وقال الإمام أحمد في [المسند] : حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلموجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال: (استعيذوا بالله من عذاب القبر) مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة بِيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كَفَن من أكفان الجنة، وحَنُوط من حنوط الجنة، حتى يجلسون منه مَدَّ بَصَرِه، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان).
قال: (فتخرج فتسيل كما تسيل القَطْرَة من فِي السِّقَاء، فيأخذها.
فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها ريح كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون ـ يعني بها ـ على ملأ من الملائكة بين السماء والأرض، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له.
فيُشيِّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عِلِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى)، قال: (فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: الله ربي، فيقولان له: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادى مناد من السماء: أن صَدَقَ عبدي، فأفْرِشُوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة)، قال:
" فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره".
قال: " فيأتيه رجل حَسَن الوجه، حسن الثياب، طيِّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يَسُرُّك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجىء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح.
فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ". وقال: " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة سُود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجى إلى سخط من الله وغضب "، قال: " فتتفرق في جسده، فينزعها كما ينزع السَّفُّود مَن الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المُسُوح، ويخرج منها كأنتن ريح جِيفَة وُجِدَت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له ". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40] " فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا ". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31].
" فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري.
فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري: فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمُومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث.
فيقول: رب، لا تقم الساعة ".
قلت: هذا قد رواه عن البراء بن عازب غير واحد غير زاذان، منهم: عدي بن ثابت، ومحمد بن عقبة، ومجاهد.
قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب [الروح والنفس] : حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف، ثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني، ثنا أبو النضر هاشم بن قاسم، ثنا عيسى بن المسيَّب، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس وجلسنا حوله، كأن على أكتافنا فلق الصخر، وعلى رءوسنا الطير، فأزم قليلا ـ والإزمام: السكوت ـ فلما رفع رأسه قال: " إن المؤمن إذا كان في قُبُل من الآخرة ودُبُر من الدنيا وحضره ملك الموت، نزلت عليه ملائكة من السماء، معهم كفن من الجنة، وحَنُوط من الجنة، فيجلسون منه مدَّ بَصَره، وجاءه ملك الموت فجلس عند رأسه، ثم يقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه، فتَسِيل نفسه كما تقطر القَطْرَة من السِّقاء.
فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش، مقربو كل سماء.
فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين، فيقول الرب عز وجل: ردوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى فيرد إلى مضجعه، فيأتيه مُنْكَر ونَكِير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويَفْحَصَان [أي: يحفران].
الأرض بأشعارهما، فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا من ربك؟ فيقول: الله ربي، فيقولان: صدقت.
ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان له: صدقت.
ثم يقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد رسول الله، فيقولان: صدقت.
ثم يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، طيب الريح، فيقول له: جزاك الله خيرًا، فوالله ـ ما علمت ـ إن كنت لسريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله، فيقول: وأنت، جزاك الله خيرًا، فمن أنت؟ فقال: أنا عملك الصالح.
ثم يفتح له باب إلى الجنة، فينظر إلى
مقعده ومنزله منها حتى تقوم الساعة.
وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة وحضره ملك الموت، نزل عليه من السماء ملائكة معهم كفن من نار، وحنوط من نار ". قال: " فيجلسون منه مد بصره، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه، ثم قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى غضب الله وسخطه، فتتفرق روحه في جسده، كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين، فيستخرجها كما يستخرج السَّفُّود [حديدة ذات شعب يشوى عليها اللحم].
من الصوف المبلول، فإذا خرجت نفسه لعنه كل شيء بين السماء والأرض إلا الثقلين، ثم يصعد به إلى السماء الدنيا فتغلق دونه، فيقول الرب تبارك وتعالى: ردوا عبدي إلى مضجعه، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فترد روحه إلى مضجعه، فيأتيه منكر ونكير، يثيران الأرض بأنيابهما، ويفحصان الأرض بأشعارهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيجلسانه، ثم يقولان له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فينادى من جانب القبر: لا دريت، فيضربانه بمرزبة من حديد، لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم تقل.
ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: جزاك الله شرًا، فوالله ـ ما علمت ـ إن كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصية الله، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الخبيث، ثم يفتح له باب إلى النار، فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة ". وقال ابن منده: رواه الإمام أحمد بن حنبل، ومحمود بن غيلان، وغيرهما عن أبي النضر.
ومن ذلك حديث ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة.
وقد رواه الإمام أحمد في [مسنده] وغيره.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: هذا حديث متفق على عدالة ناقليه.
اتفق الإمامان ـ محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج ـ على ابن أبي ذئب ومحمد بن عمرو بن عطاء، وسعيد بن يسار، وهم من شرطهما، ورواه
المتقدمون الكبار عن ابن أبي ذئب مثل ابن أبي فديك، وعنه دحيم بن إبراهيم.
قلت: وقد رواه عن ابن أبي ذئب غير واحد، ولكن هذا سياق حديث ابن أبي فديك لتقدمه.
قال ابن أبي فديك: حدثني محمد بن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح فيقولون: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري برَوْح ورَيْحَان ورب غير غضبان "، قال: " فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء الدنيا فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقولون: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان.
فيقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل.
وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث.
اخرجي ذميمة، وأبشري بحَمِيم وغَسَّاق، وآخَرَ من شَكْله أزواج.
فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لن تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى قبره.
فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف، ثم يقال: ما كنت تقول في الإسلام؟ فيقول: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات من قبل الله فآمنا وصدقنا".
وذكر تمام الحديث.
والمقصود أن في حديث أبي هريرة قوله: " فيصير إلى قبره " كما في حديث البراء ابن عازب، وحديث أبي هريرة روي من طرق تصدق حديث البراء بن عازب، وفي بعض طرقه سياق حديث البراء بطوله، كما ذكره الحاكم، مع أن سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن؛ إذ المسألة للبدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس وأنكره الجمهور، وكذلك السؤال للروح بلا بدن قاله ابن ميسرة وابن حزم، ولو كان
كذلك لم يكن للقبر بالروح اختصاص.
وزعم ابن حزم أن [العود] لم يروه إلا زاذان عن البراء وضعفه، وليس الأمر كما قاله، بل رواه غير زاذان عن البراء.
وروى عن غير البراء مثل عدي بن ثابت وغيره.
وقد جمع الدارقطني طرقه في مصنف مفرد، مع أن زاذان من الثقات، روى عن أكابر الصحابة كعمر وغيره، وروى له مسلم في [صحيحه] وغيره، قال يحيى بن معين: هو ثقة، وقال حميد بن هلال ـ وقد سئل عنه فقال ـ: هو ثقة، لا يسأل عن مثل هؤلاء، وقال ابن عدي: أحاديثه لا بأس بها إذا روى عنه ثقة، وكان يتبع الكرابيسي، وإنما رماه من رماه بكثرة كلامه.
وأما المنهال بن عمرو، فمن رجال البخاري.
وحديث [عود الروح] قد رواه عن غير البراء أيضًا.
وحديث زاذان مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول.
وأرواح المؤمنين في الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن، كما أنها تكون في البدن، ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم.
أما كونها في الجنة، ففيه أحاديث عامة، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء، واحتجوا بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره.
فالأول مثل حديث الزهري المشهور الذي رواه مالك عن الزهري في [موطئه] وشعيب بن أبي حمزة وغيرهما، وقد رواه الإمام أحمد في [المسند] وغيره.
قال الزهري: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن كعب بن مالك الأنصاري ـ وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ـ كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما نَسَمَة [أي: روح] المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده"، فأخبر أنه يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده، يعني في النشأة الآخرة.
قال أبو عبد الله بن منده: ورواه يونس، والزبيدي، والأوزاعي، وابن إسحاق.
وقال عمرو بن دينار، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب،
عن أبيه قال... قال صالح بن كَيْسَان، وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، أنه بلغه أن كعبًا قال... رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
قلت: وفي الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أبو حاتم في [صحيحه] وقد رواه ـ أيضًا ـ الأئمة.
قال: " إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه.
فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه.
فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قِبَلِي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس، وقد دنت للغروب فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي؛ فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه.
فقال: عم تسألوني؟ فيقولون: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تشهد عليه به؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها لو عصيت ربك، فيزداد غبطة وسرورًا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم الطيب، وهي طير تَعْلُق [أي: ترعى وتأكل] في شجر الجنة ". وفي لفظ: "وهو في طير يعلق في شجر الجنة ". قال أبو هريرة: قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]، وفي لفظ: " ثم يعاد الجسد إلى ما بدئ منه".
وهذه الإعادة هي المذكورة في قوله تعالى:
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] ليست هي النشأة الثانية.
