أهل الأثرالأرشيف العلمي

[حديث النزول]

صفحات 164-191

فإن حقيقة قولهم ـ إن الرب لم يكن قادرًا، ولا كان الكلام والفعل ممكنًا له، ولم يزل كذلك دائما مدة، أو تقدير مدة لا نهاية لها، ثم إنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك، وجعلوا مفعوله هو فعله، وجعلوا فعله وإرادة فعله قديمة أزلية والمفعول متأخرًا، وجعلوا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ـ وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة، وأنكروا صفاته ورؤيته، وقالوا: كلامه مخلوق، وهو خلاف دين الإسلام.
والذين اتبعوهم وأثبتوا الصفات قالوا: يريد جميع المرادات بإرادة واحدة، وكل كلام تكلم به أو يتكلم به إنما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض، وإذا رُؤى رُؤى لابمواجهة، ولا بمعاينة، وإنه لم يسمع ولم ير الأشياء حتى وجدت، ثم لما وجدت لم يقم به أمر موجود، بل حاله قبل أن يسمع ويبصر كحاله بعد ذلك، إلى أمثال هذه الأقوال التي تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح.
ثم لما رأت الفلاسفة أن هذا مبلغ علم هؤلاء، وأن هذا هو الإسلام الذي عليه هؤلاء، وعلموا فساد هذا ـ أظهروا قولهم بقدم العالم، واحتجوا بأن تجدد الفعل بعد أن لم يكن ممتنع، بل لابد لكل متجدد من سبب حادث، وليس هناك سبب، فيكون الفعل دائما، ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا فسادها وهو: أنه إذا كان دائمًا، لزم قدم الأفلاك والعناصر.
ثم إنهم لما أرادوا تقرير [النبوة] جعلوها فيضًا يفيض على نفس النبي من العقل الفعال أو غيره، من غير أن يكون رب العالمين يعلم له رسولا معينا، ولا يميز بين موسى وعيسى ومحمد ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ ولا يعلم الجزئيات، ولا نزل من عنده ملك، بل جبريل هو خيال يتخيل في نفس النبي أو هو العقل الفعال، وأنكروا أن تكون السموات والأرض خلقت في ستة أيام، وأن السموات تنشق وتنفطر، وغير ذلك مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وزعموا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد به خطاب الجمهور، مما يخيل إليهم بما ينتفعون

به من غير أن يكون الأمر في نفسه كذلك، ومن غير أن تكون الرسل بينت الحقائق، وعلمت الناس ما الأمر عليه.
ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبي صلى الله عليه وسلم.
وحقيقة قولهم: إن الأنبياء كذبوا لما ادعوه من نفع الناس، وهل كانوا جهالا؟ على قولين لهم.
إلى غير ذلك من أنواع الإلحاد والكفر الصريح والكذب البين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد بين في غير هذا الموضع أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل، وإن تظاهروا بالإسلام؛ فإنهم يظهرون من مخالفة الإسلام أعظم مما كان يظهره المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ: المنافقون اليوم شر من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل: ولم ذلك؟ قال: لأنهم كانوا يسرون نفاقهم، وهم اليوم يعلنونه.
ولم يكن على عهد حذيفة من وصل إلى هذا النفاق ولا إلى قريب منه؛ فإن هؤلاء إنما ظهروا في الإسلام في أثناء [الدولة العباسية] وآخر [الدولة الأموية] لما عربت الكتب اليونانية ونحوها، وقد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم، لم يكن الأمر كما قالوه، بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة؛ ولهذا يوجد كثير ممن دخل في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين، كابن عربي وابن سبعين وغيرهما.
وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فإنهم يستنصرون ويستعينون بأولئك المتكلمين المبتدعين، ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله، فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عيانًا.
ودعواهم أن هذه طريقة إبراهيم الخليل في قوله: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76] كذب ظاهر على إبراهيم؛ فإن الأفول هو التغيب والاحتجاب باتفاق أهل اللغة والتفسير، وهو من الأمور الظاهرة في اللغة، وسواء أريد بالأفول ذهاب ضوء القمر

والكواكب بطلوع الشمس، أو أريد به سقوطه من جانب المغرب؛ فإنه إذا طلعت الشمس يقال: إنما غابت الكواكب واحتجبت، وإن كانت موجودة في السماء، ولكن طمس ضوء الشمس نورها.
وهذا مما ينحل به الإشكال الوارد على الآية في طلوع الشمس بعد أفول القمر، وإبراهيم ـ عليه السلام ـ لم يقل: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76] لما رأى الكوكب يتحرك، والقمر والشمس، بل إنما قال ذلك حين غاب واحتجب.
فإن كان إبراهيم قصد بقوله الاحتجاج بالأفول على نفي كون الآفل رب العالمين - كما ادعوه - كانت قصة إبراهيم حجة عليهم، فإنه لم يجعل بزوغه وحركته في السماء إلى حين المغيب دليلًا على نفي ذلك، بل إنما جعل الدليل مغيبه، فإن كان ما ادعوه من مقصوده من الاستدلال صحيحًا، فإنه حجة على نقيض مطلوبهم، وعلى بطلان كون الحركة دليل الحدوث.
لكن الحق أن إبراهيم لم يقصد هذا، ولا كان قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 77] إنه رب العالمين، ولا اعتقد أحد من بني آدم أن كوكبًا من الكواكب خلق السموات والأرض، وكذلك الشمس والقمر، ولا كان المشركون قوم إبراهيم يعتقدون ذلك، بل كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب، ويدعونها، ويبنون لها الهياكل، ويعبدون فيها أصنامهم، وهو دين الكلدانيين والكشدانيين والصابئين المشركين، لا الصابئين الحنفاء، وهم الذين صنف صاحب [السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم] كتابه على دينهم.
وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك، وكانوا قبل ظهور دين المسيح ـ عليه السلام ـ وكان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما موضع بعض هياكلهم؛ هذا هيكل المشتري، وهذا هيكل الزهرة.
وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال.
والفلاسفة اليونانيون كانوا من جنس هؤلاء المشركين

يعبدون الكواكب والأصنام، ويصنعون السحر، وكذلك أهل مصر وغيرهم.
وجمهور المشركين كانوا مقرين برب العالمين، والمنكر له قليل، مثل فرعون ونحوه.
وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع، ولهذا قال لهم إبراهيم الخليل: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75-77] فعادى كل ما يعبدونه إلا رب العالمين، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال الخليل ـ عليه السلام ـ: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 95،96]، وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 78-82]، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: 83].
ولما فسر هؤلاء [الأفول] بالحركة، وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه، دخلت الملاحدة من هذا الباب، ففسر ابن سينا وأمثاله من الملاحدة الأفول بالإمكان الذي ادعوه

