439 - الجزء: 1 - الصفحة: 436

وقد أطلق هذا القول إطلاقاً, من غير أن يقرنه بقرينة تدل على أن ظاهره ليس بمراد؛ فلو جاز أن يراد به مقارنة الفطر دون حقيقته؛ لكان ذلك تلبيساً لا بياناً للحكم.
440 - الثاني: أن ابن بطة روى بإسناده عن عمر بن الخطاب؛ قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان؛ فإذا برجل يحتجم.
قال: فلما رآه رسول الله؛ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
فقلت: يا رسول الله! أفلا آخذ بعنقه حتى أكسره؟ قال: «ذره؛ فما [لزمه من] الكفارة أعظم مما تريد به».
قال: قلت: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «يوماً مثله».
[قلت:] إذاً لا يجده.
قال: «إذاً لا أبالي».
الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في مقدمات الفطر, ولم يجعلها بمنزلته.
441 - ولهذا لما سأله عمر رضي الله عنه القبلة للصائم؟ قال: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس بذلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ففيم».

الحديث: 440 - الجزء: 1 - الصفحة: 437

فإذا كانت القبلة تدعو إلى الإِنزال, والمضمضمة تدعو إلى الابتلاع, ولم يسمِّ النبي صلى الله عليه وسلم فاعلها مفطراً [بذلك]؛ فلأن لا يُسمى المحتجم مفطراً خشية أن يضعف فيحتاج إلى الفطر أولى.
وأما اعتقاد من اعتقد أن كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف؛ فهذا لا يمنع كونها مفطرة.
وأما قول من قال: «ولم يحرمها»؛ فهو قد اعتقد ذلك, وقد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك, والنهي يقتضي التحريم, ولم يعلم الصحابي الذي اعتقد ذلك.
وقد خالفه جمهور الصحابة.
ومن روي عنه من الصحابة الرخصة في ذلك؛ فأكثرهم قد روي عنه بخلافه, وهذا يدل على أنهم لم يكونوا سمعوا النهي في ذلك, ثم سمعوه كما جاء مفسراً في حديث ابن عمر.
ويوضح ذلك أن من قال منهم: لا يفطر؛ فقد بنى قوله على ظاهر القياس.
بخلاف من قال: إنها تفطر؛ فإنه لا يقول ذلك؛ إلا لعلم اطلع عليه وخفي على غيره.
وكل ما اختلف فيه الصحابة مما يشبه هذا؛ مثل: اختلافهم في انتقاض الوضوء بمس الذكر ونحوه؛ فإن المثبت منهم يجب أن يكون معه علم خفي على الناس؛ لأن هذا ابتداء شريعة, لا يجوز أن يثبت بالقياس؛ بخلاف النفي؛ فإنه يكفي فيه البراءة الأصلية.

الجزء: 1 - الصفحة: 438

442 - وأما حديث ابن عباس؛ فقد قال أحمد في رواية مهنا: حديث ابن عباس «أنه احتجم صائماً»: خطأ من قبل قبيصة, رواه عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
443 - 444 - وقال في رواية صالح: عمرو عن طاووس وعطاء عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم».

الحديث: 442 - الجزء: 1 - الصفحة: 439

445 - ومعمر عن [ابن خيثم] عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم».
هؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صياماً.
وقال في رواية حنبل: الذي في [الحديث أن] بلغني عن يحيى ومعاذ أنهما أنكراه عليه.
يعني: على الأنصاري.
446 - وقال في رواية الأثرم: هو ضعيف؛ لأن الأنصاري ذهبت كتبه, وكان يحدث من كتب غلامه أبي حكيم.

الحديث: 445 - الجزء: 1 - الصفحة: 440

وأما ادعاء النسخ؛ فلا يصح؛ لوجوه: أحدها: أن الذي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم: احتجم وهو محرم صائم, ولم يبين أن هذا الإِحرام كان في حجة الوداع؛ فيجوز أن يكون كان في إحرامه بعمرة الحديبية أو إحرامه بعمرة القضية, وكلاهما قبل الفتح, فيكون احتجامه وهو صائم منسوخاً بقوله بعد ذلك: «أفطر الحاجم والمحجوم».
ويؤيد هذا القول وجوه: 447 - أحدها: ما روى أحمد, عن حجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس: أنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم صائماً محرماً, فغشي عليه؛ فلذلك كره الحجامة للصائم».
رواه أحمد.

الحديث: 447 - الجزء: 1 - الصفحة: 441

448 - وفي لفظ عن ابن عباس: أنه قال: «احتجم النبي صلى الله عليه وسلم بالقاحة وهو محرم صائم, فوجد لذلك ضعفاً شديداً, فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم».
رواه الجوزجاني.
449 - عن الحكم؛ قال: «احتجم رسول الله وهو صائم فضعف, ثم كرهت الحجامة للصائم».

الحديث: 448 - الجزء: 1 - الصفحة: 442

450 - وعن الشعبي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم, وتزوج الهلالية وهو محرم».
رواه سعيد.
وكان تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية في عمرة القضاء, فعلم أن احتجامه كان في عمرة القضاء, وذلك قبل الفتح, وقبل قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم».
فهذا يبين أن الكراهة كانت بعد احتجامه محرماً.
ويؤيد ذلك: 451 - ما روى الجوزجاني: «أن ابن عباس كان يعد الحجام والمحاجم., فإذا غابت الشمس؛ احتجم بالليل».
ولولا علمه بأن احتجام الصائم جائز؛ لما فعل ذلك.
الثاني: لو كان هو المتقدم؛ للزم تغيير الحكم مرتين؛ [لأن الحجامة كانت غير محظورة, ثم نهى عنها؛ فإذا أذن فيها بعد ذلك؛ فقد غير الحكم مرتين]؛ بخلاف ما إذا كان الإِذن قبل النهي.
الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم علموا أن النهي آخر الأمرين؛ كما تقدم عن ابن عمر وغيره, ولهذا رجعوا عن القول بالاحتجام إلى تركه, وأبو موسى وابن عباس كانا يكرهان الحجامة للصائم, وهما ممن رويا حجامة

الحديث: 450 - الجزء: 1 - الصفحة: 443

النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم, بل عليهما مدار الحديث.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث لا يخالف قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»؛ لأن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم, وفي لفظ للبخاري: «من وجع به» , والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محرماً في رمضان قط؛ لأن إحرامه بعُمرِهِ الثلاثة وبحجة الوداع في ذي القعدة, فيكون هذا الصوم تطوعاً, ثم كان مريضاً, والمريض يجوز له الفطر, ثم كان مسافراً؛ لأنه لم يكن محرماً مقيماً قط.
فإذا كان الفطر جائزاً له في هذه الوجوه الثلاثة؛ فيكون قد احتجم, وإن أفطر بالحجامة؛ فإنه ليس في الحديث لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه أنه بقي على صومه, بل قد أفطر في رمضان لما أصاب أصحابه الجهد؛ فلأن يفطر في مرض أصابه بطريق الأولى.
452 - [لما روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر»].
وقد قيل: يجوز أن يكون ركَّب المحاجم نهاراً واحتجم ليلاً.
453 - لما روى أبو بكر عن جابر: «إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي طيبة

الحديث: 452 - الجزء: 1 - الصفحة: 444

أن يأتيه ليحجمه عند فطر الصائم, وأمره أن.
. .». 454 - وأما حديث أبي سعيد؛ فقال: ابن خزيمة: قوله: «والحجامة للصائم»: إنما هو من قول أبي سعيد لا عن النبي صلى الله عليه وسلم, أدرج في الخبر.
وقال عنه الآخر: الصحيح في هذا الخبر أنه منقطع غير متصل, والذي وصله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وعبد الرحمن ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه؛ لسوء حفظه للأسانيد؛ لأنه رجل صنعته العبادة والتقشف والموعظة, وليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الإِسناد.
وقال أبو بكر: سمعت محمد بن يحيى يقول: هذا الحديث غير محفوظ عن أبي سعيد, ولا عن عطاء بن يسار, والمحفوظ عندنا حديث سفيان ومعمر.
يعني: أنهما روياه عن زيد بن أسلم عن [رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].
ثم إن صح الحديث؛ فهو منسوخ بحديث: «أفطر الحاجم والمحجوم».
ويدل على ذلك أن فيه القيء والاحتلام, ومعلوم أنه لو استقاء أو استمنى؛ أفطر؛ فكذلك إذا احتجم, أو أنه محمول على ما إذا احتجم ساهياً [أو حُجم] بغير اختياره؛ [فإنه قرنه بالقيء والاحتلام, وهما يخرجان من المرء

الحديث: 454 - الجزء: 1 - الصفحة: 445

بغير اختياره]؛ فكذلك ما ذكر معهما ينبغي أن يكون كذلك.
455 - وأما حديث أنس أن الرخصة بعد النهي؛ فضعيف.

الحديث: 455 - الجزء: 1 - الصفحة: 446

فإن في الذي جوده الدارقطني خالد بن مخلد: قال أحمد: له أحاديث مناكير, ولعل هذا من [أنكرها].
456 - لأن أنساً ذكر أنهم كانوا يكرهون ذلك لأجل الجهد كما رواه البخاري, وهذه الكراهة باقية.

الحديث: 456 - الجزء: 1 - الصفحة: 447

457 - ولأن أحمد روى بإسناده, عن هشام بن محمد؛ قال: «كان أنس إذا شق عليه الدم في الصوم؛ أرسل إلى الحجام عند غروب الشمس, فوضع المحاجم, وإذا غربت شرط».
ولو كان عنده إذن من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يفعل مثل ذلك.
ومخالفة البصريين له مع أنهم أصحاب أنس.
وأن الكراهة بعد موت جعفر.
. . . ثم من أصحابنا من سلك فيها مسلك التعبد الصرف, ورأى خروجها عن مسالك القياس, وجعلها موضع استحسان, فقدم فيه النص على القياس.
وهذه طريقة ابن عقيل.
ومنهم من سلك فيها ضرباً من التعليل.
فقال القاضي: استدعاء شيء من بدنه نهى عنه نهياً يختص بالصوم فأفسد الصوم؛ كاستدعاء القيء, [وهو أن الاحتجام] استخراج ما به قوام البدن, فجاز أن يفطر به كاستخراج القيء والمني والمذي ودم الحيض.
وهذا لأن الصائم لما مُنع من الأكل والشرب ليحصل حكمة الصوم التي هي التقوى؛ كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ

الحديث: 457 - الجزء: 1 - الصفحة: 448

قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] , وللنفس على الإِنسان حق لا بد من رعايته؛ راعى الشرع جانب حق النفس وحفظ القوة؛ حسماً لمادة الغلو في الدين والمروق منه, وتحصيلاً لمصلحة الاغتذاء التي لا بد منها أيضاً.
458 - فنهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال.
459 - 460 - وأمر بتعجيل الفطر, وتأخير السحور.
461 - وجعل أفضل الصيام صيام يوم وفطر يوم.
462 - وقال: «لكنِّي أصوم وأفطر وأقوم وأنام؛ فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني».
463 - وقال: «من صام الدهر؛ فلا صام ولا أفطر».
ومنه جماعة من أصحابه من تكثير الصيام؛ منهم:

الحديث: 458 - الجزء: 1 - الصفحة: 449

464 - عبد الله بن عمرو.
465 - والنمر بن تولب.
466 - والباهلي.
وعاب على منْ قال: أما أنا؛ فأصوم لا أفطر.
كل ذلك تعديلاً وأخذاً بخيار الأمور التي هي أوساطها.
فإذا كان هذا مصلحة جليلة قد شهد الشرع بالاعتبار, وكان الصائم إذا خرج منه [القيء] خلا من الغذاء الذي هو مادته؛ فإذا استخرج منه الدم الذي به قوام بدنه, وإليه استحال الغذاء؛ ضعف بذلك, وإذا خرج منه المني الذي هو صفاوة الدم؛ ضعف أيضاً.
وكذلك إذا خرج دم الحيض؛ منعه الشارع من استخراج هذه الأشياء لما منعه من استدخال ما يكون خلفاً منها وبدلاً عنها, وصار المقصود الأصلي من الصوم هو الكف عن الإِدخال, والكف عن الإِخراج تابع له ومطلوب في ضمنه.
فأما ما غلب عنه المرء من هذه الأشياء؛ مثل أن يذرعه القيء, أو يرعف, أو يجرح جرحاُ بغير اختياره, أو يحتلم, ونحو ذلك؛ لم يفطر به.
لأنه بمنزلة ما يدخل جوفه من الغبار والدقيق ونحو ذلك.
ولأن امتناعه من هذه الأشياء لا يدخل تحت قدرته.

