أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول: في الفعل وفيه عدة تقاسيم

التقسيم الأول: إلى ماض ومضارع وأمر

ينقسم الفعل إلى ماض، ومضارع، وأمر.

فالماضى: ما يدل على حدوث شيء قبل زمن التكلم، نحو قام، وقعد، وأكل، وشرب.

وعلامته أن يقابل تاء الفاعل، نحو قرأت.
وتاء التأنيث الساكنة١، نحو قرأت هند.

والمضارع: ما دل على حدوث شيء فى زمن التكلم أو بعده، نحو يقرأ ويكتب، فهو صالح للحال والاستقبال.
ويعينه للحال لام الابتداء، و"لا" وما النافيتان، نحو: ﴿إني ليحزنني أن تذهبوا به﴾ [يوسف: ١٣] . ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول﴾ [البقرة: ١٤٢] . ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥] . ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] . ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] . ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ [آل عمران: ١٦٠] .

وعلامته: أن يصح وقوعه بعد لم، نحو: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ . ولا بد

١ تحرك هذه التاء بالكسر أو الفتح لالتقاء الساكنين، لا يخرجها عن كونها ساكنة أصالة.

أن يكون مبدوءا بحرف من حروف أنيت، وتسمى أحرف المضارعة.

فالهمزة: للمتكلم وحده، نحو أنا أقرأ.
والنون: له مع غيره أو للمعظم نفسه، نحو نحن نقرأ.
والياء: للغائب المذكر وجمع الغائبة، نحو محمد يقرأ، والنسوة يقرأن.
والتاء: للمخاطب مطلقا، ومفرد الغائبة ومثناها، نحو أنت تقرأ يا محمد، وأنتما تقرآن، وأنتم تقرءون، وأنت يا هند تقرئين، وفاطمة تقرأ، والهندان تقرآن.

والأمر: ما يطلب به حصول شيء بعد زمن التكلم، نحو اجتهد.
وعلامته أن يقبل نون التوكيد، وياء المخاطبة: مع دلالته على الطلب.

وأما ما يدل على معانى الأفعال ولا يقبل علاماتها، فيقال له اسم فعل، وهو على ثلاثة أقسام اسم فعل ماض، نحو هيهات وشتان، بمعنى بعد وافترق.
واسم فعل مضارع، كوي وأف، بمعنى أتعجب وأتضجر، واسم فعل أمر، كصه بمعنى اسكت وآمين بمعنى استجب، وهو أكثرها وجودا١.

١ اعلم أن اسم الفعل ضربان: أحدهما ما وضع من أول الأمر كذلك، كشتان وصه ووي.
والثاني: ما نقل من ظرف أو جار ومجرور نحو دونك بمعني خذ، ومكانك بمعنى اثبت، وأمامك بمعنى تقدم، وعليك بمعنى الزم، وإليك بمعنى تنح، أو من مصدر، سواء استعمل فعله نحو رويد زيدا، بمعنى أمهله، فإنهم قالوا: أروده إروادا، أم لم يستعمل، نحو بله زيد أو زيدا، بمعنى ترك زيد أو اترك زيدا، وهو سماعي في غير فعال، فإنه ينقاس في كل فعل ثلاثي متطرف.
اهـ.

التقسيم الثاني للفعل

ينقسم الفعل إلى صحيح، ومعتل:

فالصحيح: ما خلت أصوله من أحرف العلة، وهى الألف، والواو، والياء، نحو كتب وجلس.
ثم إن حرف العلة إن سكن وانفتح ما قبله يسمى لينا، كثوب وسيف، فإن جانسه ما قبله من الحركات يسمة مدا، كقال يقول قيلا؛ فعلى ذلك لا تنفك الألف عن كونها حرف علة، ومد، ولين، لسكونها وفتح ما قبلها دائما، بخلاف أختيها.

والمعتل: ما كان أحد أصوله حرف علة، نحو وجد، وقال، وسعى.

ولكل من الصحيح والمعتل أقسام:

أقسام الصحيح

يقسم الصحيح إلى سالم، ومضعف، ومهموز.

فالسالم: ما سلمت أصوله من أحرف العلة والهمزة، والتضعيف كضرب ونصر وقعد وجلس، فإذن يكون كل سالم صحيحا، ولا عكس.

والمضعف: ويقال له الأصم لشدته، ينقسم إلى قسمين: مضعف الثلاثى ومزيده، ومضعف الرباعى.
فمضعف الثلاثى ومزيده: ما كانت عينه ولامه من جنس واحد، نحو: فر، مد، وامتد، واستمد، وهو محل نظر الصرفى.
ومضعف الرباعى: ما كانت فاؤه ولامه الأولى من جنس، وعينه ولامه الثانية من جنس، كزلزل، وعسعس، وقلقل.

والمهموز: ما كان أحد أصوله همزة، نحو أخذ، وسأل، وقرأ.

أقسام المعتل

ينقسم المعتل إلى مثال، وأجوف، وناقص، ولفيف.

فالمثال: ما اعتلت فاؤه، نحو وعد ويسر، وسمي بذلك لأنه يماثل الصحيح فى عدم

إعلال ماضيه.

والأجوف: ما اعتلت عينه، نحو قال وباع.
وسمى بذلك لخلو جوفه، أى وسطه، من الحرف الصحيح.
ويسمى أيضا ذا الثلاثة، لأنه عند إسناده لتاء الفاعل، يصير معها على ثلاثة أحرف، كقلت وبعت، فى قال وباع.

والناقص: ما اعتلت لامه، نحو غزا ورمى، وسمي بذلك لنقصانه، بحذف آخره فى بعض التصاريف، كغزت ورمت، ويسمى أيضا ذا الأربعة، لأنه عند إسناده لتاء الفاعل يصير معها على أربعة أحرف، نحو غزوت ورميت.

واللفيف قسمان:

مفروق، وهو ما اعتلت فاؤه ولامه، نحو وفى ووفى، وسمي بذلك لكون الحرف الصحيح فارقا بين حرفى العلة.

ومقرون، وهو ما اعتلت عينه ولامه، نحو طوى وروى.
وسمي بذلك لاقتران حرفي العلة بعضهما ببعض.

وهذه التقاسيم التى جرت فى الفعل، تجرى أيضا فى الاسم، نحو شمس، ووجه، ويمن، وقول، وسيف، ودلو، وظبي، ووحي، وجو، وحي، وأمر، وبئر، ونبأ، وحد، وبلبل.

التقسيم الثالث للفعل: بحسب التجرد والزيادة، وتقسيم كل

ينقسم الفعل إلى مجرد ومزيد، فالمجرد: ما كانت جميع حروفه أصلية، لا يسقط حرف منها فى تصاريف الكلمة بغير علة.
والمزيد: ما زيد فيه حرف أو أكثر على حروفه الأصلية.

والمجرد قسمان:

ثلاثي ورباعى.

والمزيد قسمان:

مزيد الثلاثي، ومزيد الرباعي.
أما الثلاثى المجرد فله باعتبار ماضيه فقط ثلاثة أبواب، لأنه دائما مفتوح الفاء، وعينه إما أن تكون مفتوحة، أو مكسورة أو مضمومة، نحو نصر وضرب وفتح، ونحو كرم، ونحو فرح وحسب، وباعتبار الماضى مع المضارع له ستة أبواب، لأن عين المضارع إما مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة، وثلاثة فى ثلاثة بتسعة، يمتنع كسر العين فى الماضى مع ضمها في المضارع، وضم العين فى الماضى مع كسرها أو فتحها فى المضارع، فإذن تكون أبواب الثلاثى ستة:

الباب الأول: فعل يفعل

بفتح العين فى الماضى وضمها فى المضارع، كنصر ينصر، وقعد يقعد، وأخذ يأخذ، وبرأ يبرؤ، وقال يقول، وغزا يغزو، ومر يمر.

الباب الثانى: فعل يفعل

بفتح العين فى الماضى وكسرها فى المضارع كضرب يضرب، وجلس يجلس، ووعد يعد، وباع يبيع، ورمى يرمي، ووقى يقى، وطوى يطوي، وفر يفر، وأتى يأتي، وجاء يجيء، وأبر النخل يأبره، وهنأ يهنيء، وأوى يأوي، ووأى يئي، بمعنى وعد.

الباب الثالث: فعل يفعل

بالفتح فيهما: كفتح يفتح، وذهب يذهب، وسعى يسعى، ووضع يضع، ويفع١

١ يقال: يفع الجبل: صعده، والغلام: راهق العشرين كأيفع، ووهل إلى الشيء: ذهب وهمه إليه، وأله عبد.
وألهه: أجاره وأمنه.
اهـ منه.

