الشارح: مصعب بن صلاح
مقدمة اللقاء والتعريف بالناظم والمنظومة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً.
حيَّكم الله أيها الأحبة في لقاءٍ آخر، ونعتذر على الخلل الفني الذي حصل في المرة الماضية في البث، لكن عوَّضناه في هذه المرة.
مباشرةً في هذا الكتاب؛ هذه القصيدة المشهورة النافعة بـ "لامية ابن الوردي"، واسمها: "نصيحة الإخوان ومرشد الخِلان"، لكن اشتهرت باسم مؤلفها فقيل "لامية" -لأن قافيتها اللام- "ابن الوردي" وهو المؤلف، وهو أبو حفص عمر بن المظفر المشهور بابن الوردي، ومن كبار تلاميذ ابن تيمية رحمه الله تعالى، توفي عام سبعمئة وأربعين تقريباً أو حاجة زي دي.
المؤلف كان من الفقهاء القضاة، وكان أديباً شاعراً، حتى قيل عن شعره: "أنه أحلى من السكر وأغلى قيمةً من الجوهر".
نعم، وهذه القصيدة يعني اهتم بها العلماء لما اشتملت عليه من نصائح ووصايا متنوعة في مختلف الأبواب.
ونحن سنقرأها ونعلق -كما تعودنا على طريقتنا المعهودة- على ما يحتاج إلى تعليق، وباذن الله عز وجل نستفيد ما استفاده العلماء قبلنا؛ فقد كانت المنظومة يُعتنى بها في حلق التربية والتعليم، وأيضاً فيها من معاني الزهد وغير ذلك مما سنسمعه.
الخلاصة الجامعة لموضوعات القصيدة
وقبل أن نبدأ، نحب أن نذكر خلاصةً جامعةً لهذه القصيدة وما اشتملت عليه من موضوعات.
فنقول: يمكن أن نقسم هذه القصيدة بحسب الموضوعات التي ذكرها المؤلف إلى عدة موضوعات (خلينا نقول خمسة عشر موضوعاً):
-
النهي عن سفاسف الأمور: حيث ذكر مجموعة من الأشياء السيئة التي ينبغي للمسلم ولطالب العلم وللمؤمن الزاهد المتقي أن يتقيها، وهذا يصل معك إلى البيت الثامن (القصيدة كلها ثمانون بيتاً تقريباً).
-
الحث على التقوى: في البيتين التاسع والعاشر.
-
صيانة العقل: والكلام على العقل وما يصونه ويحافظ عليه، وهذا يصل معك إلى البيت الثالث عشر.
-
ذكر الموت: والحث على تذكره والموعظة به، إلى البيت التاسع عشر.
-
الحث على طلب العلم: من البيت العشرين إلى البيت الثامن والعشرين.
-
الزهد في الدنيا: والنهي عن طلب الجاه والتعلق بها، إلى البيت الحادي والأربعين.
-
النهي عن التفاخر بالأحساب والأنساب ونحوها: إلى البيت السادس والأربعين.
-
الحث على الاكتساب مع الاقتصاد وعدم التبذير: إلى البيت التاسع والأربعين.
-
الحث على احترام السلف والأئمة رضي الله عنهم: إلى البيت الحادي والخمسين.
-
التنبيه إلى المداراة ومجانبة سيئ الخلق: إلى البيت الرابع والخمسين.
-
التحذير من السلطان والدخول عليه ومداراته ومجانبته: إلى البيت الثاني والستين.
-
الحث على قصر الأمل: إلى البيت الرابع والستين.
-
آداب متفرقة وخاتمة المنظومة: من البيت الخامس والستين إلى البيت السابع والسبعين ذكر آداباً متفرقة، ثم ختم المنظومة.
والمنظومة تسمى "اللامية" لأنها على قافية اللام، أي الحرف الأخير من كل بيت هو حرف اللام، وقد نظمها على بحر الرمل (عند الشعراء كل شعر له بحور معروفة، منها بحر الرمل).
وهذا يعني من باب زيادة الفائدة لمن أراد؛ كل بحر من بحور الشعر له ما يسمى بالتفعيلات، هذه التفعيلات يضبطون بها قراءته أو حفظه أو تقطيع الأبيات أو الكلمات حتى إذا أراد أحدكم أن يلحنها يستطيع ذلك.
فيقولون بحر الرمل كل بيت له ضابط (يعني بيت من الشعر يضبط تفعيلاته ووزنه) فيقولون مثلاً بحر الرمل ضابطه:
رمل الشعر ترويه الثقات ... فاعلاتن فاعلاتن فاعلات
ما معنى هذا؟ يعني إذا أردت أن تقرأ القصيدة التي تكون على بحر الرمل، لا بد أن تزن الكلمات على هذه الأوزان، على هذه التفعيلات.
انظر إلى الصوت: (فاعلاتن فاعلاتن فاعلات).
حينما تأتي وتقرأ مثلاً هنا:
(اعتزل ذكر الأغاني والغزل)
لاحظ:
-
(اعتزل ذكـ) = فاعلاتن
-
(ـر الأغاني) = فاعلاتن
-
(والغزل) = فاعلات (هنا يستطيع أن يغير التفعيلة إما أن يقول فاعلن أو فاعلات أو فاعلي أو فاعلة على حسب الوزن).
وهذه فائدة زائدة، أو فائدة ما فيهاش فائدة.
طيب نبدأ الآن مباشرة، تفضل يا أخانا مصعب محمد اقرأ لنا جزاك الله خيراً.
القراءة والتعليق على أبيات المنظومة
القارئ: السلام عليكم ورحمة الله، أحسن الله إليكم شيخنا.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
القارئ: لامية ابن الوردي رحمه الله، يقول الناظم رحمه الله:
«اعتزلْ ذِكرَ الأغاني والغَزَلْ ... وقُلِ الفَصْلَ وجانِبْ مَنْ هَزَلْ»
الشيخ: هذه النصيحة الأولى؛ يأمرك بأن تعتزل -أي تبتعد- عن الأغاني، وفي بعض النسخ (الغواني).
الأغاني معروفة، والغواني جمع غانية والمقصود بها المرأة التي تغني وتفتن الناس (يعني التحذير منها).
«وقل الفصل» أي كن حريصاً على لسانك ولا تقل إلا كلاماً فصلاً، أي كلاماً جاداً موضوعياً كما يقال اليوم، «وجانب من هزل» أي جانب الهزل من الكلام وجانب الهزليين.
نعم.
القارئ: «ودَعِ الذِّكرَ لأيامِ الصِّبَا ... فلأيامِ الصِّبَا نَجْمٌ أَفَلْ»
الشيخ: هذه نصيحة أخرى: «ودع الذكر لأيام الصبا» يعني أن تعلم أن محل لهوك ولعبك وعبثك قد انتهى أوانه وكان في زمان الصبا (أي زمان الصغر والطيش)، «فلأيام الصبا نجم أفل» أي ذهب نجمها واختفى وغاب، فكن حريصاً على وقتك وحياتك واترك اللعب إلا قليلاً، لكن وقت اللعب للأطفال وقد انتهى.
