أهل الأثرالأرشيف العلمي

ذكر الحث على لزوم الصدق ومجانبة الكذب

أخبرني أحمد بن محمد بن حبيب الجنيدي قال حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا محاسن بن المودع حدثنا الأعمش عن أبي سفيان قال قال عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا

قال أبو حاتم رضي الله عنه إن الله جل وعلا فضل اللسان على سائر الجوارح ورفع درجته وأبان فضيلته بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده فلا يجب للعاقل أن يعود آلة خلقها الله للنطق بتوحيده بالكذب بل يجب عليه المداومة برعايته بلزوم الصدق وما يعود عليه نفعه في داريه لأن اللسان يقتضي ما عود إن صدقا فصدقا وإن كذبا فكذبا

ولقد أحسن الذي يقول ... عود لسانك قول الخير تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد

موكل بتقاضي ما سننت له ... فاختر لنفسك وانظر كيف ترتاد ...

أخبرنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا الفضل بن العباس البغدادي حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الهيثم بن عمران قال سمعت إسماعيل بن عبيد الله يقول كان عبد الملك بن مراون يأمرني أن أجنب بنيه السمن وكان يأمرني أن لا أطعم طعاما حتى يخرجوا إلى البراز وكان يقول علم بني الصدق كما تعلمهم القرآن وجنبهم الكذب وإن فيه كذا وكذا يعني القتل

وأنشدني الأبرش

.. الكذب مرديك وإن لم تخف ... والصدق منجيك على كل حال

فانطق بما شئت تجد غبه ... لم تبتخس وزنة مثقال ...

أخبرنا أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سليم ابن حيان عن قتادة عن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن عمر بن الخطاب قال إن أبا بكر قام فينا عام أول فقال إنه لم يقسم بين الناس شيء أفضل من المعافاة بعد اليقين ألا إن الصدق والبر في الجنة ألا وإن الكذب والفجور في النار

أخبرنا أبو خليفة حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا عكرمة بن عمار حدثني طيسلة بن علي البهدلي قال كنت مع ابن عمر يوما في أصول الأراك يوم عرفة وبين يديه رجل من أهل العراق فقال له الرجل يا ابن المنافق قال المنافق ويحك الذي إذا حدث كذب وإذا وعد لم ينجز وإذا اؤتمن لم يؤد

سمعت أحمد بن محمد بن الأزهر يقول سمعت محمد بن خلف بن أبي الأزهر يقول سمعت الفضيل بن عياض يقول ما من مصغة أحب إلى الله من لسان صدوق وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب

قال أبو حاتم رضي الله عنه كل شيء يستعار ليتجمل به سهل وجوده خلا اللسان فإنه لا ينبىء إلا عما عود والصدق ينجي والكذب يردي ومن غلب لسانه أمره قومه ومن أكثر الكذب لم يترك لنفسه شيئا يصدق به ولا يكذب إلا من هانت عليه نفسه

حدثنا أحمد بن محمد بن زنجوية حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا أنس بن عياض عن صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي قال إنما يكذب الكاذب من مهانة نفسه وأنشدني الكريزي ... كذبت ومن يكذب فإن جزاءه ... إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدقا

إذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل ... لدى الناس كذابا وإن كان صادقا

ومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتلقاه إذا فقه إذا كان حاذقا ...

قال أبو حاتم لو لم يكن للكذب من الشين إلا إنزاله صاحبه بحيث إن صدق لم يصدق لكان الواجب على الخلق كافة لزوم التثبت بالصدق الدائم وإن من آفة الكذب أن يكون صاحبه نسيا فإذا كان كذلك كان كالمنادى على نفسه بالخزي في كل لحظة وطرفة

سمعت أحمد بن محمد بن الأزهر يقول سمعت نصر بن علي الجهضمي يقول إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... إذا ما المرء أخطأه ثلاث ... فبعه ولو بكف من رماد

سلامة صدره والصدق منه ... وكتمان السرائر في الفؤاد ...