ورواه الحاكم في [صحيحه] عن معمر، عن قتادة عن قسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن المؤمن إذا احتضر أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيًا عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان؛ فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم ليناوله بعضهم بعضًا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! وكلما أتوا سماءً قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أفرح به من أحدكم بغائبه إذا قدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ قال: فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال لهم: ما أتاكم؟ ! فإنه قد مات؛ يقولون: ذهب به إلى أُمه الهاوية.
وأما الكافر فإن ملائكة العذاب تأتيه، فتقول: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله وسخطه، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فينطلقون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! ! كلما أتوا على أرض قالوا ذلك، حتى يأتوا به أرواح الكفار ". قال الحاكم: تابعه هشام
الدّسْتُوائي، عن قتادة.
وقال همام بن يحيى: عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
والكل صحيح، وشاهدها حديث البراء بن عازب.
وكذلك رواه الحافظ أبو نعيم من حديث القاسم بن الفضل الحذائي، كما رواه مَعْمَر.
قال: ورواه أبو موسى وبُنْدَار، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، مثله مرفوعًا.
ومن أصحاب قتادة من رواه موقوفًا، ورواه همام عن قتادة، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، مرفوعًا نحوه.
وقد روى هذا الحديث النسائي، والبزار في [مسنده] وأبو حاتم في [صحيحه].
وقد روى مسلم في [صحيحه] عن أبي هريرة قال: " إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فصعدا بها، فذكر من طيب ريحها وذكر المسك.
قال: فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق بها إلى ربه ثم يقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل.
قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، وذكر من نتنها وذكر لعنًا، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض.
قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل ". قال أبو هريرة: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم رَيْطَة كانت عليه على أنفه هكذا.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند النوم: " باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين "، وفي الصحيح أيضًا: أنه كان يقول: " اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ
به عبادك الصالحين) ". ففي هذه الأحاديث من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن، ما بين أن صعودها نوع آخر، ليس مثل صعود البدن ونزوله.
وروينا عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن منده في كتاب [الروح والنفس] : حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن الحسن الحراني، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا موسى بن أيمن، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير هذه الآية: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42].
قال: تلتقي أرواح الأحياء في المنام بأرواح الموتى ويتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها.
وروى الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا عبد الله بن سليمان، ثنا الحسن، ثنا عامر، عن الفُرَات، ثنا أسباط عن السدى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ قال: يتوفاها في منامها.
قال: فتلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان.
قال: فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجله في الدنيا.
قال: وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس.
وهذا أحد القولين وهو أن قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: 42] أريد بها أن من مات قبل ذلك لقي روح الحي.
والقول الثاني ـ وعليه الأكثرون ـ أن كلا من النفسين ـ الممسكة والمرسلة ـ توفيتا وفاة النوم، وأما التي توفيت وفاة الموت فتلك قسم ثالث؛ وهي التي قدمها بقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وعلى هذا يدل الكتاب والسنة؛ فإن الله قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فذكر إمساك التي قضى عليها الموت من هذه الأنفس التي توفاها بالنوم، وأما التي توفاها حين موتها فتلك لم يصفها بإمساك ولا إرسال، ولا ذكر في الآية التقاء الموتى بالنيام.
والتحقيق أن الآية تتناول النوعين؛ فإن الله ذكر توفيتين: توفي الموت، وتوفي النوم، وذكر إمساك المتوفاة وإرسال الأخرى.
ومعلوم أنه يمسك كل ميتة، سواء ماتت في النوم أو قبل ذلك، ويرسل من لم تمت.
وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ يتناول ما ماتت في اليقظة وما ماتت في النوم، فلما ذكر التوفيتين ذكر أنه يمسكها في أحد التوفيتين ويرسلها في الأخرى، وهذا ظاهر اللفظ ومدلوله بلا تكلف.
وما ذكر من التقاء أرواح النيام والموتي لا ينافي ما في الآية، وليس في لفظها دلالة عليه، لكن قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ يقتضي أنه يمسكها لا يرسلها كما يرسل النائمة، سواء توفاها في اليقظة أو في النوم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، فإن أمسكتها فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " فوصفها بأنها في حال توفي النوم إما ممسكة وإما مرسلة.
وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمر بن عثمان، ثنا بَقيَّة؛ ثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر الحضرمي؛ أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله
عنه: أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال! فتكون رؤياه كأخذ باليد، ويرى الرجل الشيء؛ فلا تكون رؤياه شيئًا، فقال على بن أبي طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: 42]، فالله يتوفي الأنفس كلها، فما رأت ـ وهي عنده في السماء ـ فهو الرؤيا الصادقة.
وما رأت ـ إذا أرسلت إلى أجسادها ـ تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها، فأخبرتها بالأباطيل وكذبت فيها، فعجب عمر من قوله.
وذكر هذا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده في كتاب [الروح والنفس] وقال: هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره، ولفظه: قال على بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ والأرواح يعرج بها في منامها، فما رأت وهي في السماء فهو الحق، فإذا ردت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها، فما رأت من ذلك فهو الباطل.
قال الإمام أبو عبد الله بن منده: وروى عن أبي الدرداء قال: روى ابن لَهِيعَة عن عثمان بن نعيم الرُّعَيْني، عن أبي عثمان الأصْبَحِي، عن أبي الدرداء قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها العَرْش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جُنُبًا لم يؤذن لها بالسجود.
رواه زيد بن الحباب وغيره.
وروى ابن منده حديث على وعمر ـ رضي الله عنهما ـ مرفوعًا، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، ثنا محمد بن شعيب، ثنا ابن عياش بن أبي إسماعيل، وأنا الحسن بن علي، أنا عبد الرحمن بن محمد، ثنا قتيبة والرازي، ثنا محمد بن حميد، ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، ثنا الأزهر بن عبد الله الأزدي، عن محمد بن عجلان، عن سالم بن عبد الله بن
عمر، عن أبيه قال: لقي عمر بن الخطاب على بن أبي طالب فقال: يا أبا الحسن، ربما شهدت وغبنا، وربما شهدنا وغبت، ثلاثة أشياء أسألك عنهن، فهل عندك منهن علم؟ فقال على بن أبي طالب: وما هن؟ قال: الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيرًا، والرجل يبغض الرجل ولم ير منه شرًا.
فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الأرواح جنود مُجَنَّدَة، تلتقي في الهواء، فَتَشَامُّ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " قال عمر: واحدة.
قال عمر: والرجل يحدث الحديث إذ نسيه، فبينما هو قد نسيه إذ ذكره.
فقال: نعم، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من القلوب قلب إلا وله سَحَابة كسحابة القمر، فبينما القمر يضىء إذ تجللته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء، وبينما القلب يتحدث إذ تجللته فنسي، إذ تجلت عنه فذكر ". قال عمر: اثنتان.
قال: والرجل يرى الرؤيا: فمنها ما يصدق، ومنها ما يكذب.
فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد ينام فيمتلئ نومًا إلا عُرِج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فهي الرؤيا التي تكذب ". فقال عمر: ثلاث كنت في طلبهن؛ فالحمد لله الذي أصبتهن قبل الموت.
ورواه من وجه ثالث: أن ابن عباس سأل عنه عمر، فقال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أيوب، ثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن ثعلبة بن مسلم الخَثْعَمِي، عن ابن أبي طلحة القرشي؛ أن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يا أمير المؤمنين، أشياء أسألك عنها؟ قال: سل عما شئت؛ فقال: يا أمير المؤمنين، مم يذكر الرجل، ومم ينسى؟ ومم تصدق الرؤيا، ومم تكذب؟ فقال
له: عمر أما قولك: مم يذكر الرجل ومم ينسى؟ فإن على القلب طَخَاء [الطَّخَاء: ثِقَلٌ وغَشْى، وأصله: الظُّلْمة والغَيْم].
مثل طخاء القمر، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم، فإذا تجلت عن القلب ذكر ما كان ينسى، وأما مم تصدق الرؤيا ومم تكذب؟ فإن الله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفي الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] فمن دخل منها في ملكوت السماء فهي التي تصدق، وما كان منها دون ملكوت السماء فهي التي تكذب.
قلت: وفي هذين الطريقين ذكر أن التي تكذب ما لم يكمل وصولها إلى العلو.
وفي الأول ذكر أن ذلك يكون مما يحصل بعد رجوعها.
وكلا الأمرين ممكن؛ فإن الحكم يختلف لفوات شرطه، أو وجود مانعه عن ذلك، قال عكرمة ومجاهد: إذا نام الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح، وأصله في الجسد، فتبلغ حيث شاء الله، فما دام ذاهبًا فإن الإنسان نائم، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان، فكان بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله متصل بالشمس.