نعم.
القارئ: «إنَّ أحلى عِيشةٍ قضَّيْتَها ... ذهَبَتْ لذَّاتُها والإثْمُ حَلّْ»
الشيخ: هنا لعلها (قضَّيْتَها) بفتح التاء، لأنه يخاطبنا نحن.
والمقصود: إن أهنأ عيشة (وفي رواية إن أحلى)، يعني إن لهوك بعد كبرك وأن أجمل أوقات لعبك واستمتاعك قد ذهبت لذتها.
طبعاً هو يقصد اللعب المحرم لا يقصد اللعب المباح، بدليل قوله: «والإثم حل» يعني اللذة تذهب وبالمعصية ستتلذذ لكن ستذهب ويبقى الإثم، لذلك لا تفتح على نفسك باب اللهو المحرم من البداية.
نعم.
القارئ: «واترُكِ الغادَةَ لا تحفَلْ بها ... تُمْسِ في عِزٍّ وتَرفَعْ وتُجَلّْ»
الشيخ: هذه نصيحة أخرى: «واترك الغادة»، المقصود بالغادة هي المرأة الفاتنة التي تتثنى في مشيها، يعني لا تمشِ وتفتح على نفسك أبواب الزنا من النظر المحرم ونحو ذلك.
لماذا؟ لأنك «تمس في عزٍّ وتُرفع وتجل»، يعني سيصيبك العز والرفعة وتُجل عن المعاصي والوقوع فيها، لأنك إذا فتحت باب النظر إلى هؤلاء النساء دخل في قلبك ثم جرك هذا إلى أن تقع في الزنا والعياذ بالله.
نعم.
القارئ: «والْهَ عنْ آلةِ لَهْوٍ أطرَبَتْ ... وعَنِ الأمْرَدِ مرتَجِّ الكَفَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً تحذير آخر، قال: «والهَ» أي انشغل ولا تقع في آلات لهو وطرب (يعني الموسيقى، آلات الطرب والموسيقى والمعازف محرمة).
وأيضاً نصيحة أخرى: «وعن الأمرد» أي ابتعد عن الأمرد، والأمرد هو الغلام الذي لم تنبت له لحية وكان جميلاً مليحاً شبيهاً بالنساء، وهذا بلا شك أنه يفتن.
«مرتج الكفل» هذا وصف له، يعني كأنه يريد ليس كل أمرد (ليس كل من لم تبرز له لحية أمرد يحذرك من مخالطته لا، وإنما الأمرد الذي فيه بعض صفات النساء ومنها مرتج الكفل أي مضطرب العجيزة)، وهذا بلا شك أنه ليس مستحسناً في الرجل بل هي من أوصاف النساء، فلذلك ابتعد عن مثل هؤلاء ولا تقل هذا رجل وأنا رجل ونحن رجال، لا انتبه! فالشيطان -كما يقال- يجري من ابن آدم مجرى الدم كما قال النبي ﷺ. نعم.
ثم طبعاً هنا انتقده بعض الشراح؛ زاد في وصف هذا الأمرد ببيتين آخرين.
نعم.
القارئ: «إنْ تبدَّى تنكَسِفْ شمسُ الضُّحى ... وإذا ما ماسَ يُزْري بالأَسَلْ»
الشيخ: يعني هذا وصف للأمرد كأنه يريد أن يؤكد أني لا أقصد كل من لم تنبت له لحية، لا، حتى اللي ما عنده لحية ما يقول أنا أمرد أنا حذروني مني العلماء، لا لا لا لست أنت، وإنما المقصود من فيه أوصاف النساء؛ كأن يكون مرتج الكفل أو يكون جميلاً بحيث «إن تبدى» -أي إذا رأيته مثلاً- شبهه بأن «تنكسف شمس الضحى» (يعني كأن جماله يغطي على ضوء الشمس في الضحى).
«وإذا ما ماس» -ماس أي مشى وتبختر كأنه يعني زي ما بنقول بالدارج ماشي شد حيله- «يزري بالأسل»، والأسل (يعني من شدة تمايل هذا الأمرد كأنه في تمايله وليونته يزري بالأسل، والأسل مقصود به الرمح).
نعم.
القارئ: «زادَ إنْ قِسْناهُ بالبَدْرِ سَنَاً ... وعَدَلناهُ بغُصْنٍ فاعتدَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً زيادة في وصف الأمرد، قال: «إن قسناه» أي إن قارنا بينه وبين «البدر» (وهو القمر المكتمل) زاد عليه هذا الأمرد «سناً» أي زاد ضياءً ولمعاناً (هذا من شدة جماله وفتنته)، «أو عدلناه بغصن فاعتدل» أي إذا قايسناه وقارناه بغصن من الأغصان الرفيعة والرشيقة يعتدل الغصن والله المستعان.
ولذلك بعض الشراح انتقده قال لا داعي لهذا الوصف الشديد، ولكن نحسب أن المؤلف نعتذر له أنه أراد أن يبين أنني أريد نوعاً من الأمرد وليس كل المردان.
نعم.
القارئ: «وافتكِرْ في مُنتهى حُسنِ الذي ... أنتَ تَهواهُ تجِدْ أمْراً جلَلْ»
الشيخ: يعني فكر في منتهى حسن كل من تهواه نفسك بالحرام سواء كان أمرداً أو امرأة، مباشرة؛ هذه من الوسائل الجيدة التي تصرفك عن النظر إليه وإلى مفاتنه والافتتان به.
فكر في مناتن جسده كما قال بعض السلف: "من اشتهى امرأة لا تحل له فليتأمل مناتنها" (يعني فكر في هذا الحسن الذي بلغ من الحسن غاية ومنتهى، فكر فيه، فكر في عاقبته)، «تجد أمراً جلل» تجد أنك إذا مت ستموت على سوء خاتمة، إذا وقعت في الزنا أو اللواط تقع في شر جريمة، وهذا لا يفيدك.
نعم.
القارئ: «واتَّقِ اللهَ فتقوَى اللهِ ما ... جاورَتْ قلبَ امرِئٍ إلاَّ وصَلْ»
الشيخ: هنا قال: «واتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل»، هذه وصية بالتقوى، جاورت قلب امرئ يعني كانت الوصية في قلبك دائماً.
نعم.
القارئ: «ليسَ مَنْ يقطعُ طُرْقاً بطلاً ... إنَّما مَنْ يتَّقي اللهَ البَطَلْ»
الشيخ: يعني هذا التحذير من أذية الناس والاعتداء عليهم والعدوان، هذا يسمى بقاطع الطريق.
