ذكر استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاص
أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل حدثنا قطن بن نسير حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس قال آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين سلمان وأبي الدرداء وآخى بين عوف بن مالك وبين الصعب بن جثامة
قال أبو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن لا يغفل عن مؤاخاة الإخوان وإعداده إياهم للنوائب والحدثان لأن من تعزى عن موضع سلوته
بأخيه عند الهموم والغموم كان عقله إلى التقديح أقرب ومن النماء أنقص
ولقد أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا الفضل بن عبد الصمد الأصبهاني حدثنا يزيد بن خالد الرملي حدثنا سهيل أبو عمرو قال قال محمد بن واسع لم يبق من العيش إلا ثلاث الصلاة في الجماعة ترزق فضلها وتكفي سهوها وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس عليك فيه منة ولا لله عليك فيه تبعة وأخ محسن العشرة زغت قومك
أنبأنا عبد الرحمن بن عبد المحسن بجرجان حدثنا محمد بن عبد الله القصار أنبأنا عبد الرزاق عن ابن المقفع قال ثلاث من اللذات محادثة الإخوان وأكل القديد وحك الجرب
أنبأنا محمد بن أبي علي حدثنا محمد بن هريم الشيباني أنشدنا محمد بن عمران الضيى ... وما المرء إلا بإخوانه ... كما نقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم ...
قال أبو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن لا يعد في الأدواء إخاء من لم يواته الضراء ولم يشاركه في السراء ورب أخي إخاء خير من أخي ولادة ومن أتم حفاظ الأخوة تفقد الرجل أمور من يوده
والود الصحيح هو الذي لا يميل إلى نفع ولا يفسده منع والمودة أمن كما أن البغضاء خوف
والعاقل لا يواخي إلا من خالفه على الهوى وأعانه على الرأي ووافق سره علانيته لأن خير الإخوان من لم يناقش كما أن خير الثناء ما كان على أفواه الأخيار والمستوخم لا يؤلف كما أن غير الثقة لا يود فمتى ما آخى المرء من لم يصافه بالوفاء يجب الاستظهار عليه بمن يسليه عنه لأن التودد ممن لا يود يعد ملقا ولا يفوت الإنسان في الأخوة أحد رجلين إما أريب قصر في حقوقه فاغتاله بمكر وإما جاهل لم يصافه فيؤذيه بسوء معاشرته وصيانة الأخوة ليست إلا في الاستغناء عن الإخوان
ولقد أحسن العباس بن عبيد بن يعيش حيث يقول ... كم من أخ لك لم يلده أبوكا ... وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا
صاف الكرام إذا أردت إخاءهم ... وأعلم بأن أخا الحفاظ أخوكا
كم إخوة لك لم يلدك أبوهم ... وكأنما آباءهم ولدوكا
لو كنت تحملهم على مكروهة ... تخشى الحتوف بها لما خذلوكا
وأقارب لو أبصروك معلقا ... بنياط قلبك ثم ما نصروكا
الناس ما استغنيت كنت أخالهم ... وإذا افتقرت إليهم فضحوكا ...
أخبرنا القطان بالرقة حدثنا أحمد بن إسماعيل السني حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال دخلت على قتادة وأنا ظمآن وفي الحجرة حب ماء فقلت أشرب من مائكم هذا قال أنت لنا صديق
قال أحمد قال عبد الرزاق يتأول القرآن (أو صديقكم) يقول لا يستأذن
أنبأنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا علان بن المغيرة البصري حدثنا عمرو
الناقد حدثنا ابن عيينة عن أيوب السختياني أنه قال يزيدني حرصا على الحج لقاء إخوان لي لا ألقاهم بغير الموسم
قال أبو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن يعلم أن الغرض من المؤاخاة ليس الاجتماع والمؤاكلة والمشاربة والسراق يداخلون الرجال على التقارف ولا يزدادون بذلك مودة ولكن من أسباب المؤاخاة التي يجب على المرء لزومها مشي القصد وخفض الصوت وقلة الإعجاب ولزوم التواضع وترك الخلاف
ولا يجب للمرء أن يكثر على إخوانه المؤونات فيبرمهم لأن المرضع إذا كثر مصه ربما ضجرت أمه فتلقيه
ولا ينبغي لمن قدر أن يمنع أخاه شيئا يحتاج إليه ليجبر به مصيبته أو يفرج به كربته والعاقل لا يؤاخي لئيما لأن اللئيم كالحية الصماء لا يوجد عندها إلا اللدغ والسم ولا يصل اللئيم ولا يؤاخي إلا عن رغبة أو رهبة والكريم يود الكريم على لقية واحدة ولو لم يلتقيا بعدها أبدا
ولقد أخبرنا محمد بن المنذر حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس حدثنا إسماعيل
ابن محمود عن ابن المبارك عن سفيان عن يونس بن عبيد أنه أصيب بمصيبة فقيل له ابن عوف لم يأتك فقال إنا إذا وثقنا بمودة أخينا لم يضره أن لا يأتينا
قال أبو حاتم رضي الله عنه العاقل يتفقد ترك الجفاء مع الإخوان ويراعي محوها إن بدت منه ولا يجب أن يستضعف الجفوة اليسيرة لأن من استصغر الصغير يوشك أن يجمع إليه صغيرا فإذا الصغير كبير بل يبلغ مجهوده في محوها لأنه لا خير في الصدق إلا مع الوفاء كما لا خير في الفقه إلا مع الورع وإن من أخرق الخرق التماس المرء الإخوان بغير وفاء وطلب الأجر بالرياء ولا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له وصنيعة تصطنع عند من لا يشكرها وأنشدني الخلادي قال أنشدني محمد بن محمد البكري ... أحذر مودة ماذق ... خلط المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوه ...