حيث قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية وهي مع ذلك ممكنة، وكذلك ما فيها من الكواكب والنيرين.
قالوا: فقول إبراهيم: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أي: لا أحب الممكن المعلول وإن كان قديمًا أزليًا.
وأين في لفظ الأفول ما يدل على هذا المعنى؟ ولكن هذا شأن المحرفين للكلم عن مواضعه.
وجاء بعدهم من جنس من زاد في التحريف فقال: المراد بـ[الكواكب والشمس والقمر] هوالنفس والعقل الفعال والعقل الأول.
وقد ذكر ذلك أبوحامد الغزالي في بعض كتبه، وحكاه عن غيره في بعضها، وقال هؤلاء: الكواكب والشمس والقمر لا يخفي على عاقل أنها ليست رب العالمين، بخلاف النفس والعقل.
ودلالة لفظ الكواكب والشمس والقمر على هذه المعاني لو كانت موجودةمن عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية، كما يتأولون العلميات مع العمليات، ويقولون: الصلوات الخمس معرفة أسرارنا، وصيام رمضان كتمان أسرارنا، والحج هو الزيارة لشيوخنا المقدسين.
وفتح لهم هذا الباب [الجهمية] و [الرافضة] حيث صار بعضهم يقول: الإمام المبين: علي بن أبي طالب، والشجرة الملعونة في القرآن: بنو أمية، والبقرة المأمور بذبحها: عائشة، واللؤلؤ والمرجان: الحسن والحسين.
وقد شاركهم في نحو هذه التحريفات طائفة من الصوفية وبعض المفسرين، كالذين يقولون: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ وكذلك قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أبو بكر ﴿فَآزَرَهُ﴾ عمر ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ هو عثمان ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: 29] هو علي، وقول بعض الصوفية: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 24] هو القلب ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] هي: النفس.
وأمثال هذه التحريفات.
لكن منها مايكون معناه صحيحًا، وإن لم يكن هو المراد باللفظ، وهو

الأكثر في إشارات الصوفية.
وبعض ذلك لا يجعل تفسيرًا، بل يجعل من باب الاعتبار والقياس، وهذه طريقة صحيحة علمية، كما في قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 97]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب "، فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة، وإذا كان الملك لا يدخل بيتًا فيه كلب، فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلاب المذمومة، ولا تنزل الملائكة على هؤلاء، وهذا لبسطه موضع آخر.
والمقصود أن أولئك المبتدعة من أهل الكلام، لما فتحوا باب القياس الفاسد في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات، صار ذلك دهليزًا للزنادقة الملحدين إلى ما هو أعظم من ذلك من السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات، وصار كل من زاد في ذلك شيئًا دعاه إلى ما هو شر منه، حتى انتهي الأمر بالقرامطة إلى إبطال الشرائع المعلومة كلها، كما قال لهم رئيسهم بالشام: قد أسقطنا عنكم العبادات، فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة.
ولهذا قال من قال من السلف: البدع بريد الكفر، والمعاصي بريد النفاق.
ولما اعتقد أئمة الكلام المبتدع، أن معنى كون الله خالقًا لكل شيء هو ما تقدم: أنه لم يزل غير فاعل لشيء، ولا متكلم بشيء، حتى أحدث العالم، لزمهم أن يقولوا: إن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه.
فإنه لو كان له كلام قديم، أو كلام غير مخلوق، لزم قدم العالم على الأصل الذي أصلوه؛ لأن الكلام قد عرف العقلاء أنه إنما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته.
وأما كلام يقوم بذات المتكلم بلا قدرة ولا مشيئة، فهذا لم يكن يتصوره أحد من العقلاء، ولا نعرف أن أحدًا قاله، بل ولا يخطر ببال جماهير الناس، حتى أحدث القول به ابن كلاب.

وإنما ألجأه إلى هذا: أن أولئك المتكلمين لما أظهروا موجب أصلهم، وهو القول بأن القرآن مخلوق، أظهروا ذلك في أوائل المائة الثانية، فلما سمع ذلك علماء الأمة أنكروا ذلك، ثم صار كلما ظهر قولهم أنكره العلماء ـ وكلام السلف والأئمة في إنكار ذلك مشهور متواتر ـ إلى أن صار لهؤلاء المتكلمين الكلام المحدث في دولة المأمون عز، وأدخلوه في ذلك، وألقوا إليه الحجج التي لهم.
وقالوا: إما أن يكون العالم مخلوقًا أو قديمًا.
وهذا الثاني كفر ظاهر، معلوم فساده بالعقل والشرع.
وإذا كان العالم مخلوقًا محدثًا بعد أن لم يكن، لم يبق قديم إلا الله وحده، فلو كان العالم قديمًا، لزم أن يكون مع الله قديم آخر.
وكذلك الكلام إن كان قائمًا بذاته، لزم دوام الحوادث وقيامها بالرب، وهذا يبطل الدليل الذي اشتهر بينهم على حدوث العالم.
وإن كان منفصلا ً عنه لزم وجود المخلوق في الأزل، وهذا قول بقدم العالم.
فلما امتحن الناس بذلك، واشتهرت هذه المحنة، وثبت الله من ثبته من أئمة السنة، وكان الإمام ـ الذي ثبته الله وجعله إمامًا للسنة حتى صار أهل العلم بعد ظهور المحنة يمتحنون الناس به، فمن وافقه كان سنيًا، وإلا كان بدعيًا ـ هو الإمام أحمد بن حنبل، فثبت على أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
وكان المأمون، لما صار إلى الثغر بطرسوس، كتب بالمحنة كتابًا إلى نائبه بالعراق إسحاق بن إبراهيم، فدعا العلماء والفقهاء والقضاة، فامتنعوا عن الإجابة والموافقة، فأعاد عليه الجواب، فكتب كتابًا ثانيًا يقول فيه عن القاضيين ـ بشر بن الوليد، وعبد الرحمن بن إسحاق ـ إن لم يجيبا فاضرب أعناقهما، ويقول عن الباقين: إن لم يجيبوا فقيدهم فأرسلهم إلى.
فأجاب القاضيان، وذكرا لأصحابهما أنهما مكرهان، وأجاب أكثر الناس قبل أن يقيدهم لما رأوا الوعيد، ولم يجب ستة أنفس فقيدهم.
فلما قيدوا أجاب الباقون إلا اثنين ـ أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح النيسابوري [هو أبو الحسن محمد بن نوح بن عبد الله الجُنْد يسابوري، نزيل بغداد، وثقه غير واحد، وحدّث بدمشق ومصر وبغداد، ومات سنة 231هـ]. فأرسلوهما مقيدين إليه، فمات محمد بن نوح في الطريق، ومات