قال ليس من يقطع طرقاً بطلاً، هذه ليست بطولة بل هذا جبن، «إنما من يتقي الله» هو البطل.
نعم.
القارئ: «واَهجُرِ الخمرةَ إنْ كنتَ فَتَىً ... كيفَ يسعى في جُنونٍ مَنْ عَقَلْ»
الشيخ: هذا التحذير من شرب الخمر، والخمرة هي الخمر، «واهجرها إن كنت فتى» يعني إن كنت صاحب فتوة على تفسير بعض الشراح، وقيل بعضهم إن كنت فتى أي كنت شاباً تملك إرادتك، ثم قال لك: «كيف يسعى في جنون من عقل» فالخمر جنون، كيف لعاقل أن يسعى في أن يصيب نفسه بالجنون؟ نعم.
القارئ: «صَدِّقِ الشَّرْعَ ولا تركَنْ إلى ... رجُلٍ يرصُدُ بالليلِ زُحَلْ»
الشيخ: هذه نصيحة أخرى في التحذير من المنجمين والسحرة والدجالين ألا تصدقهم، إنما صدق الشرع، ولا تركن -أي لا تصدق- هؤلاء السحرة لأنهم من المنجمين من يرصد في الليل زحل (وهو النجم، كوكب المعروف)، يعني كأنه ينظر في النجوم ليستدل بها على علم الغيب، وهذا من الكفر والله المستعان.
نعم.
القارئ: «حارَتِ الأفكارُ في حِكمَةِ مَنْ ... قدْ هدانا سُبُلاً عزَّ وجَلّْ»
الشيخ: هنا أيضاً نصيحة أخرى يقول لك: حارت الأفكار في حكمة من قد هدانا سبلنا عز وجل، أي يعجز الناس عن إدراك حكمة الله الحكيم سبحانه فلذلك يجب عليك التسليم للشرع.
نعم.
القارئ: «كَتَبَ الموتَ على الخَلْقِ فكمْ ... فَلَّ مِنْ جمعٍ وأفنى مِنْ دُوَلْ»
الشيخ: هنا أيضاً نصيحة أخرى وهي تذكر الموت، ومنها أن الموت لا يعرف جيشاً ولا يعرف دولة، فكم فل -أي كم قضى وأهلك الموت- من جيوش قوية وأفنى من دول عظيمة.
نعم.
القارئ: «أينَ نُمْرودُ كَنعانُ ومَنْ ... مَلَكَ الأرضَ ووَلَّى وعَزَلْ»
الشيخ: هذا الآن أيضاً تابع للوصية بتذكر الموت.
نعم.
القارئ: «أينَ عادٌ أينَ فرعَونُ ومَنْ ... رَفَعَ الأهرامَ مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ»
الشيخ: هذه كلها تابعة لتذكير الموت.
القارئ: «أينَ مَنْ سادوا وشادوا وبَنَوْا ... هَلَكَ الكُلُّ ولمْ تُغْنِ القُلَلْ»
الشيخ: كل هذا تابع للموت.
نعم.
القارئ: «أينَ أرْبَابُ الحِجَى أهْلُ النُّهَى ... أينَ أهْلُ العِلْمِ والقَوْمُ الأُوَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً تابع للموت.
نعم.
يعني كل هؤلاء ذهبوا وقد قضوا، لذلك ينبغي عليك أنت -أنت لست بدولة عظيمة وليس لك جيش عظيم ولست ملكاً- فالموت لا يفرق بين الوزير والغفير والملك والحقير إلى أخر.
نعم.
القارئ: «سيعِيدُ اللهُ كُلاًّ منهُمُ ... وسيَجزي فاعِلاً ما قدْ فَعَلْ»
الشيخ: هذا كله تابع للنصيحة بالموت.
القارئ: «أيْ بُنَيَّ اسمَعْ وصايا جَمَعَتْ ... حِكَماً خُصَّتْ بها خَيرُ المِلَلْ»
الشيخ: هذا الآن سيبدأ بذكر وصايا أخرى غير ما سبق، هذه الوصايا ذكر لك أن ميزتها أن هذه الوصايا خصت بها خير الملل أي أمة محمد ﷺ. نعم.
القارئ: «اطلبِ العِلْمَ ولا تكسَلْ فما ... أبعَدَ الخيْرَ على أهْلِ الكَسَلْ»
الشيخ: هذه أول أول نصيحة؛ الحث على طلب العلم والتحذير من الكسل فيه.
لماذا؟ لأن الخير على أهل الكسل يكون أبعد ما يكون، نعم، من جد وجد كما يقولون، من كد وجد.
نعم.
القارئ: «واحْتَفِلْ للفِقْهِ في الدِّينِ ولا ... تشْتَغِلْ عنهُ بمالٍ أوْ خَوَلْ»
الشيخ: أو (خِول)، يقال خِول وخَول والمقصود به الخدم.
يعني الحث على التفقه في الدين وعدم الانشغال عنه مهما انشغلت لا تنشغل عنه، سواء كان انشغالك عنه بالمال أو بالخدم والحشم ونحوهم.
نعم.
القارئ: «واهجُرِ النَّومَ وحصِّلْهُ فمَنْ ... يَعرِفِ المطلوبَ يَحقِرْ ما بَذَلْ»
الشيخ: الحث على النشاط، نعم، واهجر النوم وحصله (أي واهجر النوم وحصل العلم، الهاء هنا تعود للعلم أو الفقه)، فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل (إذا عرفت قيمة ما تطلبه وأن من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وفضائل العلم معروفة عندكم، يحقر ما بذله من الاجتهاد وترك النوم ونحوهم).
نعم.
القارئ: «لا تَقُلْ قدْ ذهَبَتْ أرْبابُهُ ... كُلُّ مَنْ سارَ على الدَّرْبِ وصَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً حث على الاجتهاد في طلب العلم، لا تقل قد ذهبت أربابه (أي ذهب العلماء وكيف سأصبح ماذا سأصبح إذا طلبت هل سأصبح عالماً؟) قال لا تقول هذا، كل من سار على الدرب (أي طلب العلم كما طلبه العلماء) وصل كما وصلوا.
نعم.
القارئ: «في ازديادِ العِلْمِ إرْغامُ العِدى ... وجمالُ العِلْمِ إصلاحُ العَمَلْ»
الشيخ: هنا أيضاً فائدة أخرى للعلم؛ يقول لك إذا لم يكن للعلم إلا هذه الفائدة لكفى، وهي إرغام العدا (أي ترغيم العدو سواء كان جهاده باللسان أو كان جهاده بالسنان).
وجمال العلم (فائدة أخرى) إصلاح العمل، يعني لا ينفع العلم بدون عمل، والعلم من فائدته أنه يصلح عملك.
نعم.
