...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإنه مما لا يخفى على مطلع ودارس بله طالب العلم الشرعي أهمية علم المصرف، هذا العلم: الذي اعتنى به العلماء قديما وحديثا لما له من مزية خاصة في علوم اللغة العربية، فهو لا يقل أهمية عن علم النحو -إن لم يكن أهم- لأنه علم يعرف به تحول الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة لمعان مقصودة لا تحصل إلا بها، وهذا من الناحية العملية، أما من الناحية العلمية: فهو علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلمة التي ليست بإعراب ولا بناء، كما عرفه بذلك أهل الشأن، وكان ممن حضي كثرة من هذا العلم العزيز الأستاذ الشيخ أحمد بن محمد الحملاوي -رحمه الله تعالى- فإنه -رحمه الله- قد تكلم فيه وكأنه هو الذي صنعه ووضعه، بسلاسة أسلوب وحسن ترتيب ليس بالإسهاب الممل ولا بالاختصار المقل، فكان لزاما علينا طلبة العلم أن نكمل ما بنوه ونحذو حذوهم لكي تبقى مسيرة العلم عالية خفاقة يحملها طلاب العلم وحافظوه من كل نسيان ودرس١، ولقد رأيت بعض طبعات هذا الكتاب قد حدث فيها تقصير كثير من حيث الطباعة من ناحية ومن حيث الاختصار والإجحاف من ناحية أخرى.
وهذا الكتاب قد تعرض كما رأيت لاختصار في تفصيلاته من ناحية وفي موضوعاته من ناحية أخرى، ولا يخفى: أن الاختصار نافع ولا يخلو من فائدة، ولكن لا ينفع طلاب العلم الذين يبحثون عن الأصول التي تجعل عندهم ملكة الاستنباط نشيطة حية، ومن أجل هذا حرصنا على أن يخرج هذا الكتاب، الصغير الحجم الكبير الفائدة، بجميع ما فيه من غير حذف ولا إضافة في أصله، وحرصنا على أن يخرج هذا الكتاب خاليا من الأخطاء الإملائية واللغوية، وما كان فيه من لغز حاولنا فكه بقدر ما يجعل
١ الدرس: بمعنى الضياع.
الكتاب محافظا، وبالإضافة إلى هذا فلقد رأيت أن تكثر النصوص القرآنية والحديثية في هذا الكتاب، فأتيت بما رأيته مهما للبيان من آيات وأحاديث وحرصت على أن تكون الأحاديث كلها صحيحة مسندة لنسلم ويسلم الكتاب من كل تعارض هذا وقد رأيت بعض التعليقات للأستاذ مصطفى السقا فأبقيتها على ما هي عليه لكي تعم الفائدة فما كان من تعليق لي وضعت حرف (ن) لكي يتميز التحقيق وهذا ما توجه علينا الأمانة العلمية، أما ما يتعلق بحياة الشيخ العلمية فلقد اعتمدت على ما كتبه الأستاذ مصطفى السقا لأنه كان تلميذه رحمه الله تعالى، هذا ونسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب وناشره وقارئه وكل من سعى في إخراجه لطالبيه إنه خير مسؤول، وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول كما قال الشيخ الحملاوي رحمه الله تعالى: وإن رأيت هفوة فقل: طغى القلم فإن ذلك من دواعى الكرم، وحاشاك أن تكون ممن قيل فيهم:
فإن رأوا هفوة طاروا بها فرحا ... منى وما علموا من صالح دفنوا
هذا وقد وقع الفراغ منه ليلة الاثنين ٢٥/ربيع الثاني/١٤٢٢هـ
وكتبه
نصر الله عبد الرحمن نصر الله العزاوي
عمان - الأردن
تعريف بمؤلف الكتاب
١
هو الأستاذ اللغوي الثقة الحافظ: أحمد بن محمد الحملاوي٢ وتربى فى حجر والده وقرأ وتلقى كثيرا من العلوم الشرعية والأدبية عن أفاضل عصره أمثال الشيخ حسين المرصفى والشيخ حسن الطويل والشيخ محمد عبده والشيخ سليمان العبد وأضرابهم من الفحول.
نال الشيخ إجازة التدريس من دار العلوم، سنة١٣٠٦هجرية - ١٨٨٨ميلادية؛ فعين مدرسا بالمدارس الابتدائية لوزارة المعارف، ثم نقل إلى دار العلوم مدرسا للعلوم العربية إلى أن تركها سنة١٨٩٧ مؤثرا الإشتغال بالمحاماة فى المحاكم الشرعية، وفى أثناء ذلك أقبل على التحضير لنيل شهادة العالمية من الأزهر فنال بغيته، وكان أول من جمع بين العالمية وإجازة التدريس من دار العلوم.