قال ابن منده: وأخبرت عن عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، عن على بن يزيد السمرقندي ـ وكان من أهل العلم والأدب وله بصر بالطب والتعبيرـ قال: إن الأرواح تمتد من مَنْخِر الإنسان، ومراكبها وأصلها في بدن الإنسان، فلوخرج الروح لمات، كما أن السراج لو فَرَّقْتَ بينها وبين الفتيلة لطفئت.
ألا ترى أن تركب النار في الفتيلة، وضوءها وشعاعها ملأ البيت، فكذلك الروح تمتد من منخر الإنسان في منامه حتى تأتي السماء، وتَجُول في البلدان، وتلتقي مع أرواح الموتى.
فإذا رآها الملك الموكل بأرواح العباد أراه ما أحب أن يراه وكان المرء في اليقظة عاقلًا ذكيًا صدوقًا لا يلتفت في اليقظة إلى شيء من الباطل رجع إليه روحه، فأدى إلى قلبه الصدق بما أراه الله ـ عز وجل ـ على حسب صدقه.
وإن كان خفيفًا نَزِيقًا [أي: خفيفًا].
يحب الباطل والنظر إليه، فإذا نام وأراه الله أمرًا من خير أو شر رجع
روحه، فجب ما رأي شيئا من مخاريق الشيطان أو باطلا وقف عليه كما يقف في يقظته، وكذلك يؤدي إلى قبله، فلا يعقل ما رأي، لآنه خلط الحق بالباطل، فلا يمكن ميكن معبر يعبر له، وقد اختلط الحق بالباطل، فلا يمكن معبر يعبر له، وقد اختلط الحق بالباطل.
قال الإمام ابن منده: ومما يشهد لهذا الكلام ما ذكرناه عن عمر وعلى وأبي الدرداء ـ رضي الله عنهم.
قلت: وخرج ابن قتيبة في كتاب [تعبير الرؤيا]، قال: حدثني حسين بن حسن المروزي [حسين بن الحسن بن حرب السلمي بن عبد الله المروزي، نزيل مكة.
روى عن ابن المبارك ويزيد بن زريع وابن علية وغيرهم، وروى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وثقه ابن حبان وغير واحد.
مات سنة 46هـ]، أخبرنا ابن المبارك عبد الله، ثنا المبارك عن الحسن أنه قال: أنبئت أن العبد إذا نام وهو ساجد يقول الله ـ تبارك وتعالى: " انظروا إلى عبدي، روحه عندي، وجسده في طاعتي ". وإذا كانت الروح تعرج إلى السماء مع أنها في البدن، علم أنه ليس عروجها من جنس عروج البدن الذي يمتنع هذا فيه.
وعروج الملائكة ونزولها من جنس عروج الروح ونزولها، لا من جنس عروج البدن ونزوله.
وصعود الرب ـ عز وجل ـ فوق هذا كله وأجل من هذا كله؛ فإنه ـ تعالى ـ أبعد عن مماثلة كل مخلوق من مماثلة مخلوق لمخلوق.
وإذا قيل: الصعود والنزول والمجيء والإتيان أنواع جنس الحركة، قيل: والحركة ـ أيضًا ـ أصناف مختلفة، فليست حركة الروح كحركة البدن، ولا حركة الملائكة كحركة البدن، والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز، ويراد بها أمور أخرى، كما يقوله كثير من الطبائعية والفلاسفة: منها الحركة في الكم كحركة النمو، والحركة في الكيف كحركة الإنسان من جهل إلى علم، وحركة اللون أو الثياب من سواد إلى بياض، والحركة في الأيْن كالحركة تكون بالأجسام النامية من النبات والحيوان في النمو والزيادة، أو في الذبول والنقصان، وليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز.
ومن قال: إن الجواهر المفردة تنتقل، فقوله غلط، كما هو مبسوط في موضعه.
وكذلك الأجسام تنتقل ألوانها وطعومها وروائحها، فيسود الجسم بعد ابيضاضه، ويحلو
بعد مرارته، بعد أن لم يكن كذلك.
وهذه حركات واستحالات وانتقالات، وإن لم يكن في ذلك انتقال جسم من حيز إلى حيز.
وكذلك الجسم الدائر في موضع واحد كالدولاب والفلك هو بجملته لا يخرج من حيزه، وإن لم يزل متحركا.
وهذه الحركات كلها في الأجسام، وأما في الأرواح فالنفس تنتقل من بغض إلى حب، ومن سخط إلى رضا.
ومن كراهة إلى إرادة، ومن جهل إلى علم، ويجد الإنسان من حركات نفسه وانتقالاتها وصعودها ونزولها ما يجده.
وذلك من جنس آخر غير جنس حركات بدنه.
وإذا عرف هذا؛ فإن للملائكة من ذلك ما يليق بهم، وإن ما يوصف به الرب ـ تبارك وتعالى ـ هو أكمل وأعلى وأتم من هذا كله، وحينئذ فإذا قال السلف والأئمة ـ كحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من أئمة أهل السنة ـ أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، لم يجز أن يقال: إن ذلك ممتنع، بل إذا كان المخلوق يوصف من ذلك بما يستحيل من مخلوق آخر، فالروح توصف من ذلك بما يستحيل اتصاف البدن به، كان جواز ذلك في حق الرب ـ تبارك وتعالى ـ أولى من جوازه من المخلوق كأرواح الآدميين والملائكة.
ومن ظن أن ما يوصف به الرب ـ عز وجل ـ لا يكون إلا مثل ما توصف به أبدان بني آدم، فغلطه أعظم من غلط من ظن أن ما توصف به الروح مثل ما توصف به الأبدان.
وأصل هذا: أن قربه ـ سبحانه ـ ودنوه من بعض مخلوقاته، لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش، بل هو فوق العرش، ويقرب من خلقه كيف شاء، كما قال ذلك من قاله من السلف، وهذا كقربه إلى موسى لما كلمه من الشجرة، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى
لا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: 7ـ11] وقال في السورة الأخرى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: 29،30] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 51،52] فأخبر أنه ناداه من جانب الطور، وأنه قربه نجيا، وقال تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 34ـ46] وقال تعالى: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 15ـ20]. وقال ابن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: 8] قال: كان ذلك النار، قال الله: من في النور، ونودي أن بورك من في النور.
حدثنا على بن الحسين، ثنا محمد بن حمزة، ثنا على بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي؛ أن عكرمة حدثني عن ابن عباس: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّار﴾ قال: كان ذلك النار نوره ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: بورك من في النور ومن حول النور.
وكذلك روى بإسناده من تفسير عطية عن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ [النمل: 8] يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها.
حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري [هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري، الطبري الأصل، البغدادي، الحافظ، ولد بعد السبعين ومائة، وثقه النسائي والخطيب، ومات سنة 249هـ وقيل غير ذلك]، ثنا أبو معاوية، عن شيبان، عن عكرمة: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ [النمل: 8] قال: كان الله في نوره.
حدثنا أبو زُرْعَة، ثنا بن أبي شيبة، ثنا على بن جعفر المدائني، عن وَرْقَاء، عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ [النمل: 8] قال: ناداه وهو في النور.
حدثنا على بن الحسين المنْجَاني، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا مُفَضَّل بن أبي فَضَالة حدثني ابن ضَمْرَة: ﴿فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، قال: إن موسى كان على شاطئ الوادي ـ إلى أن قال ـ فلما قام أبصر النار فسار إليها، فلما أتاها ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾، قال: إنها لم تكن نارًا، ولكن كان نور الله وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله.
حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله عز وجل: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال: النار نور الرحمة، قال: ضوء من الله تعالى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ : موسى والملائكة.
وروي بإسناده عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ قال: الملائكة.
قال: وروي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتاده مثل ذلك.
وروى عن السدي وحده: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾، قال: كان في النار ملائكة.
وفي صحيح مسلم عن أبي عُبَيْدة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يَخْفِض القِسْط ويرفعه، يُرْفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حِجَابُه النورـ أو النار ـ لو كَشَفَه لأحرقت سُبُحَات وجهه ما انتهي إليه بصره من خلقه ". ثم قرأ أبو عبيدة: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وذكر من تفسير الوالبي عن ابن عباس: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾، يقول: قدس، وعن مجاهد: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ بوركت النار.