أنبأنا بكر بن أحمد الطاحي بالبصرة حدثنا إبراهيم بن عزرة حدثنا سفيان ابن عيينة عن معمر قال الزهري لو رأيت طاووسا لعلمت أنه لا يكذب

قال أبو حاتم رضي الله عنه اللسان سبع عقور إن ضبطه صاحبه سلم وإن خلى عنه عقره وبفمه يفتضح الكذوب فالعاقل لايشتغل بالخوض فيما لا يعلم فيتهم فيما يعلم لأن رأس الذنوب الكذب وهو يبدي الفضائح ويكتم المحاسن ولا يجب على المرء إذا سمع شيئا يعيبه أن يحدث به لأن من حدث عن كل شيء أزرى برأيه وأفسد صدقه

وقد أنبأنا أبو خليفة حدثنا ابن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الأحوص عن عبد الله قال حسب المؤمن من الكذب أن يحدث بكل ما سمع

أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى أنبأنا عبد الله أنبأنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد قال قال عيسى بن مريم عليه السلام

طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... وإذا الأمور تزاوجت ... فالصدق أكرمها نتاجا ...

.. الصدق يعقد فوق رأس ... حليفه بالصدق تاجا

والصدق يقدح زنده ... في كل ناحية سراجا ...

أنبأنا القطان بالرقة حدثنا نوح بن حبيب حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور عن ربعي قالوا من ذكرت يا أبا سفيان قال ذكرت ربعيا وتدرون من كان ربعي كان رجلا من أشجع زعم قومه أنه لم يكذب قط فسعى به ساع إلى الحجاج فقال هاهنا رجل من أشجع زعم قومه أنه لم يكذب قط وأنه يكذب لك اليوم فإنك ضربت على ابنيه البعث فعصيا وهما في البيت وكان عقوبة الحجاج للعاصي ضرب السيف قال فدعاه فإذا شيخ منحن فقال له أنت ربعي قال نعم قال ما فعل ابناك قال ها هما ذان في البيت قال فحمله وكساه وأوصى به خيرا

أنبأنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي عن أبيه قال كان عمر بن الخطاب بمنى فعطش فانتهى الى بحور فاستسقاها ماء فقالت ما عندنا فقال لبنا فقالت ما عندنا فبدرت جارية فقالت لها تكذبين وما تستحين ثم قالت لعمر هذا السقاء فيه لبن فسأل عمر عن الجارية فإذا أبوها ثقفي فخطبها على عاصم بن عمر فزوجها منه فولد له منها أم عاصم فتزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز بن مروان رحمة الله عليه

قال أبو حاتم رضي الله عنه الصدق يرفع المرء في الدارين كما أن الكذب يهوي به في الحالين ولو لم يكن الصدق خصلة تحمد إلا أن المرء إذا عرف به قبل كذبه وصار صدقا عند من يسمعه لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب والعي في بعض الأوقات خير من النطق لأن كل كلام أخطأ صاحبه موضعه فالعي خير منه

أنشدني المنتصر بن بلال ... تحدث بصدق إن تحدثت وليكن ... لكل حديث من حديثك حين

فما القول إلا كالثياب فبعضها ... عليك وبعض في التخوت مصون ...

وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... كم من حسيب كريم كان ذا شرف ... قد شانه الكذب وسط الحي إن عمدا

وآخر كان صعلوكا فشرفه ... صدق الحديث وقول جانب الفندا

فصار هذا شريفا فوق صاحبه ... وصار هذا وضيعا تحته أبدا ...

أنبأنا أبو خليفة حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن ميمون بن أبى شبيب قال قال عمر لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المرء وهو محق ويدع الكذب في المزاح وهو يرى أنه لو شاء لغلب

أنبأنا ابن سعيد القزاز حدثني يوسف بن سعيد بن مسلم حدثنا علي بن بكار عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال عن عبد الله بن عمرو قال ذر ما لست منه في شيء ولا تنطق فيما لا يعنيك واخزن لسانك كما تخزن دراهمك

وأنشدني محمد بن المنذر بن سعيد الهروي ... القول كاللبن المحلوب ليس له ... رد وكيف يرد الحالب اللبن

في ضرعه وكذاك القول ليس له ... في الجوف رد قبيحا كان أو حسنا ...

قال أبو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل ترك الإغضاء عن تعهد اللسان لأن من كثر كلامه كثر سقطه والسقط ربما تعدى غيره فيهلكه

في ورطة لا حيلة له في التخلص منها لأن اللسان لا يندمل جرحه ولا يلتئم ما قطع به وكلم القول إذا وصل إلى القلب لم ينزع إلا بعد مدة طويلة ولم يستخرج إلا بعد حيلة شديدة ومن الناس من لا يكرم إلا للسانه ولا يهان إلا به فالواجب على العاقل أن لا يكون ممن يهان به

أنبأنا عبد الله بن محمد الأنماطي الهمداني حدثنا محمد بن عمير حدثنا عبد الله بن الحسين العقيلي حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا شبيب بن شبة قال سمعت ابن سيرين يقول الكلام أوسع من أن يكذب فيه ظريف