كان الشيخ رحمه الله تعالى: ضليعا فى علوم العربية: نحوها وصرفها ولغتها وعروضها وبلاغتها وأدبها، وكان النحو والصرف واللغة والشعر الميدان المحبب إليه يجول فيها فيمتع، ويتتبع أقوال الأوائل والأواخر فلا يكتفى ولا يشبع.
وكان رحمه الله تعالى: شاعرا مكثرا من الشعر يقوله في المناسبات العامة والخاصة ويقوله فيما يعرض لحياته الخاصة من شئون وما يتطلع إليه من آمال وما يضطرم في نفسه من آلام، وأشعاره تنبئ عن صفاء روحه وقوة نفسه واستمساكه بآداب الدين وفضائله حتى لقبه بعضهم: الشاعر الصوفي، وله أشعار في الالتجاء إلى الله تعالى وطلب المغفرة، وتغلب على حسه ونفسه حب النبي صلي الله عليه وسلم فقال في مدحه قصائد كثيرة مطولة تبلغ المئين.
١ هذه الترجمة مختصرة من ترجمة تلميذه مصطفى السقا.
ن
٢ نسبة إلى منية حمل من قرى (بلبيس) بمديرية الشرقية.
مؤلفات الشيخ
...
وللشيخ مؤلفات هي:
# ١-شذا العرف فى فن الصرف: طبع أول مرة سنة ١٣١٢هـ = ١٨٩٤ميلادية.
# ٢- زهر الربيع فى المعانى والبيان والبديع: طبع أول مرة سنة ١٣٢٧هـ = ١٩٠٩ميلادية بالمطبعة الأميرية.
# ٣- مورد الصفا فى سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: طبع أول مرة سنة ١٣٥٨هـ = ١٩٣٩ ميلادية، بمطبعة مصطفى البابي وأولادي بالقاهرة.
# ٤- قواعد التأييد فى عقائد التوحيد: رسالة صغيرة: طبعت بمطبعة مصطفى البابي وأولاده بالقاهرة.
هذا وكانت وفاة الشيخ في يوم ٢٢ من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥١ للهجرة = ٢٦ من يوليه سنة ١٩٣٢ للميلاد رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب
اللهم إنا نحمدك يا مصرف القلوب على مزيد نعمتك، ومترادف جودك وكرمك، غمرتنا بإحسانك، الذى مصدره مجرد فضلك، وشملتنا بمضاعف نعمك وطولك؛ فسبحانك تعالت صفاتك عن الشبيه والمثال، وتنزهت أفعالك عن النقص والاعلال؛ لا راد لماضى أمرك، ولا وصول لقدرك حق قدرك، ونستمطرك غيث صلواتك الهامية، وتسليماتك الباهرة الباهية، على نبيك إنسان عين الوجود، المشتق من ساطع نوره كل موجود١، محمد المصطفى من خير العالمين نسبا، وأرفعهم قدرا، وأشرفهم حسبا، الذى صغر بصحيح عزمه جيش الجهالة، ومزق بسالم حزمه شمل الضلالة، وعلى آله مظاهر الحكم، وصحبه مصادر الهمم، الذين مهدوا بلفيف جمعهم المقرون بالسداد سبيل الهدى ومعالم الرشاد.
وبعد: فما انتظم عقد علم إلا والصرف واسطته، ولا ارتفع مناره، إلا وهو قاعدته، إذ هو إحدى دعائم الأدب، وبه تعرف سعة كلام العرب، وتنجلى فرائد مفردات الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وهما الواسطة فى الوصول إلى السعادة الدينية والدنيوية، وكان ممن تطلع لرشف أفاويقه، وتلطب جمع تفاريقه، طلبة مدرسة دار العلوم، فإنهم أحدقوا بى من كل جانب، وكان المطلاب فيهم أكثر من الطالب، فما وسعني إلا أن أحفظ العلم ببذله، وألا أضن به على أهله، فسرحت نواظر البحث فى فجاج الكواغد، وبعثتها فى طلب الشوارد، فاقتفت الأثر، حتى أتت بالمبتدأ والخبر، ثم جعلت أميز الصحيح من العليل.