الحديث: 464 - الجزء: 1 - الصفحة: 450

وأما دم الحيض: فلما كان له أوقات معلومة يمكن الاحتراز عن الصوم فيها لا تتكرر دائماً؛ صار الامتناع [في] الصوم معه [في] جملة ما يقدر عليه الإِنسان.
ولهذا إذا صار دم استحاضة, وهو الخارج عن الأمر المعتاد؛ لم يمنع صحة الصوم, وخرج عن هذا استخراج البول والغائط ونحوهما من وجهين: أحدهما: أن ذلك فضلة محضة, فليس هو من قياس البدن الذي يخاف أن يورث ضعفاً.
الثاني: أن خروجه أمر طبيعي لا يمكن الاحتراز منه, وما كان من هذا الباب؛ لا يفطر؛ كذرع القيء والاحتلام وأولى.
وهذا معنى حسن, وقد نبه عليه بعض الآثار المتقدمة إلا بذكر فرع المسألة.

* فصل:

ويفطر بالحجامة في جميع البدن.

نص عليه.
مثل أن يحتجم في يده أو ساقه أو عضده أو رأسه أو قفاه.
وإن شرط بالمشرط ولم يخرج الدم؛ أفطر على ما ذكره ابن عقيل؛ فإنه قال: الحجامة نفس الشرط, يتعلق الإِفطار على الاسم.
فعلى هذا الإِفطار يسبق الدم.
وإن ركب المحاجم.
. .؛ كما لو بل المحرم رأسه قبل التحلل ثم حلقه بعده.

الجزء: 1 - الصفحة: 451

وعلى ذكره القاضي: لا بفطر.
وهو أصح؛ لأن الحجامة هي الامتصاص أيضا؛ يقال: ما حجم الصبي ثدي أمه؛ أي: ما مصه.
والحِجَام: ما يُجعل في خطم البعير لئلا يعض, يقال: حجمت البعير أو أحجمه: إذا جعلت على فِيْهِ حجاماً.
فالقارورة تحجم الدم عن أن يسيل.
وأيضاً؛ فإن الشرط أخص.
. . . فإن شرط وأخرج الدم من غير محجمة يمتص بها, مثل الشرط في الأذن؛ فقياس المذهب الفكر بها؛ لأن وضع المحجمة على العضو لا أثر له في الفطر.
ولهذا يجوز أن توضع المحاجم على العضو ويلين قبل غروب الشمس, ثم يقع الشرط بعد غروبها.
قال أصحابنا: لأن التليين وتركيب المحاجم مقدمات.
وأما الفصاد وجرح العضو باختياره وبط الدمامل ونحو ذلك؛ فقال أكثر أصحابنا منهم القاضي وابن عقيل: لا يفطر.
لأنه لا نص فيه, ولا يمكن إثبات الحكم فيه قياساً؛ لجواز أن يكون في الحجامة معنى يختصه, ولأن الدم منه ما يخرج بنفسه وهو دم الحيض والاستحاضة والنفاس ومنه ما يخرج بالإِخراج.
ثم الأول يفطر بعضه دون بعض, فيجوز أن يكون الثاني كذلك, وهو لا يبطل القياس المتقدم؛ لأن التعليل للنوع والجواز, فلا ينتقض بأعيان المسائل.
. . .

الجزء: 1 - الصفحة: 452

وقيل: يفطر الفصاد, وهذا أقيس.
. . . وأما الجرح والاسترعاف؛ فلا يكاد العاقل يفعله بنفسه, فيحتمل.
. . . وأما بط الدماميل والقروح؛ فتلك دماء فضلات لا يضعف خروجها.
وأما الحاجم: فظاهر قول الخرقي هو ظاهر القياس فيه؛ فإن ما ذكرنا من المعنى مفقود فيه.
لكن المذهب أنه يفطر؛ كما هو منصوص في الحديث؛ فإن الدلالة على فطرهما دلالة واحدة, ويلوح فيه أشياء: أحدها: أن الحجامة لما لم تمكن إلا من اثنين؛ جاز أن يجعل الشرع فعل أحدهما الذي لا يتم فطر الآخر إلا به فِطراً, وأن يجعل تفطير الصائم فطراً؛ كما قيل في الجماع, وهذا بخلاف الإِطعام والإِسقاء؛ فإن ذلك يمكن أن يكون من واحد, فليس فعل الآخر شرطاً في وجوده.
467 - وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً؛ فله مثل أجره؛ من غير أن ينقص من أجره شيء».
فإذا كان المعين له على صومه بعشائه بمنزلة الصائم؛ جاز أن يكون المفسد لصومه بمنزلة المفطر.
468 - وكذلك قوله: «من جهز غازياً؛ فقد غزا, ومن خلفه في أهله بخير؛ فقد غزا».

الحديث: 467 - الجزء: 1 - الصفحة: 453

وضد ذلك من صدَّ عن سبيل الله بالتثبيط عن الجهاد؛ فإنه بمنزلة المحارب لله ورسوله.
469 - كما قال صلى الله عليه وسلم: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضاد الله في أمره».

الحديث: 469 - الجزء: 1 - الصفحة: 454

وخص الحاجم بهذا من بين [الطاعم] والمسقي؛ فإنه لو امتنع عن حجمه؛ لم يفطر؛ بخلاف المطعم والمسقي؛ فإنَّ أكْل ذلك وشربه غير منوط بفعل غيره.
نعم يشبه هذا ما لو مكنت المرأة زوجها من أن يطأها دون الفرج, فأنزل هو, ولم تنزل هي.
وطرد هذا أن منْ حجم من ليس بصائم لا يفطر, وهذا الوجه ليس بذاك.
. . . ومنها: أن الحاجم إذا امتص المحجم بعد شرط العضو؛ جاز أن يسبق شيء من الدم إلى حلقه ولا يشعر به, والحكمة إذا كانت خفية؛ أقيمت المظنة الظاهرة مقامها؛ كالنوم مع الحدث, ولهذا لو امتص الحجم عند وضعه قبل الشرط؛ لم يفطر؛ كما جاء في الحديث: «أنه كان وضع المحاجم قبل الغروب, ثم شرط بعد الغروب».
. . .

الجزء: 1 - الصفحة: 455

فعلى هذا؛ لو شرط بدون مص مثل ما شرط الأذن, وقلنا.
يفطر المشروط؛ فإن الشارط هنا لا يفطر, وكذلك الفاصد.
ومنها: أن الحجامة في الأصل لما كانت إخراج دم, وهي من الصناعات الرديئة, ولهذا كره كسبها.
الفصل السادس: أن منْ فعل هذه الأشياء ناسياً لصومه؛ لم يفطر.
ولا يختلف المذهب في الأكل والشرب ونحوهما مما فيه القضاء فقط, وقد تقدم ذكر المباشرة.
والله أعلم.
وأما الحجامة إذا فعلها ناسياً.
فالمنصوص أنه لا يفطر.
قال حرب: قلت لأحمد: فاستحجم ناسياً؟ قال: لا شيء.
وذكر ابن عقيل فيها وجهين: أحدهما: كذلك؛ لأنها ليست بأكثر من الأكل.
الثاني: يفطر؛ لأن الفطر بها ثبت على خلاف القياس, والنبي صلى الله عليه وسلم لم

الجزء: 1 - الصفحة: 456

يفصل في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» , ولم يستفصل عن حال اللذين مرَّ بهما, وفي الاستقاء.
. . . 470 - والأصل في ذلك ما روى محمد بن سيرين, عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم, فأكل أو شرب؛ فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه».
رواه الجماعة.
وفي رواية أبي داوود: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: إني أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم؟ فقال: «الله أطعمك وسقاك».
وفي هذا الحديث الدلالة من وجوه: أحدها: أنه أمره بإتمام الصوم تخصيصاً له بهذا الحكم بقوله: «من أكل أو شرب ناسياً» , فعلم أن هذا إتمامٌ لصوم صحيح, إذ لو كان المراد به وجوب الإِمساك؛ لم يكن بين العامد والناسي فرق.
الثاني: أنه قال: «فليتم صومه» , وصومه هو الصوم الصحيح المجزئ.
وقد أمر بإتمامه, فعلم أن الصوم الذي بعد الأكل تمام للصوم الذي قبله, ولو أراد وجوب الإِمساك [فقط]؛ لقال: فليتم صياماً, أو: فليصم بقية يومه.
. . ونحو ذلك؛ كما قال لأهل عاشوراء.
الثالث: أنه لم يأمره بالقضاء, وقد جاء مستفتياً له عما يجب عليه شاكّاً في الأكل مع النسيان؛ هل يفسد أو لا يفسد؟ ومعلوم أنه لو كان واجباً؛ لذكره,

الحديث: 470 - الجزء: 1 - الصفحة: 457

لم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الرابع: أنه علل أمره بالإِتمام بأن الله أطعمه وسقاه, ولو لم يكن مقصوده إتمام الصوم الصحيح؛ لم يصح التعليل بهذا؛ فإنه إذا أفسد الصوم في رمضان؛ وجب الإِمساك, وإن لم يكن الله أطعمه وسقاه بغير قصد من التعبد ولا إرادة؛ فلا بد أن يكون لهذه العلة أثر في هذا الحكم, ولا يكون لها أثراً؛ إلا أن يكون الصوم صحيحاً.
الخامس: أنه قال: «الله أطعمك وسقاك»؛ تعليلاً وجواباً.
ومعلوم أن إطعام الله وإسقاءه للعبد على وجهين: أحدهما: أنه خلق له الطعام والشراب والحركة التي بها يأكل ويشرب, وعلى هذا؛ فالعامد والناسي وجميع الخلق الله أطعمهم وسقاهم؛ كما قال إبراهيم ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: 79].
وهذا المعنى لم يقصده النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قدر مشترك بين المتعمد والناسي, وهو بمنزلة قوله: أنت أكلت وشربت؛ فهي حكاية حال محضة.
والثاني: أن يطعمه ويسقيه بغير قصد من العبد ولا عمد؛ كما في هذه الصورة؛ فإنه لو ذكر أنه صائم؛ لم يأكل ولم يشرب, لكن أنساه الله تعالى صومه, وقيض له الطعام والشراب, فصار غير مكلف؛ لأجل النسيان, فأضيف الفعل إلى الله تعالى قدراً وشرعاً, فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل.
وفعل الله تعالى لا يتوجه إليه تكليف؛ فإن إطعامه وإسقاءه لا يكون منهيًاً عنه, والمكلف لم يوجد منه ما يخفي عنه؛ فالصوم باقٍ بحاله.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أطعمك وسقاك»: معناه: لا صنع لك في هذا الفعل, وإنما هو فعل الله فقط؛ فلا حرج عليك فيه ولا إثم؛ فأتمم صومك.

الجزء: 1 - الصفحة: 458

471 - السادس: ما روي في لفظ: «إذا أكل الصائم أو شرب ناسياً؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليه, ولا قضاء عليه».
رواه الدارقطني وقال: إسناد صحيح كلهم ثقات.

الحديث: 471 - الجزء: 1 - الصفحة: 459

472 - وفي لفظ: «من أفطر يوماً في رمضان ناسياً؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة».
رواه الدارقطني وقال: تفرد به ابن مرزوق - وهو ثقة- عن الأنصاري.

الحديث: 472 - الجزء: 1 - الصفحة: 460

473 - وأيضاً: عن أم حكيم بنت دينار, عن مولاتها أم إسحاق: أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأتي بقصعة من ثريد, فأكلت معه, ومعه ذو اليدين, فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم عرقاً, فقال: «يا أمّ إسحاق! أصيبي من هذا».
فذكرت أني كنت صائمة, فتركت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لكِ؟».
قلت: كنت صائمة فنسيت.
فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتمي صومك؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليك».
رواه الإِمام أحمد وأبو بكر عبد العزيز.
ولأن الصوم من باب الترك؛ فإن الواجب فيه الإِمساك عن المفطرات, وليس فيه فعل ظاهر يفعله, وإذا كان الفطر من باب المنهيات؛ فإن الإِنسان إذا فعل ما نهي عنه ناسياً أو مخطئاً؛ كان وجود ذلك الفعل كعدمه في حق الله تعالى.
474 - لقوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال الله تعالى: «قد فعلت».
475 - ولقوله صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان».