فصول الكتاب · 56 فصل · 289 صفحة
الانتقال إلى صفحة
روضة العقلاء ونزهة الفضلاء
تأليف ابن حبان
تقدّمك في الكتاب: ذكر الحث على لزوم الصدق ومجانبة الكذب — 7 من 56
فصول روضة العقلاء ونزهة الفضلاء · 289 صفحة
مقدمة الكتاببسم الله الرحمن الرحيمذكر الحث على لزوم العقل وصفة العاقل اللبيبذكر إصلاح السرائر للزوم تقوى اللهذكر الحث على لزوم العلم والمداومة على طلبهذكر الحث على لزوم الصمت وحفظ اللسانذكر الحث على لزوم الصدق ومجانبة الكذبذكر الحث على لزوم الحياء وترك القحةذكر الحث على لزوم التواضع ومجانبة الكبرذكر استحباب التحبب إلى الناس من غير مقارفة المأثمذكر استعمال لزوم المداراة وترك المداهنة مع الناسذكر استحباب إفشاء السلام وإظهار البشر والتبسمذكر ما أبيح من المزاح للمرء وما كره له منهذكر استحباب الاعتزال من الناس عاماذكر استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاصذكر كراهية المعاداة للناسذكر الحث على صحبة الأخيار والزجر عن عشرة الأشرارذكر كراهية التلون في الوداد بين المتآخينذكر ائتلاف الناس واختلافهمفقلت ليس هذا ذاك الغراب فقالت والله ما نراك تأخذ البريء بالسقيم حتى تظفر بذلك الغرابذكر الحث على زيارة الإخوان وإكرامهمذكر صفة الإحمق والجاهلذكر الزجر عن التجسس وسوء الظنذكر الحث على مجانبة الحرص للعاقلذكر الزجر عن التحاسد والبغضاءذكر الحث على مجانبة الغضب وكراهية العجلةذكر الزجر عن الطمع إلى الناسذكر الحث على لزوم القناعةذكر الحث على لزوم التوكل على من ضمن الأرزاقذكر الحث على لزوم الرضا بالشدائد والصبر عليهاذكر الحث على العفو عن الجانيفقالا والله يا أبا عمرو لا نقع فيك بعد اليومذكر صفة الكريم واللئيمذكر الزجر عن قبول قول الوشاةفقال علي بابن الزبير فقال أليس هذا لك فيما زعمت قال أنا ألفت المعنى وهو ألف القوافي وهو بعد ظئري ومهما قال من شيء فأنا قلته فضحك معاوية وكان معن بن أوس مسترضعا في مزينةذكر استحباب قبول الاعتذار من المعتذرذكر الحث على لزوم كتمان السرذكر الحث على لزوم النصيحة للمسلمين كافةوصية الخطاب بن المعلى المخزومي ابنهذكر الزجر عن تهاجر المسلمين كافةذكر الحث على لزوم الرفق في أمور وكراهية العجلة فيهاذكر الحث على تعلم الأدب ولزوم الفصاحةذكر إباحة جمع المال للقائم بحقوقهذكر الحث على إقامة المروءاتوأنشدني الأبرش ... فإن قلت لي آباء صدق ومنصب ... كريم وإخوان مضت وجدود صدقت ولكن أنت هدمت ما بنوا ... بكفك عمدا والبناء جديدأنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري حدثنا أزهر عن ابن عون عن ابن سيرين قال ثلاثة ليست من المروءة الأكل في الأسواق والادهان عند العطار والنظر في مرآة الحجامباب الحث على لزوم السخاء ومجانبة البخلفقال يحيى للمترجم ما يقول قال يقول ... إذا المكارم في آفاقنا ذكرت ... فإنما بك فيها يضرب المثلذكر الزجر عن ترك قبول الهدايا من الإخوانذكر استحباب التفريج عن الناس بقضاء الحوائجوأنشدني عبد العزيز بن سليمان ... يبقى الثناء وتنفذ الأموال ... ولكل دهر دولة ورجال ما نال محمدة الرجال وشكرهم ... إلا الصبور عليهم المفضالذكر الحث على إعطاء السؤال وطلب المعاليذكر الحث على الضيافة وإطعام الطعامذكر الحث على المجازاة على الصنائعذكر الحث على سياسة الرياسة ورعاية الرعيةذكر الحث على لزوم ذكر الموت وتقديم الطاعات
جارٍ التحميل