ييفع، ووهل يوهل، وأله يأله، وسأل يسأل، وقرأ يقرأ.

وكل ما كانت عينه مفتوحة فى الماضى والمضارع، فهو حلقي العين أو اللام.
وليس كل ما كان حلقيا مفتوحا فيهما.
وحروف الحلق ستة: الهمزة والهاء، والحاء والخاء، والعين والغين١.

وما جاء من هذا الباب بدون حرف حلقى فشاذ، كأبى يأبى، وهلك يهلك، فى إحدى لغتيه، أو من تدخل اللغات، كركن يركن، وقلى يقلى٢: غير فصيح٣.
وبقى يبقى: لغة طيئ، والأصل كسر العين فى الماضى، ولكنهم قلبوه فتحة تخفيفا، وهذا قياس عندهم.

الباب الرابع: فعل يفعل

بكسر العين فى الماضى، وفتحها فى المضارع، كفرح يفرح، وعلم يعلم، ووجل يوجل، ويبس ييبس، وخاف يخاف، وهاب يهاب، وغيد يغيد، وعور يعور، ورضي يرضى، وقوي يقوى، ووجي يوجى، وعض يعض، وأمن يأمن، وسئم يسأم، وصدئ يصدأ.

ويأتى من هذا الباب الأفعال الدالة على الفرح وتوابعه، والامتلاء والخلو، والألوان والعيوب، والخلق الظاهرة، التي تذكر لتحيلة الإنسان فى الغزل: كفرح وطرب، وبطر وأشر، وغضب وحزن، وكشبع وروي وسكر، وكعطش وظمئ وصدي وهيم، وكحمر٤ وسود، وكعور وعمش وجهر وكغيد وهيف ولمي.

١ وتسمى: حروف الإظهار.
ن ٢ واللغة الثانية: بكسر عين مضارعه.
٣ والفصيح: بكسر عين مضارعه.
٤ هذا على القياس، لوجود مصدره "الحمرة"، والوصف منه "أحمر، وحمراء" ولكن العرب لم ينطقوا بالفعل الثلاثي استغناء باحمار، ولعله وجد ثم أميت.
قال سيبويه: "استغنوا باحمار عن حمر".
"انظر شرح ابن جني على تصريف المازني، طبعة الحلبي ص ١٦" السقا.

الباب الخامس: فعل يفعل

بضم العيبن فيهما، كشرف يشرف، وحسن يحسن، ووسم يوسم، ويمن ييمن، وأسل يأسل، ولؤم يلؤم، وجرؤ يحرؤ، وسرو يسرو.

ولم يرد من هذا الباب يائي اللعين إلا لفظة هيؤ: صار ذا هيئة.
ولا يائي، اللام وهو متصرف إلا نهو، من النهية، بمعنى العقل، ولا مضاعفا إلا قليلا، كشررت مثلث الراء، ولببت، بضم العين وكسرها، والمضارع تلب بفتح العين لا غير.

وهذا الباب للأوصاف الخلقية، وهى التى لها مكث.

ولك أن تحول كل فعل ثلاثى إلى هذا الباب، للدلالة على أن معناه صار كالغريزة فى صاحبه.
وربما استعملت أفعال هذا الباب للتعجب، فتنسلخ عن الحدث.

الباب السادس: فعل يفعل

بالكسر فيهما، كحسب يحسب ونعم ينعم، وهو قليل فى الصحيح، كثير فى المعتل، كما سيأتى:

تنبيهات

الأول: كل أفعال هذه الأبواب تكون متعدية ولازمة، إلا أفعال الباب الخامس، فلا تكون إلا لازمة.
وأما رحبتك الدار فعلى التوسع، والأصل رحبت بك الدار، والأبواب الثلاثة الأولى تسمى دعائم الأبواب، وهى فى الكثرة على ذلك الترتيب.

الثانى: أن فعل المفتوح العين، إن كان أوله همزة أو واوا، فالغالب أنه من باب ضرب، كأسر يأسر، وأتى يأتى، ووعد يعد، ووزن يزن، ومن غير الغالب: أخذوا أكل ووهل.
وإن كان مضاعفا فالغالب أنه من باب نصر، إن كان متعديا، كمده يمده،

وصده يصده.
ومن باب ضرب، إن كان لازما١، كخف يخف، وشذ يشذ، بالذال المعجمة.

الثالث: مما تقدم من الأمثلة تعلم:

# ١- أن المضاعف يجيء من ثلاثة أبواب: من باب نصر، وضرب، وفرح، نحو سره يسره، وفر يفر، وعضه يعضه.

# ٢- ومهموز الفاء يجيء من خمسة أبواب: من باب نصر، وضرب، وفتح، وفرح، وشرف، نحو: أخذ يأخذ، وأسر يأسر، وأهب يأهب، وأمن يأمن، وأسل يأسل.

# ٣- ومهموز العين يجيء من أربعة أبواب: من باب ضرب، وفتح، وفرح وشرف، نحو: وأى يئى، وسأل يسأل، وسئم يسأم، ولؤم يلؤم.

# ٤- ومهموز اللام يحيء من خمسة أبواب من باب نصر، وضرب وفتح، وفرح، وشرف، نحو: برأ٢ يبرؤ، وهنأ يهنئ، وقرأ يقرأ، وصدأ يصدأ، وجرؤ يجرؤ.

والمثال يجيء من خمسة أبواب: من باب ضرب: وفتح، وفرح، وشرف، وحسب؛ نحو: وعد يعد، ووهل يوهل، ووجل يوجل، ووسم يوسم، وورث يرث،

١ قوله: "ومن باب ضرب إن كان لازما.." ومن غير الغالب حبه يحبه، بفتح الياء وكسر الحاء، لغة في: أحبه يحبه.
وقد جاء الوجهان عدة أفعال متعدية، وعدة أفعال لازمة.
فمن الأول هو فلان الشيء يهره ويهره: بمعنى كرهه.
وأصل الهرير: صوت الكلب الخلفي، وشد متاعه يشده ويشده: بمعنى أوثقه، وعله الشراب يعله ويعله، سقاه عللا بعد نهل.
والعلل: الشرب الثاني، والنهل محركا: الشرب الأول، وبت الحبل وغيره يبته ويبته بتا: قطعه، ونم الحديث ينمه وينمه نما ونمة: حمله وأفشاه، على وجه الإفساد.
ومن الثاني: صد عن الأمر يصد ويصد صدودا: أعرض عنه، وأث الشجر يؤث ويئث: أي: كثر والتف، وخر الحر يخر ويخر: أي سقط من علو إلى أسفل، وحدت المرأة على زوجها تحد وتحد: تركت الزينة، وثرب العين تثر وتثر، ثرورا: عزر ماؤها: ودرت الشاة تدر وتدر، وجم الماء يجم ويجم: بمعني كثر: وعن له الشيء يعن ويعن: بمعنى عرض.
وشذ عن الجمهور يشذ ويشذ: انفرد، وشطت الدار تشط وتشطط: بمعنى بعدت، وطش المزن يطش ويطش: أمطر دون الرش، وأل السيف يؤل ويئل: لمع.
٢ أي من برأ المريض، وهذه إحدى لغاته، وكذلك هنأ يهنئ في إحدى لغاته اهـ.

وقد ورد من باب نصر لفظة واحدة فى لغة عامرية: وهى وجد يجد قال جرير:

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة

تدع الصوادي لا يجدن غليلا

روي بضم الجيم وكسرها.
يقول لمحبوبته: لو شئت قد روي الفؤاد بشربة من ريقك، تترك الصوادي، أى: العطاش، لا يجدن حرارة العطش.

٦ والأجوف يجيء من ثلاثة أبواب: من باب نصر، وضرب، وفرح، نحو: قال يقول، وباع يبيع، وخاف يخاف، وغيد يغيد، وعور يعور، إلا أن شرطه أن يكون فى الباب الأول واويا، وفى الثانى يائيا، وفى الثالث مطلقا، وجاء طال يطول فقط من باب شرف.

# ٧- والناقص يجيء من خمسة أبواب: من باب نصر، وضرب، وفتح، وفرح، وشرف.
نحو: دعا، ورمى، وسعى، ورضي، وسرو.
ويشترط فى الناقص من الباب الأول والثانى، ما اشترط فى الأجوف منهما.