الحديث: 473 - الجزء: 1 - الصفحة: 461

فإذا لم يؤاخذ العبد بهذا الأكل؛ كان صومه باقياً على صحته, هذا هو الأغلب.
وقد يستثنى منه مواضع تغلظ, مثل الحلق والتقليم وقتل الصيد في الإِحرام؛ لأنه من باب الإِتلاف, ومثل الكلام في الصلاة على رواية؛ لأنه بغير هيئة الصلاة, ولا يفرق في [مبطلاتها] بين العمد والسهو, ومثل الجماع في الصيام والإِحرام لتغلظ جنسه, ولأنه يشبه الإِتلاف, ولأنه لا يكاد يقع فيه النسيان؛ لكونه غير معتاد, وغير ذلك من الأحكام والأسباب, وإلا فالأصل ما قدمناه.
فعلى هذا: لا فرق بين الأكل الكثير والقليل.
الفصل السابع: أن من فعلها مكرهاً لم يفسد صومه أيضاً.
وهو نوعان: أحدهما: أن لا يكون له فعل في الأكل والشرب ونحوهما, مثل أن يُفتح فوه [ويوضع] الطعام والشراب فيه, أو يُلقى في ماء فيدخل إلى أنفه وفمه, أو يرش عليه ماء فيدخل مسامعه, أو يُحجم كرهاً, أو يداوي مأمومة أو جائفة بغير اختياره, أو يجرح جرحاً نافذاً إلى جوفه بغير اختياره, ونحو ذلك.
فهذا لا يفطر في المنصوص عنه الذي عليه أصحابه.
قال في رواية ابن القاسم في الذباب يدخل حلق الصائم والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلق الآخر: وكل أمر غلب عليه؛ فليس عليه قضاء ولا غيره, وهذا كله سواء ذكر أو لم يذكر.
قلت له: فرق بين مَنْ توضأ للفريضة وبين من توضأ للتطوع؛ فإنهم يفرقون بينهما.
قال: هو سواء إذا لم يتعمد وإنما غلب عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 462

وقد يتبرد بالماء في الضرورة من شدة الحر.
والذي عليه أكثر أصحابنا الفرق بين أن يستكرهها على الوطء أو يستكرهها على الأكل والشرب.
وخرَّج ابن عقيل رواية [أخرى] أن الإِكراه على الأكل والشرب يفطر كالاستكراه على الوطء.
فأما الاحتلام وذرع القيء؛ فإنه لا يفطر قولاً واحداً.
وأما إذا أكره على الأكل بالضرب أو الحبس أو الوعيد حيث يكون إكراهاً, حتى أكل بنفسه؛ فهل يفسد صومه؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي في «خلافه».
أحدهما: لا يفطر أيضاً, وهو قول القاضي في «المجرد» وأبي الخطاب وغيرهما.
الثاني: يفطر هنا, وهو قول ابن عقيل.
وينبغي أن يكون في جواز الفطر هنا روايتان؛ كالروايتين في جواز أكل الدم والميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر.
والله تعالى أعلم.
الفصل الثامن: أنه إنما اشترط أن يفعله عامداً ذاكراً لصومه.
فالعامد خرج به المخطئ والمكره.
فإذا فعل جاهلاً: فإما أن يجهل أن ذلك الوقت من نهار رمضان؛ مثل أن يعتقد أن ذلك اليوم ليس من رمضان, أو يعتقد أن الفجر لم يطلع؛ فإن هذا يفطر؛ كما سيأتي إن

الجزء: 1 - الصفحة: 463

شاء الله تعالى.
وإما أن يجهل ذلك الشيء مفطر؛ فذكر أبو الخطاب أنه لا يفطر.
476 - 477 - لأن عدي بن حاتم ورجلاً من المسلمين كانوا يأكلون حتى يتبين لهم العقال الأبيض من العقال الأسود؛ معتقدين أن ذلك معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: 187] , ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء؛ لكونهم غير عالمين بأن الأكل في هذا الوقت مفطراً.
لأن الجهل أشد عذراً من النسيان؛ فإن الناسي قد كان علم ثم ذكر, والجاهل لم يعلم أصلاً؛ فإذا كان النسيان عذراً في منع الإِفطار؛ فالجهل أولى.
ولأن الصوم من باب الترك, ومن فعل من نهي عنه جاهلاً بالنهي عنه؛ لم يستحق العقوبة, فيكون وجود الفعل منه كعدمه؛ فلا يفطر؛ كالناسي.
والمنصوص عن أحمد فيمن احتجم جاهلاً بالحديث: أنه يفطر.
ولذلك ذكر القاضي [في مسألة تطيبه في الحج ناسياً] وغيره من أصحابنا: أن العالم بحظره والجاهل سواء؛ قال: لأن كل عبادة حظر فيها معنى من المعاني؛ فإن حكم العالم بحظره والجاهل به سواء.
478 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالذي يحتجم, فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» , ولم يكن يعلم أن ذلك منهي عنه.

الحديث: 476 - الجزء: 1 - الصفحة: 464

ولأن من أفطر جاهلاً؛ لم يقصد فعل [العبادة] التي أمر بها, فتبقى في عهدته حتى يقضيها؛ كمن ترك الصوم جاهلاً بوجوبه, أو ترك تبييت النية جاهلاً بأن اليوم من رمضان أو ناسياً؛ بخلاف من قصد الكف والإِمساك عن الطعام, ثم أكله ناسياً لصومه؛ فإن له نظراً صحيحاً, وفعله الذي صدر لا يقدح فيه.
والصوم, وإن كان [تركاً, لكن يشبه] الأفعال من حيث وجوب النية فيه؛ بخلاف ترك جميع المحرمات؛ فإنه يكفي في عدم الإِثم عدم الفعل, وهنا لا بد من قصد الامتثال, فله شبه بالمأمورات من وجه, وبالمنهيات من وجه.
ومن أمر بترك الأكل والشرب, فلم يقصد ذلك ولم يرده؛ لم يمتثل ما أمر به البتة.

مسألة:

وإن طار إلى حلقه ذباب أو غبار, أو مضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء, أو فكر فأنزل, أو قطر في إحليله, أو احتلم, أو ذرعه القيء؛ لم يفسد صومه.

في هذا الكلام فصول: أحدها: أن ما دخل إلى فم الصائم بغير اختياره لا يفطره.
مثل أن يطير إلى حلقه غبار الطريق أو الذباب ونحو ذلك؛ فإنه لا يفطر

الجزء: 1 - الصفحة: 465

به.
نص عليه؛ لأنه مغلوب على ذلك, فأشبه الاحتلام وذرع القيء.
فإن قصد جمعه [وابتلاعه, أي الغبار, ونحوه, أفطر] وإن اجتمع في فيه بغير قصد, فابتلعه بقصده؛ أفطر أيضاً.
قاله أبو محمد.
فإن اعتمد القعود في موضع يصيبه ذلك لحاجة, مثل أن يغربل الدقيق, أو يقعد عند منْ يغربله لحاجة, فدخل إلى فمه؛ لم يفطر.
ذكر ابن عقيل.
الفصل الثاني: إذا تمضمض أو استنشق ولم يزد على الثلاث ولم يبالغ, فسبقه الماء فدخل في جوفه؛ فإنه لا يفطر, سواء توضأ لفريضة أو نافلة.
نص عليه.
لأنه دخل بغير اختياره, فلم يفطره؛ كالذباب والغبار.
ولأنه نوع لا يوجب الكفارة, فلا يفطر ما وقع بغير اختياره؛ كذرع القيء.
فإن قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه هنا مختار في الفعل الذي يتولد منه الدخول, وهو قادر على تركه في الجملة؛ بخلاف الذباب.
الثاني: المضمضة والاستنشاق من فعله, فإذا سبقه شيء إلى حلقه؛ كان ذلك لسوء فعله, فيفطر.
قلنا: لا فرق فيما غلب عليه بين أن يفعل سببه أو لا يفعله إذا كان سببه مباحاً من غير كراهة؛ فإنه لو أخذ ينخل الدقيق, فطار إلى حلقه؛ لم يفطر, وذلك لأن الشرع إذا أذن له في السبب؛ لم يؤاخذه بما يتولد منه.

الجزء: 1 - الصفحة: 466

ولهذا قلنا: سراية القَوَدِ غير مضمونة, وسراية التأديب والتعزير غير مضمونة؛ كسراية إقامة الحدّ.
وبهذا يظهر الجواب عن الوجه الثاني؛ فإنه إذا أذن له في المضمضة والاستنشاق, وفعل ما أذن له فيه بحسب وسعه؛ لم يضمن ما تولد من ذلك؛ كالرائض إذا ضرب الدابة, ولأنه [لم يتعد] المشروع لم يضمنه؛ كبقايا ما بين الأسنان إذا دخل؛ فإن بالغ في الاستنشاق أو زاد على المرة الثالثة فدخل الماء إلى حلقه؛ فقد قال بعض أصحابنا: هو مكروه.
والأشبه أنه محرم إن غلب على الظن دخوله إلى الجوف.
قال أحمد في رواية عبد الله في الصائم تمضمض فغلبه الماء فدخل حلقه: لا شيء عليه إذا غلبه, أو تمضمض أكثر من ثلاث: فيعجبني أن يعيد ذلك اليوم.
وذكر أبو الخطاب وغيره فيها وجهين: أحدهما: وجوب الإِعادة عليه.
وهو الذي ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما.
وقال ابن أبي موسى: إن دخل حلقَه الماءُ فيما زاد على الثلاث؛ أفطر قولاً واحداً.
479 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائماً».

الحديث: 479 - الجزء: 1 - الصفحة: 467

480 - ولقوله: «الوضوء ثلاث؛ فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم».

الحديث: 480 - الجزء: 1 - الصفحة: 468

فإذا فعل ما نهي عنه؛ لم يعف عن سرايته.
. . . ولأنه لو لم يكن ما ينزل من المبالغة مفطراً؛ لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
481 - ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «أرأيت لو وضعت في فيك ماء ثم مججته؛ أكنت تفطر؟».
قال: لا.
قال: «فمه».
فشبه القبلة بالمضمضة في أن كلاًّ منهما مقدمة لغيره؛ فإذا لم يحصل ذلك الغير؛ لم يؤثر, فيجب إذا حصل ذلك الغير أن يؤثر, والمضمضة مقدمة الأكل, والقبلة مقدمة الإِنزال, ولولا أنهما مستويان في الموضعين؛ لما حسن قياس أحدهما بالآخر, وكان يقال: المضمضة لا تفضي إلى الفطر بحال؛ بخلاف القبلة, لكن القبلة ليست مشروعة بحال, والمضمضة مشروعة في بعض المواضع, فما كان منها مشروعاً؛ خرج عن هذا القياس, فيبقى غير المشروع كالقبلة سواء.
الثاني: لا يفطر؛ لأنه فعل مغلوب عليه, فلم يفطر؛ كالثالثة.
فإن اغتمس في ماء, فدخل الماء حلقه أو أنفه أو أذنه, أو اغتسل فدخل فمه أو أذنه أو أنفه, وتمضمض لغير طهارة, فدخل الماء حلقه بغير اختياره؛

الحديث: 481 - الجزء: 1 - الصفحة: 469

فإن كان ذلك لطهارة مشروعة؛ مثل أن يغسل فمه من نجاسة به, أو يغسل غسلاً مشروعاً كالجنابة والجمعة؛ فهو كما لو سبقه الماء في المضمضة والاستنشاق.
وإن وضع الماء في فمه للتبرد أو عبثاً [أو اغتسل عبثاً] أو اغتمس في الماء, أو أسرف في الاغتسال عبثاً؛ فكلامه يقتضي روايتين: أحدهما: يفطر.
[والثانية: لا يفطر].
فقد قال في رواية ابن القاسم: كل أمر غلب عليه؛ فليس عليه فضاء, ولا غيره, وسواء ذكر أو لم يذكر.
قيل له: يفرق بين المتوضأ للفريضة ومن توضأ للتطوع؟ قال: هو سواء إذا لم يتعمد إنما غلب, وقد يتبرد بالماء في الضرورة من شدة الحر.
فقد نص على أنه إذا تبرد من شدة الحر, فدخل أنفه أو فاه وهو مغلوب عليه؛ لم يفطر؛ لأنه دخل المفطر إلى جوفه بغير اختياره فلم يفطر؛ كما لو دخل في المضمضة والاستنشاق وما في معنى ذلك؛ لم يفطر.
اهـ. ولأنه نوع من المفطرات, فلم يؤثر إذا وجد بغير قصد منه؛ كالقيء والاحتلام, وهذا بخلاف نزول الماء عن مباشرة؛ فإنه, وإن لم يقصد نزول الماء, لكن هو لا ينزل الماء إلا بالمباشرة؛ فإذا فعل المباشرة؛ فقد فعل السبب الذي [منه] يستنزل الماء.
وأيضاً الابتلاع والازدراد في الغالب إنما يكون بقصده, ولا [مقصد] له في ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 470

[والسباحة]: لا تفطر.
قال في رواية حنبل: الصائم إن لم يدخل مسامعه وحلقه الماء؛ فلا بأس أن ينغمس فيه.
482 - ورووا عن مبارك عن الحسن: أنه كره أن يغوص في الماء, وقال: «إن الماء يدخل في مسامعه».
وقال في رواية أبي الصقر: إذا استعط أو وضع على لسانه دواء, فدخل حلقه؛ فعليه القضاء.
وقال في رواية حنبل: وقد يسأله عن الرجل يصوم, ويشتد عليه الحرّ؛ ترى له أن يبل ثوباً أو يصب عليه يتبرد بذلك ويتمضمض ويمجه؟ 483 - قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم».
وأما المضمضة؛ فلا أحب أن يفعله, لعله أن يسبقه إلى حلقه, ولكن يبل ثوباً ويصب عليه الماء.
وسئل عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه؟ قال: «يرش على صدره أحب إليَّ».
لأنه غير مأمور من الشرع بهذه الأشياء؛ فإذا فعلها؛ كان ضامناً لما يتولد منها من الفطر كما يضمن ما يتولد من ضرب الغير.
ولأن مباشرته للسبب المقتضي لدخول هذه الأشياء إلى جوفه بغير أمر

الحديث: 482 - الجزء: 1 - الصفحة: 471

الشرع اختيار منه وقصد إذا لم يغلب على الظن دخول الداخل إلى جوفه.
فأما إن غلب على ظنه؛ حرم عليه فعله وأفطر بما يتولد منه بلا تردد.
ومن أصحابنا من فرق في هذه المواضع بين ما تدعو إليه الحاجة ويباح فعله من غير كراهة وما ليس كذلك, وما كان من هذه الأشياء لا حاجة إليه؛ فهو مكروه إن خيف حصول الفطر منه.
فأما ما يحتاج إليه لغير الطهارة.
. . . وأما الاغتسال ودخول الحمام؛ فلا بأس به إذا لم يخف الضعف من الحمام.
قال في رواية ابن منصور: الصائم يدخل الحمام وإن لم يخف الضعف.
وقال في رواية حنبل: لا بأس بالاغتسال من الحر.
484 - لأن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام, ثم يغتسل ويصوم».
متفق عليه.
485 - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر».
رواه أحمد وأبو داوود.