كذلك كان يقول ابن عباس وفي السورة الأخرى: ذكر أنه ناداه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ هو بدل من قوله: ﴿مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ﴾ [القصص: 30] فالشجرة كانت فيه، وقال أيضًا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: 52] والطور هو الجبل، فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور ومن الوادي فإن شاطئ الوادي جانبه، وقال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: 44] أي: بالجانب الغربي، وجانب المكان الغربي؛ فدل على أن هذا الجانب الأيمن هو الغربي لا الشرقي، فذكر أن النداء كان من موضع معين وهو الوادي المقدس طوى من شاطئ الوادي الأيمن من جانب الطور الأيمن من الشجرة، وذكر أنه قَرَّبه نَجيا فناداه وناجاه، وذلك المنادى له، والمناجى له، هو الله رب العالمين لا غيره، ونداؤه ومناجاته قائمة به، ليس ذلك مخلوقًا منفصلا عنه، كما يقوله من يقول: إن الله لا يقوم به كلام، بل كلامه منفصل عنه مخلوق، وهو ـ سبحانه وتعالى ـ ناداه وناجاه ذلك الوقت، كما دل عليه القرآن، لا كما يقوله من يقول: لم يزل مناديًا مناجيًا له، ولكن ذلك الوقت خلق فيه إدراك النداء القديم الذي لم يزل ولا يزال.
فهذان قولان مبتدعان لم يقل واحدًا منها أحد من السلف.
وإذا كان المنادي هو الله
رب العالمين، وقد ناداه من موضع معين وقربه إليه، دل ذلك على ما قاله السلف من قربه ودنوه من موسى ـ عليه السلام ـ مع أن هذا قرب مما دون السماء.
وقد جاء ـ أيضًا ـ من حديث وهب بن منبه وغيره من الإسرائيليات قربه من أيوب ـ عليه السلام ـ وغيره من الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ولفظه ـ الذي ساقه البغوي ـ أنه أضله غمام ثم نودي: يا أيوب، أنا الله، يقول: أنا قد دنوت منك، أنزل منك قريبًا.
لكن الإسرائيليات إنما تذكر على وجه المتابعة، لا على وجه الاعتماد عليها وحدها، وهوـ سبحانه وتعالى ـ قد وصف نفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بقربه من الداعي وقربه من المتقرب إليه، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]. وثبت في [الصحيحين] عن أبي موسى، أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال: " أيها الناس، ارْبعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته ". وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: من تَقَرَّبَ إلىّ شبرًا تقربت إليه
ذراعًا، ومن تقرب إلىَّ ذِراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلَةً".
وقربه من العباد بتقربهم إليه مما يقر به جميع من يقول: إنه فوق العرش، سواء قالوا مع ذلك: إنه تقوم به الأفعال الاختيارية أو لم يقولوا.
وأما من ينكر ذلك: فمنهم من يفسر قرب العباد بكونهم يقاربونه ويشابهونه من بعض الوجوه فيكونون قريبين منه، وهذا تفسير أبي حامد والمتفلسفة؛ فإنهم يقولون: الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
ومنهم من يفسر قربهم بطاعتهم، ويفسر قربه بإثابته.
وهذا تفسير جمهور الجهمية؛ فإنهم ليس عندهم قرب ولا تقريب أصلًا.
ومما يدخل في معاني القرب ـ وليس في الطوائف من ينكره ـ قرب المعروف والمعبود إلى قلوب العارفين العابدين؛ فإن كل من أحب شيئًا فإنه لابد أن يعرفه ويقرب من قلبه، والذي يبغضه يبعد من قلبه.
لكن هذا ليس المراد به أن ذاته نفسها تحل في قلوب العارفين العابدين، وإنما في القلوب معرفته وعبادته ومحبته، والإيمان به؛ ولكن العلم يطابق المعلوم.
وهذا الإيمان الذي في القلوب هو [المثل الأعلى] الذي له في السموات والأرض، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84]، وقوله: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3].
وقد غلط في هذه الآية طائفة من الصوفية والفلاسفة وغيرهم، فجعلوه حلول الذات واتحادها بالعابد والعارف، من جنس قول النصارى في المسيح، وهو قول باطل، كما قد بسط في
موضعه.
والذين يثبتون تقريبه العباد إلى ذاته هو القول المعروف للسلف والأئمة، وهو قول الأشعري وغيره من الكُلابية؛ فإنهم يثبتون قرب العباد إلى ذاته، وكذلك يثبتون استواءه على العرش بذاته، ونحو ذلك، ويقولون: الاستواء فعل فعله في العرش فصار مستويًا على العرش.
وهذا ـ أيضًا ـ قول ابن عقيل، وابن الزاغوني، وطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم.
وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش.
وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر.
وأول من أنكر هذا في الإسلام الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة، وكانوا ينكرون الصفات والعلو على العرش، ثم جاء ابن كُلاب فخالفهم في ذلك، وأثبت الصفات والعلو على العرش، لكن وافقهم على أنه لا تقوم به الأمور الاختيارية؛ ولهذا أحدث قوله في القرآن: أنه قديم لم يتكلم به بقدرته.
ولا يعرف هذا القول عن أحد من السلف، بل المتواتر عنهم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، كما ذكرت ألفاظهم في كتب كثيرة في مواضع غير هذا.
فالذين يثبتون أنه كلم موسى بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا به، هم الذين يقولون: إنه يدنو ويقرب من عباده بنفسه.
وأما من قال: القرآن مخلوق أو قديم، فأصل هؤلاء أنه لا يمكن أن يقرب من شيء ولا يدنو إليه، فمن قال منهم بهذا مع هذا، كان من تناقضه؛ فإنه لم يفهم أصل القائلين بأنه قديم.
وأهل الكلام قد يعرفون من حقائق أصولهم ولوازمها ما لا يعرفه من وافقهم على أصل المقالة، ولم يعرف حقيقتها ولوازمها؛ فلذا يوجد كثير من الناس يتناقض كلامه في هذا الباب.
فإن نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف متظاهرة بالإثبات، وليس على النفي دليل واحد: لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، وإنما أصله قول الجهمية، فلما جاء ابن كُلاب فرق، ووافقه كثير من الناس على ذلك، فصار كثير من الناس يقر
بما جاء عن السلف وما دل عليه الكتاب والسنة، وبما يقوله النفاة مما يناقض ذلك، ولا يهتدي للتناقض: ﴿وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]. وبهذا يحصل الجواب عما احتج به من قال: إن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد ـ وهذا قد احتج به طائفة ـ وجعلوا هذا دليلًا على ما يتأولون عليه حديث النزول.
وهذا الذي ذكروه إنما يصح إذا جعل نزوله من جنس نزول أجسام الناس من السطح إلى الأرض، وهو يشبه قول من قال: يخلو العرش منه بحيث يصير بعض المخلوقات فوقه وبعضها تحته! فإذا قدر النزول هكذا كان ممتنعًا؛ لما ذكروه من أنه لا يزال تحت العرش في غالب الأوقات أو جميعها، فإن بين طرفي العمارة نحو ليلة؛ فإنه يقال: بين ابتداء العمارة من المشرق ومنتهاها من المغرب مقدار مائة وثمانين درجة فلكية، وكل خمس عشرة فهي ساعة معتدلة، والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشرة ساعة بالليل أو النهار، إذا كان الليل والنهار متساويين ـ كما يستويان في أول الربيع الذي تسميه العرب الصيف، وأول الخريف الذي تسميه الربيع ـ بخلاف ما إذا كان أحدهما أطول من الآخر، وكل واحد اثنتا عشرة ساعة، فهذه الساعات مختلفة في الطول والقصر، فتغرب الشمس عن أهل المشرق قبل غروبها عن أهل المغرب، كما تطلع على هؤلاء قبل هؤلاء بنحو اثنتي عشرة ساعة أو أكثر.
فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام ـ كما يكون عند نصف النهار ـ فإنها تضيء على ما أمامها وخلفها من المشرق والمغرب تسعين درجة شرقية وتسعين غربية، والمجموع مقدار حركتها: اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، وستة غربية، وهو النهار المعتدل.
ولا يزال لها هذا النهار، لكن يخفي ضوؤها بسبب ميلها إلى جانب الشمال والجنوب، فإن المعمور من الأرض من الناحية الشمالية من الأرض التي هي شمال خط الاستواء المحاذي لدائرة معتدل النهار التي نسبتها إلى القطبين ـ الشمالي والجنوبي ـ نسبة واحدة؛ ولهذا يقال في حركة الفلك: إنها على ذلك المكان دولابية مثل الدولاب، وأنها عند القطبين
رحاوية تشبه حركة الرَّحَى، وأنها في المعمور من الأرض حمائلية تشبه حمائل السيوف.
والمعمور المسكون من الأرض، يقال: إنه بضع وستون درجة أكثر من السدس بقليل.
والكلام على هذا لبسطه موضع آخر، ذكرنا فيه دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وسائر من تبعهم من علماء المسلمين على أن الفلك مستدير.
وقد ذكر إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد، منهم الإمام أبو الحسين بن المنادي الذي له نحو [أربعمائة مصنف] وهو من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد، وأبو محمد بن حزم، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم.