# ٨- واللفيف المقرون يجيء من ثلاثة أبواب: من باب ضرب، وفرح، وحسب.
نحو: وفى يفي، ووجى يوجي، وولي يلي.

# ٩- واللفيف المقرون يجيء من ضرب، وفرح.
نحو: روى يروي، وقوي يقوى، ولم يرد يائى العين واللام إلا فى كلمتين من باب فرح، هما عيي، وحيي.

الرابع: الفعل الأجوف، إن كان بالألف فى الماضى، وبالواو فى المضارع، فهو من باب نصر، كقال يقول، ما عدا طال يطول، فإنه من باب شرف.
وإن كان بالألف فى الماضى وبالياء فى المضارع، فهو من باب ضرع كباع يبيع.
وإن كان بالألف أو بالياء أو بالواو فيهما، فهو من باب فرح، كخاف يخاف، وغيد يغيد، وعور يعور.

والناقص إن كان بالألف فى الماضى وبالواو فى المضارع، فهو من نصر، كدعا يدعو.
وإن كان بالألف فى الماضى وبالياء فى المضارع، فهو من باب ضرب، كرمى يرمى.
وإن كان بالألف فيهما، فهو من باب فتح، كسعى يسعى.
وإن كان بالواو فيهما، فهو باب شرف كسرو يسرو.
وإن كان بالياء فيهما، فهو من باب حسب كولي يلي.
وإن كان

بالياء فى الماضى وبالألف فى المضارع، فهو من باب فرح، كرضى يرضى.

الخامس:لم يرد فى اللغة ما يجب كسر عينه فى الماضى والمضارع إلا ثلاثة عشر فعلا، وهى: وثق به، ووجد عليه: أى حزن، وورث المال، وورع عن الشبهات، وورك: أى اضطجع، وورم الجرح ووري المخ: أى اكتنز، ووعق عليه: أى عجل، ووفق أمره: أى صادفه موافقا، ووقه له أى سمع ووكم: أى اغتم وولى الأمر، وومق: أى أحب.

وورد أحد عشر فعلا، تكسر عينها فى الماضى، ويجوز الكسر والفتح فى المضارع، وهى بئس، بالباء الموحدة، وحسب، ووبق: أى هلك، ووحمت الحبلى، ووحر صدره، ووغر: أى اغتاظ فيهما، وولغ الكلب، ووله، ووهل، اضطرب فيهما، ويئس منه، ويبس الغصن.

السادس: كون الثلاثى على وزن معين من الأوزان الستة المتقدمة سماعى، فلا يعتمد فى معرفتها على قاعدة، غير أنه يمكن تقريبه بمراعاة هذه الضوابط.
ويجب فيه مراعاة صورة الماضى والمضارع معا، لمخافة صورة المضارع للماضى الواحد كما رأيت، وفى غيره تراعى صورة الماضى فقط، لأن لكل ماض مضارعا لا تختلف صورته فيه.

السابع: ما بني من الأفعال للدلالة على الغلبة في المفاخر، فقياس مضارعه ضم عينه، كسابقنى زيد فسبقته، فأنا أسبقه، ما لم يكن واوي الفاء، أو يائى العين أو اللام، فقياس مضارعه كسر عينه، كواثبته فوثبته، فأنا أثبه وبايعته فبعته، فأنا أبيعه، وراميته فرميته، فأنا أرميه.

أوزان الرباعي المجرد وملحقاته

وللرباعي المجرد وزن واحد، وهو فعلل، كدحرج يدحرج، ودربخ١ يدربخ.
ومنه أفعال نحتتها العرب من مركبات، فتحفظ ولا يقاس عليها، كبسمل: إذا قال: بسم الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وطلبق إذا قال: أطال الله بقاءك،

١ دربخ الرجل، بالخاء المعجمة: وإذا طأطأ رأسه سوى ظهره.

ودمعز إذا قال: أدام الله عزك، وجعفل إذا قال: جعلني الله فداءك.

وملحقاته سبعة:

الأول: فعلل، كجلببه: أى ألبسه الجلباب.

الثانى: فوعل، كجوربه: أى ألبسه الجورب.

الثالث: فعول كرهوك في مشيته: أي أسرع.

الر ابع: فيعل كبيطر، أى أصلح الدواب.

الخامس: فعيل، كشريف الزرع.
قطع شريافه١.

السادس: فعلى، كسلقى٢: إذا استلقى على ظهره.

السابع: فعنل كقلنسه: ألبسه القلنسوة.

والإلحاق: أن تزيد فى البناء زيادة، لتلحقه بآخر أكثر منه، فيتصرف تصرفه.

أوزان الثلاثي المزيد فيه

الفعل الثلاثى المزيد فيه ثلاثة أقسام: ما زيد فيه حرف واحد، وما زيد فيه حرفان، وما زيد فيه ثلاثة أحرف.
فغاية ما يبلغ الفعل بالزيادة ستة؛ بخلاف الاسم، فإنه يبلغ بالزيادة سبعة لثقل الفعل، وخفة الاسم، كما سيأتى فالذى زيد فيه حرف واحد، يأتى على ثلاثة أوزان.

الأول: أفعل، كأكرم، وأولى، وأعطى، وأقام، وآتى، وآمن، وأقر.

والثاني: فاعل، كقاتل، وآخذ، ووالى.

الثالث: فعل بالتضعيف، كفرح، وزكى، وولى، وبرأ.
والذي زيد فيه حرفان يأتى على خمسة أوزان:

الأول: انفعل، كانكسر، وانشق، وانقاد، وانمحى.

الثانى: افتعل، كاجتمع، واشتق، واحتار، وادعى، واتصل، واتقى، واصطبر، واضطرب.

١ قال في اللسان: "شرنف الزرع: إذا قطع شرنافه: والشرناف: ورق الزرع إذا كثر وطال وخشي فساده فقطع".
قال الأزهري: وهي كلمة يمانية.
ن ٢ ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "فانطلقا بي إلى ما بين المقام وزمزم فسلقاني على ظهري" أي: ألقياني على ظهري.
لسان العرب.
ن

الثالث: افعل كاحمر، واصفر، واعور.
وهذا الوزن يكون غالبا فى الألوان والعيوب؛ وندر فى غيرهما، نحو: ارفض عرقا، واخضل الروض، ومنه ارعوى.

الرابع: تفعل، كتعلم وتزكى، ومنه اذكر واطهر.

الخامس: تفاعل كتباعد وتشاور، ومنه تبارك وتعالى، وكذا اثاقل، واداراك.

والذى زيد فيه ثلاثة أحرف يأتى على أربعة أوزان:

الأول: استفعل، كاستخرج، واستقام.

الثانى: افعوعل، كاغدودن الشعر: إذا طال، واعشوشب المكان: إذا كثر عشبه.

الثالث: افعال كاحمار واشهاب: قويت حمرته وشهبته.

الرابع: افعول كاجلود: إذا أسرع، واعلوط: أى تعلق بعنق البعير فركبه.

أوزان الرباعي المزيد فيه وملحقاته

ينقسم الرباعي المزيد إلى قسمين: ما زيد فيه حرف واحد، وما زيد فيه حرفان، فالذى زيد فيه حرف واحد، وزن واحد، وهو تفعلل كتدحرج.
والذى زيد فيه حرفان وزنان:

الأول: افعنلل، كاحرنجم.

والثاني: افعلل، كاقشعر، واطمأن.

والملحق بما زيد فيه حرف واحد يأتى على ستة أوزان:

الأول: تفعلل، كتجلبب.

الثانى: تفعول، كترهوك.

الثالث: تفيعل، كتشيطن.

الرابع: تفوعل، كتجورب.

الخامس: تمفعل، كتمسكن.

السادس: تفعلى، كتسلقى.

والملحق بما زيد فيه حرفان، وزنان:

الأول: افعنلل، كاقعنسس.

والثانى: افعنلى، كاسلنقى.

والفرق بين وزني احرنجم واقعنسس، أن اقعنسس إحدى لامه زائدة للإلحاق، بخلاف احرنجم، فإنهما فيه أصليتان.

تنبيهان

الأول: ظهر لك مما تقدم أن الفعل باعتبار مادته أربعة أقسام: ثلاثي، ورباعي، وخماسي، وسداسى وباعتبار هيئته الحاصلة من الحركات والسكنات سبعة وثلاثون بابا.

الثانى: لا يلزم فى كل مجرد أن يستعمل له مزيد، ولا فى كل مزيد أن يستعمل له مجرد، ولا في ما استعمل فيه بعض المزيدات، أن يستعمل فيه البعض الآخر، بل المدار في كل ذلك السماع.
ويستثنى من ذلك الثلاثي اللازم، فتطرد، زيادة الهمزة فى أوله للتعدية، فيقال فى ذهب أذهب، وفى خرج أخرج.