الحديث: 484 - الجزء: 1 - الصفحة: 472

486 - قال البخاري: «وبل ابن عمر ثوباً, فألقاه عليه وهو صائم».
487 - قال: وقال أنس: «إن لي أبزن أتقحم فيه وأنا صائم».
488 - وعن ابن عباس: «أنه دخل الحمام وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان».
رواه أبو بكر.
489 - وعن علي.
. . .

* فصل:

وما يجتمع في فمه من الريق ونحوه إذا ابتلعه؛

لم يفطر ولم يكره له ذلك, سواء بلعه باختياره أو جرى إلى حلقه بغير اختياره, إذا كان الريق قد اجتمع بنفسه.
لأن اجتماع الريق بنفسه أمر معتاد, وفي إيجاب التبصق مشقة عظيمة.

الحديث: 486 - الجزء: 1 - الصفحة: 473

فأما إن جمعه وابتلعه؛ فإنه يكره له ذلك.
وهل يفطر؟ على وجهين خرَّجهما القاضي وابن عقيل وغيرهما على الروايتين في النخامة إذا استدعاها ثم ازدردها.
أحدهما: يفطر.
لأنه يمكن الاحتراز منه, فأشبه ما لو فصله عن فيه ثم ابتلعه.
والثاني: لا يفطر.
وهو ظاهر كلامه.
فإنه نص على الفرق بين النخامة والبصاق إلا إذا ابتلعها, لا فرق بين أن يقتلعها من جوفه أو تخرج بنفسها ثم يزدردها عمداً.
والريق لو اجتمع بنفسه ثم ابتلعه عمداً: لم يفطره قولاً واحداً.
أو جمعه هو ليس مفطراً؛ لأن حصول المفطر في الفم لا يوجب الفطر, لم يبق إلا مجرد ازدرادها, وذلك أيضاً لا يفطر؛ كما لو اجتمعت بنفسها فازدردها عمداً.
وإن أخرج لسانه وعليه ريق, فأبرزه عن شفتيه, ثم أعاده وابتلعه؛ لم يفسد صومه بذلك.
قاله القاضي وابن عقيل وعامة أصحابنا.
لأنه بلل متصل به, فلم يفطره؛ كما لو بقي في الفم.
وحكي عن ابن عقيل: أنه يفطر.
وهو غلط عليه, وإنما قال: فيمن أخرج ريقه إلى شفتيه, ثم ازدرده؛ أفسد لأنه.
. . . وإن انفصل الريق عن فيه إلى ثوبه أو يده ونحو ذلك, ثم أعاده إلى فيه

الجزء: 1 - الصفحة: 474

وازدرده؛ أفطر.
ذكره بعض أصحابنا؛ لأنه يمكنه الاحتراز منه, ولأنه ابتلعه من غير فمه, فأشبه ما لو ابتلع غيره, حتى قال ابن عقيل وغيره: إن خرج ريقه إلى شفتيه ثم ازدرده؛ أفطر؛ لأنه صار مخرجه عن فمه [في حكم الظاهر].
[وإن تعلق بخيط أو غيره.
. .]. وإن كان في فمه حصاة أو درهم, فأخرجه وعليه بلَلُ ريقه ثم أعاده وابتلع بعد ذلك ريقه: فقال ابن عقيل: يفطر بابتلاع الريق الذي كان على ذلك الجسم؛ بخلاف ما لو أخرج لسانه وعليه الدرهم ثم أعاده؛ لم ينبغ أن يفطر هنا.
وقال غيره من أصحابنا: إن كان عليه من الريق كثيراً؛ أفطر, وإن كان يسيراً؛ لم يفطر؛ لأنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه, فلا تفطره؛ كآثار المضمضة والسواك الرطب.
ومثل ذلك أيضاً لو أدخل إلى فيه حصاة مبلولة بماء أو نحوه, أو مص لسان غيره ونحو ذلك مما يكون عليه رطوبة يسيرة؛ ففيه الوجهان المذكوران.
ولو تعلق بصاقه بخيط ونحوه, ثم أعاده إلى فمه؛ فينبغي أن يخرَّج على هذين الوجهين.
وإن كان للخيط طعم: قال عبد الله: سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط؟ يعجبني أن يتبزق.

الجزء: 1 - الصفحة: 475

وجعل بعض أصحابنا التبزق لما يجده من طعم الخيوط.
والأظهر أن التبزق لما يصير على خيط من الريق, ثم يعود إلى فمه, ولأنه نص على أن وضع الدينار والدرهم في الفم لا بأس به ما لم يجد طعمه.
وإن ابتلع نخامة من صدره أو رأسه؛ فإنه يكره.
وهل يفطر؟ على روايتين: إحداهما: يفطر.
قال في رواية حنبل: إذا تنخم الصائم ثم ازدرده؛ فقد أفطر, فإن بلع ريقه؛ لم يفطر؛ لأن النخامة تنزل من الرأس والريق من الفم, فبينهما فرق.
ولو أن رجلاً تنخع من جوفه, ثم ازدرده؛ فقد أفطر؛ لأنه شيء قد بان منه, وكان بمنزلة من أكل شيئاً.
ولا ينبغي أن يتنخع ويقلع من جوفه [بلغماً] أو غيره؛ إلا أن يغلبه أمر, فيقذفه ولا يزدرده؛ فقد نص على الفطر بنخامة الرأس والصدر, وجعل نخامة الصدر بمنزلة القيء لا يتعمد إخراجها إلا أن يغلب, وهذا لأنه خارج [من البطن] أمكن التحرز من عوده, فأفطر به؛ كالقلس والدم.
والثانية: لا يفطر.
قال ابن عقيل: وهي أصحهما.
قال في رواية المروذي: ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخاعة وأنت صائم؛ إلا أنه لا يعجبني أن يفعل.
والنخاعة إذا كانت من الصدر ليس فيها طعام؛ فلا بأس, وإن استقاء

الجزء: 1 - الصفحة: 476

حتى يخرج الطعام؛ فعليه القضاء.
ونقل أبو طالب.
. . . فقد نص على أن النخاعة لا يفطر ابتلاعها مطلقاً, وبيَّن أن التي تخرج من الصدر لا يفطر [بخروجها]؛ إلا أن يخرج الطعام فيكون قيئاً, وهذا.
. . . وذكر ابن أبي موسى: أن الروايتين في نخامة الصدر, فأما التي من الرأس؛ فيفطر رواية واحدة, والفرق بينهما أن التي من الصدر بمنزلة البصاق؛ بخلاف التي من الرأس.
فأما القلس إذا خرج ثم عاد بغير اختياره؛ لم يفطره, وإذا ابتلعه عمداً؛ فإنه يفطر, نص عليه في رواية صالح: إذا ابتلع القلس؛ أعاد صومه, وأما في الصلاة؛ فإن كان بقدر ما يكون في الأسنان؛ فأرجو أن لا يكون عليه قضاء الصلاة.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه لا فرق بين الصلاة والصيام, وكذلك لو جرح فمه فسال دمه, كذلك ما يبقى بين الأسنان من خبز ولحم أو سويق ونحو ذلك, إذا أمكنه أن يلفظه فابتلعه ذاكراً لصومه؛ أفطر, سواء كان قليلاً أو كثيراً.
قال ابن أبي موسى: إن بقي بين أسنانه من طعام ما يعلم به ويقدر على

الجزء: 1 - الصفحة: 477

لفظه فازدرده؛ أفطر, وإن كان لا يعلم به, فجرى به الريق عن غير قصد, ويقدر على لفظه, فازدرده؛ لم يفطر.
وإن أصبح وهو في فيه, فلفظه؛ لم يفطر.
فأما ما يجري به الريق وهو ما لا يتميز عن الريق؛ فإنه لا يفطر به؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة, وهو التبزق.
وإذا تنجس فمه بالقيء أو الدم ونحوهما, أو بشيء من خارج, وابتلع ريقه؛ لم يفطر بابتلاع الريق, وإن كان نجساً؛ إلا أن يكون معه جزء من النجاسة يمكن لفظه؛ لأن ما يجري به الريق لا يفطر به؛ كأثر المضمضة وأثر الطعام؛ إلا أن يكون قد وضع النجاسة في فمه عمداً.

* فصل:

وما يوضع في الفم من طعام أو غيره

لا يفطر؛ لأن المضمضة جائزة بالسنة المستفيضة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتمضمضون في وضوئهم وهم صيام.
وقد قال للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائماً»؛ فأمره بالاستنشاق مع الصوم دون المبالغة فيه.
وقد ضرب لعمر المثل بالمضمضة في أنها لا تفطر الصائم.
490 - ولما روي.
. .: «أن أسامة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم, وقد شج ودمه يسيل, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمص الدم من شجته».

الحديث: 490 - الجزء: 1 - الصفحة: 478

والدم محرم أكله, ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم [بإدخاله] الدم إلى فمه بآكل ولا منهي عنه في هذا الحال.
فكذلك الأشياء إذا دخلت فم الصائم لا تضره, لكن يكره ذلك إذا لم تدع إليه الحاجة؛ [لأن فيه حوماً حول الحمى].
فأما إن كان لحاجة؛ مثل أن يذوق طعم القدر أو خلاَّ ونحوه مما يريد شراءه, أو يمضغ الخبز للصبي ونحو ذلك؛ ففيه روايتان: إحداهما: يكره.

الجزء: 1 - الصفحة: 479

491 - قال في رواية حنبل: عن عكرمة, عن ابن عباس: «لا بأس أن يذوق الصائم الخل والشيء الذي يريد شراءه ما لم يدخل حلقه».
492 - ومنصور عن الحسن: «أنه كان يمضغ الجوز والشيء لابنه, وهو صائم».
قال أبو عبد الله: أحب إليَّ أن يجتنب الصائم ذوق الشيء, فإن فعل؛ لم يضره, ولا بأس به».
وهو اختيار أبي الخطّاب.
والثانية: لا يكره.
قال في رواية أبي الحارث: يمضغ للصبي الخبز في شهر رمضان ضرورة.
وهذا قول أبي بكر وابن عقيل.
وقال القاضي: إذا كان الشيء الذي يذوقه مما يتحلل إلى حلقه مثل الخل وغيره من الأشياء؛ منع من ذلك.
[وإن كان ما لا يتحلل غالباً كالخبز والقثاء ونحو ذلك؛ جاز له ذلك]؛ فإن فعل, فوجد طعمه أو نزل إلى جوفه بغير اختياره:

الحديث: 491 - الجزء: 1 - الصفحة: 480

فقال أبو بكر: لا يضرُّه ما لم يبلعه أو يزدرده متعمداً, وعلى الغلبة لا قضاء عليه.
وقال القاضي وأصحابه وغيرهم من أصحابنا: يفطر بنفس وجود الطعم, وإن ذاقه ثم لفظه؛ لأنه يُعلم أنه قد تحلل إلى حلقه منه شيء؛ بخلاف ما إذا لم يجد طعمه في حلقه, وبخلاف العلك الذي يصلب بالعلك؛ فإن الريق يتميز عنه ويأخذ الطعم منه, وهذه المذوقات لا يتميز الريق منها.
وأكثر كلام أحمد على هذا, ورواية ابن القاسم توافق قول أبي بكر.
فأما وضع ما لا طعم له؛ فلا يكره.
قال في رواية المروذي: إذا وضع الصائم في فمه ديناراً أو درهماً وهو صائم؛ أرجو أن لا يكون به بأس؛ ما لم يجد طعمه, وما وجد طعمه لا يعجبني.
قال ابن عقيل: وهذا عندي محمول على أجزاء ما يكون على الدينار من غبار وما شاكله, فأما الذهب؛ فلا طعم له في نفسه, ولو كان له طعم؛ فإنه لا يتحلل منه شيء إلى الفم.
وإذا وجد طعم الدرهم والدينار؛ ففيه وجهان على ما ذكره القاضي.
فأما ما يبقى في الفم من أجزاء الماء في المضمضة؛ فإنه لا يفطر بوصوله إلى جوفه, وإن أمكن الاحتراز عنه بالبصق, ولا يستحب إخراجه.
فأما ما يبقى من أثر المذوق.
. . . ويكره للصائم مضغ العلك, وهو الموميا واللبان, الذي كلما علكه؛ قوي وصلب ولم يتحلل منه شيء؛ لما تقدم من أنه لا حاجة إليه, وهو يحلب الفم