المأمون قبل أن يصل أحمد إليه، وتولى أخوه أبو إسحاق، وتولى القضاء أحمد بن أبي دؤاد، وأقام أحمد ابن حنبل في الحبس من سنة ثماني عشرة إلى سنة عشرين.
ثم إنهم طلبوه وناظروه أيامًا متعددة، فدفع حججهم وبين فسادها، وأنهم لم يأتوا على ما يقولونه بحجة لا من كتاب ولا من سنة ولا من أثر، وأنه ليس لهم أن يبتدعوا قولًا، ويلزموا الناس بموافقتهم عليه، ويعاقبوا من خالفهم.
وإنما يلزم الناس ما ألزمهم الله ورسوله، ويعاقب من عصى الله ورسوله، فإن الإيجاب والتحريم، والثواب والعقاب، والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله، ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله، وتحريم ما حرمه الله ورسوله، وتصديق ما أخبر الله به ورسوله.
وجرت في ذلك أمور يطول شرحها.
ولما اشتهر هذا وتبين للناس باطن أمرهم، وأنهم معطلة للصفات يقولون: إن الله لا يرى، ولا له علم، ولا قدرة، وأنه ليس فوق العرش رب، ولا على السموات إله، وإن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، إلى غير ذلك من أقوال الجهمية النفاة ـ كثر رد الطوائف عليهم بالقرآن والحديث والآثار تارة، وبالكلام الحق تارة، وبالباطل تارة.
وكان ممن انتدب للرد عليهم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان له فضل وعلم ودين.
ومن قال: إنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ـ كما يذكره طائفة في مثالبه، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك ـ فهذا كذب عليه.
وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم؛ فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى.
وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد في الرد على الجهمية، وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن، ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه.
ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه، وهوخير وأقرب إلى السنة منهم.

وكان أبو الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال، سلك طريقة أبي محمد بن كلاب، فصار طائفة ينتسبون إلى السنة والحديث من السالمية وغيرهم كأبي علي الأهوازي، يذكرون في مثالب أبي الحسن أشياء هي من افتراء المعتزلة وغيرهم عليه؛ لأن الأشعري بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها مالم يبينه غيره، حتى جعلهم في قمع السمسمة.
وابن كلاب لما رد على الجهمية، لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذي ابتدعوه في دين الإسلام، بل وافقهم عليه.
وهؤلاء الذين يذمون ابن كلاب والأشعري بالباطل هم من أهل الحديث.
والسالمية من الحنبلية والشافعية والمالكية وغيرهم كثير منهم موافق لابن كلاب والأشعرى على هذا، موافق للجهمية على أصل قولهم الذي ابتدعوه.
وهم إذا تكلموا في [مسألة القرآن] وأنه غير مخلوق، أخذوا كلام ابن كلاب والأشعري فناظروا به المعتزلة والجهمية، وأخذوا كلام الجهمية والمعتزلة فناظروا به هؤلاء، وركبوا قولًا محدثا من قول هؤلاء وهؤلاء لم يذهب إليه أحد من السلف، ووافقوا ابن كلاب والأشعري وغيرهما على قولهم: إن القرآن قديم، واحتجوا بما ذكره هؤلاء على فساد قول المعتزلة والجهمية وغيرهم، وهم مع هؤلاء.
وجمهور المسلمين يقولون: إن القرآن العربي كلام الله، وقد تكلم الله به بحرف وصوت، فقالوا: إن الحروف والأصوات قديمة الأعيان، أو الحروف بلا أصوات، وأن [الباء والسين والميم] مع تعاقبها في ذاتها فهي أزلية الأعيان لم تزل ولا تزال؛ كما بسطت الكلام على أقوال الناس في القرآن في موضع آخر.
والمقصود هنا التنبيه على أصل مقالات الطوائف، وابن كلاب أحدث ما أحدثه لما اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية في قلبه، وقد بين فساد قولهم بنفي علو الله ونفي صفاته.
وصنف كتبًا كثيرة في أصل التوحيد والصفات، وبين أدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه، ومباينته لهم، من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
وكذلك ذكرها الحارث

المحاسبي في كتاب [فهم القرآن] وغيره.
بين فيه من علو الله واستوائه على عرشه ما بين به فساد قول النفاة، وفرح الكثير من النظار الذين فهموا أصل قول المتكلمين، وعلموا ثبوت الصفات لله، وأنكروا القول بأن كلامه مخلوق، فرحوا بهذه الطريقة التي سلكها ابن كلاب، كأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري، والثقفي؛ ومن تبعهم، كأبي عبد الله بن مجاهد، وأصحابه، والقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبى بكر بن فُوَرك، وغير هؤلاء.
وصار هؤلاء يردون على المعتزلة ما رده عليهم ابن كلاب والقلانسي والأشعري وغيرهم من مثبتة الصفات، فيبينون فساد قولهم: بأن القرآن مخلوق وغير ذلك، وكان في هذا من كسر سورة المعتزلة والجهمية ما فيه ظهور شعار السنة، وهو القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وإثبات الصفات والقدر، وغير ذلك من أصول السنة.
لكن الأصل العقلي الذي بنى عليه ابن كلاب قوله في كلام الله وصفاته، هو أصل الجهمية والمعتزلة بعينه، وصاروا إذا تكلموا في خلق الله السموات والأرض وغير ذلك من المخلوقات، إنما يتكلمون بالأصل الذي ابتدعه الجهمية ومن اتبعهم؛ فيقولون قول أهل الملة، كما نقله أولئك، ويقررونه بحجة أولئك.
وكانت محنة الإمام أحمد سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عُرِّبَتْ وعرف الناس أقوالهم.
فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل.
طمعوا في تغيير الملة.
فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين.
وكان قبلهم قد فعل بَابَكْ الخُرَّمِي مع المسلمين ما هو مشهور.