القارئ: «جَمِّلِ المَنْطِقَ بالنَّحْوِ فمَنْ ... يُحْرَمِ الإعرابَ في النُّطْقِ اختَبَلْ»
الشيخ: هذه أيضاً وصية أخرى بالحث على إصلاح اللسان، ومنها تعلم النحو.
جمِّل المنطق (أي جمل نطقك بتعلم النحو)، فمن يحرم الإعراب (المقصود بالإعراب هنا النحو) بالنطق اختبل (أي يصيبه الخبل أي الخطأ فلا يعرف الخطأ من الصواب).
والمقصود بالنحو أصلاً هو -كما قال ابن تيمية- "أن يُفقه مراد الله ورسوله"، وليس فقط مجرد صيانة الإنسان اللسان عن اللحن، هذه فائدة يذكرها الناس كثيراً ليست هي الفائدة الأساسية من النحو، بل قد ذكر علماء اللغة الكبار أن هذه الفائدة ليست هي الفائدة الأساسية من النحو، بل الفائدة الأساسية هي أن يُفقه مراد الله ورسوله كما يجب.
أما صيانة اللسان عن اللحن فهذا جيد، لكن المقصود صيانته عن اللحن في القراءة ثم الفهم الصحيح، أما ألا يلحن الإنسان في كلامه فهذا لم يكن العلماء رحمهم الله حتى أئمة اللغة لم يكونوا يتكلفون في إصلاحه، وهذا مما يغاير ما هو موجود اليوم، وقد ذكر هذا الخليل بن أحمد وذكره سيبويه وذكره الكسائي وهؤلاء من أئمة اللغة؛ كانوا يكرهون التحرز من اللحن في الكلام.
نعم.
القارئ: «وانْظُمِ الشِّعْرَ ولازِمْ مَذهبِي ... فاطِّراحُ الرِّفْدِ في الدُّنيا أقَلّْ»
الشيخ: هذه أيضاً نصيحة أخرى بأن يعتني الإنسان بالشعر، وليس المقصود الإنسان أن يعتني بالشعر كما ثبت في الحديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً»، لكن المقصود الاعتناء بالشعر ما يسمى بالشعر التعليمي (الشعر التعليمي كما هو الآن في هذه القصيدة)، ولذلك أشار إلى هذا بقوله: «ولازم مذهبي» أي خذ مذهبي في هذه المسألة وهو الشعر التعليمي إما نظم العلوم أو إما شعر الزهد والآداب.
ثم قال: «فاطراح الرفد لا تبغِ النحل»، ويقال قال بعض الشعراء: (ولازم مذهبي) هذه نصيحة أخرى ليست تابعة للشعر، يعني وانظم الشعر هذه نصيحة، ثم قال: (ولازم مذهبي في اطراح الرفد) ولعل هذا هو الأقرب (ولازم مذهبي في اطراح الرفد لا تبغ النحل) يعني لا تأخذ شيئاً من أحد لا سيما إذا كان سلطاناً، والرفد المقصود به العطية أو الهدية أو المال ونحو ذلك.
وقيل هذا تابع للأول، يعني وانظم الشعر ولازم مذهبي في اطراح الرفد، أي انظم الشعر ولازم مذهبي في ألا تأخذ مالاً لكي تمدح أحداً بشعرك، وكلها نصائح صحيحة.
نعم.
القارئ: «فهوَ عُنْوانٌ على الفَضْلِ وما ... أحسَنَ الشِّعْرَ إذا لمْ يُبْتَذَلْ»
الشيخ: هذه أيضاً نصيحة أخرى تابعة للشعر، يعني يريد أن يقول لك فائدة هذا الشعر والاعتناء به وقراءته ونحوه؛ أنه عنوان على الفضل (أي دليل على الفضائل لا سيما إذا كانت القصيدة مليئة بالفضائل كما هذه القصيدة)، ثم قال: «وما أحسن الشعر إذا لم يبتذل» هذا تحذير؛ ما أحسن الشعر بشرط ألا يكون مبتذلاً، أي يخلو من الكلام الفارغ أو الكلام الماجن الفاحش البذيء إلى آخره.
ومن أفضل أنواع الشعر هو ما ندرسه في هذا البرنامج القصائد التي قرروها؛ كتائية الألبي ولامية ابن الوردي وأيضاً شعر أبي العتاهية معروف ميمية الآداب للحكمي وغيرها.
نعم.
القارئ: «ماتَ أهْلُ الجُودِ لمْ يَبقَ سِوى ... مُقْرِفٍ أوْ مَنْ على الأصْلِ اتَّكَلْ»
الشيخ: هذه نصيحة أخرى في ما يتعلق بالعلاقات، يريد أن يقول لك انتبه؛ ترى الغالب أن أهل الفضل قد ماتوا ولم يبق سوى مقرف أو من على الأصل اتكل.
مقرف يعني رذل لا يستحق أن يؤاخى، أو رجل يعتمد على أصله ونسبه وشرفه وهو سفيه يقول أنا شريف وأنا جدي فلان وهو سفيه، فلذلك انتبه من مخالطة هؤلاء.
نعم.
القارئ: «أنا لا أخْتارُ تقبيلَ يدٍ ... قَطْعُها أجملُ مِنْ تِلْكَ القُبَلْ»
الشيخ: يقال (أنا لا أختار تقبيل يدٍ) وتقرأ (تقبيل يدي)، «قطعها أجمل من تلك القبل» يعني أنا لا أختار تقبيل يدي بمعنى أني لا أقبل الجوائز والعطايا ولو كانوا يقبلون يدي لكي أفعل لهم ما يطلبونه مني.
نعم.
القارئ: «إنْ جزَتْني عنْ مَديحي صِرْتُ في ... رِقِّها أوْ لا فَيَكفيني الخَجَلْ»
الشيخ: هنا يقول: «إن جزتني عن مديحي صرت في رقها» يعني إذا أخذت العطايا على الشعر وصار أحدهم يعطيني المال يقول امدح فلاناً واهجُ فلاناً بشعرك، هنا قال سأصير في رقها سأكون عبداً لهذه العطايا فلن أستفيد بشعري ولن أفيد وسأكون دخلت في الوعيد لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً، قال: «أو لا» -يعني إن لم أقبل العطايا- «فيكفيني الخجل»، يكفيني أن يعني أشكر وأصون ماء وجهي.
نعم.
القارئ: «أعذَبُ الألفاظِ قولي لَكَ خُذْ ... وأمَرُّ القَوْلِ نُطْقي بلَعَلّْ»
الشيخ: هذه نصيحة أخرى بأن لا يعد الإنسان وعداً إلا ويوفيه، وفيه الحث على الوفاء بالعهد والحث على الصدق.