الجزء: 1 - الصفحة: 481

ويجمع الريق فيه ويورث العطش, وجمع الريق وبلعه مكروه, ولا يفطر باجتماع هذا الريق وابتلاعه ما لم يجد طعم العلك.
قاله القاضي وغيره من أصحابنا.
وذكر ابن عقيل فيه الروايتين التي تقدمت فيمن جمع الريق وبلعه: فإن ابتلع الريق فوجد طعم العلك في حلقه؛ فقد قال أحمد فيما إذا وجد طعم الدينار: لا يعجبني.
وهذا مثله, وفيه وجهان: أحدهما: أنه يفطر.
قال القاضي: وهو ظاهر قوله: «لأنه وجد الطعم في حلقه» , فأفطر كما لو [وجد طعم الكحل] وأولى, ولأن الريق باختلاطه بالعلك وامتزاجه به صار بمنزلة شيء من خارج, فإذا بلعه؛ فقد بلع جسماً له طعم فيفطر؛ كما لو مزج ريقه بخل ثم بلعه.
والثاني: لا يفطر.
لأن الطعم عرض, وهو لم ينزل في حلقه شيء من الأجسام, وهو لا يفطر بهذا؛ كما لو وضع رجله في الماء فوجد بردها, كما لو لطخ رجله بالحنظل فوجد طعمه في فيه؛ فإنه لا يفطر.
فأما الذي يتحلل منه أجزاء وهو يتفشى ويتهرأ بالعلك: فقال أصحابنا: لا يجوز له مضغه, ومتى مضغه فوجد طعمه في حلقه؛ أفطر.
وقال ابن عقيل: يحرم مضغه ويفسد الصوم؛ لأنه ابتلع في صومه ما يقدر على التحرز منه.
وقال غيرهما: يحرم؛ إلا إذا لم يبتلع ريقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 482

وقال غيره: هذا إذا لم يكن إليه حاجة, فأما مع الحاجة؛ فيجوز.
وذكر القاضي: أنه لا يعلكه, ولم يكره؛ كما نص عليه أحمد في مضغ الجوز وغيره.
وإذا كانت الحاجة إليه؛ ففي الكراهة الروايتان.
وإذا وجد طعمه وأثره وبصاقه في فيه؛ فعلى الوجهين: فإن مضغ هذا العلك, فنزل في حلقه منه شيء؛ أفطر؛ لأنه أجزاء منه؛ فهو كما لو جعل في [فمه] طعام, فذاب ونزل في حلقه.
وإن وجد الطعم, ولم يتيقن نزول الأجزاء؛ أفطر أيضاً.
قاله أبو الخطاب.
وهو مقتضى قول القاضي؛ لأن طعم هذه العلك لا ينفصل عن أجزائها؛ فإنها تختلط بالريق وتمتزج به.
وهل يكره السواك الرطب؟ على روايتين: إحداهما: يكره.
نقلها الأثرم, فقال: لا يعجبني السواك الرطب.
والثانية: الرطب واليابس سواء.
قال في رواية ابن هانئ: أرجو؛ أي: سواء كان الرطب واليابس للصائم.
وهو اختيار أبي بكر.
وأما ابتلاع ريق الغير؛ فإنه يفطر أيضاً فيما ذكره أصحابنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 483

493 - واعتذروا عما روي عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها».
رواه أحمد وأبو داوود.

الحديث: 493 - الجزء: 1 - الصفحة: 484

فإنه قد روي عن أبي داوود: أنه قال: هذا إسناد ليس بصحيح.
وإنه يجوز أن يكون المصُّ في غير وقت التقبيل, وأن يكون قد مصه ولم يبتلعه.
وحمله بعضهم على أن البلل الذي على لسانها لم يتحقق انفصاله إلى فيه ودخوله إلى جوفه لقلته, فلم يفطر على إحدى المقدمتين.
الفصل الثالث: إذا فكر فأنزل, أو قطر في إحليله, أو احتلم, أو ذرعه القيء؛ فإنه لا يفسد صومه.
أما القيء والاحتلام: فمن غير خلاف.
وأما إذا فكر فأنزل: فقد تقدم أن فيها وجهين: وإذا قطر في إحليله: لم يفطر بمجرد ذلك, وكذلك لا يفسد صومه لو أنزل بغير شهوة؛ كالذي يخرج منه المني أو المذي لغير شهوة.

الجزء: 1 - الصفحة: 485

* فصل

: وقال الأثرم: قضية المباشرة شبيهة بقضية القبلة, فالقبلة إذا خاف الصائم أن ينتشر؛ اجتنبها, وإذا أمن ذلك؛ فلا بأس بها, وذلك أن ينتشر فيمذي فيجرح صومه.
ولا يباشر الصائم النساء لشهوة.
قاله ابن أبي موسى.
وهل هو محرم أم مكروه؟ ولفظه: ولا تقرب النساء بجماع ولا مباشرة في نهار الصوم ولا قبلة إذا كان شديداً شابّاً شبقاً يخاف على نفسه.
فأما مباشرتها لغير شهوة؛ مثل أن يمس يدها لمرض ونحوه؛ فلا يكره؛ كما لا يكره في الإِحرام والاعتكاف.
وقال ابن عقيل: المباشرات دون الفرج مثل القبلة واللمس والمعانقة والمصافحة لشهوة: إن كان من الشيخ الهرم الذي لا تحرك القبلة منه ساكناً؛ فلا إثم عليه ولا قضاء ولا كفارة, وإن كان شابّاً؛ كره له ذلك, وأثم بفعله.
فأما القبلة: فإن كانت تحرك شهوته بأن يكون شابّاً؛ كرهت له القبلة.
قال بعض أصحابنا: كراهة تحريم.
وكذلك ذكر ابن عقيل وأبو الحسين.
وقال بعضهم: إذا كان ذا شهوة مفرطة؛ بحيث يغلب على ظنه أنه ينزل معها؛ حرمت كما يحرم [عليه] الاستمناء, وإن لم ينزل معه, وإلا؛ كرهت ولم تحرم.
وإن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته؛ فعلى روايتين:

الجزء: 1 - الصفحة: 486

إحداهما: لا بأس بها.
قال في رواية أبي داوود: إذا كان لا يخاف؛ فإذا كان شابّاً؛ فلا.
وقال في رواية ابن منصور وقد سئل عن الصائم يقبل أو يباشر: أما المباشرة شديدة, والقبلة أهون.
والثانية: يكره مطلقاً.
قال في رواية حنبل: وقد سئل عن القبلة للصائم, فقال: لا يقبل, وينبغي له أن يحفظ صومه, والشاب [ينبغي له] أن يجتنب ذلك؛ لما يخاف من نقض صومه.
وهذه الكراهة كراهة تحريم فيما ذكره القاضي وابنه أبو الحسين.
لأن الله سبحانه قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ.
. .﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. والمباشرة أن تلاقي البشرة للبشرة على وجه الاستمتاع, وهو أعم من الجماع.
وقد مُدَّ إباحة ذلك إلى تبين الفجر, يدل على ذلك أنه قال في الاعتكاف: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ , وعم ذلك المباشرة بالوطء والغمز والقبلة, وكذلك قوله في آية الحج: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ , [والرفث الجماع ومقدماته].

الجزء: 1 - الصفحة: 487

وآية الصيام قد ذكر فيها الرفث [والمباشرة] , ولأن كل عبادة حرمت من الوطء؛ حرمت مقدماته؛ كالإِحرام والاعتكاف, ولأن المباشرة والقبلة من دواعي الجماع؛ فلا يؤمن أن يقترن بها إنزال مني أو مذي, أو أن تدعو إلى الازدياد والإِكثار, فيفضي إلى الجماع.

  • فإن سلمة بن صخر رأى بياض ساق امرأته, فدعاه ذلك إلى جماعها.
    ومن نصر هذه الرواية؛ قال: إن تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم كان من خصائصه.
    494 - لما روت عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم, ويباشر وهو صائم, وكان أملككم لإِربه».
    متفق عليه.
    وفي رواية لمسلم: «في شهر رمضان».
    والرواية الأولى اختيار أبي موسى والقاضي وأصحابه.
    495 - لما روي عن امسلمة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم».
    متفق عليه.
    وعن عمرو بن أبي سلمة: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال

الحديث: 494 - الجزء: 1 - الصفحة: 488

له: «سل هذه (لأم سلمة»).
فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
فقال: يا رسول الله! قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله؛ إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
رواه مسلم.
[وتكرار] النظر مكروه لمن تحرك شهوته بخلاف من لا تحرك شهوته.
وقيل: لا يكره بحال.
496 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له, وأتاه آخر فنهاه عنها؛ فإذا الذي رخص له شيخ, وإذا الذي نهاه شاب».
رواه أبو داوود.

الحديث: 496 - الجزء: 1 - الصفحة: 489

مسألة:

«ومن أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً؛ أفطر».

هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن يأكل معتقداً بقاء الليل, فتبين له أنه أكل بعد طلوع الفجر.
والثانية: أن يأكل معتقداً غروب الشمس لتغيم السماء ونحو ذلك, فتبين أنه أكل قبل مغيبها, وفي كلا الموضعين يكون مفطراً, سواء في ذلك صوم رمضان وغيره, لكن إن كان في رمضان؛ لزمه أن يصوم بقية يومه [حتى لو جامع فيه لزمته الكفارة وعليه القضاء.
هذا نصه في غير موضع ومذهبه] وإن كان في قضاء رمضان؛ جاز له الخروج منه, والأفضل إتمامه وقضاؤه.
وإن كان في غير رمضان؛ لم يلزمه المضي فيه؛ سواء كان نفلاً أو نذراً معيناً أو صوم متتابع؛ كصوم كفارة الظهار والقتل, ولا ينقطع تتابعه بالأكل فيه بعد ذلك, هكذا ذكر.
. . . وذلك لأن الله تعالى يقول: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].

الجزء: 1 - الصفحة: 490

وهذا أكل بعد أن تبين بياض النهار من سواد الليل أو لم يتم صيامه إلى الليل.
497 - لما روى علي بن حنظلة عن أبيه؛ قال: كنا مع عمر بن الخطاب في شهر رمضان, فلما غابت الشمس فيما يرون؛ أفطر بعض الناس, فقال رجل: يا أمير المؤمنين! هذه الشمس بادية.
فقال: «أعاذنا الله من شرك, ما بعثناك راعياً للشمس».
ثم قال: «من أفطر منكم؛ فليصم يوماً مكانه».
498 - وعن بشر بن قيس؛ قال: «كنا عند عمر بن الخطاب في عيشة رمضان, وكان يوم غيم, فجاءنا سويق, فشرب, وقال لي: أتشرب؟ فشربت, فأبصرنا بعد ذلك الشمس, فقال عمر: لا والله؛ ما نبالي أن نقضي يوماً مكانه».

الحديث: 497 - الجزء: 1 - الصفحة: 491

499 - وعن زيد بن أسلم, عن أخيه, عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب أفطر, فقالوا له: طلعت الشمس.
فقال: خطب يسير, قد كنا جاهلين».
رواهن سعيد.

الحديث: 499 - الجزء: 1 - الصفحة: 492

ورواه مالك, عن زيد بن أسلم, عن أبيه: «أن عمر أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم, رأى أن قد أمسى وغابت الشمس, فجاءه رجل, فقال: يا أمير المؤمنين! قد طلعت الشمس.
فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير, وقد اجتهدنا».
قال مالك: يريد بذلك القضاء, ويسير مؤنته وخفته فيما نرى.
والله أعلم.
قال أحمد في رواية الأثرم: إذا تسحر وظن الفجر لم يطلع فشرب, ثم علم أنه طلع؛ يقضي يوماً مكانه, ومن أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت.
يذهب إلى القضاء؛ على حديث زيد بن أسلم عن أخيه عن أبيه عن عمر بن

الجزء: 1 - الصفحة: 493

الخطاب؛ قال: قضاء يوم يسير.
يقول: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ , فيقضي إذا أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت.
500 - وعن مكحول: أن أبا سعيد الخدري سئل عن رجل تسحر وهو يرى أن عليه ليلاً, وقد طلع الفجر؟ فقال: «إن كان في شهر رمضان؛ صام يومه ذلك وعليه قضاء يوم مكانه, وإن كان من غير شهر رمضان؛ فليأكل من آخره؛ فقد أكل من أوله».
501 - وعن يحيى الجزار؛ قال: سئل ابن مسعود عن الرجل يتسحر وهو يرى [أنه ليل] , وقد طلع الفجر؟ قال: «من أكل من أول النهار؛ فليأكل من آخره».
رواهن سعيد.

الحديث: 500 - الجزء: 1 - الصفحة: 494

فقد اتفقت الصحابة رضي الله عنهم على إيجاب القضاء مع الجهل؛ لأنه أفطر في جزء من رمضان يعتقده وقت فطر, فلزمه القضاء؛ كما لو أفطر يوم ثلاثين من شعبان, فتبين أنه من رمضان.
والفرق بين هذا وبين الناسي: أنه قد كان يمكنه الاحتراز؛ لأنه أكل باجتهاده, فتبين خطأ اجتهاده؛ بخلاف الناسي؛ فإنه لا يمكنه الاحتراز.