وقد ذكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره من كشف أسرار الباطنية، وهتك أستارهم، فإنه كان منهم من النفاة الباطنية الخرمية، وصاروا يحتجون في كلامهم وكتبهم بحجج قد ذكرها أرسطو وأتباعه من الفلاسفة، وهو أن الحركة يمتنع أن يكون لها ابتداء، ويمتنع أن يكون للزمان ابتداء، ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلا، فصار هؤلاء الفلاسفة وهؤلاء المتكلمون كلاهما يستدل على قوله بالحركة.
فأرسطو وأتباعه يقولون: إن الحركة يمتنع أن يحدث نوعها بعد أن لم يكن، ويمتنع أن يصير الفاعل فاعلًا بعد أن لم يكن؛ ولأنه من المعلوم بصريح المعقول أن الذات إذا كانت لا تفعل شيئًا ثم فعلت بعد أن لم تفعل، فلا بد من حدوث حادث من الحوادث، وإلا فإذا قدرت على حالها وكانت لا تفعل، فهي الآن لا تفعل، فإذا كانت الآن تفعل، لزم دوام فعلها.
ويقولون: [قبل وبعد] مستلزم للزمان، فمن قال بحدوث الزمان لزمه القول بقدمه من حيث هو قائل بحدوثه.
ويقولون: الزمان مقدار الحركة فيلزم من قدمه قدمها، ويلزم من قدم الحركة قدم المتحرك ـ وهو الجسم ـ فيلزم ثبوت جسم قديم، ثم يجعلون ذلك الجسم القديم هو الفلك، ولكن ليس لهم على هذا حجة، كما قد بسط في موضع آخر.
وصار المتكلمون من الجهمية والمعتزلة والكُلابية والكُرَّامية يردون عليهم، ويدعون أن القادر المختار يرجح أحد المقدورين المتماثلين على الآخر المماثل له بلا سبب أصلًا، وعلى هذا الأصل بنوا كون الله خالقًا للمخلوقات.
ثم نفاة الصفات يقولون: رجح بمجرد القدرة، وكذلك أصل القدرية، والمعتزلة جمعت بين الأمرين.
وأما المثبتة كالكُلابية والكُرَّامية فيدعون أنه رجح بمشيئة قديمة أزلية.
وكلا القولين مما ينكره جمهور العقلاء.
ولهذا صار كثير من المصنفين في هذا الباب، كالرازي، ومن قبله من أئمة الكلام والفلسفة ـ كالشهرستاني ومن قبله من طوائف الكلام والفلسفة ـ لا يوجد عندهم إلا العلة الفلسفية، أو القادرية المعتزلية أو الإرادية الكلابية، وكل

من الثلاثة منكر في العقل والشرع؛ ولهذا كانت بحوث الرازي في مسألة القادر المختار في غاية الضعف من جهة المسلمين، وهي على قول الدهرية أظهر دلالة.
واحتج أهل الكلام المبتدع بأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها، ويقولون: لو وجدت حوادث لا أول لها، لكنا إذا قدرنا ما وجد قبل الطوفان وما وجد قبل الهجرة، وقابلنا بينهما، فإما أن يتساويا ـ وهو ممتنع ـ لأنه يكون الزائد مثل الناقص، وإما أن يتفاضلا، فيكون فيما لا يتناهي تفاضلًا وهو ممتنع، ويذكرون حججًا أخرى قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.
وقد تكلم الناس في هذه [الحجة] ونحوها، وبينوا فسادها؛ بأن التفاضل إنما يقع من الطرف المتناهي لا من الطرف الذي لا يتناهي، وبأن هذا منقوض بالحوادث المستقبلة، فإن كون الحادث ماضيًا أو مستقبلًا أمر إضافي؛ ولهذا منع أئمة هذا القول ـ كجهم والعلاف ـ وجود حوادث لا تتناهي في المستقبل، وقال جهم: بفناء الجنة والنار، وقال العلاف: بفناء الحركات، وهذا كله مبسوط في موضع آخر.
وصار طائفة أخرى، قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء ـ كالرازي والآمدي وغيرهما ـ يصنفون الكتب الكلامية، فينصرون فيها ماذكره المتكلمون المبتدعون عن أهل الملة من [حدوث العالم] بطريقة المتكلمين المبتدعة هذه، وهو امتناع حوادث لا أول لها، ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف الرازي [المباحث الشرقية] ونحوها، ويذكر فيها ما احتج به المتكلمون على امتناع حوادث لا أول لها، وإن الزمان والحركة والجسم لها بداية، ثم ينقض ذلك كله، ويجيب عنه، ويقرر حجة من قال: إن ذلك لا بداية له.
وليس هذا تعمدًا منه لنصر الباطل، بل يقول بحسب ما توافقه الأدلة العقلية في نظره وبحثه.
فإذا وجد في المعقول بحسب نظره ما يقدح

به في كلام الفلاسفة قدح به، فإن من شأنه البحث المطلق بحسب ما يظهر له.
فهو يقدح في كلام هؤلاء بما يظهر له أنه قادح فيه من كلام هؤلاء، وكذلك يصنع بالآخرين.
ومن الناس من يسىء به الظن، وهو أنه يتعمد الكلام الباطل، وليس كذلك، بل تكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر والبحث في كل مقام بما يظهر له، وهو متناقض في عامة ما يقوله؛ يقرر هنا شيئًا ثم ينقضه في موضع آخر؛ لأن المواد العقلية التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند السلف، ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة، يشتمل على كلام باطل ـ كلام هؤلاء وكلام هؤلاء ـ فيقرر كلام طائفة بما يقرر به ثم ينقضه في موضع آخر بما ينقض به.
ولهذا اعترف في آخر عمره فقال: لقد تأملت الطرق الكُلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا [الغليل: شدة العطش وحرارته]، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10]، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، ومن جَرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار، حتى إنه أورد على نفسه سؤالًا في تسلسل العلل، وزعم أنه لا يعرف عنه جوابًا، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه لا إثبات الصانع ولاحدوث العالم، ولا وحدانية الله، ولا النبوات، ولا شيئًا من الأصول التي يحتاح إلى معرفتها.
والرازي ـ وإن كان يقرر بعض ذلك ـ فالغالب على ما يقرره أنه ينقضه في موضع آخر، لكن هو أحرص على تقرير الأصول التي يحتاج إلى معرفتها من الآمدي.
ولو جمع ما تبرهن في العقل الصريح من كلام هؤلاء وهؤلاء لوجد جميعه موافقًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجد صريح المعقول مطابقًا لصحيح المنقول.
لكن لم يعرف هؤلاء حقيقة ما جاء