فصل فى معانى صيغ الزوائد

# ١- أفعل

تأتى لعدة معان:

الأول: التعدية، وهي تصيير الفاع بالهمزة مفعولا، كأقمت زيدا، وأقعدته، وأقرأته.
الأصل: قام زيد وقعد وقرأ، فلما دخلت عليه الهمزة صار زيد مقاما مقعدا مقرأ، فإذا كان الفعل لازما بها متعديا لواحد، وإذا كان متعديا لواحد صار بها متعديا لاثنين وإذا كان متعديا لاثنين، صار بها متعديا لثلاثة.
ولم يوجد في اللغة ما هو متعد لاثنين، صار بالهمزة متعديا لثلاثة، إلا رأى وعلم، كرأى وعلم زيد بكرا قائما، تقول: أريت أو أعلمت زيدا بكرا قائما.

الثاني: صيروة شيء ذا شيء، كألبن الرجل وأتمر وأفلس: صار ذا لبن وتمر وفلوس.

الثالث: الدخول في شيء، مكانا كان أو زمانا، كأشأم وأعرق وأصبح وأمسى، أى دخل فى الشأم، والعراق، والصباح، والمساء.

الرابع: السلب والإزالة، كأقذيت عين فلان، وأعجمت الكتاب: أى أزلت القذى عن عينه، وأزلت عجمة الكتاب بنقطه.

الخامس: مصادفة الشيء على صفة، كأحمدت زيدا: وأكرمته، وأبخلته، أي صادفته محمودا، أو كريما، أو بخيلا.

السادس: الاستحقاق، كأحصد الزرع، وأزوجت هند، أى استحق الزرع الحصاد، وهند الزواج.

السابع: التعريض، كأرهنت المتاع وأبعته: أى عرضته للرهن والبيع.

الثامن: أن يكون استفعل، كأعظمته: أى استعظمته.

التاسع: أن يكون مطاوعا لفعل بالتشديد، نحو: فطرته فأفطر وبشرته فأبشر.

العاشر: التمكين، كأحفرته النهر: أى مكنته من حفره.

وربما جاء المهموز كاصله، كسرى وأسرى، أو أعنى عن أصله لعدم وروده، كأفلح: أي فاز.
وندر مجيء الفعل متعديا بلا همزة، ولازما بها، كنسلت ريش الطائر، وأنسل الريش، وعرضت الشيء: أظهرته، وأعرض الشيء: ظهر، وكببت زيدا على وجهه، وأكب زيد على وجهه، وقشعت الريح السحاب، وأقشع السحاب قال الشاعر:

كما أبرقت قوما عطاشا غمامة ... فلما رأوها أقشعت وتجلت وتجلت

# ٢- فاعل

يكثر استعماله في معنين، أحدهما: التشارك بين اثنين فأكثر، وهو أن يفعل أحدهما

بصاحبه فعلا، فيقابله الآخر بمثله، وحينئذ فينسب للبادئ نسبة الفاعلية، وللمقابل نسبة المفعولية.
فإذا كان أصل الفعل لازما صار بهذه الصيغة متعديا، نحو ماشيته، والأصل مشيت ومشى.
وفى هذه الصيغة معنى المغالبة، ويدل على غلبة أحدهما، بصيغة فعل من باب نصر مالم يكن واوى الفاء، أو يائى العين أو اللام، فإنه يدل على الغلبة من باب ضرب كما تقدم، ومتى كان فعلل للدلالة على الغلبة كان معتديا، وإن كان أصله لازما، وكان من باب نصر أو ضرب على ما تقدم من أى باب كان.

وثانيهما: الموالاة، فيكون بمعنى أفعل المتعدي، كواليت الصوم وتابعته، بمعنى أوليت، وأتبعت، بعضه بعضا.

وربما كان بمعنى فعل المضعف للتكثير، كضاعفت الشيء وضعفته، وبمعنى فعل، كدافع ودفع، وسافر وسفر، وربما كانت المفاعلة بتنزيل غير الفعل منزلته، كيخادعون الله، جعلت معاملتهم لله بما انطوت عليه نفوسهم من إخفاء الكفر، وإظهار الإسلام، ومجازاته لهم، مخادعة.

# ٣- فعل

يكثر استعمالها فى ثمانية معان، تشارك أفعل فى اثنين منها، وهما التعدية، كقومت زيدا وقعدته، والإزالة كجربت البعير وقشرت الفاكهة، أى أزلت جربه، وأزلت قشره.

وتنفرد بستة:

أولها: التكثير فى الفعل، كجول، وطوف: أكثر الجولان والطوفان، أو في المفعول، كغلقت الأبواب، أو فى الفاعل، كموتت الإبل وبركت.

وثانيها: صيروة شيء شبه شيء، كقوس زيد وحجر الطين: أى صار شبه القوس في الانحناء، والحجر في الجمود.

وثالثهما: نسبة الشيء إلي أصل الفعل، كفسقت زبدا، أو كفرته١: نسبته إلى

١ ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بهما أحدهما" رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه.
ن.

الفسق، أو الكفر.

ورابعها: التوجه إلى الشيء، كشرقت، أو غربت١: توجهت إلى الشرق، أو الغرب.

وخامسها: اختصار حكاية الشيء، كهلل وسبح ولبى وأمن: إذا قال لا إله إلا الله، وسبحان الله، ولبيك، وآمين.

وسادسها قبول الشيء، كشفعت زيدا: قبلت شفاعته.

وربما ورد بمعنى أصله، أو بمعنى تفعل، كولى وتولى وفكر وتفكر، وربما أغنى عن أصله لعدم وروده، كغيره إذا عابه، وعجزت المرأة: بلغت السن العالية.

# ٤- انفعل

يأتى لمعنى واحد، وهو المطاوعة، ولهذا لا يكون إلا لازما، ولا يكون إلا فى الأفعال العلاجية.
ويأتى لمطاوعة الثلاثى كثيرا، كقطعته فانقطع، وكسرته فانكسر؛ والمطاوعة غيره قليلا، كأطلقته فانطلق، وعدلته -بالتضعيف- فانعدل، ولكونه مختصا بالعلاجيات، لا يقال: علمته فانعلم، ولا فهمته فانفهم.

والمطاوعة: هى قبول تأثير الغير.

# ٥- افتعل

اشتهر فى ستة معان:

أحدها: الاتخاذ، كاختتم زيد، واختدم، اتخذ له خاتما، وخادما.

وثانيها: الاجتهاد والطلب، كاكتسب٢، واكتتب٣، أى اجتهد وطلب الكسب والكتابة.

١ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا" رواه مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
ن. ٢ كما في قوله تعالى: ﴿لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم﴾ [النور: ١١] . ن ٣ كما في قوله: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها﴾ [الفرقان: ٥] . ن

وثالثها: التشارك، كاختصم زيد وعمرو: اختلفا١.

ورابعها: الإظهار، كاعتذار واعتظم، أى أظهر العذر، والعظمة.

وخامسها: المبالغة فى معنى الفعل، كاقتدر وارتد، أى بالغ فى القدرة والردة.

وسادسها: مطاوعة الثلاثى كثيرا، كعدلته فاعتدل، وجمعته فاجتمع.

وربما أتى مطاوعا للمضعف ومهموز الثلاثى، كقربته فاقترب، وأنصفته فانتصف.

وقد يجيء بمعنى أصله، لعدم وروده، كارتجل الخطبة، واشتمل الثوب٢.

# ٦- افعل

يأتى غالبا لمعنى واحد، وهو قوة اللون أو العيب، ولا يكون إلا لازما، كاحمر وابيض واعور واعمش: قويت حمرته وبياضه وعوره وعمشه.

# ٧- تفعل

تأتى لخمسة معان:

أولها: مطاوعة فعل مضعف العين، كنبهته فتنبه.
وكسرته فتكسر.

وثانيها: الاتخاذ، كتوسد ثوبه: اتخذه وسادة.

وثالثها: التكلف، كتصبر وتحلم: تكلف الصبر والحلم.

ورابعها: التجنب كتحرج وتهجد٣: تجنب الحرج والهجود، أى النوم.

وخامسها: التدريج، كتجرعت الماء، وتحفزت العلم: أى شربت الماء جرعة بعد أخرى، وحفظت العلم مسألة بعد أخرى؛ وربما أغنت هذه الصيغة عن الثلاثى، لعدم وروده، كتكلم وتصدى.