أعذب الألفاظ -يعني أجملها- قولي لك خذ (أي خذ)، وليس مقصود خذ يعني فعلاً، وإنما المقصود أنك تقول كلاماً وتحسن عاقبته أو تقول قولاً وتحسن تطبيقه أو تفعل فعلاً وتلتزم بتطبيقه.
وأمر اللفظ نطقي بلعل، أي التسويف والتأخير.
نعم.
القارئ: «مُلْكُ كِسْرى عنهُ تُغْني كِسْرةٌ ... وعَنِ البَحْرِ ارْتشافٌ بالوَشَلْ»
الشيخ: هذا من أعذب الأبيات، يقول: «ملك كسرى» كله «تغني عنه كسرة» (هذا الحث على التقلل من الدنيا)، ملك كسرى كله تغني عنه كسرة من الخبز تسد الجوع، «وعن البحر ارتشاف بالوشل» والبحر كله يغنيك عنه ارتشاف -أي تغرف منه غرفة- بالوشل (يعني بغرفة بيديك).
نعم.
القارئ: «اعْتبِرْ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُم ... تَلْقَهُ حقّاً وبالحَقِّ نَزَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً ذكر الدليل على الحث على الزهد في الدنيا، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32] الآية، يعني يقول تأمل في هذه الآية تراها حقاً.
نعم.
القارئ: «ليسَ ما يَحْوِي الفَتَى عنْ عزمِهِ ... لا ولا ما فاتَ يوماً بالكَسَلْ»
الشيخ: هذا حث على الاجتهاد.
القارئ: «واطْرَحِ الدُّنيا فمِنْ عادَتِها ... تخفِضُ العالي وتُعْلي مَنْ سَفَلْ»
الشيخ: هذا واضح في الزهد في الدنيا.
القارئ: «عِيشةُ الزَّاهِدِ في تحصيلِها ... عِيشةُ الجاهِدِ بلْ هذا أذَلّْ»
الشيخ: هذا أيضاً زيادة في الترغيب في الزهد في الدنيا، يقول لك عيشة الزاهد -عيشة الراغب في تحصيل الدنيا- مثل عيشة المجاهد، بل هذا أذل (يعني الراغب في الدنيا والجاهل فيها كلاهما لا يأكل ولا يلبس إلا ما كتب الله له، فلذلك لماذا تجهد نفسك في أمر محسوم؟ تقلل).
نعم.
القارئ: «كمْ جَهُولٍ وهوَ مُثْرٍ مُكثِرٌ ... وحكِيمٍ ماتَ منها بالعِلَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً تابع لكلامه السابق: "فمن عادتها تخفض العالي وتعلي من سفل"، يعني كم جهول -جاهل ليس عنده علم- ومع ذلك هو مثر مكثر (يعني ثري كثير المال كثير أمور الدنيا)، وأيضاً عليم ولكن مات منها بالعلل (مات بالمرض أو مات بالفقر والضيق ونحو ذلك).
نعم.
القارئ: «كمْ شُجاعٍ لمْ يَنَلْ منها المُنَى ... وجَبانٍ نالَ غاياتِ الأمَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً تابع لها؛ أن الدنيا كم فيها من شجاع لكن لم ينل فيها المنى (أي لم ينل ما تمناه مع أنه شجاع)، والعكس جبان نال غايات الأمل (نال أقصى ما يتمنى)، فالدنيا ليست مقياساً.
نعم.
القارئ: «فاتْرُكِ الحِيلَةَ فيها واتَّئِدْ ... إنَّما الحِيلَةُ في تَرْكِ الحِيَلْ»
الشيخ: هذه أيضاً ختام الوصية في الدنيا، قال بما أنك علمت أن الدنيا قد تقدم الجبان وتؤخر الشجاع إلى آخره، فاترك الحيلة فيها لا تحتل على أمور الدنيا، واتئد من التؤدة (أي ترفق ولا تتعجل وتأنَّ)، إنما الحيلة الحقيقية الصحيحة في ترك الحيل في الدنيا.
نعم.
القارئ: «أيُّ كَفٍّ لمْ تَنَلْ منها المُنَى ... فرَماها اللهُ منهُ بالشَّلَلْ»
الشيخ: وفي نسختنا: (أي كف لم تفد مما تفيد فرماها الله منها بالشلل)، يعني أي كف كانت لم تفد -أي لم تعطِ من الشيء الذي أفاده الله لها- فرماها الله -أي أصابها بالشلل- (يعني إذا لم تؤدِ حقك في المال وصرت بخيلاً يصيبك الله بالشلل؛ إما حقيقةً بأن تشل يدك، أو حكماً معنوياً يعني يصيبك الفقر، كما قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} [الإسراء: 29]).
نعم.
القارئ: «لا تَقُلْ أصْلي وفَصْلي أبَداً ... إنَّما أصْلُ الفَتَى ما قدْ حَصَلْ»
الشيخ: يعني هذه نصيحة أخرى في عدم الفخر بالأحساب، لا تقل أصلي وفصلي كذا وأنا شريف ووالدي كذا وجدي كذا، إنما أصل الفتى ما قد حصل (أي ما قد حصله من عمل أو قول)، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه كما في الحديث.
نعم.
القارئ: «قدْ يَسُودُ المَرْءُ مِنْ دُونِ أبٍ ... وبحُسْنِ السَّبْكِ قدْ يُنْفَى الزَّغَلْ»
الشيخ: هنا أيضاً تابع لعدم الفخر بالأحساب، لماذا؟ لأن الإنسان قد يسود (من السيادة، يصير سيداً) بدون أب (أي بدون أن يكون له أب شريف أو له نسب شريف)، وبحسن السَّبْك (المقصود بالسبك هنا سبيكة الذهب، يعني وبحسن سبكك للذهب تنقيه من الشوائب)، يعني أن الأخلاق هي التي تنقي الإنسان وتسوّده وتجعله سيداً ولو لم يكن شريفاً.
نعم.
القارئ: «وكَذَا الوَرْدُ مِنَ الشَّوْكِ وما ... يَنْبُتُ النَّرجِسُ إلاَّ مِنْ بَصَلْ»
الشيخ: هذا مثال آخر، قال الورد ينبت من الشوك، وأيضاً النرجس (وهو نبات له رائحة طيبة) وما ينبت النرجس إلا من بصل، وقيل البصل هنا ليس البصل المعروف وإنما نبات يشبه البصل المعروف يخرج منه النرجس، ورائحته كريهة لكن يخرج منه زهر النرجس رائحته ذكية.
فيقول لك كما أن هذا الطيب الرائحة خرج من شوك وخرج من رائحة سيئة فلا فائدة من الاعتماد على الأصل والنسب ونحوه.
نعم.
القارئ: «معْ أنِّي أحْمَدُ اللهَ على ... نَسَبي إذْ بأبي بَكْرٍ صِلَلْ»
الشيخ: صلة أو اتصل.