به الرسول، وحصل اضطراب في المعقول به، فحصل نقص في معرفة السمع والعقل، وإن كان هذا النقص هو منتهي قدرة صاحبه لا يقدر على إزالته، فالعجز يكون عذرًا للإنسان في أن الله لا يعذبه إذا اجتهد الاجتهاد التام.
هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع، إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به.
وأما من قال من الجهمية ونحوهم: إنه قد يعذب العاجزين، ومن قال من المعتزلة ونحوهم من القدرية: إن كل مجتهد فإنه لابد أن يعرف الحق، وإن من لم يعرفه فلتفريطه لا لعجزه، فهما قولان ضعيفان، وبسببهما صارت الطوائف المختلفة من أهل القبلة يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضم بعضًا.
فيقال لأرسطو وأتباعه ـ ممن رأى دوام الفاعلية ولوازمها: العقل الصريح لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، لا فلك ولا غيره، وإنما يدل على أن الرب لم يزل فاعلاً.
وحينئذ فإذا قدر أنه لم يزل يخلق شيئا بعد شيء كان كل ما سواه مخلوقًا محدثا مسبوقًا بالعدم، ولم يكن من العالم شيء قديم، وهذا التقدير ليس معكم ما يبطله فلماذا تنفونه؟ ! ونفس قدر الفعل هو المسمى بالزمان، فإن الزمان إذا قيل: أنه مقدار الحركة، كان جنس الزمان مقدار جنس الحركة، لا يتعين في ذلك أن يكون مقدار حركة الشمس أو الفلك.
وأهل الملل متفقون على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وخلق ذلك من مادة كانت موجودة قبل هذه السموات والأرض، وهو الدخان الذي هو البخار، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، وهذا الدخان هو بخار الماء الذي كان حينئذ موجودًا، كما جاءت بذلك الآثار عن الصحابة والتابعين، وكما عليه أهل الكتاب، كما ذكر هذا كله في موضع آخر.
وتلك الأيام لم تكن مقدار حركة هذه الشمس وهذا الفلك، فإن هذا مما خلق في تلك الأيام، بل تلك الأيام مقدرة بحركة أخرى.
وكذلك إذا

شق الله هذه السموات، وأقام القيامة، وأدخل أهل الجنة الجنة، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62]، وقد جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ـ تبارك وتعالى ـ يتجلى لعباده المؤمنين يوم الجمعة، وأن أعلاهم منزلة من يرى الله ـ تعالى ـ كل يوم مرتين، وليس في الجنة شمس ولا قمر، ولا هناك حركة فلك، بل ذلك الزمان مقدر بحركات، كما جاء في الآثار أنهم يعرفون ذلك بأنوار تظهر من جهة العرش.
وإذا كان مدلول الدليل العقلي أنه لا بد أنه قديم تقوم به الأفعال شيئًا بعد شيء، فهذا إنما يناقض قول المبتدعة من أهل الملل الذين ابتدعوا الكلام المحدث ـ الذي ذمه السلف والأئمة ـ الذين قالوا: إن الرب لم يزل معطلا عن الفعل والكلام.
فصار ما علمته العقلاء من أصناف الأمم من الفلاسفة وغيرهم بصريح المعقول، هو عاضد وناصر لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على من ابتدع في ملته ما يخالف أقواله.
وكان ما علم بالشرع ـ مع صريح العقل أيضًا ـ راد لما يقوله الفلاسفة الدهرية من قدم شيء من العالم مع الله، بل القول بقدم العالم قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين، مشركي العرب، ومشركي الهند وغيرهم من الأمم.
وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء، والعرب المشركون كلهم كانوا يعترفون بأن اللّّه خالق كل شيء وأن هذا العالم كله مخلوق، والله خالقه وربه، وهذه الأمور مبسوطة في موضعها.
والمقصود هنا الكلام على ما يحتاج إليه من معرفة [حديث النزول] وأمثاله، وهما [الأصلان المتقدمان].
ومن تمام الأصل الثاني لفظ [الحركة] : هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون، وغيرهم من أهل الملل، وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام، وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال.
وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الأئمة الأربعة من

أصحاب الإمام أحمد وغيرهم.
وقد ذكر القاضي أبو يعلى الأقوال الثلاثة عن أصحاب الإمام أحمد في [الروايتين والوجهين] وغير ذلك من الكتب.
وقبل ذلك ينبغي أن يعرف أن لفظ الحركة والانتقال والتغير والتحول، ونحو ذلك، ألفاظ مجملة؛ فإن المتكلمين إنما يطلقون لفظ الحركة على الحركة المكانية، وهو انتقال الجسم من مكان إلى مكان بحيث يكون قد فرغ الحيز الأول وشغل الثاني، كحركة أجسامنا من حيز إلى حيز، وحركة الهواء والماء، والتراب والسحاب، من حيز إلى حيز، بحيث يفرغ الأول ويشغل الثاني، فأكثر المتكلمين لا يعرفون للحركة معنى إلا هذا.
ومن هنا نفوا ما جاءت به النصوص من أنواع جنس الحركة؛ فإنهم ظنوا أن جميعها إنما تدل على هذا، وكذلك من أثبتها وفهم منها كلها هذا، كالذين فهموا من نزوله إلى السماء الدنيا أنه يبقى فوقه بعض مخلوقاته، فلا يكون هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، ولا يكون هو العلي الأعلى، ويلزمهم ألا يكون مستويا على العرش بحال، كما تقدم.
والفلاسفة يطلقون لفظ [الحركة] على كل ما فيه تحول من حال إلى حال.
ويقولون أيضا: حقيقة الحركة هي الحدوث أو الحصول، والخروج من القوة إلى الفعل يسيرًا يسيرًا بالتدريج.
قالوا: وهذه العبارات دالة على معنى الحركة.
وقد يحدون بها الحركة.
وهم متنازعون في الرب تعالى: هل تقوم به جنس الحركة؟ على قولين.
وأصحاب أرسطو جعلوا الحركة مختصة بالأجسام، ويصفون النفس بنوع من الحركة، وليست عندهم جسمًا فيتناقضون.
وكانت الحركة عندهم ثلاثة أنواع، فزاد ابن سينا فيها قسمًا رابعًا فصارت أربعة.
ويجعلون الحركة جنسًا تحته أنواع: حركة في الكيف، وحركة في الكم، وحركة في الوضع، وحركة في الأين.
فالحركة في الكيف: هي تحول الشيء من صفة إلى صفة؛ مثل اسوداده واحمراره واخضراره واصفراره، ومثل مصيره حلوًا وحامضًا، ومثل تغير رائحته، وكذلك في النفوس كعلم