والمقصود هنا أن الشمس إذا طلعت على أول البلاد الشرقية، فإنه ـ حينئذ ـ يكون إما وقت غروبها وإما قريبًا من وقت غروبها على آخر البلاد الغربية، فإنها تكون بحيث يكون الضوء أمامها تسعين درجة وخلفها تسعين درجة، فهذا منتهي نورها.
فإذا طلعت عليهم كان بينها وبينهم تسعون درجة، وكذلك على بلد تطلع عليه، والحاسب يفرق بين الدرجات كما يفرق بين الساعات، فإن الساعات المختلفة الزمانية كل واحد منها خمس عشرة درجة بحسب ذلك الزمان، فيكون بينها وبين المغرب أيضًا تسعون درجة من ناحية المغرب، وإذا صار بينها وبين مكان تسعون درجة غربية غابت، كما تطلع إذا كان بينها وبينهم تسعون درجة شرقية، وإذا توسطت عليهم ـ وهو وقت استوائها قبل أن تَدْلُكَ [أي تميل عن الاستواء] وتَزِيغَ ويدخل وقت الظهر ـ كان لها تسعون درجة شرقية وتسعون درجة غربية.
وإذا كان كذلك ـ والنزول المذكور في الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم، واتفق علماء الحديث على صحته: هو " إذا بقي ثلث الليل الآخر "وأما رواية "النصف والثلثين" فانفرد بها مسلم في بعض طرقه، وقد قال الترمذي: إن أصح الروايات عن أبي هريرة: " إذا بقي ثلث الليل الآخر ". وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة كثيرة من الصحابة كما ذكرنا قبل هذا؛ فهو حديث متواتر عند أهل العلم بالحديث، والذي لا شك فيه إذا بقي ثلث الليل الآخر.
فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر [النزول] أيضًا إذا مضى ثلث الليل الأول وإذا انتصف الليل؛ فقوله حق وهو الصادق المصدوق، ويكون النزول أنواعًا ثلاثة: الأول إذا مضى ثلث الليل الأول، ثم إذا انتصف وهو أبلغ، ثم إذا بقي ثلث الليل، وهو أبلغ الأنواع الثلاثة.
ولفظ " الليل والنهار " في كلام الشارع إذا أطلق، فالنهار من طلوع الفجر، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114]، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: " صم يومًا وأفطر يومًا " وقوله: " كالذي يصوم النهار ويقوم الليل " ونحو ذلك، فإنما أراد صوم النهار من طلوع الفجر، وكذلك وقت صلاة الفجر، وأول وقت الصيام بالنقل المتواتر المعلوم للخاصة والعامة والإجماع الذي لا ريب فيه بين الأمة، وكذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خِفْتَ الصبح فأوتر بركعة ". ولهذا قال العلماء ـ كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ـ: إن صلاة الفجر من صلاة النهار.
وأما إذا قال الشارع صلى الله عليه وسلم: " نصف النهار " فإنما يعني به النهار المبتدئ من طلوع الشمس، لا يريد قط ـ لا في كلامه ولا في كلام أحد من علماء المسلمين بنصف النهارـ
النهار الذي أوله من طلوع الفجر؛ فإن نصف هذا يكون قبل الزوال؛ ولهذا غلط بعض متأخري الفقهاء ـ لما رأى كلام العلماء أن الصائم المتطوع يجوز له أن ينوي التطوع قبل نصف النهار؛ وهل يجوز له بعده؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ـ ظن أن المراد بالنهار هنا نهار الصوم الذي أوله طلوع الفجر.
وسبب غلطه في ذلك أنه لم يفرق بين مسمى النهار إذا أطلق، وبين مسمى نصف النهار، فالنهار الذي يضاف إليه نصف في كلام الشارع وعلماء أمته هو من طلوع الشمس، والنهار المطلق في وقت الصلاة والصيام من طلوع الفجر.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بالنزول إذا بقي ثلث الليل، فهذا الليل ـ المضاف إليه الثلث يظهر أنه من جنس النهار المضاف إليه النصف ـ وهو الذي ينتهي إلى طلوع الشمس، وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وقت العشاء إلى نصف الليل " أو " إلى الثلث "، فهو هذا الليل.
وكذلك الفقهاء إذا أطلقوا ثلث الليل ونصفه؛ فهو كإطلاقهم نصف النهار.
وهكذا أهل الحساب لا يعرفون غير هذا.
وقد يقال: بل هو الليل المنتهي بطلوع الفجر كما في الحديث الصحيح: " أفضل القيام قيام داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه ". واليوم المعتاد المشروع إلى طلوع الشمس بل إلى طلوع الفجر.
فإن كان المراد بالحديث هذا، وحينئذ فإذا قدر ثلث الليل في أول المشرق يكون قبل طلوع الشمس عليهم بأربع ساعات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ حتى يطلع الفجر ". فقد أخبر
بدوامه إلى طلوع الفجر، وفي رواية: (إلى أن ينصرف القارئ من صلاة الفجر).
وقد قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78] تشهده ملائكة الليل والنهار، وقد قيل: يشهده الله وملائكته.
وإذا كان هذا النزول يدوم نحو سدس عند أولئك، فهكذا هو عند كل قوم إذا مضى ثلثًا ليلهم يدوم عندهم سدس الزمان، وأما النزول الذي في النصف أو الثلثين، فإنه يدوم ربع الزمان أو ثلثه، فهو أكثر دوامًا من ذلك.
وإن أريد الليل المنتهي بطلوع الشمس، كان وقت النزول أقل من ذلك فيكون قريبًا من ثمن الزمان وتُسعه، وعلى رواية النصف والثلث يكون قريبًا من سدسه وربعه وأكثر من ذلك.
ومعلوم أن زمن ثلث ليل البلد الشرقي قبل ثلث ليل البلد الغربي كما قد عرف، والعمارة طولها اثنتا عشرة ساعة، مائة وثمانون درجة، فلو قدر أن لكل مقدار ساعة ـ وهو خمس عشرة درجة من المعمورـ ثلثا غير ثلث مقدار الساعة الأخرى، لكان المعمور ستة وثلاثين ثلثًا، والنزول يدوم في كل ثلث مقدار سدس الزمان، فيلزم أن يكون النزول يدوم ليلًا ونهارًا، أنه يدوم بقدر الليل والنهار ست مرات، إذا قدر أن لكل طول ساعة من المعمور ثلثًا فكيف النزول الإلهي إلى السماء الدنيا لدعاء عباده الساكنين في الأرض؟ فكل أهل بلد من البلاد يبقي نزوله ودعاؤه لهم: هل من سائل؟ هل من داع؟ هل من مستغفر؟ سدس الزمان، والبلاد من المشرق إلى المغرب كثيرة.
والإسلام ـ ولله الحمد ـ قد انتشر من المشرق إلى المغرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (زُوِيَتْ لي الأرض، مشارقها ومغاربها، وسَيَبْلُغ مُلْكُ أمتي ما زُوِي لي منها) [وقوله: (زُوِيَتْ) : أي جُمِعت].
وإنما ذكرنا هذا؛ لأنه قد يقال: إن هذا [النزول، والدعاء] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ويسألونه ويستغفرونه؛ كما أن [نزول عَشِيَّةعَرَفَة] إنما هو لعباده المؤمنين الذين يحجون إليه، وكما أن رمضان إذا دخل فتحت أبواب الجنة لعباده المؤمنين الذين يصومون رمضان، وعنهم تغلق أبواب النار، وتُصَفَّد [أي: تُوثق وتُقيَّد].
شياطينهم، وأما الكفار الذين يستحلون إفطار شهر رمضان ولا يرون له حرمة ومزية فلا تفتح لهم فيه أبواب الجنة ولا تغلق عنهم فيه أبواب النار، ولا تصفد شياطينهم.
وليس المقصود هنا بسط هذا المعنى، بل المقصود أن النزول إن كان خاصًا بالمؤمنين، فهم ـ ولله الحمد ـ من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وإن كان عامًا؛ فهو أبلغ، فعلى كل تقدير لابد أن يدوم النزول الإلهي على أهل كل بلد مقدار سدس الزمان أو أكثر.
فإنه إذا قيل: ليل صيفهم قصير، قيل: وليل شتائهم طويل، فيعادل هذا هذا، وما نقص من ليل صيفهم زيد في ليل شتائهم؛ ولهذا جاء في الأثر: (الشتاء ربيع المؤمن؛ يصوم نهاره، ويقوم ليله).
وإذا كان كذلك، فلو كان النزول كما يتخيله بعض الجهال من أنه يصير تحت السموات وفوق السماء الدنيا وتحت العرش مقدار ثلث الليل على كل بلد، لم يكن اللازم أنه لا يزال تحت العرش وتحت السموات فقط؛ فإن هذا إنما يكون وحده هو اللازم إذا كان كل سدس من المعمور لهم كلهم ثلث واحد، وكان المجموع ستة أثلاث، فإذا قدر بقاؤه على هؤلاء مقدار ثلث، ثم على هؤلاء الآخرين مقدار ثلث، لزم ألا يزال تحت
العرش، أو تحت السموات، أو حيث تخيل الجاهل أن الله محصور فيه، فلا يكون قط فوق العرش.