وأودع ما أقتطفه من ثمار الكثير من السهل القليل، فجاء بحمد الله كتابا تروق معانيه، وتطيب مجانيه، عباراته شافية، وشواهده كافية،
١) هذه العبارة مخالفة للشرع ولكل جواد كبوة بل كبوات والأفضل أن نقول عبارة غيرها رحم الله المؤلف وغفر له.
آمين.
ن
فأنعم نظرك فيه، وقل: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه﴾ [الجمعة:٤] وإن رأيت هفوة فقل: طغى القلم، فإن ذلك من دواعى الكرم، وحاشاك أن تكون ممن قيل فيهم:
فإن رأوا هفوة طاروا بها فرحا
مني وما عملوا من صالح دفنوا١
وقد سميته:
شذا العرف، فى فن الصرف
والله أسأل أن يلبسه ثوب القبول، وأن ينفع به، إنه أكرم مسئول.
وقد جعلته مرتبا على مقدمة وثلاثة أبواب: فالمقدمة فيما لا بد منه فيه.
والباب الأول: فى الفعل.
والثانى: فى الاسم.
والثالث: في أحكام تعمهما.
١ البيت لقعنب بن ضمرة.
الصرف، ويقال له التصريف، وهو لغة: التغيير، ومنه تصريف الرياح، أى تغييرها.
واصطلاحا بالمعنى العملي: تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة، لمعان مقصودة، لا تحصل إلا بها، كاسمي الفاعل والمفعول، واسم التفضيل، والتثنية والجمع، إلى غير ذلك.
وبالمعنى العلمي: علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلمة، التى ليست بإعراب ولا بناء.
وموضوعه: الألفاظ العربية من حيث تلك الأحوال، كالصحة والإعلال، والأصالة والزيادة، ونحوها.
ويختص بالأسماء المتمكنة، والأفعال المتصرفة؛ وما ورد من تثنية بعض الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة، وجمعها وتصغيرها، فصوري لا حقيقي.
وواضعه: معاذ بن مسلم الهراء١، بتشديد الراء، وقيل سيدنا علي كرم الله وجهه.
ومسائله: قضاياه التى تذكر فيه صريحا أو ضمنا، نحو: كل واو أو ياء تحركت وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، ونحو إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت فى الياء، وهكذا.
وثمرته: صون اللسان عن الخطأ فى المفردات، ومراعاة قانون اللغة في المكتابة.
واستمداده: من كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلام العرب.
وحكم الشاعر فيه: الوجوب الكفائي٢.
والأبنية جمع بناء، وهى هيئة الكلمة الملحوظة، من حركة وسكون، وعدد
١ اسمه الهرا: بألف مقصورة بدون همزة نسبة إلى هراة.
ن
٢ الوجوب الكفائي: هو الذي إذا عمله البعض سقط عن الباقين.
ن
حروف، وترتيب.
والكلمة: لفظ مفرد، وضعه الواضع ليدل على معنى، بحيث متى ذكر ذلك اللفظ، فهم منه المعنى الموضوع هو له.
تقسيم الكلمة
...
تنقسم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف.
فالاسم: ما وضع ليدل على معنى مستقل بالفهم ليس الزمن جزءا منه، مثل رجل وكتاب.
والفعل: ما وضع ليدل على معنى مستقل بالفهم والزمن جزء منه، مثل كتب ويقرأ واحفظ.
والحرف: ما وضع ليدل على معنى غير مستقل بالفهم، مثل هل وفى ولم، ولا دخل له هنا كما مر.
ويختص الاسم بقبول حرف الجر، وأل، وبلحوق التنوين١ له، وبالإضافة، وبالإسناد إليه، وبالنداء، نحو:
الحمد لله منشئ الخلق من عدم
ونحو: ﴿يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا﴾
ويختص الفعل بقبول قد، والسين، والنواصب، والجوازم، وبلحوق تاء الفاعل، وتاء التأنيث الساكنة، ونون التوكيد، وياء المخاطبة له.
نحو: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤] . ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] . ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥] . ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] . ﴿لم يلد ولم يولد﴾ [الإخلاص: ٣] . ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما﴾ [غافر: ٧] . ﴿إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ [القصص: ٢٥] . ﴿ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢] . ﴿يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨] .
ويختص الحرف بعدم قبول شيء من خصائص الاسم والفعل:
١ التنوين: نون ساكنة تلحق الآخر لفظا لا خطا.
ن