الإنسان بعد جهله، وحبه بعد بغضه، وإيمانه بعد كفره، وفرحه بعد حزنه، ورضاه بعد غضبه، كل هذه الأحوال النفسانية حركة في الكيف، وهذا مما احتج به من جوز منهم الحركة، فإن إرادته لإحداث الشيء عندهم حركة.
والحركة في الكم: مثل امتداد الشيء، مثل كبر الحيوان بعد صغره، وطوله بعد قصره، ومثل امتداد الشجر والنبات وامتداد عروقه في الأرض وأغصانه في الهواء، فهذا حركة في المقدار والكمية، كما أن الأول حركة في الصفات والكيفية.
وأما الحركة في الوضع: فمثل دوران الشيء في موضع واحد، كدوران [الفلك] و [المنجنون] الذي يسمى الدولاب، وكحركة الرحى وغير ذلك، فإنه لا ينتقل من حيز إلى حيز، بل حيزه واحد، لكن يختلف في أوضاعه، فيكون الجزء منه تارة محاذيًا للجهة العليا فيصير محاذيًا للجهة السفلى، أو للجهة اليمنى فيصير محاذيًا للجهة اليسرى.
وهذا النوع يقولون: إن ابن سينا زاده.
والرابع: الحركة في الأين: وهي الحركة المكانية، وهو انتقاله من حيز إلى حيز.
وأما عموم أهل اللغة فيطلقون لفظ الحركة على جنس الفعل.
فكل من فعل فعلًا فقد تحرك عندهم، ويسمون أحوال النفس حركة، فيقولون: تحركت فيه المحبة، وتحركت فيه الحمية، وتحرك غضبه، وتوصف هذه الأحوال بالحركة والسكون، فيقال: سكن غضبه، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: 154]، فوصف الغضب بالسكوت، وفي قراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ومعاوية ابن قرة، وعكرمة: [ولما سكن] بالنون وعلى القراءة المشهورة [بالتاء] قال المفسرون: سكت الغضب: أي سكن.
وكذلك قال أهل اللغة؛ الزجاج وغيره.

قال الجوهري: سكت الغضب مثل سكن، فالسكون أخص، فكلساكت ساكن، وليس كل ساكن ساكتًا، وإذا وصف بالسكون دل على أنه كان متحركا، وهذا وصف للأعراض النفسانية بالحركة والسكون.
والأشعري قد استدل على أن الحركة وأنواعها لا تختص بالأجسام بما وجد من استعمالهم ذلك في الأعراض، قال: فإنهم يقولون: جاءت الحمى، وجاء البرد، وجاءت العافية، وجاء الشتاء، وجاء الحر.
ونحو ذلك مما يوصف بالمجيء والإتيان من الأعراض.
ومجيء هذه الأعراض هو حدوث وتغير وتحول من حال إلى حال.
فإن قيل: ما وصف بالحركة والسكون من هذه الأعراض فإنما هو لتحرك المحل الحامل لذلك العرض ـ وإلا فالعرض لا يقوم بنفسه، ولا يفارق محله، فإن الحمى والحر والبرد يقوم بالهواء الذي يحمل الحر والبرد.
وكذلك الغضب هوغليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا حركة الدم؛ فإذا سكن غليان الدم سكن الغضب.
قيل: ليس الأمر كذلك، بل هذا يستعمل فيما يحدث من الأعراض في المحل شيئًا فشيئًا، وإن لم يكن هناك جسم ينتقل معه، كما تقدم من الحركة في الكيفيات والصفات؛ فإن الماء إذا سخن حدثت فيه الحرارة، وسخن الوعاء الذي فيه الماء من غير انتقال جسم حار إليه، وإذا وضع الماء المسخن في المكان البارد، برد من غير انتقال جسم بارد إليه.
وكذلك الحمى ـ حرارة أو برودة ـ تقوم بالبدن من غير أن ينتقل إلى كل جزء من البدن جسم حار أو بارد.
والغضب ـ وإن كان بعض الناس يقول: إنه غليان دم القلب ـ فهو صفة تقوم بنفس الغضبان غير غليان دم القلب؛ وإنما ذلك أثره، فإن حرارة الغضب تسخن الدم حتى يغلي.
فإن مبدأ الغضب من النفس، هي التي تتصف به أولًا، ثم يسرى ذلك إلى الجسم، وكذلك الحزن والفرح وسائر الأحوال النفسانية.
والحزن يوجب دخول الدم؛ ولهذا يصفر لون الحزين، وهو من الأحوال النفسانية، لكن الحزين يستشعر العجز عن دفع المكروه الذي أصابه وييأس من ذلك

فيغور دمه، والغضبان يستشعر قدرته على الدفع أو المعاقبة، فينبسط دمه.
والحركة والسكون والطمأنينة التي توصف بها النفس، ليست مماثلة لما يوصف به الجسم، قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] والاطمئنان هو السكون، قال الجوهري: اطمأن الرجل إطمئنانًا وطمأنينة: أي سكن، قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27،28] وكذلك للقلوب سكينة تناسبها، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4].
وكذلك [الريب] حركة النفس للشك، ومنه الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف فقال: " لا يريبه أحد " [وقوله: " ظبي حاقف ": أي نائم].
ويقال: رابني منه ريب، و " دع ما يريبك إلى مالا يريبك) [و " لا ": أي لا يزعجه]، وقال:

"الكذب ريبة، والصدق طمأنينة " فجعل الطمأنينة ضد الريبة وكذلك اليقين ضد الريب.
واليقين يتضمن معنى الطمأنينة والسكون، ومنه: ماء يقن، وكذلك يقال: انزعج.
وأزعجه فانزعج أي: أقلقه، ويقال ذلك لمن قلقت نفسه، ولمن قلق بنفسه وبدنه حتى فارق مكانه، وكذلك يقال: قلقت نفسه، واضطربت نفسه، ونحو ذلك من أنواع الحركة.
ويسمى ما يألفه جنس الإنسان ويحبه سكنًا؛ لأنه يسكن إليه.
ويقال: فلان يسكن إلى فلان ويطمئن إليه، ويقال: القلب يسكن إلى فلان، ويطمئن إليه، إذا كان مأمونًا معروفًا بالصدق؛ فإن الصدق يورث الطمأنينة والسكون.
وقد سميت الزوجة سكنا، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 12]، وقال: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189]، فيسكن الرجل إلى المرأة بقلبه وبدنه جميعًا.
وقد يكون بدن الشخص ساكنًا ونفسه متحركة حركة قوية، وبالعكس قد يسكن قلبه، وبدنه متحرك.
والمحب للشيء المشتاق إليه يوصف بأنه متحرك إليه؛ ولهذا يقال: العشق حركة نفس فارغة.
فالقلوب تتحرك إلى الله ـ تعالى ـ بالمحبة والإنابة والتوجه، وغير ذلك من أعمال القلوب، وإن كان البدن لا يتحرك إلى فوق، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". ومع هذا فبدنه أسفل ما يكون.
فينبغي أن يعرف أن الحركة جنس تحته أنواع مختلفة باختلاف الموصوفات بذلك.
وما يوصف به نفس الإنسان من إرادة ومحبة وكراهية وميل ونحو ذلك، كلها فيها تحول النفس من حال إلى حال وعمل للنفس، وذلك حركة لها بحسبها؛ ولهذا يعبر عن هذه المعاني بألفاظ الحركة، فيقال: فلان يهفو إلى فلان كما قيل:

يهفو إلى البان من قلبي نوازعه... وما بي البان بل من دارة البان وهذا اللفظ يستعمل في حركة الشيء الخفيف بسرعة، كما يقال: هفا الطائر بجناحه، أي: خفق وطار، وهفا الشيء في الهواء، إذا ذهب كالصوفة ونحوها، ومر الظبي يهفو، أي: يطفو، ومنه قيل للزلة: هفوة، كما سميت زلة، والزلة حركة خفيفة، وكذلك الهفوة.
وكذلك يسمى المحب المشتاق الذي صار حبه أقوى من العلاقة [صبًا] وحاله صبابة، وهو رقة الشوق وحرارته، والصَبُّ المحب المشتاق؛ وذلك لانصباب قلبه إلى المحبوب كما ينصب الماء الجاري، والماء ينصب من الجبل، أي: ينحدر.
فلما كان في انحداره يتحرك حركة لا يرده شيء سميت حركة الصب [صبابة]، وهذا يستعمل في المحبة المحمودة والمذمومة.
ومنه الحديث: إن أبا عبيدة ـ رضي الله عنه ـ لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية بكى صبابة وشوقًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والصبابة والصَبُّ متفقان في الاشتقاق الأكبر.
والعرب تعاقب بين الحرف المعتل والحرف المضعف كما يقولون: تقضى البازي وتقضض، وصبا يصبو: معناه: مال، وسمي الصبِي صَبِيًّا؛ لسرعة ميله.
قال الجوهري: والصبي ـ أيضًا ـ من الشوق، يقال منه: تصابي، وصبا يصبو صبوة وصبوًا، أي: مال إلى الجهل والفتوة، وأصبته الجارية.
وقد يستعمل هذا في الميل المحمود على قراءة من قرأ: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين﴾ بلا همزة في قراءة نافع، فإنه لا يهمز ﴿الصابئين﴾ في جميع القرآن.
وبعضهم قد حمده الله ـ تعالى ـ وكذلك يقال: حن إليه حنينًا، ومنه: حنه في الاشتقاق الأكبر يحنو عليه حنوًا.
قال الجوهري: حنوت عليه عطفت عليه، ويحني عليه، أي: يعطف، مثل تحنن، كما قال الشاعر: تحنى عليك النفس من لاعج الهوى... فكيف تحنيها وأنت تهينها؟ وقال: الحنين: الشوق وتوقان النفس، ويقال: حن إليه يحن حنينًا، فهو حان

والحنان الرحمة.
يقال: حن عليه يحن حنانًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾ [مريم: 13].
والحنان ـ بالتشديد ـ: ذو الرحمة، وتحنن عليه: ترحم، والعرب تقول: حنانيك يا رب، وحنانك، بمعنى واحد، أي: رحمتك، وهذا كلام الجوهري.
وفي الأثر في تفسير [الحنّان، المنّان] : أن الحنّان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنّان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، وهذا باب واسع.
والمقصود هنا أن هذا كله من أنواع جنس الحركة العامة، والحركة العامة هي التحول من حال إلى حال، ومنه قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسي ـ رضي الله عنه ـ: " ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ " قال: بلى، قال: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". وفي صحيح مسلم وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال الرجل: الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم

قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فقال: الله أكبر الله أكبر ". فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة على ذلك التحول؛ فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال، ولا قدرة على ذلك إلا بالله.
ومن الناس من يفسر ذلك بمعنى خاص فيقول: لا حول من معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته.
والصواب الذي عليه الجمهور هو التفسير الأول، وهو الذي يدل عليه اللفظ، فإن الحوْل لا يختص بالحول عن المعصية، وكذلك القوة لا تختص بالقوة على الطاعة، بل لفظ الحول يعم كل تحول.
ومنه لفظ [الحيلة] ووزنها فعلة بالكسر، وهي النوع المختص من الحول كما يقال: الجلسة، والقعدة، واللبسة، والأكلة، والضجعة ونحو ذلك بالكسر هي النوع الخاص، وهو بالفتح المرة الواحدة.
فالحيلة أصلها حولة، لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء، كما في لفظ ميزان وميقات، وميعاد وزنه مفعال؛ وقياسه موزان وموقات، لكن لما جاءت الواو الساكنة بعد كسرة قلبت ياء، قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 98] من الحيل؛ فإنها نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الحيل.
وكذلك لفظ [القوة]، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54]، ولفظ القوة قد يراد به ما كان في القدرة أكمل من غيره، فهو قدرة أرجح من غيرها، أو القدرة التامة.
ولفظ