١ كما في قوله تعالى: ﴿لاختلفتم في الميعاد﴾ [الأنفال: ٤٢] . ن ٢ أي: تلقف.
مختار الصحاح: يشمل.
ن ٣ التهجد: هو الصلاة في الليل، ويقال: هجد الرجل: إذا نام، وتهجد: إذا خرج من الهجود، وهو النوم بالصلاة كما يقال: تحنث وتأثم إذا اجتنب الحنث والإثم.
ن.

# ٨- تفاعل

اشتهرت فى أربعة معان:

أولها: التشريك بين اثنين فأكثر، كل منهما فاعلا فى اللفظ، مفعولا فى المعنى، بخلاف فاعل المتقدم، ولذلك إذا كان فاعل المتقدم متعديا لاثنين، صار بهذه الصيغة متعديا لواحد، كجاذب زيد عمرا ثوبا، وتجاذب زيد وعمرو ثوبا.
وإذا كان متعديا لواحد صار بها لازما، كخاصم زيد عمرا، وتخاصم زيد وعمرو.

ثانيها: التظاهر بالفعل دون حقيقته، كتناوم وتغافل وتعامى: أي أظهر النوم الغفلة والعمى، وهى منتفية عنه، وقال الشاعر:

ليس الغبي بسيد فى قومه ... لكن سيد قومه المتغابى

وقال الحريرى١:

ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد فى أنحائه ومقاصده

تعاميت حتى قيل إنى أخو عمى ... ولا غزو أن يحذو الفتى حذو والده

وثالثهما: حصول الشيء تدريجيا، كتزايد النيل، وتواردت الإبل: أى حصلت الزيادة بالتدريج شيئا فشيئا.

ورابعها: مطاوعة فاعل، كباعدته فتباعد.

# ٩- استفعل

كثر استعمالها فى ستة معان:

أحدها: الطلب حقيقة، كاستغفرت الله: أى طلبت مغفرته، أو مجازا كاستخرجت الذهب من المعدن، سميت الممارسة فى إخراجه، والاجتهاد فى الحصول عليه طلبا،

١ هذا الشعر ليس للحريري وإنما هو لرجل من "سروج" وهو بلد قرب حران، واسم الرجل: "أبو زيد" نقل ذلك الحريري في مقاماته البرقعيدية ص٧٣ ومعنى أخو العمى: أعمى.
ن

حيث لا يمكن الطلب الحقيقي.

وثانيها: الصيرورة حقيقة، كاستحجر الطين، واستحضن المهر: أى صار حجرا وحصانا، أو مجازا كما فى المثل: إن البغاث بأرضنا يستنسر.

أى يصير كالنسر فى القوة.
والبغاث: طائر ضعيف الطيران، ومعناه: إن الضعيف بأرضنا يصير قويا، لاستعانته بنا.

وثالثها: اعتقاد صفة الشيء، كاستحسنت كذا واستصوبته، أى اعتقدت حسنه وصوابه.

ورابعها: اختصار حكاية الشيء كاسترجع، إذا قال: إنا لله وإنآ إليه راجعون.

وخامسها: القوة، كاستهتر واستكبر: أى قوى هتره وكبره١.

وسادسها: المصادفة، كاستكرمت زيدا أو استبخلته: أى صادفته كريما أو بخيلا.

وربما كان بمعنى أفعل، كأجاب واستجاب، ولمطاوعته كأحكمته فاستحكم، وأقمته فاستقام.

ثم إن باقى الصيغ تدل على قوة المعنى، زيادة على أصله، فمثلا اعشوشب المكان يدل على زيادة عشبه أكثر من عشب، واخشوشن يدل على قوة الخشونة أكثر من خشن، واحمار يدل على قوة اللون، أكثر من حمر واحمر وهكذا.

١ "الكبر": بسكون الباء يعني: التكبر والاستكبار.. "والكبر": بفتح الباء يعني تقدم العمر والشيخوخة وسبب تعليقي: أني سمعت كثيرا من الخطباء والوعاظ لا يفرقون بين الكلمتين في أحاديثهم.
ن.

التقسيم الرابع للفعل بحسب الجمود والتصريف:

ينقسم الفعل إلى جامد ومتصرف.

فالجامد: ما لازم صورة واحدة وهو إما أن يكون ملازما للماضي كليس من أخوات كان، وكرب من أفعال المقاربة، وعسى وحرى واخلولق من أفعال الرجاء، وأنشأ وطفق، وأخذ وجعل وعلق من أفعال الشروع، نعم وحبذ فى المدح، وبئس وساء فى الذم، وخلا وعدا وحاشا فى الاستثناء، على خلاف فى بعضها؛ وإما أن يكون ملازما للأمرية، كهب وتعلم، ولا ثالث لهما.

والمتصرف: ما لا يلازم صورة واحدة، وهو إما أن يكون تام التصرف، وهو يأتى منه الماضى والمضارع والأمر، كنصر ودحرج، أو ناقصه١، وهو ما يأتى منه الماضى والمضارع فقط، كزال يزال، وبرح يبرح، وفتئ يفتأ، وانفك ينفك، وكاد يكاد، وأوشك يوشك.

١ أي ناقص التصرف.
ن

فصل فى تصريف الأفعال بعضها من بعض

كيفية تصريف المضارع من الماضى؟ أن يزاد فى أوله أحد أحرف المضارعة٢، مضموما فى الرباعي كيدحرج، مفتوحا فى غيره كيكتب وينطلق ويستغفر.

ثم إن كان الماضى ثلاثيا، سكنت فاؤه، وحركت عينه بضمة أو فتحة أو كسرة٣، حسبما يقتضيه نص اللغة، كينصر ويفتح ويضرب، كما تقدم، وإن كان غير ثلاثى، بقي على حاله إن كان مبدوءا بتاء زائدة، كيتشارك ويتعلم ويتدحرج، وإلا كسر ما قبل آخره، كيعظم ويقاتل، وحذفت الهمزة الزائدة فى أوله إن كانت، كيكرم ويستخرج.

وكيفية تصريف الأمر من المضارع؟ أن يحذف حرف المضارعة، كعظم وتشارك

٢ وهي حروف "أنيت أو نأيت" ا. هـ ٣ يعني بهذا الترتيب: "يفتح=فتح=افتح"

وتعلم، فإن كان أول الباقى ساكنا زيد في أوله همزة، كاسرق وافتح.
واضرب، وأكرم وانطلق واستغفر.

التقسيم الخامس للفعل: من حيث التعدي واللزوم:

ينقسم الفعل إلى متعد، ويسمى مجاوزا، وإللازم ويسمى قاصرا.
فالمعتدي عند الإطلاق: ما يجاوز الفاعل إلى المفعول به بنفسه، نحو حفظ محمد الدرس، وعلامته أن تتصل به هاء تعود إلى غير المصدر، نحو زيد ضربه عمرو، وأن يصاغ منه اسم مفعول تام، أى غير مقترن بحرف جر أو ظرف نحو مضروب.

وهو على ثلاثة أقسام:

ما يتعدى إلى مفعول واحد، وهو كثير، نحو: حفظ محمد الدرس، وفهم المسألة.

وما يتعدى إلى مفعولين، إما أن يكونأصلهما المبتدأ والخبر، وهو ظن١ وأخواتها، وإما لا، وهو أعطى٢ وأخواتها.

وما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وهو باب أعلم٣ وأرى.

واللازم: مالم يجاوز الفاعل إلى المفعول به، كقعد محمد، وخرج على.

وأسباب تعدى الفعل اللازم أصالة ثمانية:

الأول: الهمزة، كأكرم زيد عمرا.

الثانى: التضعيف، كفرحت زيدا.

الثالث: زيادة ألف المفاعلة نحو: جالس زيد العلماء، وقد تقدمت.

الرابع: زيادة حرف الجر، نحو: ذهبت بعلى.

الخامس: زيادة الهمزة والسين والتاء، نحو: استخرج زيد المال.

١ نحو: "ظن الطالب الدرس سهلا".ن. ٢ نحو: " أعطى زيد عمرا درهما".ن. ٣ نحو: "أعلم زيد عمرا الدرس سهلا".ن.

السادس: التضمين النحوى١، وهو أن تشرب كلمة لازمة معنى كلمة متعدية، لتتعدى تعديتها، نحو: ﴿تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ضمن تعزموا معنى تنووا، فعدي تعديته.

السابع: حذف حرف الجر توسعا، كقوله:

تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذن حرام٢

ويطرد حذفه مع أن وأن، نحو قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨] ﴿أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم﴾ [الأعراف: ٦٣-٦٩] .