وأما إذا كان لكل بلد ثلث غير الثلث الآخر، وأن أول كل بلد بعد الثلث الآخر، يقدر ما بينهما، وكذلك آخر ثلث ليل البلد الشرقي ينقضي قبل انقضاء ثلث ليل البلد الغربي، وأيضًا، إن كانت مداخلة، فلابد أن يدوم النزول على كل بلد ثلث ليلهم إلى طلوع فجرهم، فيلزم من ذلك أن يقدر أثلاث بقدر عدد البلاد.
وأيضًا، فكما أن ثلث الليل يختلف بطول البلد، فهو يختلف بعرضها أيضًا.
فكلما كان البلد أدخل في الشمال، كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر.
وما كان قريبًا من خط الاستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك وليله في الصيف أطول من ليل ذاك، فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي.
وحينئذ، فالنزول الإلهي لكل قوم هو مقدار ثلث ليلهم، فيختلف مقداره بمقادير الليل في الشمال والجنوب، كما اختلف في المشرق والمغرب.
وأيضًا، فإنه إذا صار ثلث الليل عند قوم، فبعده بلحظة ثلث الليل عند ما يقاربهم من البلاد، فيحصل النزول الإلهي الذي أخبر به الصادق المصدق ـ أيضًا ـ عند أولئك إذا بقي ثلث ليلهم، وهكذا إلى آخر العمارة.
فلو كان كما توهمه الجاهل، من أنه يكون تحت العرش، وتكون فوقه السماء وتحته السماء؛ لكان هذا ممتنعًا من وجوه كثيرة: منها: أنه لا يكون فوق العرش قط بل لا يزال تحته، ومنها: أنه يجب على هذا التقدير أن يكون الزمان بقدر ما هو مرات كثيرة جدًا ليقع كذلك، ومنها: أنه مع دوام نزوله إلى سماء هؤلاء إلى طلوع فجرهم، إن أمكن مع ذلك، أن يكون قد نزل على غيرهم أيضًا، ممن ثلث ليلهم يخالف ثلث هؤلاء في التقديم والتأخير والطول والقصر.
فهذا خلاف ما تخيلوه، فإنهم لا يمكنهم أن يتخيلوا نازلًا كنزول العباد، من يكون نازلا على سماء هؤلاء ثلث ليلهم، وهو ـ أيضًا ـ في تلك الساعة نازلًا على سماء آخرين، مع أنه يجب أن يتقدم على أولئك أو يتأخر عنهم، أو يزيد أو يقصر.
وحكى عن بعض الجهال أنه قيل له: فالسموات كيف حالها عند نزوله؟ قال: يرفعها، ثم يضعها، وهو قادر على ذلك.
فهؤلاء الذين يتخيلون ما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به ربه أنه مثل صفات أجسامهم، كلهم ضالون، ثم يصيرون قسمين: قسم علموا أن ذلك باطل، وظنوا أن هذا ظاهر النص ومدلوله، وأنه لا يفهم منه معنى إلا ذلك، فصاروا: إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون به الكلم عن مواضعه.
وإما أن يقولوا: لا يفهم منه شيء، ويزعمون أن هذا مذهب السلف.
ويقولون: إن قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: 7] يدل على أن معنى المتشابه لا يعلمه إلا الله، والحديث منه متشابه ـ كما في القرآن ـ وهذا من متشابه الحديث، فيلزمهم أن يكون الرسول الذي تكلم بحديث النزول لم يَدْرِ هو ما يقول، ولا ما عنى بكلامه ـ وهو المتكلم به ابتداء.
فهل يجوز لعاقل أن يظن هذا بأحد من عقلاء بنى آدم؟ ! فضلًا عن الأنبياء! فضلا عن أفضل الأولين والآخرين، وأعلم الخلق، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق للخلق صلى الله عليه وسلم؟ ! وهم مع ذلك يدعون أنهم أهل السنة، وإن هذا القول الذي يصفون به الرسول وأمته هو قول أهل السنة.
ولا ريب أنهم لم يتصوروا حقيقة ما قالوه ولوازمه.
ولو تصوروا ذلك لعلموا أنه يلزمهم ما هو من أقبح أقوال الكفار في الأنبياء، وهم لا يرتضون مقالة من ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، ولو تنقصه أحد لاستحلوا قتله.
وهم مصيبون في استحلال قتل من يقدح في الأنبياء عليهم السلام، وقولهم يتضمن أعظم القَدْح؛ لكن لم يعرفوا ذلك.
ولازم القول ليس بقول، فإنهم لو عرفوا أن هذا يلزمهم ما التزموه.
وقسم ثان، من الممثلين لله بخلقه، لما رأوا أن قول هؤلاء منكر، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق، قالوا مثل تلك الجهالات: من أنه تصير فوقه سماء وتحته سماء، أو أن السموات ترتفع ثم تعود، ونحو ذلك مما يظهر بطلانه لمن له أدنى عقل ولُبٍّ.
وقد ثبت في الصحيحين أنه ينزل، وفي لفظ: (ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر)،
وفي حديث آخر: " أقرب ما يكون الرب من عبده في جَوْف الليل الآخر "، وفي صحيح مسلم: " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل "، وفي صحيح مسلم ـ أيضًا ـ: " إذا مضى شَطْر الليل أو ثلثاه، ينزل الله إلى سماء الدنيا " فما ذكر من تقدم اختلاف الليل في البلاد، يبطل قول من يظن أنه يخلو منه العرش، ويصير تحت العرش أو تحت السماء.
وأما النزول ـ الذي لا يكون من جنس نزول أجسام العباد ـ فهذا لا يمتنع أن يكون في وقت واحد لخلق كثير، ويكون قدره لبعض الناس أكثر، بل لا يمتنع أن يقرب إلى خلق من عباده دون بعض، فيقرب إلى هذا الذي دعاه دون هذا الذي لم يدعه.
وجميع ما وصف به الرب ـ عز وجل ـ نفسه من القرب، فليس فيه ما هو عام لجميع المخلوقات كما في المعية؛ فإن المعية وصف نفسه فيها بعموم وخصوص.
وأما قربه مما يقرب منه، فهو خاص لمن يقرب منه، كالداعي والعابد، وكقربه عشية عرفة، ودنوه إلى السماء الدنيا لأجل الحجاج، وإن كانت تلك العشية بعرفة قد تكون وسط النهار في بعض البلاد، وتكون ليلا في بعض البلاد؛ فإن تلك البلاد لم يَدْنُ إليها، ولا إلى سمائها الدنيا، وإنما دنا إلى السماء الدنيا التي على الحُجَّاج، وكذلك نزوله بالليل.
وهذا كما أن حسابه لعباده يوم القيامة يحاسبهم كلهم في ساعة واحدة، وكل منهم يخلو به كما يخلو الرجل بالقمر ليلة البدر فيقرره بذنوبه، وذلك المحاسب لا يرى أنه يحاسب غيره.
كذلك قال أبو رَزِين: للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر "، قال: يا رسول الله، كيف ونحن جميع وهو واحد؟ ! فقال: " سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ هذا القمر كلكم يراه مخليا به، فالله أكبر ". وقال رجل لابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كيف يحاسب الله العباد في ساعة واحدة؟ قال: كما يرزقهم في ساعة واحدة.
وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي
ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: أثنى على عبدي، فإذا قال العبد: مالك يوم الدين؛ قال الله: مجدنى عبدي، فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين؛ قال: هذه بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم.
صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ". فهذا يقوله ـ سبحانه وتعالى ـ لكل مُصَلٍّ قرأ الفاتحة، فلو صلى الرجل ما صلى من الركعات قيل له ذلك وفي تلك الساعة يصلي من يقرأ الفاتحة من لا يحصى عدده إلا الله، وكل واحد منهم يقول الله له كما يقول لهذا، كما يحاسبهم كذلك، فيقول لكل واحد ما يقول له من القول في ساعة واحدة.
وكذلك سمعه لكلامهم يسمع كلامهم كله مع اختلاف لغاتهم، وتفنن حاجاتهم، يسمع دعاءهم سمع إجابة، ويسمع كل ما يقولونه سمع علم وإحاطة لا يشغله سمع عن سمع.
ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، فإنه ـ سبحانه ـ هو الذي خلق هذا كله، وهو الذي يرزق هذا كله وهو الذي يوصل الغذاء إلى كل جزء جزء من البدن على مقداره وصفته المناسبة له، وكذلك من الزرع.