[القوة] قد يعم القوة التي في الجمادات بخلاف لفظ القدرة؛ فلهذا كان المنفي بلفظ [القوة] أشمل وأكمل.
فإذا لم تكن قوة إلا به لم تكن قدرة إلا به بطريق الأولى.
وهذا باب واسع.
والمقصود هنا أن الناس متنازعون في جنس [الحركة العامة] التي تتناول ما يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية كالغضب والرضا والفرح، وكالدنو والقرب والاستواء والنزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ينفي ذلك مطلقًا وبكل معنى، فلا يجوز أن يقوم بالرب شيء من الأمور الاختيارية.
فلا يرضى على أحد بعد أن لم يكن راضيًا عنه، ولا يغضب عليه بعد أن لم يكن غضبان، ولا يفرح بالتوبة بعد التوبة، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته إذا قيل: إن ذلك قائم بذاته.
وهذا القول أول من عرف به هم [الجهمية] و [المعتزلة] وانتقل عنهم إلى الكُلابية والأشعرية والسالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبى الفضل، وابن ابنه رزق الله، والقاضي أبى يعلى، وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني، وأبى الفرج بن الجوزي؛ وغير هؤلاء من أصحاب أحمد ـ وإن كان الواحد من هؤلاء قد يتناقض كلامه ـ وكأبي المعالي الجُوَيْنِيّ وأمثاله من أصحاب الشافعي، وكأبي الوليد الباجي وطائفة من أصحاب مالك، وكأبي الحسن الكَرْخي وطائفة من أصحاب أبي حنيفة.
والقول الثاني: إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف أهل الكلام، الذين صرحوا بلفظ الحركة.
وأما الذين أثبتوها بالمعنى العام حتى يدخل في ذلك قيام الأمور والأفعال الاختيارية بذاته، فهذا قول طوائف غير هؤلاء، كأبي الحسين البصري، وهو اختيار أبى عبد الله بن الخطيب الرازي، وغيره من النظار، وذكر طائفة: أن هذا القول لازم لجميع الطوائف.
وذكرعثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه

على بِشْر المرِّيسِي، ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث، وذكره حرب بن إسماعيل الكرماني، لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر عن أهل السنة والحديث قاطبة، وذكر ممن لقى منهم على ذلك: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور.
وهو قول أبى عبد الله بن حامد وغيره.
وكثير من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن لا يطلق هذا اللفظ لعدم مجيء الأثر به، كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في كلامهم على حديث النزول.
والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة.
قال أبو عمرو الطلمنكي: أجمعوا ـ يعني أهل السنة والجماعة ـ على أن الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفّا صفّا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة: 210]. وقال تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22].
قال: وأجمعوا على أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء، لا يحدون في ذلك شيئًا، ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح قال: وسألت يحيى بن معين عن النزول فقال: نعم، أقر به، ولا أحد فيه حدًا.
والقول الثالث: الإمساك عن النفي والإثبات، وهو اختيار كثير من أهل الحديث والفقهاء والصوفية، كابن بطة وغيره.
وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات.
والذي يجب القطع

به أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه.
فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعًا، كمن قال: إنه ينزل فيتحرك وينتقل، كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار، كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش، فيكون نزوله تفريغًا لمكان وشغلا لآخر، فهذا باطل يجب تنزيه الرب، عنه كما تقدم.
وهذا هو الذي تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الأدلة الشرعية والعقلية؛ فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أخبر أنه الأعلى، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1].
فإن كان لفظ العلو لا يقتضي علو ذاته فوق العرش، لم يلزم أن يكون على العرش.
وحينئذ، فلفظ النزول ـ ونحوه ـ يتأول قطعًا، إذ ليس هناك شيء يتصور منه النزول.
وإن كان لفظ العلو يقتضي علو ذاته فوق العرش، فهو ـ سبحانه ـ الأعلى من كل شيء، كما أنه أكبر من كل شيء.
فلو صار تحت شيء من العالم لكان بعض مخلوقاته أعلى منه، ولم يكن هو الأعلى، وهذا خلاف ما وصف به نفسه.
وأيضًا، فقد أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، فإن لم يكن استواؤه على العرش يتضمن أنه فوق العرش، لم يكن الاستواء معلومًا، وجاز حينئذ ألا يكون فوق العرش شيء؛ فيلزم تأويل النزول وغيره.
وإن كان يتضمن أنه فوق العرش فيلزم استواؤه على العرش، وقد أخبر أنه استوى عليه لما خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأخبر بذلك عند إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بألوف من السنين، ودل كلامه على أنه عند نزول القرآن مستو على عرشه، فإنه قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: 4].
وفي حديث الأوعال [جمع الوَعْل، وهو تَيْس الجبل]ـ الذي رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وغيرهما ـ: لما مرت سحابة قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " السحاب "، قالوا: السحاب، قال: " والمزن "، قالوا: والمزن، وذكر السموات وعددها، وكم بين كل

سمائين، ثم قال: " والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه ". وكذلك في حديث جُبَيْر بن مُطْعَم ـ الذي رواه أبو داود وغيره عن جبير بن مطعم ـ قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويحك! تدري ما تقول؟ ! " وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله على عرشه، وعرشه على سمواته مثل القبة " وأشار بيده.
وهذا إخبار عن أنه ـ سبحانه ـ فوق العرش في تلك الحال، كما دل عليه القرآن، كما أخبر أنه استوى على العرش، وأنه معنا أينما كنا، وكونه معنا أمر خاص؛ فكذلك كونه مستويًا على العرش.
وكذلك سائر النصوص تبين وصفه بالعلو على عرشه في هذا الزمان، فعلم أن الرب ـ سبحانه ـ لم يزل عاليًا على عرشه.
فلو كان في نصف الزمان أو كله تحت العرش أو تحت بعض المخلوقات، لكان هذا مناقضًا لذلك.
وأيضًا، فقد ثبت في الحديث الصحيح ـ الذي رواه مسلم وغيره ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "، وهذا نص في أن الله ليس فوقه شيء، وكونه الظاهر صفة لازمة له مثل كونه الأول والآخر، وكذلك الباطن، فلا يزال ظاهرًا ليس فوقه شيء، ولا يزال باطنًا ليس دونه شيء.

وأيضا، فحديث أبي ذر وأبي هريرة وقتادة، المذكور في تفسير هذه [الأسماء الأربعة] الذي فيه ذكر الأدلاء، قد ذكرناه في [مسألة الإحاطة]، وهو مما يبين أن الله لا يزال عاليًا على المخلوقات مع ظهوره وبطونه وفي حال نزوله إلى السماء الدنيا.
وأيضًا، فقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].
فمن هذه عظمته يمتنع أن يحصره شيء من مخلوقاته، وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية أحاديث صحيحة اتفق أهل العلم بالحديث على صحتها، وتلقيها بالقبول والتصديق، والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.
ا. هـ تم كتاب شرح حديث النزول والحمد لله الذي تتم بنعمه الصالحات.

فصول الكتاب · 2 فصل · 191 صفحة
الانتقال إلى صفحة
شرح حديث النزول
تأليف ابن تيمية
الخامسة، 1397هـ/1977م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 164-191 — 6 من 6
جارٍ التحميل