هو يقول لك حتى مع هذا، أنا الناظم (يعني ابن الوردي) يقول أنا شريف ولكن مع ذلك لا أفتخر بنسبي، يقول أنا أحمد الله على أن نسبي شريف إذ بأبي بكر اتصل (نسبه ينتهي لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، لذلك يقال ابن الوردي البكري)، ومع ذلك يقول لك أنا مع أن جدي الأعلى هو أبو بكر الصديق صِدّيق الأمة خير الناس بعد النبي ﷺ لكن لا أفتخر بذلك.
لماذا؟ لأن من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
ولماذا ذكر هذا؟ قالوا لأن الله عز وجل أمر بذلك: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، لكن لا على سبيل الافتخار واحتقار الآخرين.
نعم.
القارئ: «قِيمةُ الإنسانِ ما يُحْسِنُهُ ... أكثَرَ الإنسانُ منهُ أوْ أقَلّْ»
الشيخ: هذا أيضاً تابع لما سبق؛ أن قيمة الإنسان ما يحسنه من قول أو عمل، فإن كان حسناً زاده رفعة وإلا لا يفيده نسبه شيئاً، سواء أكثرت منه أو قللت منه، كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر.
نعم.
القارئ: «اُكْتُمِ الأمْرَ إنْ فقْراً وغِنىً ... واكْسِبِ الفِلْسَ وحاسِبْ مَنْ بَطَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً حث على الغنى والإنفاق، يعني لا تكن فقيراً جداً ولا تكن غنياً متكبراً، ومع ذلك حث على اكتساب الفلس وحاسب من بطل (أي حاسب الباطل العاطل الذي لا يعمل ويتكل على شحذ الناس)، فكن بين ذلك.
نعم.
القارئ: «وادَّرِعْ جِدّاً وكَدّاً واجْتَنِبْ ... صُحبَةَ الحَمْقَى وأرْبابِ الخَلَلْ»
الشيخ: في نسختنا: (وأرباب الخلل أو الخلال)؛ الخلل ويقال الخلل والخلل والمقصود بهم أصحاب العيب والمقصود بهم الفساق.
نعم.
هذا حث على مصاحبة الأخيار ومجانبة الحمقى والأشرار، وادرع أي البس درعاً جداً وكداً (أي الجد والاجتهاد)، واجتنب صحبة الحمقى وأرباب الخلل.
نعم.
القارئ: «بينَ تَبذيرٍ وبُخْلٍ رُتبةٌ ... وكِلا هَذَينِ إنْ زادَ قَتَلْ»
الشيخ: هذا هو الوصية في التعامل في المال؛ بين التبذير والبخل رتبة، وكلا هذين إن دام قتل (أي إن دام التبذير قتل وأفنى مالك، وإن دام البخل قتل ومحق البركة)، ولذلك قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [الإسراء: 29]، {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].
نعم.
القارئ: «لا تَخُضْ في سَبِّ ساداتٍ مَضَوْا ... إنَّهُمْ ليسُوا بأهْلٍ للزَّلَلْ»
الشيخ: هذه الوصية بعدم سب السادات الذين مضوا؛ أي الأئمة سواء الصحابة أو التابعين أو أتباعهم.
لماذا؟ قال لأنهم ليسوا بأهل للزلل، يعني مهما زلّوا فهم مُقالُو العثرة، مُقالُو الزلة، قد زكاهم الشرع.
نعم.
القارئ: «وتغافَلْ عنْ أمُورٍ إنَّهُ ... لَمْ يَفُزْ بالحمْدِ إلاَّ مَنْ غَفَلْ»
الشيخ: هذه أيضاً حث على التغافل؛ والمقصود الحث على التغافل عن الزلات أو عن الأمور التي لم يقصدها صاحبها، ومن فعل هذا يفز بالحمد أي يفز بالثناء والشكر والسمعة الحسنة، إلا من غفل (أي إلا من زادت غفلته فهذا لا ينبغي أن تراعيه وتتغافل عنه لأنه يتمادى).
نعم.
القارئ: «ليسَ يخلو المَرْءُ مِنْ ضِدٍّ وإنْ ... حاولَ العُزْلةَ في رأسِ جَبَلْ»
الشيخ: هذه أيضاً حث على أن يكون الإنسان على طبيعته ولا يتكلف ولا يرائي، ومع ذلك حث على أن تنتبه لمن تصاحب؛ فإن المرء ليس يخلو المرء من ضد (أي ممن يضادك ويخالفك ويكيد لك)، ولو حاولت العزلة (أي حاولت أن تعتزل الناس وتذهب في رأس جبل)، ومع ذلك ستجد أحدهم يعتزل معك في الجبل ويخالفك إلى آخره.
نعم.
القارئ: «غِبْ عَنِ النَّمَّامِ واهْجُرْهُ فما ... بلَّغَ المكرُوهَ إلاَّ مَنْ نَقَلْ»
الشيخ: هذا أيضاً تحذير من النمام؛ غب عنه واهجره (أي اترك النمام واهجره)، لماذا؟ ما بلغ المكروه إلا من نقل (يعني من نقل لك نقل عنك كما يقال)، والنمام هو الذي ينقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد.
نعم.
القارئ: «دارِ جاراً دارِهِ إنْ جارَ وإنْ ... لمْ تجِدْ صبْراً فما أحلى النُّقَلْ»
الشيخ: (دارِ جارَكَ دارِهِ إنْ جارَ)؛ هذا التحذير من جار السوء.
إذا ابتلاك الله بجار سيء، فعش معه بالمداراة، والمداراة هو أن تترطف معه وتتحاشى الاشتباك معه والاصطدام معه.
لكن إن لم تجد صبراً (بعض الجيران لا يُتحملون)، فما أحلى النقل (أي ما أحلى أن تنتقل)، لذلك كان النبي ﷺ يستعيذ من ذلك يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول» [خرجه النسائي وصححه الحاكم].
نعم.
القارئ: «جانِبِ السُّلطانَ واحذَرْ بَطشَهُ ... لا تُخاصِمْ مَنْ إذا قالَ فَعَلْ»
الشيخ: هذه الآن تحذير من مداهنة السلطان وأمرك بمجانبته قدر الإمكان، واحذر بطشه، لماذا؟ قال لا تخاصم من إذا قال فعل (يلبسك أي تهمة ويقتلك)، نعم، هذا في السابق فكيف يقال اليوم؟ والله المستعان.
نعم.
القارئ: «لا تَلِ الحُكْمَ وإنْ هُمْ سأَلوا ... رغْبةً فيكَ وخالِفْ مَنْ عَذَلْ»
الشيخ: هنا لما أمرك بمجانبة السلطان حذرك من أن تقبل وتلي شيئاً معه، فلا تقبل أن تكون حاكماً ولا قاضياً وإن هم سألوك رغبة فيك ولو كنت مؤهلاً، ابتعد قدر الإمكان.