الثامن: تحويل اللازم إلى باب نصر لقصد المغالبة، نحو: قاعدته فقعدته فأنا أقعده، كما تقدم.

والحق أن تعدية الفعل سماعية، فما سمعت تعديته بحرف لا يجوز تعديته بغيره، ومالم تسمع تعديته، لا يجوز أن يعدى بهذه الأسباب.
وبعضهم جعل زيادة الهمزة فى الثلاثى اللازم لقصد تعديته قياسا مطردا، كما تقدم.

وأسباب لزوم الفعل المتعدي أصالة خمسة:

الأول: التضمين، وهو أن تشرب كلمة متعدية معنى كلمة لازمة، لتصير مثلها، كقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣] ضمن يخالف معنى يخرج، فصار لازما مثله.

الثانى: تحويل الفعل المعتدي إلى فعل بضم العين، لقصد التعجب والمبالغة، نحو:

١ومنه رحبتكم الطاعة، وطلع بشر اليمن، بضم العين فيهما: أي وسعتكم الطاعة، وبلغ اليمن، وليس في اللغة العربية فعل "مضمون العين" عدي إلى المفعول بالتضمين، غير هذين الفعلين.
٢ البيت لجرير "ديوانه طبعة الصاوي ٥١٢" ورواية صدره في الديوان: "أتمضون الرسوم ولا تحيا" والرواية الأخرى صحيحة.

ضرب زيد: أي أضربه.

الثالث: صيرورته مطاوعا، ككسرته فانكسر، كما تقدم.

الرابع: ضعف العامل بتأخيره، كقوله تعالى: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [يوسف: ٤٣] .

الخامس: الضرورة، كقوله:

تبلت١ فؤادك فى المنام خريدة ... تسقي الضجيع ببارد بسام

أي تسقي٢ ريقا باردا.

١ بالمثناه الفوقية فالموحدة المفتوحة: أي أصابته بتبل، أي اسقام، ويقال اتبل بالهمزة، وخريدة: الفتاة الحيية، المعجم الوسيط.
ن. ٢ ويحتمل أنه ضمن تسقي معنى تشفي، فعدي بالباء، أو تسقي الضجيج ريقها بفم بارد ريقه فيكون المفعول محذوفا، والباء للاستعانة.
ا. هـ صبان.

التقسيم السادس للفعل: من حيث بناؤه للفاعل، أو المفعول:

ينقسم الفعل إلى مبنى للفاعل، ويسمى معلوما، وهو ما ذكر معه فاعله، نحو: حفظ محمد الدرس.
وإلى مبني للمفعول، ويسمى مجهولا، وهو ما حذف فاعله وأنيب عنه غيره، نحو: حفظ الدرس.
وفى هذه الحالة يجب أن تغير صورة الفعل عن أصلها، فإن كان ماضيا غير مبدوء بهمزة وصل ولا تاء زائدة، وليست عينه ألفا، ضم أوله وكسر ما قبل آخره ولو تقديرا، نحو: تعلم الحساب، وتقوتل مع زيد، وإن كان مبدوءا بهمزة وصل ضم الثالث مع الأول نحو: انطلق بزيد واستخرج المعدن، وإن كانت عينه ألفا قلبت ياء، وكسر أوله، بإخلاص الكسر، أو إشمامه الضم، كما فى قال وباع واختار وانقاد، تقول بيع الثوب، وقيل القول، واختير هذا وانقيد له، وبعضهم يبقي الضم، ويقلب الألف واوا كما فى قوله:

ليت وهل ينفع شيئا ليت ... ليت شبابا بوع فاشتريت

وقوله:

حوكت على نيرين إذ تحاك ... تختبط الشوك ولا تشاك

رويا بإخلاص الكسر، وبه مع إشمام الضم، وبالضم الخالص.
تنسب اللغة الأخيرة لبني فعس ودبير، وادعى بعضهم امتناعها فى انفعل وافتعل.
هذا إذا أمن اللبس.
فإن لم يؤمن، كسر أول الأجوف الواوى، إن كان مضارعه على يفعل بضم العين، كقول العبد: سمت أى سامنى المشترى، ولا تضمه، لإيهامه أنه أنه فاعل السوم، مع أن فاعله غيره وضم أول الأجوف اليائي.. إلخ، وكذا الواوى، إن كان مضارعه على يفعل، بفتح العين، نحو: بعت: أى: باعنى سيدى، ولا يكسر، لإيهامه أنه فاعل البيع، مع أن فاعله غيره وكذا خفت، بضم الخاء، أى أخافنى الغير.

وأوجب الجمهور ضم فاء الثلاثى المضعف، نحو: شد ومد، والكوفيون أجازوا

الكسر، وهى لغة بنى ضبة، وقد قرئ ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ ١، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ ٢ بالكسر فيهما وذلك بنقل حركة العين إلى الفاء، بعد توهم سلب حركتها، وجوز ابن مالك الاشمام فى المضعف أيضا حيث قال:

وما لباع قد يرى لنحو حب

وإن كان مضارعا ضم أوله، وفتح ما قبل آخره ولو تقديرا، نحو: يضرب علي، ويرد المبيع.

فإن كان ما قبل آخر المضارع مدا، كيقول ويبيع، قلب ألفا، كيقال، ويباع.

ولا يبنى الفعل اللازم للمجهول إلا مع الظرف أو المصدر المتصرفين المختصين، أو المجرور الذى لم يلزم الجار له طريقة واحدة، نحو: سير يوم الجمعة، ووقف أمام الأمير، وجلس جلوس حسن، وفرح بقدوم محمد، بخلاف اللازم حالة واحدة، نحو: عند، وإذا، وسبحان، ومعاذ.

تنبيه: ورد فى اللغة عدة أفعال على صورة المني للمجهول، منها: عني فلان بحاجتك: أى اهتم.
وزهي علينا: أى تكبر.
وفلج: أصابه الفالج وحم: استحر بدنه من الحمى.
وسل: أصابه السل.
وجن عقله: استتر وغم الهلال: احتجب.
والخبر: استعجم.
وأغمي عليه: غشي.
وشده: دهش وتحير.
وامتقع أو انتقع لونه: تغير.

وهذه الأفعال لا تنفك عن صورة المبني للمجهول، ما دامت لازمة، والوصف منها على مفعول، كما يفهم من عباراتهم، وكأنهم لا حظوا فيها وفى نظائرها أن تنطبق صورة الفعل على الوصف، فأتوا به على فعل بالضم، وجعلوا المرفوع بعده فاعلا.

ووردت أيضا عدة أفعال مبنية للمفعول فى الاستعمال الفصيح، وللفاعل نادرا أو

١ سورة يوسف آية ٦٥ يعني بكسر الراء من قوله: "ردت" وقوله: " ردوا".ن. ٢ سورة الأنعام آية ٢٨.

شذوذا، وهذه مرفوعها يكون بحسب البنية، فمن ذلك بهت الخصم وبهت، كفرح وكرم، وهزل هزلة المرض، ونخي ونخاه، من النخوة، وزكم وزكمه الله، ووعك ووعكه، وطل دمه وطله، ورهصت الدابة ورهصها الحجر، ونتجت الناقة، ونتجها أهلها.. إلى آخر ما جاء من ذلك، وعده اللغويون من باب عني.

وعلاقة هذا المبحث باللغة أكثر منها بالصرف.

التقسيم السابع للفعل: من حيث كونه مؤكدا أو غير مؤكد:

ينقسم الفعل إلى مؤكد، وغير مؤكد.

فالمؤكد: ما لحقته نون التوكيد.
ثقيلة كانت أو خفيفة، نحو: ﴿ليسجنن وليكون من الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢]

وغير المؤكد: ما لم تلحقه، نحو يسجن، ويكون.

فالماضى لا يؤكد مطلقا، وأما قوله:

دامن سعدك لو رحمت متيما ... لولاك لم يك للصبابة جانحا

فضرورة شاذة، سهلها ما فى الفعل من معنى الطلب، فعومل معاملة الأمر، كما شذ توكيد الاسم فى قول رؤبة بن العجاج:

أقائلن أحضروا الشهودا

والأمر يجوز توكيده مطلقا، نحو: اكتبن واجتهدن.

وأما المضارع فله ست حالات:

الأولى: أن يكون توكيده واجبا.
الثانية: أن يكون قريبا من الواجب.
الثالثة: أن يكون كثيرا.
الرابعة: أن يكون قليلا.
الخامسة: أن يكون أقل.
السادسة: أن يكون ممتنعا.