وكرسيه قد وسع السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما، فإذا كان لا يؤوده خلقه ورزقه على هذه التفاصيل، فكيف يؤوده العلم بذلك، أو سمع كلامهم، أو رؤية أفعالهم، أو إجابة دعائهم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].
وهذه الآية مما تبين خطأ هؤلاء، فإنه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ويقول: أنا الملك، أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ! ". وفي حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أبلغ من ذلك، والسياق لمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ورواه عثمان بن أبي شيبة قال: " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله فيقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". وفي حديث عبد الله بن مِقْسَم عن عبد الله بن عمر، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وهو يقول: " يأخذ الجبار سمواته وأرضه ـ وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ـ ويقول: أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئًا، أنا الذي أعيدها، أين الجبارون أين المتكبرون؟ "، ويتميل رسول الله على يمينه وعلى شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إنى أقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
رواه ابن منده، وابن خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وسعيد بن منصور وغيرهم من الأئمة الحفاظ النقاد الجهابذة.
فإذا كان ـ سبحانه ـ يطوي السموات كلها بيمينه، وهذا قدرها عنده ـ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخَرْدَلَةٍ في يد أحدكم، وهو ـ سبحانه ـ بين لنا من عظمته بقدر ما نعقله، كما قال عبد العزيز الماجشُون [هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، الإمام المفتى الكبير، نزيل بغداد، وسمي بالماجشون؛ لأن وجنتيه كانتا حمراوين - والماجشون تطلق على الثياب المُصَبَّغَة - وثقه أبو زُرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، توفي ببغداد سنة 164هـ] : والله، ما دلهم على عظيم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صغر
نظيرها منهم عندهم، أن ذلك الذي ألقى في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم.
وقد قال تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103] قال ابن أبي حاتم في [تفسيره] : حدثنا أبو زُرْعَة، ثنا مِنْجَاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103] قال: (لو أن الجن والإنس، والشياطين والملائكة؛ منذ خلقوا إلى أن فَنُوا صُفُّوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا)، فمن هذه عظمته، كيف يحصره مخلوق من المخلوقات، سماء أو غير سماء؟ ! حتى يقال: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صار العرش فوقه، أو يصير شيء من المخلوقات يحصره ويحيط به ـ سبحانه وتعالى.
فإذا قال القائل: هو قادر على ما يشاء، قيل: فقل: هو قادر على أن ينزل ـ سبحانه وتعالى ـ وهو فوق عرشه، وإذا استدللت بمطلق القدرة والعظمة من غير تمييز، فما كان أبلغ في القدرة والعظمة، فهو أولي بأن يوصف به مما ليس كذلك؛ فإن من توهم العظيم ـ الذي لا أعظم منه ـ يقدر على أن يصغر حتى يحيط به مخلوقه الصغير، وجعل هذا من باب القدرة والعظمة، فقوله: إنه ينزل مع بقاء عظمته وعلوه على العرش، أبلغ في القدرة والعظمة، وهو الذي فيه موافقة الشرع والعقل.
وهذا كما قد يقوله طائفة ـ منهم أبو طالب المكى ـ قال: إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن شاء لم يسعه شيء، وإن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد عند شيء، وقد جاوز الحد والمعيار، وسبق القيل والأقدار، ذو صفات لا تحصى، وقدر لا يتناهى، ليس محبوسًا في صورة، ولا موقوفًا بصفة، ولا محكومًا عليه بكلم، ولا يتجلى بوصف مرتين، ولا يظهر
في صورة لاثنين، ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان، بل لكل تجل منه صورة، ولكل عبد عند ظهوره صفة، وعن كل نظرة كلام، وبكل كلمة إفهام، ولا نهاية لتجليه، ولا غاية لأوصافه.
قلت: أبو طالب ـ رحمه الله ـ هو وأصحابه [السالمية] أتباع الشيخ أبي الحسن بن سالم صاحب سهل بن عبد الله التُّسْتَرِي، لهم من المعرفة والعبادة والزهد واتباع السنة والجماعة في عامة المسائل المشهورة لأهل السنة ما هم معروفون به، وهم منتسبون إلى إمامين عظيمين في السنة؛ الإمام أحمد بن حنبل، وسهل بن عبد الله التُّسْتَرِي، ومنهم من تفقه على مذهب مالك بن أنس كبيت الشيخ أبي محمد وغيرهم، وفيهم من هو على مذهب الشافعى.
فالذين ينتسبون إليهم، أو يعظمونهم، ويقصدون متابعتهم، أئمة هدى ـ رضوان الله عليهم أجمعين.
وهم في ذلك كأمثالهم من أهل السنة والجماعة.
وقل طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط؛ لكثرة ما وقع من شبه أهل البدع؛ ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه، وأصول الدين، والفقه، والزهد، والتفسير، والحديث، من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، ويحكى من مقالات الناس ألوانًا، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره؛ لعدم علمه به؛ لا لكراهته لما عليه الرسول.
وهؤلاء وقع في كلامهم أشياء، أنكروا بعض ما وقع من كلام أبي طالب في الصفات ـ من نحو الحلول وغيره ـ أنكرها عليهم أئمة العلم والدين ونسبوهم إلى الحلول من أجلها؛ ولهذا تكلم أبو القاسم بن عساكر في أبي على الأهوازي لما صنف هذا مثالب أبي الحسن الأشعري، وهذا مناقبه، وكان أبو علي الأهوازي من السالمية فنسبهم طائفة إلى الحلول.
والقاضي أبو يعلى له كتاب صنفه في الرد على السالمية.
وهم فيما ينازعهم المنازعون فيه ـ كالقاضي أبي يعلى وغيره، وكأصحاب الأشعري، وغيرهم من ينازعهم ـ من جنس تنازع الناس، تارة يرد عليهم حق وباطل، وتارة يرد عليهم حق من حقهم، وتارة يرد باطل بباطل، وتارة يرد
باطل بحق.
وكذلك ذكر الخطيب البغدادى في [تاريخه] أن جماعة من العلماء أنكروا بعض ما وقع في كلام أبي طالب في الصفات.
وما وقع في كلام أبي طالب من الحلول سرى بعضه إلى غيره من الشيوخ، الذين أخذوا عنه كأبي الحكم بن بَرَّجَان ونحوه.
وأما أبو إسماعيل الأنصاري ـ صاحب [منازل السائرين]ـ فليس في كلامه شيء من الحلول العام، لكن في كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو: [مقام التوحيد]، وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب، لكن كنى عنه.
وأما [الحلول العام] ففي كلام أبي طالب قطعة كبيرة منه، مع تبريه من لفظ الحلول، فإنه ذكر كلامًا كثيرًا حسنًا في التوحيد كقوله: عالم لا يجهل، قادر لا يعجز، حي لا يموت، قيوم لا يغفل، حليم لا يسفه، سميع بصير، ملك لا يزول ملكه، قديم بغير وقت، آخر بغير حدّ، كائن لم يزل، إلى أن قال: وإنه أمام كل شيء، ووراء كل شيء، وفوق كل شيء، ومع كل شيء، ويسمع كل شيء، وأقرب إلى كل شيء من ذلك الشيء، وإنه مع ذلك غير محل للأشياء، وأن الأشياء ليست محلًا له، وأنه على العرش استوى كيف شاء بلا تكييف ولا تشبيه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء محيط.
وذكر كلامًا آخر يتعلق بالمخلوقات وإحاطة بعضها ببعض بحسب ما رآه، ثم قال: والله ـ جل جلاله وعظم شأنه ـ هو ذات منفرد بنفسه، متوحد بأوصافه، بائن من جميع خلقه، لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض، ليس في ذاته سواه، ولا في سواه من ذاته شيء، ليس في الخلق إلا الخلق ولا في الذات إلا الخالق.
قلت: وهذا ينفي الحلول كما نفاه أولًا.
ثم قال: فصل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين فشهادة الموقن يقينه أن الله هو الأول من كل شيء، وأقرب من كل شيء، فهو المعطى المانع، الهادي المضل، لا معطي ولا مانع ولا ضار ولانافع إلا الله، كما لا إله إلا الله، ويشهد قرب الله منه ونظره إليه، وقدرته عليه
وحيطته به، فسبق نظره وهمه إلى الله قبل كل شيء، ويذكره في كل شيء، ويخلو قلبه له من كل شيء، ويرجع إليه بكل شيء، ويتأله إليه دون كل شيء، ويعلم أن الله أقرب إلى القلب من وريده، وأقرب إلى الروح من حياته، وأقرب إلى البصر من نظره، وأقرب إلى اللسان من ريقه بقرب هو وصفه لا يتقرب ولا يقرب.