مسألة:

وإن أكل شاكّاً في طلوع الفجر؛ لم يفسد صومه, وإن أكل شاكّاً في غروب الشمس؛ فسد صومه.

الجزء: 1 - الصفحة: 495

هذا منصوص أحمد وأصحابه.
قال حرب: قيل لأحمد: رجل يتسحر وقد طلع الفجر؟ قال: إذا استيقن بطلوع الفجر؛ أعاد الصيام, وإن شك؛ فليس عليه شيء أرجو.
إلا أن القاضي ذكر في بعض المواضع: أنه لو أكل يظن أن الفجر لم يطلع؛ كان عليه القضاء, وإن كان الأصل بقاء الليل؛ احتياطاً؛ كما لو أكل وظن أن الشمس غربت.
وكذلك ذكر ابن عقيل في بعض المواضع: من خاف طلوع الفجر؛ يجب عليه أن يمسك جزءاً من الليل؛ ليتحقق له صوم جميع [النهار] , وقاس عليه يوم [الإِغمام].
وذكر ابن عقيل في موضع آخر: أنه إذا أكل ثم شك هل طلع الفجر أو غربت الشمس؟ ولم يبين له يقين الخطأ؛ فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يتيقن وجود سبب القضاء.
والمذهب الذي ذكراه في سائر المواضع وذكره عامة الأصحاب كالمنصوص؛ لأن الأصل بقاء النهار؛ فإذا أكل قبل أن يعلم الغروب؛ فقد أكل في الوقت الذي يحكم بأنه نهار, وإذا أكل قبل أن يتبين الفجر؛ فقد أكل في الوقت الذي يحكم بأنه ليل, ولأن الله سبحانه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ فمن أكل وهو شاك؛ فقد أكل قبل أن يتبين له الخيط الأبيض.
ولأن الأكل مع الشك في طلوع الفجر جائز, والأكل مع الشك في الغروب غير جائز؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى, وإذا فعل الجائز؛ لم يفطر؛

الجزء: 1 - الصفحة: 496

إلا أن يتبين له الخطأ.
وإن غلب على ظنه طلوع الفجر: فقال بعض أصحابنا: هو كما استيقنه؛ لأن غلبة الظن في مواقيت العبادات تجري مجرى اليقين.
وظاهر قول أحمد وابن أبي موسى: أنه ما لم يتيقن طلوعه؛ فصومه تام.
وإن غلب على ظنه غروب الشمس؛ جاز له الفطر.
وقياس قول القاضي في الصلاة.
. . .

* فصل:

[الوقت] الذي يجب صيامه

من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب قرص الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. 502 - وعن سهل بن سعد؛ قال: «أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ , ولم ينزل: مِنَ الْفَجْرِ} , فكان رجال إذا أرادوا الصوم؛ ربط أحدهم في رجليه الأبيض والخيط الأسود, ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, فأنزل الله بعد ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , فعلموا إنما يعني الليل والنهار» أخرجاه.

الحديث: 502 - الجزء: 1 - الصفحة: 497

503 - وعن عدي بن حاتم؛ قال: لما نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ عمدت إلى عقالين؛ عقال أبيض وعقال أسود, فوضعتهما تحت وسادتي, فجعلت أقوم الليل فلا يتبين لي, فلما أصبحت؛ ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال: «إن وسادك لعريض, إنما هو بياض النهار من سواد الليل».
رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
504 - وعن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا, حتى يستطير هكذا».
قال: يعني: معترضاً.
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
ولفظ أحمد وأبي داوود والترمذي: «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال, ولا الفجر المستطيل, ولكن الفجر المستطير في الأفق».
وفي لفظ لأحمد: «لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر».
505 - وعن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن (أو قال: ينادي) بليل؛ ليرجع قائمكم, ويوقظ نائمكم, وليس الفجر أن يقول هكذا, ولكن يقول هكذا (يعني: الفجر هو المعترض وليس بالمستطيل»).
رواه الجماعة إلا الترمذي.

الحديث: 503 - الجزء: 1 - الصفحة: 498

وفي رواية صحيحة: «ليس أن يقول هكذا (وضم يده ورفعها) , ولكن يقول هكذا (وفرق بين السباتين»).
506 - وعن ابن أبي ذئب, عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هما فجران؛ فأما الفجر الذي كأنه ذنب السرحان؛ فإنه لا يحل شيئاً ولا يحرمه, وأما المستطير الذي يأخذ الأفق؛ فبه تحل الصلاة ويحرم الصيام».
رواه أبو داوود في «مراسيله».
507 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أقبل الليل, وأدبر النهار, (وفي لفظ: وغابت الشمس)؛ أفطر الصائم».
508 - وعن عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان, فلما غابت الشمس؛ قال: «يا بلال! انزل فاجدح لنا».
فقال: يا رسول الله! إن عليك نهاراً.
قال: «انزل فاجدح».
فنزل, فجدح, فأتاه به, فشرب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا؛ فقد أفطر

الحديث: 506 - الجزء: 1 - الصفحة: 499

الصائم (وأشار بأصبعه قبل المشرق»).
رواه الجماعة إلا ابن ماجه والترمذي.
[وفي رواية ابن عيينة عن الشيباني عن ابن أبي أوفى؛ قال: «انزل فاجدح لي».
قال: الشمس يا رسول الله! قال: «انزل فاجدح».
فجدح له فشرب.
قال: فلو نزا أحد على بعيره لرآها (يعني: الشمس) , ثم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده قبل المشرق, فقال: «إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا؛ فقد أفطر الصائم»].

* فصل:

والسنة تعجيل الفطور

لقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. 509 - وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا غربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم».
510 - «وأمر بلالاً لما غربت الشمس أن ينزل فيجدح لهم السويق».
511 - وعن سهل بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».
رواه الجماعة إلا أبا داوود والنسائي.

الحديث: 509 - الجزء: 1 - الصفحة: 500

512 - وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إن أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطراً».
رواه أحمد واحتج به, وللترمذي حسن غريب.
513 - وعن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون».
رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه, ولفظه: «لا يزال الناس بخير».

الحديث: 512 - الجزء: 1 - الصفحة: 501

514 - وعن سعيد بن المسيب؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا إفطارهم, ولم يؤخروا تأخير أهل المشرق».
رواه مالك وسعيد.
515 - وعن مكحول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فقه الرجل تعجيل فطره وتأخير سحوره؛ فإن الله جاعل لكم من سحوركم بركة».
رواهما سعيد.
516 - وعن أبي عطية الهمداني؛ قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة رحمها الله, فقلنا: يا أم المؤمنين! رجلان من أصحاب محمد, كلاهما لا يألوا عن الخير, أحدهما يعجل الإِفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله.
قالت: كذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية: «يعجل المغرب والإِفطار, والآخر يؤخر المغرب والإِفطار».
وفي رواية: «والآخر أبو موسى».
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه, وقال الترمذي: حسن صحيح.

الحديث: 514 - الجزء: 1 - الصفحة: 502

517 - وعن مورق العجلي, عن أبي الدرداء؛ قال: «ثلاث من أخلاق الأنبياء: التبكير بالإِفطار, والإِبلاغ في السحور, ووضع اليمين على الشمال في الصلاة».
رواه سعيد.
ويستحب التعجيل إذا غاب القرص مع بقاء تلك الحمرة الشديدة, ويستدل على مغيبها باسوداد ناحية المشرق.
وإذا تيقن أو غلب على ظنه مغيبها؛ جاز له الفطر, وليس عليه أن يبحث بعد ذلك.
قاله أصحابنا.
فأما مع الشك؛ فلا يجوز له الفطر, والاختيار أن لا يفطر حتى يتيقن الغروب.
ويتخرج على قول القاضي في مواقيت الصلاة أن لا يفطر حتى يتيقن

الحديث: 517 - الجزء: 1 - الصفحة: 503

الغروب إذا لم يحل بينه وبين الشمس حائل؛ لأنهم أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس, وكذلك على عهد عمر.
518 - وعن ابن عباس؛ قال: «إذا تسحرت, فقلت: إني أرى ذاك الصبح؛ فكل واشرب, وإن قلت: إني أظن ذاك الصبح؛ فكل واشرب, وإذا تبين لك؛ فدع الطعام, وأما الإِفطار؛ فلا تنظر إلى الشمس؛ فإن الشمس يواريها الجبال والسحاب, ولكن انظر إلى الأفق الذي يأتي منه الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم؛ فإذا رأيت الليل؛ فافطر».
رواه سعيد.
519 - وعن قيس بن أبي حازم؛ قال: أتى عمر بن الخطاب بشراب عند الإِفطار, فقال لرجل عنده: «اشرب لعلك من المسوفين؛ سوف سوف».
520 - وعن سعيد؛ قال: قال عمر: «عجلوا الفطر, ولا تنطعوا تنطع أهل العراق».

الحديث: 518 - الجزء: 1 - الصفحة: 504

521 - وعن [أيمن] المكي: أنه نزل على أبي سعيد الخدري, فرآه يفطر قبل مغيب القرص.
رواهن سعيد.
وهذا محمول على القرص الأحمر لا على نفس قرص الشمس.
522 - وعن مجاهد؛ قال: كنت آتي ابن عمر بشراب للفطر, وكنت أخفيه من الناس لتعجيل الإِفطار.
وفي رواية: كان يدعو بالشراب وهو صائم, فآخذ في نفسي من سرعة ما يشرب.
523 - وعن رجل: «أن ابن عمر كان يدعو بالشراب وهو صائم, فيغمزه ابنه أن لا تعجل حتى يؤذن المؤذن, ففطن له ابن عمر, فقال: ويلك! أترى هذا أفقه في دين الله مني».
رواهن سعيد.

الحديث: 521 - الجزء: 1 - الصفحة: 505

ويستحب أن يفطر قبل الصلاة: لأن التعجيل إنما يحصل بذلك, ولأنه أقرب إلى جمع الهم في الصلاة, ولأن الفصل بين زمن الصوم وغيره مشروع [إذا كان الإِمساك في غير زمان الصوم غير مشروع] , ولهذا استحب الفطر يوم الفطر قبل الصلاة؛ كما يدل عليه حديث بلال.
524 - وكما [جاء] عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن

الحديث: 524 - الجزء: 1 - الصفحة: 506

يصلي, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر قبل الصلاة, وكذلك في حديث عمر وأبي سعيد وابن عمر 525 - وعن عبد الرحمن بن عبيد؛ قال: حضرنا الإِفطار عند علي في رمضان, فقال: «ابدؤوا فاطعموا؛ فإنه أحسن لصلاتكم».
رواه سعيد.
526 - وعن ابن عباس وطائفة: أنهم كانوا يفطرون قبل الصلاة.

الحديث: 525 - الجزء: 1 - الصفحة: 507

527 - وقد روي عن مالك, عن ابن شهاب, عن حميد بن عبد الرحمن: أنه أخبره: «أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب, ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا, ثم يفطرا بعد ذلك في رمضان».

الحديث: 527 - الجزء: 1 - الصفحة: 508

ورواه معمر, عن ابن شهاب, عن حميد بن عبد الرحمن: «أن عمر وعثمان رضي الله عنهما كانا يصليان المغرب في رمضان قبل أن يفطرا».
وينبغي له أن يفطر على خلوفه: 528 - لما روى المسيب بن رافع: «أن أبا هريرة كان يكره للصائم عند فطره أن يتمضمض ثم يمجه».
وفي رواية: أنه قال في مضمضة الصائم عند الإِفطار: «يزدرده ولا يمجه».
رواهما سعيد.
لأنه أثر العبادة فلم يضيعه.

الحديث: 528 - الجزء: 1 - الصفحة: 509

ويستحب له الفطر على رطب, فإن لم يكن فعلى تمر, فإن لم يكن فعلى ماء: هكذا قال أصحابنا.
529 - لما روى أنس بن مالك؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي, فإن لم تكن رطبات فتمرات, فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء».
رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وقال: حديث حسن, والدراقطني وقال: هذا إسناد صحيح.
530 - وعن سلمان بن عامر الضبي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أفطر أحدكم؛ فليفطر على تمرات, فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه

الحديث: 529 - الجزء: 1 - الصفحة: 510

طهور».
رواه الخمسة, وقال الترمذي: حديث حسن صحيح, وفي رواية للنسائي: «فإنه بركة».

الجزء: 1 - الصفحة: 511

531 - وعن جابر رضي الله عنه؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يفطر على الرطب ما دام الرطب, وعلى التمر إذا لم يكن رطب, ويختم بهن, ويجعلهنَّ وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً».
رواه الشافعي في «الغيلانيات».
ويستحب أن يدعو عند فطره.
. . . 532 - عن مروان بن سالم؛ قال: رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف, وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر؛ قال: «ذهب الظمأ, وابتلت العروق, وثبت الأجر إن شاء الله تعالى».
رواه أبو داوود والنسائي والدارقطني, وقال: إسناد حسن.