١ فيجب تأكيده إذا كان مثبتا، مستقبلا، فى جواب قسم، غير مفصول عن لامه بفاصل، نحو: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧] . وحينئذ يجب توكيده باللام والنون عند البصريين، وخلوه من أحدهما شاذ أو ضرورة.

٢ ويكون قريبا من الواجب إذا شرطا لإن المؤكدة بما الزائدة، نحو: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ [الأنفال: ٥٨] ﴿فإما نذهبن بك﴾ [الزخرف: ٤١]

﴿فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ [مريم: ٢٦] .

ومن ترك توكيده قوله:

يا صاح إما تجدني غير ذى جدة ... فما التخلي عن الخلان من شيمي

وهو قليل فى النثر، وقيل يختص بالضرورة.

٣ ويكون كثيرا إذا وقع بعد أداة طلب: أمر، أو نهي، أو دعاء، أو عرض، أو تمن، أو استفهام، نحو: ليقومن زيد، وقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقول خرنق هفان:

لا يبعدن١ قومى الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر

وقول الشاعر:

هلا تمنن بوعد غير مخلفة ... كما عهدتك فى أيام ذى سلم

وقوله:

فليتك يوم الملتقى ترينني ... لكي تعلمي أني امرؤ بك هائم

وقوله:

أفبعد كندة تمدحن قبيلا

٤ ويكون قليلا إذا كان بعد: لا: النافية، أو ما الفائدة، التى لم تسبق بإن الشرطية كقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥] وإنما أكد مع النافى: لأنه يشبه أداة النهى صورة، وقوله:

إذا مات منهم سيد سرق ابنه ... ومن عضة ما ينبتن شكيرها٢

١ قولها لا يبعدن: بابه فرح، أي لا يهلكن.
والعداة بضم العين: جمع عاد.
والجزر بضمتين: جمع جزور وهي الناقة ينحرها اللاعبون بالميسر ويتقاسمونها ويتقامرون عليها.
٢ مثل يضرب للفرع يشبه أصله: أي إذا مات الأب سرق الولد أبيه، فيصير كأنه هو، وقيل: يضرب بمن يظهر خلاف ما يبطن، والعضة: شجر الشوك كالطلح والعوسج.
وشكيرها: شوكها، أو ما ينبت حول الشجرة من أصلها، وقيل: صغار ورقها: أي أن ما ظهر من الصغار يدل على الكبار.

وكقول حاتم:

قليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما

وما زائدة في الجمع، وشمل الواقعة بعد رب كقول جذيمة الأبرش:

ربما أوفيت في علم ... تدفعن ثوبي شمالات

وبعضهم منعها بعدها، لمضي الفعل بعد رب معنى، وخصه بعضهم بالضرورة.

٥ ويكون قليلا إذا كان بعد لم وبعد أداة جزاء غير إما، شرطا كان المؤكد أو جزاء، كقوله وصف جبل:

يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخا على كرسيه معمما١

أى يعلمن، وكقوله:

من تثقفن منهم فليس بآنب ... أبدا وقتل بنى قتيبة شافى

وقوله: ومهما تشأ منه فزارة تمنعا٢: أى: تمنعن.

٦ ويكون ممتنعا إذا انتفت شروط الواجب، ولم يكن مما سبق، بأن كان فى جواب قسم منفى، ولو كان النافى مقدرا، نحو تالله لا يذهب العرف بين الله والناس، ونحو قوله تعالى: ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ [يوسف: ٨٥] أى: لا تفتأ.
أو كان حالا كقراءة ابن كثير: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١] وقول الشاعر:

يمينا لأبغض كل امرئ ... يزخرف قولا ولا يفعل

١ البيت: لأبي حيان الفسي.
٢ عجز بيت للكميت بن معروف.
وصدره: فمهما تشأ منه فزارة تعطكم ٣ قراءة ابن كثير برواية البزي.
ن

أو كان مفصولا من اللام، نحو: ﴿ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ [آل عمران: ١٥٨] ونحو: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥] .

حكم آخر: الفعل المؤكد بنون التوكيد

١ إذا لحقت النون الفعل، فإن كان مسندا إلى اسم ظاهر، أو إلى ضمير الواحد المذكر، فتح آخره لمباشرة النون له، ولم يحذف منه شيء، سواء كان صحيحا أو معتلا، نحو: لينصرن١ زيد، وليقضين، وليغزون، وليسعين، برد لام الفعل إلى أصلها.

٢وإن كان مسندا إلى ضمير الاثنين، لم يحذف أيضا من الفعل شيء، وحذفت نون الرفع فقط، لتوالى الأمثال، وكسرت نون التوكيد، تشبيها لها بنون الرفع، نحو: لتنصرن يا زيدان، ولتقضيان، ولتغزوان، ولتسعيان.

٣ وإن كان مسندا إلى واو الجمع، فإذا كان صحيحا حذفت نون الرفع لتوالى الأمثال، وواو الجمع، لالتقاء الساكنين، نحو: لتنصرن٢ يا قوم، وإن كان ناقصا وكانت عين الفعل مضمومة أو مكسورة، حذفت أيضا لام الفعل زيادة على ما تقدم، نحو: لتغزن ولتقضن يا قوم، بضم ما قبل النون فى الأمثلة الثلاثة، للدلالة على المحذوف، فإن كانت العين مفتوحة حذفت لام الفعل فقط، وبقى فتح ما قبلها، وحركت واو الجمع بالضمة، نحو: لتخشون ولتسعون.

وسيأتى الكلام على ذلك فى الحذف لالتقاء الساكنين، إن شاء الله تعالى.

٤ وإن كان مسندا إلى ياء المخاطبة، حذفت الياء والنون، نحو لتنصرن يا دعد، ولتغزن ولترمن، بكسر ما قبل النون، إلا إذا كان الفعل ناقصا وكانت عينه مفتوحة، فتبقى ياء المخاطبة محركة بالكسر، مع فتح ما قبلها نحو: لتسعين ولتخشين يا دعد.

١ ومنه قوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ [الحج: ٤٠] .ن ٢ نحو قوله تعالى: ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [آل عمران: ٨١]

٥ وإن كان مسندا إلى نون الإناث، زيدت ألف بينها وبين نون التوكيد وكسرت نون التوكيد، لوقوعها بعد الألف، نحو: لتنصرنان يا نسوة ولتسعينان، ولتعزونان، ولترمينان١.

والأمر مثل المضارع فى جميع ذلك، نحو: اضربن يا زيد، واغزون وارمين واسعين.
ونحو: اضربان يا زيدان وارميان واسعيان.
ونحو: اضربن يا زيدون واغزن واقضن، ونحو: اخشون واسعون..إلخ.

وتختص النون الخفيفة بأحكام أربعة:

الأول: أنها لا تقع بعد الألف الفارقة بينها وبين نون الإناث، لالتقاء الساكنين على غير حده، فلا تقول اخشينان.

الثانى: أنها لا تقع بعد ألف الاثنين، فلا تقول: لا تضربان يا زيدان، لما تقدم.

ونقل الفارسى عن يونس إجازته فيهما، ونظر له بقراءة نافع: ﴿ومحياي﴾ [١٦٢] بسكون الياء بعد الألف.

الثالث: أنها تحذف إذا وليها ساكن، كقول الأضبط بن قربع السعدي:

فصل حبال البعيد إن وصل ... الحبل واقص القريب إن قطعه

ولا تهين الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه

أى: لا تهينن.

الرابع: أنها تعطى فى الوقت حكم التنوين، فإن وقعت بعد فتحة قلبت ألفا، نحو لنسفعا، وليكونا، ونحو:

وإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا٢

١ من ذلك ما قاله أبو مهدية الأعرابي: أخسأنا يدعني.
قال الأصمعي: أظنه يعني الشياطين.
"انظر في لسان العرب.
خسأ".
٢ البيت للأعشى الأكبر ميمون بن قيس، وهو أعشى بني قيس ابن ثعلبة من بكر ابن وائل.

وإن وقعت بعد ضمة أو كسرة حذفت، ورد ما حذف فى الوصل لأجلها.
تقول فى الوصل اضربن يا قوم، واضربن يا قوم، واضربن يا هند، والأصل: اضربون واضربين، فإذا وقفت عليها حذفت النون، لشبهها بالتنوين، فترجع الواو والياء، لزوال الساكنين، فتقول: اضربوا، واضربي.

تتمة: فى حكم الأفعال عند إسنادها إلى الضمائر ونحوها

١حكم الصحيح السالم: أنه لا يدخله تغيير عند اتصال الضمائر ونحوها به، نحو كتبت وكتبوا، وكتبت.