وأنه ـ تعالى ـ على العرش في ذلك كله، وأنه رفيع الدرجات من الثَّرَى، كما هو رفيع الدرجات من العرش، وأن قربه من الثرى ومن كل شيء كقربه من العرش، وأن العرش غير ملاصق له بحس، ولا تمكن فيه، ولا يذكر فيه بوجس ولا ناظر إليه بعين، ولا يحاط به فيدرك؛ لأنه ـ تعالى ـ محتجب بقدرته عن جميع بريته، ولا نصيب للعرش منه إلا كنصيب موقن عالم به، واجد لما أوجده منه من أن الله عليه، وأن العرش مطمئن به، وأن الله محيط بعرشه فوق كل شيء، وفوق تحت كل شيء، فهو فوق الفوق، تحت التحت، لا يحد بتحت فيكون له فوق؛ لأنه العلي الأعلى.
أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان، ولا يحد بمكان، ولا يفقد من مكان، ولا يوجد بمكان، فالتحت للأسفل، والفوق للأعلى.
وهو ـ سبحانه ـ فوق كل فوق في العلو، وفوق كل تحت في السمو، هو فوق ملائكة الثرى، كما هو فوق ملائكة العرش والأماكن الممكنات، ومكانه مشيئته ووجوده قدرته، والعرش والثرى فما بينهما، هو حد للخلق الأسفل والأعلى بمنزلة خردلة في قبضته، وهو أعلى من ذلك محيط بجميع ذلك، كما لايدركه العقل ولا يكيفه الوهم، ولا نهاية لعلوه، ولا فوق لسموّه، ولا بعد في دنوه.
إلى أن قال: وإن الله لا يحجبه شيء عن شيء، ولا يبعد عليه شيء، قريب من كل شيء بوصفه، وهو القدرة والدراك، والأشياء مبعدة بأوصافها؛ وهو البعد والحجب، فالبعد والإبعاد حكم مشيئته، والحدود والأقطار حجب بريته.
إلى أن قال: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: 59]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4] غير متصل بالخلق ولا مفارق، وغير مماس للكون ولا متباعد، بل منفرد بنفسه، متوحد بوصفه، لا يزدوج إلى شيء، ولا يقترن به شيء، أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه، وهو محيط بكل شيء بحيطة هى نعته، وهو مع كل شيء، وفوق كل شيء، وأمام كل شيء، ووراء كل شيء؛ بعلوه ودنوه، وهو قربه، فهو وراء الحول الذي هو وراء حملة العرش، وهو أقرب من حبل الوريد الذي هو الروح، وهو مع ذلك فوق كل شيء وهو محيط بكل شيء، وليس هو تعالى في هذا مكانًا لشيء ولا مكانًا له شيء، وليس كمثله في كل هذا شيء، لا شريك له في ملكه ولا معين له في خلقه، ولا نظير له في عباده، ولا شبيه له في إيجاده، وهو أول في آخريته بأولية هى صفته، وآخر في أوليته بآخرية هى نعته، وباطن في ظهوره بباطنية هى قربه، وظاهر في باطنيته بظهور هو علوه، لم يزل كذلك أولا، ولا يزال كذلك آخرًا، ولم يزل كذلك باطنًا، ولا يزال كذلك ظاهرًا.
إلى أن قال: هو على عرشه بإخباره لنفسه؛ فالعرش حد خلقه الأعلى وهو غير محدود بعرشه؛ والعرش محتاج إلى مكان، والرب ـ عز وجل ـ غير محتاج إليه؛ كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] الرحمن اسم، والاستواءنعته، متصل بذاته والعرش خلقه منفصل عن صفاته، ليس بمضطر إلى مكان يسعه ولا حامل يحمله.
إلى أن قال: وهو لا يسعه غير مشيئته، ولا يظهر إلا في أنوار صفته، ولا يوجد إلا في سعة البسطة.
فإذا قبض أخفي ما أبدى، وإذا بسط أعاد ما أخفي.
وكذلك جعله في كل رسم كون، وفعله بكل اسم مكان، ومما جل فظهر ومما دق فاستتر، لا يسعه غير مشيئته بقربه، ولا يعرف إلا بشهوده، ولا يرى إلا بنوره، هذا لأوليائه اليوم بالغيب في القلوب، ولهم ذلك عند المشاهدة بالأبصار، ولا يعرف إلا بمشيئته، إن شاء وسعه أدنى شيء، وإن لم يشأ لم يسعه كل شيء، إن أراد عرفه كل شيء، وإن لم يرد لم يعرفه شيء، إن
أحب وجد عند كل شيء، وإن لم يحب لم يوجد بشيء.
وذكر تمام كلامه كما حكيناه من قبل.
قلت: وهذا الذي ذكره من قربه وإطلاقه، وأنه لايتجلى بوصف مرتين ولا يظهر في صورة لاثنين، هو حكم ما يظهر لبعض السالكين من قربه إلى قلوبهم، وتجليه لقلوبهم ـ لا أن هذا هو وصفه في نفس الأمر، وأنه كما تحصل هذه التجليات المختلفة تحصل يوم القيامة للعيون.
وهذا الموضع مما يقع الغلط فيه لكثير من السالكين، يشهدون أشياء بقلوبهم فيظنون أنها موجودة في الخارج هكذا، حتى إن فيهم خلقًا منهم من المتقدمين والمتأخرين يظنون أنهم يرون الله بعيونهم؛ لما يغلب على قلوبهم من المعرفة والذكر والمحبة، يغيب بشهوده فيما حصل لقلوبهم، ويحصل لهم فناء واصطلام، فيظنون أن هذا هو أمر مشهود بعيونهم، ولا يكون ذلك إلا في القلب؛ ولهذا ظن كثير منهم أنه يرى الله بعينه في الدنيا.
وهذا مما وقع لجماعة من المتقدمين والمتأخرين، وهو غلط محض حتى أورث مما يدعيه هؤلاء شكًا عند أهل النظر والكلام الذين يجوزون رؤية الله في الجملة، وليس لهم من المعرفة بالسنة ما يعرفون به؛ هل يقع في الدنيا أو لا يقع؟ فمنهم من يذكر في وقوعها في الدنيا قولين، ومنهم من يقول يجوز ذلك.
وهذا كله ضلال؛ فإن أئمة السنة والجماعة متفقون من أن الله لا يراه أحد بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة.
وقد روى نفي رؤيتنا له في الدنيا عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال ـ لما ذكر الدجال ـ قال: " واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت " وموسى بن عمران ـ عليه السلام ـ قد سأل الرؤية، فذكر الله ـ سبحانه ـ قوله: ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]، وما أصاب موسى من الصعق.
وهؤلاء منهم من يقول: إن موسى رآه، وإن الجبل كان حجابه، فلما جعل الجبل دكا رآه، وهذا يوجد في كلام أبي طالب ونحوه.
ومنهم من يجعل الرائي هو المرئي، فهو الله فيذكرون اتحادًا، وأنه أفنى موسى عن نفسه حتى كان الرائي هو المرئي فما رآه عندهم موسى، بل رأى نفسه بنفسه، وهذا يدعونه لأنفسهم.
والاتحاد والحلول باطل.
وعلى قول من يقول به إنما هذا في الباطن والقلب، لا في الظاهر؛ فإن غاية ذلك ما تقوله النصارى في المسيح، ولم يقولوا: إن أحدًا رأى اللاهوت الباطن المتُدَرِّع [أي: المتلبس، وفيها معنى الدخول في الشيء].
بالناسوت.
وهذا الغلط يقع كثيرًا في السالكين.
يقع لهم أشياء في بواطنهم فيظنونها في الخارج في ذلك بمنزلة الغالطين من نظار المتفلسفة ونحوهم؛ حيث يتصورون أشياء بعقولهم كالكليات والمجردات ونحو ذلك، فيظنونها ثابتة في الخارج، وإنما هى في نفوسهم؛ ولهذا يقول أبو القاسم السهيلي وغيره: نعوذ بالله من قياس فلسفي، وخيال صوفي.
ولهذا يوجد التناقض الكثير في كلام هؤلاء وهؤلاء.
وأما الذين جمعوا الآراء الفلسفية الفاسدة والخيالات الصوفية الكاسدة كابن عربى وأمثاله، فهم من أضل أهل الأرض؛ ولهذا كان الجنيد ـ رضي الله عنه ـ سيد الطائفة إمام هدى، فكان قد عرف ما يعرض لبعض السالكين، فلما سئل عن التوحيد قال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم.
فبين أنه يميز المحدث عن القديم تحذيرًا عن الحلول والاتحاد.
فجاءت الملاحدة ـ كابن عربى ونحوه ـ فأنكروا هذا الكلام على الجنيد؛ لأنه يبطل مذهبهم الفاسد.
والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال، وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين، وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك، وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله ـ تعالى.
وقد خطب عروة بن الزبير من عبد الله بن عمر ابنته، وهو في الطواف، فقال: أتحدثنى