الحديث: 531 - الجزء: 1 - الصفحة: 512

533 - وعن معاذ بن زهرة: أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر؛ قال: «اللهم! لك صمت, وعلى رزقك أفطرت».
رواه أبو داوود.
534 - وعن ابن عباس؛ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر؛ قال: «اللهم! لك صمنا, وعلى رزقك أفطرنا؛ فتقبل منا؛ إنك أنت السميع العليم».
رواه الدارقطني.
قال القاضي: المستحب له أن يدعو عند إفطاره: 535 - بما روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إذا صام أحدكم, فقُدَِّم عشاؤه؛ فليذكر الله عز وجل, وليقل: اللهم! لك صمت, وعلى رزقك أفطرت, سبحانك وبحمدك, اللهم! تقبل منا؛ إنك أنت السميع العليم».

الحديث: 533 - الجزء: 1 - الصفحة: 513

536 - وعن الربيع بن خيثم: أنه كان إذا أفطر؛ قال: «الحمد لله الذي أعانني فصمت, ورزقني فأفطرت».
رواه سعيد.

* فصل:

والسحور سنة

, وكانوا في أول الإِسلام لا يحل لهم ذلك.
537 - قال البراء بن عازب: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً, فحضر الإِفطار, فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي, وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً, فلما حضر الإِفطار؛ أتى امرأته, فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا, ولكن انطلق فأطلب لك.
وكان يومه يعمل, فغلبته عينه, فنام, جاءته امرأته, فلما رأته؛ قالت له: خيبة لك! فلما انتصف النهار؛ غشي عليه, فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ

الحديث: 536 - الجزء: 1 - الصفحة: 514

الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] , ففرحوا بها فرحاً شديداً, ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾».
538 - وعنه أيضاً؛ قال: «لما نزل صوم رمضان؛ كانوا لا يقربون النساء رمضان كله, وكان رجال يخونون أنفسهم, فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ.
. .﴾ الآية [البقرة: 187]».
رواهما البخاري.
539 - قال البراء بن عازب: «كانوا إذا أكلوا لم يأكلوا إلا أكلة حتى يكونوا من الغد.
قال: فعمل رجل من الأنصار في أرض له, فجاء, فقامت امرأته تبتاع شيئاً, فغلبته عيناه, فقام, فأصبح وهو مجهود, فنزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]».
رواه أحمد في «الناسخ و [المنسوخ]».
540 - وعن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ يعني بذلك أهل الكتاب,

الحديث: 538 - الجزء: 1 - الصفحة: 515

[وكان] كتابه على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: «أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد؛ فإذا صلى العتمة ورقد؛ منع ذلك إلى مثلها من القابلة, فنسختها هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.
. .﴾ الآية [البقرة: 187]».
رواهما أحمد في «الناسخ والمنسوخ».
وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى أن الأكل والشرب والنكاح كان مباحاً إلى أن يرقد أو يصلي العشاء.
541 - وقال ورقاء: عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: «كانوا يصومون, فإذا أمسوا؛ أكلوا وشربوا وجامعوا, فإذا رقد أحدهم؛ حرم ذلك كله إلى مثلها من القابلة, وكان منهم رجال يختانون أنفسهم في ذلك, فخفف الله عنهم, وأحل لهم الطعام والشراب والجماع قبل النوم وبعده في الليل كله».

الحديث: 541 - الجزء: 1 - الصفحة: 516

542 - وقال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس؛ في قول الله عز وجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: «وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء؛ حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة, ثم إن أناساً من المسلمين أصابوا النساء والطعام في رمضان بعد العشاء, منهم عمر بن الخطاب, فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ.
. .﴾ إلى قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؛ يعني: انكحوهن, ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾؛ يعني بياض الفجر من سواد الليل, والرفث هو النكاح».
543 - وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ قال: «كتب عليهم إذا نام أحدهم ولم يطعم؛ شيئاً إلى القابلة, وحرم عليهم الرفث إلى نسائهم ليلة الصيام

الحديث: 542 - الجزء: 1 - الصفحة: 517

الشهر كله, فرخص الله لكم, وهو اليوم عليهم ثابت».
رواه أحمد.
544 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة».
رواه الجماعة إلا أبا داوود.
545 - وعن أبي هريرة مثله.
رواه أحمد والنسائي.

الحديث: 544 - الجزء: 1 - الصفحة: 518

546 - وعن ابن مسعود.
رواه النسائي.

الحديث: 546 - الجزء: 1 - الصفحة: 519

547 - وعن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السحور بركة؛ فلا تدعوه, ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين».
رواه أحمد.

الحديث: 547 - الجزء: 1 - الصفحة: 520

قال بعض أصحابنا: وكل ما حصل منه أكل أو شرب؛ حصلت به فضيلة السحور؛ لقوله: «ولو على جرعة ماء».
والأشبه: أنه إن قدر على الأكل؛ فهو السنة.
548 - وعن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر».
رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
549 - وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, عن أبيه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين».

الحديث: 548 - الجزء: 1 - الصفحة: 521

550 - وعن سعيد بن عبد الله بن أبي هند؛ قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده قبضة من تمر, فقال: «نعم؛ سحور المسلم التمر».
551 - وعن راشد بن سعد؛ قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السحور؟ فقال: «ذاك الغذاء المبارك».
552 - وعن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل, وبأكل السحر على صيام النهار».
رواهن سعيد.
والسنة تأخيره.

الحديث: 550 - الجزء: 1 - الصفحة: 522

553 - لما روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطور».
رواه أحمد.
وعن مكحول.
. . . 554 - وعن أنس عن زيد بن ثابت؛ قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم قمنا إلى الصلاة.
قلت: كم كان مقدار ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية».
رواه الجماعة إلا أبا داوود.
ويجوز له أن يأكل ما لم يتبين طلوع الفجر, وإن أكل شاكّاً فيه من غير كراهة, لكن يستحب تركه إذا شك في طلوع الفجر, قاله كثير من أصحابنا.
قال أصحابنا: فإن شك في الفجر؛ فالاحتياط أن لا يأكل.
فإن أكل ولم يتيقن طلوعه؛ فصومه صحيح, وإن غلب على ظنه طلوعه؛ لم يجز الأكل, فإن أكل؛ قضي؛ لأن غالب الظن في المواقيت كاليقين.
وأما الجماع؛ فيكره مع الشك.

الحديث: 553 - الجزء: 1 - الصفحة: 523

قال أحمد في رواية أبي القاسم: الجماع في السحر.
. . في وقت ليس هو مثل الأكل, الأكل أخف وأيسر, وأخاف عليه من الجماع لا يسلم.
وقال في رواية أبي داوود: إذا شك في الفجر؛ يأكل حتى يستيقن طلوعه؛ قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. وقال في رواية يوسف بن موسى: تأخير السحور حتى يعترض الفجر, فإذا كان الطول ناحية القبلة؛ فذلك هو الكاذب, وإذا كان هكذا وأبعد ومدَّ يده باع؛ فذلك هو الصادق.
وقال في رواية حنبل وقد ذكر حديث عدي بن حاتم: ولكن بياض النهار وسواد الليل.
قال أبو عبد الله: إذا طلع؛ [فهو] وقت لا يأكل ولا يشرب؛ فجعل الله عز وجل الفجر علماً وفصلاً بين الليل والنهار.
فقد نص على أنه إذا طلع الفجر الصادق؛ حرم الأكل والشرب.
ونص في رواية حرب والأثرم وغيرهما: أنه إذا تبين أنه أكل بعد طلوع الفجر؛ أفطر.
وهذا هو المذهب.
555 - وقال في رواية عبد الله: عن سواد بن حنظلة, عن سمرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعنكم من السحور أذان بلال, ولا الصبح

الحديث: 555 - الجزء: 1 - الصفحة: 524

المستطير في الأفق».
556 - وقال: عن قيس بن طلق بن [علي] , عن أبيه, عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الفجر الأبيض المعترض ولكنه الأحمر».
وهذا يدل على جواز الأكل إلى ظهور الحمرة, وقد جاءت الأحاديث تدل على مثل.
557 - كما روت عائشة وابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالاً يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن لكم ابن أم مكتوم».
متفق عليه.
وفي رواية لأحمد والبخاري: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر».
قال ابن

الحديث: 556 - الجزء: 1 - الصفحة: 525

شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
فقد أجاز الأكل إلى حين يؤذن ابن أم مكتوم, مع قوله: «إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» , ومعلوم أن من أكل حين تأذينه؛ فقد أكل بعد طلوع الفجر؛ لأنه لا بد أن يتأخر تأذينه عن طلوع الفجر ولو لحظة.
558 - وعن أبي سلمة, عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده؛ فلا يضعه حتى يقضي حاجته».
رواه أبو داوود بإسناد جيد.
ومعلوم أنه أراد النداء الثاني الذي أخبر أنه بعد طلوع الفجر.

الحديث: 558 - الجزء: 1 - الصفحة: 526

559 - وعن قيس بن طلق, عن أبيه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا, ولا يهدينكم الساطع المصعد, وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر».
رواه أبو داوود والترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه وقد اعتمده أحمد.
560 - وعن حذيفة؛ قال: كان بلال يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر, وإني لأبصر مواقع نبلي.
قلت: أبعد الصبح؟ قال: «بعد الصبح؛ إلا أنها لم تطلع الشمس».
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح.

الحديث: 559 - الجزء: 1 - الصفحة: 527

..................

الجزء: 1 - الصفحة: 528

561 - وعن حكيم بن جابر؛ قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر, فقال: الصلاة.
فذهب ثم رجع, فقال: الصلاة.
ثم ذهب ثم رجع, فقال: يا رسول الله! لقد أصبحنا.
فقال: «يرحم الله بلالاً, لولا بلال؛ لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس».
رواه سعيد وأبو داوود في «مراسيله».
562 - وعن مسروق؛ قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم, إنما يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
563 - وعن إبراهيم التيمي, عن أبيه, عن حذيفة؛ قال: «خرجت معه في رمضان إلى الكوفة, فلما طلع الفجر؛ قال: هل كان أحد منكم آكلاً أو شارباً؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم؛ فلا.
فقال لكني.
ثم سرنا, حتى إذا استبطأته بالصلاة, فقال: هل كان منكم أحد آكلاً أو شارباً؟ قلنا: أما رجل يريد الصوم؛ فلا.
قال: لكني, فنزل فتسحر ثم صلى».
564 - وعن حبان بن الحارث؛ قال: «أتيت عليّاً وهو معسكر بدير

الحديث: 561 - الجزء: 1 - الصفحة: 529

أبي موسى, فوجدته يطعم, فقال: ادن فاطعم.
قال: قلت: إني أريد الصيام.
قال: وأنا أريد الصيام: قال: فطعمت معه, فلما فرغ؛ قال: ابنَ التياح! أقم الصلاة».
والصحيح الأول, وأنه إذا دخلت الصلاة؛ حرم الطعام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
[فمنه أدلة: أحدها: قوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾] , ولو كان المراد به انتشار الضوء؛ لقيل الخيط الأحمر؛ فإن الضوء إذا انتشر ظهرت الحمرة.
الثاني: أن الخيط الأبيض يتبين منه الأسود بنفس طلوع الفجر, فينتهي وقت جواز الأكل والشرب حينئذ.
الثالث: تسميته لبياض النهار وسواد الليل بالخيط الأبيض والخيط الأسود دليل على أنه أول البياض الذي يبين في السواد مع لطفه ودقته؛ فإن الخيط يكون مستدقاً.
الرابع: قوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: دليل على أنه يتميز أحد الخيطين من الآخر, وإذا انتشر الضوء؛ لم يبق هناك خيط أسود.
وأيضاً؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي: «إنما هو بياض النهار وسواد الليل» , فعلم أنه أول ما يبدو البياض الصادق يدخل النهار, كما أنه أول ما يقبل من المشرق السواد يدخل الليل.