وخالف من عذل (أي من لامك وقال لماذا لم تقبل وأنت مؤهل) خالفه ولا تستمع لكلامه، هذا في السابق فكيف اليوم؟ الله المستعان.
نعم.
القارئ: «إنَّ نِصفَ الناسِ أعداءٌ لِمَنْ ... ولِيَ الأحكامَ هذا إنْ عَدَلْ»
الشيخ: الناس يقول لك نصفهم أعداء لمن ولي الأحكام سواء كان أميراً، حاكماً، رئيساً، قاضياً، هذا إذا عدل! فكيف إذا لم يعدل؟ سيكون الجميع أعداءه.
نعم.
القارئ: «فهوَ كالمحبوسِ عنْ لذَّاتِهِ ... وكِلا كَفَّيْهِ في الحَشْرِ تُغَلّْ»
الشيخ: يقول لك إذا كنت حاكماً أو قاضياً ونحو ذلك، تكون كالمحبوس عن لذاته لا تستطيع أن تتهنأ بأي عيش (اليوم قضية وغداً فلان واليوم ستأتي وستخاف من الاغتيالات ومش عارف إيه)، قال: وكلا كفيه في الحشر تغل (أي ستحاسب يوم القيامة حساباً شديداً؛ "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، فأنت راع على الأمة فتحاسب على الأمة، ولذلك تغل أي تجمع بطوق من حديد وتربط إلى عنقك)، هذا كناية عن شدة الحساب.
نعم.
القارئ: «إنَّ للنَّقْصِ والاستثقالِ في ... لفظةِ القاضي لوَعْظاً ومَثَلْ»
الشيخ: هذا يعني إرشاد إلى -تابع للتحذير من أن تلي القضاء أو الحكم- وهذا بيت لطيف؛ يقول تأمل من الناحية اللغوية في كلمة "القاضي" (يعني إذا صرت قاضياً)، النقص والاستثقال في كلمة "القاضي" كاف في أن يعظك ويكون عظةً ومثلاً لأن تتعظ ولا تتولى القضاء.
كيف هذا؟
-
النقص: قالوا الاسم المنقوص هو الاسم المنتهي بالياء (وهو الاسم المسمى الاسم المنقوص: "القاضي")، وكأنه يقول هذا استنقاص منك إن أصبحت والياً أو قاضياً.
-
والاستثقال: قالوا الثقل؛ إذا أردت أن تعرب القاضي مثلاً بالضم تقول: (جاء القاضي)، جاء فعل والقاضي فاعل مرفوع بالضمة لا تقول ضمة ظاهرة تقول مقدرة، لماذا؟ يقولون منع من ظهورها الثقل (الثقل على الياء لا تستطيع أن تقول القاضيُ، تقولها ولكن بثقل).
فهو يقول كأنه ينقصك ويثقلك، هذا كاف في وعظك.
نعم.
القارئ: «لا توازِ لذّةَ الحُكْمِ بما ... ذاقَهُ المرْءُ إذا المَرْءُ عزَلْ»
الشيخ: يقول هذا أيضاً تابع للتحذير من أن تلي القضاء أو الحكم؛ إذا استمتعت بلذة القضاء والحكم في البداية، إذا انعزلت هذه اللذة لا تساوي مرارة الانعزال.
نعم.
القارئ: «فالوِلاياتُ وإنْ طابَتْ لِمَنْ ... ذاقَها فالسمُّ في ذاكَ العَسَلْ»
الشيخ: يقول فالولايات (يعني مسؤوليات، الحكومات إلى آخره) وإن طابت لمن ذاقها وتولاها في البداية، فهي كالسم في داخل العسل.
نعم.
القارئ: «نصَبُ المَنْصِبِ أوْهى جَسَدي ... وعنائي مِنْ مُداراةِ السَّفَلْ»
الشيخ: هذا يذكر عن نفسه لأنه كان قاضياً، قال: نصب المنصب (أي أنا توليت القضاء وهذا التعب في هذا المنصب) أوهى جسدي (أتعبه)، وعنائي (أي تعبي ومشقتي) من مداراة السفل (أي مداراة الأراذل الذين يأتونني كل مرة أداريهم وأحاول التكلم معهم بأسلوب حسن)، هذا عناء أعناني جداً، فلذلك لا تقبل ولا تدخل في هذه المتاهات.
نعم.
القارئ: «قصِّرِ الآمالَ في الدُّنيا تَفُزْ ... فدَليلُ العَقلِ تقصيرُ الأمَلْ»
الشيخ: هذا حث على قصر الأمل وتقدم الكلام عنه.
نعم.
القارئ: «إنَّ مَنْ يطلُبُهُ الموتُ على ... غِرّةٍ منهُ جدِيرٌ بالوَجَلْ»
الشيخ: يعني التحذير من الغفلة عن الموت، يعني إذا أنت تعلم أن الموت يقيناً سيأتيك على غرة (أي على غفلة) فهذا جدير (أي يستحق بالوجل أي أن تكون خائفاً منه أربع وعشرين ساعة).
نعم.
القارئ: «غِبْ وزُرْ غِبّاً تَزِدْ حُبّاً فمَنْ ... أكثَرَ التَّرْدادَ أقْصَاهُ المَلَلْ»
الشيخ: هذه وصية أيضاً في الزيارة، ويروى في ذلك الحديث: «زر غباً تزدد حباً»، يعني زر ولا تكثر الزيارة يومياً وإنما زر يوماً بعد يوم أو مرة بعد مرة.
لماذا؟ إذا فعلت هذا (إذا لم تفعل هذا) أكثرت الترداد هنا قال: أضناه الملل (أي أمرضه ولازمه الملل والسآمة فيمل الناس منك).
نعم.
القارئ: «لا يَضُرُّ الفَضْلَ إقْلالٌ كما ... لا يَضُرُّ الشَّمْسَ إطْباقُ الطَّفَلْ»
الشيخ: هذه أيضاً وصية أخرى، قال: لا يضر الفضل إقلال، أي لا يضر التفضل والإنفاق ونحو ذلك لا يضره إقلال (يعني إن كنت مقلاً فتصدق ولو بشق تمرة كما في الحديث).
لماذا؟ قال هذا لا يضره كما لا يضر الشمس إطباق الطفل (إطباق الطفل وكثرته لا يضر الشمس، والطفل المقصود به آخر النهار).
نعم.
القارئ: «خُذْ بنصْلِ السَّيْفِ واتْرُكْ غِمْدَهُ ... واعْتبِرْ فضْلَ الفَتَى دُونَ الحُلَلْ»
الشيخ: هذه نصيحة للشجاعة؛ اضرب بحد السيف (خذ بحد السيف أي اضرب العدو بحد السيف واترك غمده أي اترك الجراب، فإذا ضربت فاقتل وأوجع)، واعتبر فضل الفتى دون الحلل (أي خذ العبرة واعرف فضل الإنسان بباطنه أو بأخلاقه وأقواله وأفعاله، لا بحلله أي بمظهره ولبسته، فلا تنخدع بالمظاهر).