٢وحكم المهموز: كحكم السالم، إلا أن الأمر من أخذ وأكل، تحذف همزته مطلقا، نحو: خذ وكل؛ ومن أمر وسأل فى الابتداء، نحو: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، ﴿سل بني إسرائيل﴾ [البقرة: ٢١١] . ويجوز الحذف وعدمه إذا سبقا بشيء، نحو قلت له: مر، أو اؤمر، وقلت له سل، أو اسأل.

وكذا تحذف همزة رأى، أى عين الفعل من المضارع والأمر، كيرى، وره، الأصل: يرأى، نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع ما بعدها؛ والأمر محمول على المضارع.

وتحذف همزة أرى، أى عينه أيضا فى جميع تصاريفه، نحو أرى ويري وأره.

وإذا اجتمعت همزتان في أول الكلمة وسكنت الثانية، أبدلت مدا من جنس حركة ما قبلها، كما سيأتى:

٣ حكم المضعف الثلاثى ومزيده: يجب فى ماضيه الإدغام، نحو مد واستمد، ومدوا واستمدوا، ما لم يتصل به ضمير رفع متحرك، فيجب الفك، نحو مددت، والنسوة مددن، واستمددت، والنسوة استمددن.

ويجب فى مضارعه الإدغام أيضا، نحو: يرد ويسترد، ويردون ويستردون، ما لم يكن مجزوما بالسكون، فيجوز الأمران، نحو لم يرد ولم يردد، ولم يسترد ولم يستردد،

وما لم تتصل به نون النسوة، فيجب الفك، نحو يردد ويسترددن.
بخلاف ما إذا كان مجزوما بغير السكون، فإنه كغير المجزوم، تقول لم يردوا ولم يستردوا.

والأمر كالمضارع المجزوم فى جميع ذلك نحو: رد يا زيد واردد، واسترد واستردد، وارددن يا نسوة، وردوا، واستردوا.

٤ حكم المثال: قد تقدم أنه إما يائى الفاء، أو واويها.

فاليائي لا يحذف منه المضارع شيء، إلا لفظين حكاهما سيبويه، وهما يسر البعير يسر، كوعد يعد، من اليسر كالضرب: أى اللين والانقياد، ويئس فى لغة.

والواوى تحذف فاؤه من المضارع، إذا كان على وزن يفعل بكسر العين، وكذا من الأمر، لأنه فرعه، نحو: وعد يعد عد، ووزن يزن زن.
وأما إذا كان يائيا كينع يينع، أو كان واويا، وكان مضارعه على وزن يفعل بضم العين، نحو: وجه يوجه، أو على وزن يفعل بفتحها نحو: وجل يوجل، فلا يحذف منه شيء وسمع يا جل ويبجل.
وشذ يدع، ويزع، ويذر، ويضع ويقع ويلع ويلغ ويهب بفتح عينها، وقيل: لا شذوذ إذ أصلها على وزن يفعل بكسر العين، وإنما فتحت لمناسبة حرف الحلق، وحمل يذر على يدع.

أما الحذف فى يطأ ويسع فشاذ اتفاقا، إذا ماضيها مكسور العين، والقياس فى عين مضارعه الفتح.

وأما مصدر نحو: وعد ووزن، فيجوز فيه الحذف وعدمه، فتقول: وعد يعد عدة ووعدا، ووزن يزن زنة ووزنا، وإذا حذفت الواو من المصدر عوضت عنها تاء فى آخره، كما رأيت، وقد تحذف شذوذا كقوله:

إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عن الأمر الذى وعدوا

وشذ حذف الفاء فى نحو رقة: للفضة، وحشة بالمهملة للأرض الموحشة.
وجهة للمكان المتجه إليه، لانتفاء المصدرية عنها.

٥ حكم الأجوف الأجوف: إن أعلت عينه، وتحركت لامه، ثبتت العين.

وإن سكنت بالجزم، نحو: لم يقل، أو بالبناء فى الأمر، نحو: قل، أو لاتصاله بضمير رفع متحرك، حذفت عينه، وذلك فى الماضى، بعد تحويل فعل بفتح العين إلى فعل بضمها إن كان أصل العين واوا كقال، وإلى فعل بالكسر إن كان أصلها ياء كباع، وتنقل حركة العين إلى الفاء فيهما، لتكون حركة الفاء دالة على أن العين واو فى الأول، وياء فى الثانى، تقول قلت وبعت، بالضم فى الأول، والكسر فى الثانى.
بخلاف مضموم العين ومكسورها، كطال وخاف، فلا تحويل فيهما، وإنما تنقل حركة العين إلى الفاء، للدلالة على البنية، تقول: طلت وخفت، بالضم فى الأول، والكسر فى الثانى.

هذا فى المجرد، والمزيد مثله فى حذف عينه إن سكت لامه، وأعلت عينه بالقلب، كأقمت واستقمت، واخترت وانقدت.
وإن لم تعل العين لم تحذف، كقاومت، وقومت.

٦ حكم الناقص، إذا كان الفعل الناقص ماضيا، وأسند لواو الجماعة، حذف منه حرف العلة، وبقى فتح ما قبله إن كان المحذوف ألفا، ويضم إن كان واوا أو ياء، فتقول فى نحو: سعى سعوا١، وفى سرو ورضي سروا ورضوا٢.
وإذا أسند لغير الواو من الضمائر البارزة، لم يحذف حرف العلة، بل يبقى على أصله، وتقلب الألف واوا أو ياء تبعا لأصلها، إن كانت ثالثة، فتقول فى نحو سرو سرونا.
وفى رضي رضينا، وفى غزا ورمى غزونا ورمينا، وغزوا ورميا: فإن زادت على ثلاثة قلبت ياء مطلقا، نحو: أعطيت واستعطيت، وإذا لحقت تاء التأنيث ما آخره ألف حذفت مطلقا، نحو: رمت، وأعطت، واستطعت، بخلاف ما آخره واو أو ياء، فلا يحذف منه شيء.

وأما إذا كان مضارعا، وأسند لواو الجماعة أو ياء المخاطبة، فيحذف حرف العلة، ويفتح ما قبله إن كان المحذوف ألفا، كما فى الماضى، ويؤتى بحركة مجانسة لواو الجماعة، أو ياء المخاطبة، إن كان المحذوف واوا أو ياء، فتقول فى نحو يسعى: الرجال

١ كقوله تعالى: ﴿والذين سعوا في آياتنا﴾ [سبأ: ٥] .ن ٢ كقوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ [التوبة: ٨٧-٩٣]

يسعون١، وتسعين يا هند، وفى نحو: يغزو ويرمى: الرجال يغزون ويرمون، وتغزين وترمين يا هند.

وإذا أسند لنون النسوة لم يحذف حرف العلة، بل يبقى على أصله، غير أن الألف تقلب ياء، فتقول فى نحو: يغزو ويرمى: النساء يغزون ويرمين، وفى نحو يسعى: النساء يسعين.

وإذا أسند لنون النسوة لم يحذف منه شيء أيضا، وتقلب ياء، نحو: الزيدان يغزوان ويرميان ويسعيان.

والأمر كالمضارع المجزوم، فتقول، اغز، وارم، واسع، واغزوا، وارميا، واسعيا، واغزوا، وارموا، واسعوا٢.

٧ حكم اللفيف: إن كان مفروقا، فحكم فائه مطلقا حكم فاء المثال وحكم لامه حكم لام الناقص، كوقى تقول: وقى يقي قه؛ وإن كان مقرونا، فحكمه حكم الناقص، كطوى يطوي اطو.. إلى آخره.

تنبيه - يتصرف الماضى باعتبار اتصال ضمير الرفع به إلى ثلاثة عشر وجها: اثنان للمتكلم نحو: نصرت، نصرنا.
وخمسة للنخاطب نحو: نصرت، نصرتا، نصرن.
وكذا المضارع، نحو: أنصر، ننصر تنصر يا زيد، تنصران يا زيدان، أو يا هندان، تنصرون، تنصرين، تنصرن، ينصر، ينصرون.
هند تنصر، الهندان تنصران، النسوة ينصرن.
ومثله المبنى للمجهول.

ويتصرف الأمر إلى خمسة: انصر، انصرا، انصروا، انصري، انصرن.

١ كقوله تعالى: ﴿والذين يسعون في آياتنا معاجزين﴾ [سبأ: ٣٨] .ن. ٢ كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] .ن.

فصول الكتاب · 6 فصل · 170 صفحة
جارٍ التحميل