الجزء: 1 - الصفحة: 530

وأيضاً؛ فإنهم كانوا أولاً يربط أحدهم في رجليه خيطاً أبيض وخيطاً أسود, فنزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ لرفع هذا التوهم.
ثم إن عديّاً رضي الله عنه جعل تحت وسادته عقالين أبيض وأسود, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك لعريض» , وهو كناية عن عرض القفا الذي يكنى به عن قلة الفهم.
وفي رواية: أنه قال له: «يا ابن حاتم! ألم أقل لك: من الفجر, إنما هو بياض النهار وسواد الليل».
فهذا نص من النبي صلى الله عليه وسلم: أن الانتظار إلى أن يتبين مواقع النبل وينتشر الضوء حتى يتبين العقال الأبيض من الأسود غير جائز, وأن بعض المسلمين كان قد غلط أولاً في فهم قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ثم نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , وغلط بعضهم في فهمها بعد ذلك.
وأيضاً قوله: «ولكن يقول هكذا» وفرق بين السبابتين.
وقوله: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل في الأفق».
وفي لفظ: «نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر (أو: يطلع) الفجر»: دليل على أنه متى ظهر البياض المعترض المنتشر الذي به ينفجر الفجر؛ فقد حرم الطعام.
وقد بين ذلك قوله: «وأما الذي يأخذ الأفق؛ فهو الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام».
فبين أن الذي به تحل الصلاة ويحرم الطعام.
وأما حديث حذيفة ومسروق: ففيهما ما يدل على أن عامة المسلمين كانوا على خلاف ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 531

والحديث المرفوع يحتمل أحد شيئين: أحدهما: أن تلك الليلة كانت مقمرة, فكان يبصر مواقع النبل لضوء [القمر] , فاعتقد أنه من ضوء النهار, وهذا يشتبه كثيراً في الليالي التي يقمر آخرها, وتقدم ذكر أحمد ونحو هذا.
قال حرب: سألته؛ قلت: رجل يأكل بعد طلوع الفجر في رمضان وهو لا يعلم؟ قال: يعيد يوماً مكانه.
قلت: فالأحاديث التي رويت في هذا, وذكرت له حديث حذيفة؟ قال: إنه ليس في الحديث أن الفجر كان قد طلع.
الثاني: أن يكون هذا منسوخاً, وكان هذا في الوقت الذي كان رجال يربط أحدهم في رجليه خيطاً أبيض وخيطاً أسود, ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما, حتى نزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ , ويكون هذا كان الواجب عليهم كما فهموه من الآية, ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.
وكذلك قوله في الحديث المرسل: «لولا بلال؛ لرجونا أن يرخص لنا إلى طلوع الشمس»: دليل على أن التحديد بالفجر لم يكن مشروعاً إذْ ذاك.
وأما حديث: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم» , وقوله: «إذا سمع أحدكم النداء والإِناء على يده؛ فلا يضعه حتى يقضي حاجته»؛ فقد قال أحمد في الرجل يتسحر فيسمع الأذان؛ قال: يأكل حتى يطلع الفجر.
فهو دليل على أنه لا يستحب إمساك جزء من الليل, وأن الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: داخلة في المغيَّى؛ بخلافها في قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ , ولهذا جاءت هذه بحروف (حتى) , ولا ريب أن الغاية المحدودة بـ (حتى) تدخل فيما قبلها؛ بخلاف الغاية المحدودة بـ (إلى).

الجزء: 1 - الصفحة: 532

قال أحمد في رواية الميموني في رجل أخذ في سحوره, ثم نظر إلى الفجر: فإن كان قد أكل بعد طلوعه؛ فعليه القضاء, وإن لم يعلم أنه أكل بعد طلوع الفجر؛ فليس عليه شيء.
قال القاضي: وظاهر هذا من كلامه أن الأكل إذا اتصل عند طلوع الفجر؛ لم يضره, ولم يؤثر في النية.
لكن الذي ذكر القاضي في «خلافه» وغيره من أصحابنا: أنه يجب الإِمساك قبل طلوع الفجر؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب, ولا يتم صوم جميع النهار إلا بصوم آخر جزء من الليل, ولهذا وجب عليه غسل جزء من الرأس يستوعب الوجه, وغسل رأس العضد يستوعب المرفق.
وإما إذا شك في طلوع الفجر؛ فيجوز له الأكل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ.
. .﴾ , والشاك لم يتبين له شيء, ولحديث ابن أم مكتوم وأبي هريرة, وقد تقدم عن ابن عباس قوله: «إذا تسحرت فقلت: إني أرى ذلك الصبح؛ فكل واشرب.
وإن قلت: إني أظن ذلك الصبح؛ فكل واشرب, وإذا تبين لك؛ دع الطعام».
565 - وعن أبي الضحى؛ قال: جاء إلى ابن عباس, فسأله عن السحور, فقال رجل من جلسائه: حتى تشك.
فقال ابن عباس: «إن هذا لا

الحديث: 565 - الجزء: 1 - الصفحة: 533

يقول شيئاً, كل ما شككت حتى لا تشك».
566 - وعن عطاء؛ قال: قال ابن عباس لرجل: «طلع الفجر؟».
قال: لا.
فقال لآخر: «طلع الفجر؟».
قال: نعم.
قال: «اختلفتما اسقني».
رواهما سعيد.
والشك تارة يكون مع رعايته للفجر؛ فلا يدري أطلع الضوء أم لا؟ وتارة لاختلاف المخبرين به, وتارة لكونه في موضع محجوب عن الفجر وليس عليه أن يبحث.
567 - عن أبي قلابة؛ قال: قال أبو بكر الصديق وهو يتسحر: «يا غلام! أجف الباب لا يفجأنا الصبح».
رواه سعيد.

* فصل:

ويكره الوصال

الذي يسميه بعض الناس: الطي.
نص عليه في رواية المروذي والأثرم.
قال في رواية حنبل: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفطر على تمرات أو شربة ماء, فيستحب له أن يفطر على تمرات أو ماء, ولا يعجبني أن يواصل,

الحديث: 566 - الجزء: 1 - الصفحة: 534

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
[عن ثابت] , عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل, فواصل ناس من الناس, فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: «لو مد لي الشهر؛ لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم, إني لست كهيئتكم, إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني».
568 - وابن الزبير كان يواصل من الجمعة إلى الجمعة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 569 - قالت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية: أردت أن أصوم يومين متواصلة, فنهاني عن ذلك, وقال: إنما يفعل ذلك النصارى, صوموا كما أمركم الله؛ فإذا كان الليل فأفطروا.
570 - وعن أبي العالية: أنه قال في الوصال في الصيام, فعابه, ثم قال: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ فإذا جاء الليل؛ فهو مفطر, فإن شاء أكل, وإن شاء ترك.
رواهما سعيد.

الحديث: 568 - الجزء: 1 - الصفحة: 535

571 - وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال, فقالوا: إنك تفعله.
فقال: «إني لست كأحدكم, إني أظل يطعمني ربي ويسقيني».
572 - وعن أنس نحوه.
573 - وعنه قال: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان, فواصل ناس من المسلمين, فبلغه ذلك, فقال: «لو مد لنا الشهر؛ لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم, إنكم لستم مثلي (أو: لست مثلكم) , إني أظل يطعمني ربي ويسقين».
متفق عليهما.
574 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «إياكم والوصال».
فقيل: إنك تواصل.
قال: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقين, فاكلفوا من العمل ما تطيقون».
متفق عليهما.
575 - وعن عائشة رضي الله عنها؛ قال: نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم, فقالوا: إنك تواصل.
فقال: «إني لست كهيئتكم, إني يطعمني ربي ويسقين».
أخرجاه.

الحديث: 571 - الجزء: 1 - الصفحة: 536

576 - وعن أبي سعيد الخدري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ى تواصلوا؛ فأيكم أراد أن يواصل؛ فليواصل حتى السحر».
قالوا: إنك تواصل يا رسول الله! قال: «لست كهيئتكم, إني أبيت لي مطعم يطعمني وساقٍ يسقيني».
رواه البخاري.
[وتفسيره] في أظهر الوجهين: أن الله يغذيه بما يغنيه عن الأكل والشرب المعتاد من العلم والإيمان؛ لقوله: «أظل عند ربي» , وذاك إنما يكون بالنهار, ولو أكل الأكل المعتاد بالنهار؛ لأفطر, [ولأنه بيَّن] أنه يواصل, ولو كان يأكل؛ لم يكن مواصلاً.
وأطلق أصحابنا الكراهة, وهذه كراهة تنزيه فيما ذكر أصحابنا؛ لأن أصحاب رسول واصلوا بعد نهيهم, ولو فهموا منه التحريم؛ لما استجازوا أن يعصوا الله ورسوله, بل فهموا أنه نهى رحمة ورفقاً بهم, فظنوا أن بهم قوة على الوصال, وأنهم لا حاجة بهم إلى الفطر, فغضب صلى الله عليه وسلم من هذا الظن المخطئ, ولأنه مجرد ترك الأكل بغير نية الصوم على وجه لا يخاف معه التلف ولا ترك واجب, ومثل هذا لا يكون محرماً.
فإن واصل إلى السحر؛ جاز له من غير كراهة لما تقدم.
وتعجيل الفطر أفضل لما تقدم أيضاً.
وقد روى حنبل عن أحمد: أنه واصل بالعسكر ثمانية أيام, ما رآه طعم ولا شرب حتى كلمه في ذلك, فشرب سويقاً, لما طلبه المتوكل.

الحديث: 576 - الجزء: 1 - الصفحة: 537

فقال أبو بكر: قوله: ما أكل فيها ولا شرب: يحتمل أنه ما رآه أكل ولا شرب, ويكون قد أكل وشرب بحيث ر يراه.
قال: لأن أحمد لا يرى أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم, وقد روى المروذي عنه أنه كان إذا واصل؛ شرب شربة ماء.
. . .

* فصل:

فإن أكل أو شرب ما يرويه وإنْ قل؛ خرج عن حكم النهي.

قال القاضي وابن عقيل: وهو مقتضى ما ذكره المروذي عن أحمد: أنه كان إذا واصل؛ شرب شربة ماء.

  • فصل: وصيام الدهر منهي عنه.
    577 - قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسر مسدود قول أبي موسى:

الحديث: 577 - الجزء: 1 - الصفحة: 538

«من صام الدهر؛ ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها».
فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك» وما فيه من الأحاديث.
وهو إن سرد الصوم يدخل فيه الأيام المنهي عن صيامها: يوم العيدين, وأيام التشريق, وإذا ترك ذلك؛ لم يكن صائماً للدهر المنهي عنه.
هكذا قال أحمد في رواية صالح: إن صام رجل وأفطر أيام التشريق والعيدين؛ رجوت أن لا يكون بذلك بأس, وليس بصائم الدهر.
وقال في رواية حنبل: إذا أفطر العيدين.
. . فليس ذلك صوم الدهر.
578 - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هن أيام عيد, وأيام أكل وشرب».

الحديث: 578 - الجزء: 1 - الصفحة: 539

قال: ويعجبني أن يفطر منه أياماً.
قال القاضي: وظاهر قوله: الأفضل أن يفطر مع هذه الأيام الخمسة أياماً أخر لا بعينها, أفضل من سردها بالصيام, فإن سرد لم يكن منهياً عنه.
وقال أبو محمد: عندي أن صوم [الدهر] مكروه, وإنْ لم يصم هذه الأيام, فإن صامها؛ فقد فعل محرماً.
. . . وهذا في شهر رمضان أعظم لحرمة الشهر.
قال ابن أبي موسى: ينبغي له أن يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله تعالى.

* فصل:

وما كان مكروهاً أو محرماً من الأقوال والأعمال في غير زمن الصوم؛ [ففيه] أشد تحريماً وكراهة.

فيجب على الصائم أن يحفظ صومه من قول الزور والعمل به, ويجتنب الغيبة والرفث والجهل وغير ذلك من خطايا اللسان, وينبغي له أن يترك من

الجزء: 1 - الصفحة: 540

المباح ما لا يعنيه من الألفاظ.
قال أصحابنا: يستحب للصائم أن ينزه صيامه عن اللغو والرفث والكذب والنميمة والمشاتمة والمقاتلة وعن كل لفظ لا يعنيه.
قال أبو عبد الله في رواية حنبل: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ولا يماري, ويصون صومه.
579 - كانوا إذا صاموا؛ قعدوا في المساجد وقالوا: نحفظ صومنا.
والغيبة تكره للصائم؛ فلا يغتاب أحداً, ولا يعمل عملاً يجرح به صومه, ولا تفطر الغيبة للصائم.
ولذلك قال في رواية.
. . . ونقل عنه حرب التوقف في الفطر بالغيبة, فقال: قلت لأحمد: الرجل وهو صائم يعيد الصوم؟ قال: لا أدري كيف هذا وأمسك عنها, وقال: ما أدري.
580 - وذكر أن عبد الرحمن بن مهدي كان يأمر بالوضوء من الغيبة.

الحديث: 579 - الجزء: 1 - الصفحة: 541

581 - وقال إسحاق بن راهوية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور في صيامه؛ فليس له من صيامه شيء».
582 - وقال عدة من أهل العلم من التابعين: إن الكذب يفطر الصائم, والغيبة كذلك؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. 583 - وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
رواه الجماعة؛ إلا مسلم وابن ماجه.
584 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث يومئذٍ ولا يصخب؛ فإن شاتمه أحد أو قاتله؛ فليقل: إني امرؤ صائم, والذي نفس محمد بيده؛ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك, للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر؛ فرح بفطره, وإذا لقي

الحديث: 581 - الجزء: 1 - الصفحة: 542

ربه؛ فرح بصومه».
متفق عليه.

اللهم اغفر لي وارحمني.


الجزء: 1 - الصفحة: 543

انتهى المجلد الأول من كتاب الصيام ويليه المجلد الثاني وأوله باب صيام التطوع

الجزء: 1 - الصفحة: 544

فصول الكتاب · 5 فصل
جارٍ التحميل