نعم.
القارئ: «حُبُّكَ الأوطانَ عجزٌ ظاهِرٌ ... فاغْترِبْ تلقَى عنِ الأهْلِ بَدَلْ»
الشيخ: هذه وصية إذا أنت في وطنك لم تجد ما تريد فاغترب وسافر تجد البدل وتجد الخير.
نعم.
القارئ: «فبِمُكْثِ الماءِ يَبْقى آَسِناً ... وسَرَى البَدْرِ بهِ البَدْرُ اكتمَلْ»
الشيخ: هذا تشبيه لما سبق، قال: فبمكث الماء يبقى آسناً (أي الماء إذا مكث في مكان واحد مدة طويلة يبقى آسناً أي يفسد)، فكذلك أنت إذا بقيت في بلدك ولم تجد ما تريد ستفسد فسافر.
وذكر لك مثالاً آخر قال: وسرى البدر به البدر اكتمل (سرى البدر أي سيره هو الذي سبب للبدر أن يكون مكتملاً بعد أن كان في بداية الشهر هلالاً، فسار حتى صار بدراً)، فسر حتى تصير بدراً.
نعم.
القارئ: «أيُّها العائِبُ قولي عَبَثاً ... إنَّ طِيبَ الوِرْدِ مؤْذٍ بالجُعَلْ»
الشيخ: هنا الناظم كأنه يعاتب بعض المعترضين على هذه القصيدة؛ حسداً له أو بغضاً أو جهلاً.
فيقول لا تعب هذه القصيدة وهذه الوصايا، لماذا؟ قال: إن طيب الورد مؤذٍ بالجعل، والجعل هي الخنفساء ويقال الحرباء، الرائحة الطيبة هي سلاح الورد يبعد عن نفسه هذه الحشرات، فيقول لك أنت الآن مثل الحشرة إذا كانت نصيحتي طيبة وأنت ابتعدت فأنت لا تفهم ولا تستحق، فلا تعب.
نعم.
القارئ: «عَدِّ عنْ أسْهُمِ قولي واستَتِرْ ... لا يُصيبنَّكَ سَهْمٌ مِنْ ثُعَلْ»
الشيخ: يعني كأنه يقول إذا لم تفهم هذه الوصايا وهذه القصيدة ولم تعجبك فعدّ عنها (أي تجاوزها)، وإلا سيصيبك سهم من ثعل (والمقصود بثعل هم قبيلة مشهورة بصنع أو بجودة الرمي).
نعم.
القارئ: «لا يغُرَّنَّكَ لِينٌ مِنْ فَتَىً ... إنَّ للحَيَّاتِ لِيناً يُعْتَزَلْ»
الشيخ: هنا يشبه نفسه يقول: لا يغرنك لين من فتى (أي لا ترى أنني لين وسهل وطيب)، إن للحيات ليناً يعتزل (الحية السامة جسمها لين، لكن الناس يعتزلونها ويهربون منها)، فيقول لك انتبه؛ أنا الآن لين لكني كالحية فإذا استقبلتك سأقتلك، فلا تعب هذه القصيدة تجهلاً، هكذا.
نعم.
القارئ: «أنا مِثلُ الماءِ سَهْلٌ سائِغٌ ... ومتَى سُخِّنَ آَذَى وقَتَلْ»
الشيخ: يقول أنا مثل الماء؛ سهل سائغ لا يؤذي ولا يؤثر، لكن متى أسخن هذا الماء آذى وقتل، يقول لك انتبه أنا لو سخنت بقتلك.
نعم.
القارئ: «أنا كالخَيزُورِ صَعْبٌ كسْرُهُ ... وهوَ لَدْنٌ كيفَما شِئتَ فتَلْ»
الشيخ: يقول أنا مثل عصا الخيزور (وهي الخيزران، الخيزران نسميها بالدارج القنا) لا تنكسر شديدة لكنها لا تنكسر، يمكن أن تلويها حتى تقارب بين طرفيها ومع ذلك لا تنكسر.
يقول لك انتبه أنا لين لكن ضربتي قوية جداً، فلا تعب القصيدة يا جاهل هكذا.
نعم.
القارئ: «غيرَ أنِّي في زمانٍ مَنْ يكُنْ ... فيهِ ذا مالٍ هوَ المَولى الأجَلّْ»
نعم واصل.
القارئ: «واجِبٌ عندَ الوَرَى إكْرامُهُ ... وقليلُ المالِ فيهِمْ يُسْتَقَلّْ»
الشيخ: نعم، هو يعيب زمانه؛ يقول المشكلة أنني في زمان من يكن فيه ذا مال هو المولى الأجل (يعني لا ينظرون إلى القول والعمل الصالح ونحو ذلك، ينظرون إلى المال من عنده المال فهو المولى الأجل)، واجب عند الورى (أي الناس) إكرامه، أما قليل المال فيهم يستقل فلا يحترم.
وهذا يعني في أبيات جميلة دائماً أنا أجيبها، يقولون:
"رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مالُ، ومن لا عنده مالُ فعنه الناس قد مالوا.
رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهبُ، ومن لا عنده ذهبُ فعنه الناس قد ذهبوا.
رأيت الناس منفضّة إلى من عنده فضة، ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة".
هذا هذا في زمانه فكيف في زماننا؟ والله المستعان.
نعم.
القارئ: «كُلُّ أهْلِ العَصْرِ غَمْرٌ وأنا ... منهُمُ فاتْرُكْ تفاصيلَ الجُمَلْ»
الشيخ: يقول كل أهل العصر -أي غالب أهل عصره- غمر، أي غمر صغير والمقصود أنهم لا خبرة لهم في الحياة ولا كلام ولا نصيحة، هذا غالبهم، يقول: وأنا منهم (هذا تواضع منه، يتهم نفسه بمثلهم)، قال: فاترك تفاصيل الجمل (أي اترك تفاصيل الناس ولكن خذ هذه النصائح تكفيك).
نعم.
القارئ: «وصلاةُ اللهِ ربِّي كُلَّما ... طَلَعَ الشَّمْسُ نَهاراً أوْ أفَلْ»
«لِالَّذي حازَ العُلَى مِنْ هاشِمٍ ... أحْمدَ المُختارِ مَنْ سادَ الأُوَلْ»
«وعلى آلٍ وصحْبٍ سادَةٍ ... ليسَ فيهِمْ عاجِزٌ إلاَّ بَطَلْ»
الشيخ: هذه خاتمته؛ صلى وسلم على النبي ﷺ.
بهذا ينتهي التعليق على هذه القصيدة النافعة في مجلس واحد.