وأنشدني محمد بن إبراهيم البصري بصور لنفسه ... لا يغرنك صديق أبدا ... لك في المنظر حتى تخبره
كم صديق كنت منه في عمى ... غرني منه زمانا منظره
كان يلقاني بوجه طلق ... وكلام كاللآلي ينثره
فإذا فتشته عن غيبه ... لم أجد ذاك لود يضمره
فدع الإخوان إلا كل من ... يضمر الود كما قد يظهره
فإذا فزت بمن يجمع ذا ... فاجعلنه لك ذخرا تذخره ...
أنبأنا القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا إبراهيم بن موسى المكي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال وضع عمر بن الخطاب
رضي الله عنه للناس ثمانية عشر كلمة كلها حكم قال ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه وعليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق ولا تعرض لما لا يعنيك ولا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغلا عما لم يكن ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يحب لك نجاحها ولا تصحبن الفاجر فتعلم فجوره واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله وتخشع عند القول وذل عند الطاعة واعتصم عند المعصية واستشر في أمرك الذين يخشون الله فإن الله يقول (٣٥ ٣٨) ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
قال أبو حاتم رضي الله عنه العاقل لا يواخي إلا ذا فضل في الرأي والدين والعلم والأخلاق الحسنة ذا عقل نشأ مع الصالحين لأن صحبة بليد نشأ مع العقلاء خير من صحبة لبيب نشأ مع الجهال
ورأس المودة الاسترسال وآفتها الملالة ومن أضاع تعهد الود من إخوانه حرم ثمرة إخائهم وآيس الإخوان من نفسه ومن ترك الإخوان مخافة تعاهد الود بوشك أن يبقى بغير أخ كما أن من ترك نزع الماء إشفاقا على رشائه يوشك أن يموت عطشا
والعاقل يستخبر أمور إخوانه قبل أن يؤاخيهم ومن أصح الخبرة للمرء
وجود حالته بعد هيجان الغضب
أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري حدثنا الغلابي حدثنا عبد الله بن الضحاك الهدادي حدثنا هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم قال قال لقمان لابنه يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فدعه
أنبأنا محمد بن صالح الطبري حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا داود بن يحيى ابن اليمان عن أبيه عن سفيان قال اصحب من شئت ثم أغضبه ثم دس إليه من يسأله عنك
قال أبو حاتم رضي الله عنه من لم ينصفك عند غضبه لم تودك أيامه وليس الصديق كالمرأة يطلقها المرء إذا شاء والجارية يبيعها متى أحب لكنه عرضه ومروءته فالتثبت والاتئاد أولى به من التهاجر والانقطاع ومن غاب عنه أخوه فلا يغب عما يجب له عليه وليكثر منهم عدة للشدائد لأن
الشعر مع دقته إذا جمع عمل منه الحبل الغليظ الذي يقهر الفيل المغتلم ولا يصلح أن يكون رفيقا من لم يزدرد ريقا
وأنشدني الخلادي قال أنشدني محمد بن محمد البكري لصالح بن عبد القدوس ... إذا كان ود المرء ليس بزائد ... على مرحبا أو كيف أنت وحالكا
أو القول إني وامق لك حافظ ... وأفعاله تبدي لنا غير ذلكا
ولم يك إلا كاشرا أو محدثا ... فأف لود ليس إلا كذلكا
ولكن إخاء المرء من كان دائما ... لذي الود منه حيثما كان سالكا ...
أخبرنا أبو يعلى حدثنا علي بن الجعد حدثنا سفيان الثوري عن شعبة قال خرج عبد الله بن مسعود على أصحابه فقال أنتم جلاء حزني
أخبرني محمد بن سعيد القزاز حدثنا هلال بن العلاء حدثنا إسحاق بن الضيف عن شيبة بن أبي مسهر عن الحكم بن هشام قال خالد بن صفوان لم يبق من لذات الدينا إلا ثلاث مجالسة النسوان وشم الولدان ولقي الإخوان
حدثنا محمد بن المنذر حدثنا مسعدة بن حازم المصري حدثنا خالي هارون ابن سعيد حدثنا خالد بن بزار حدثنا سفيان عن موسى بن عقبة قال إن كنت لألقى الأخ من إخواني فأكون بلقيه عاقلا أياما
قال أبو حاتم رضي الله عنه قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات في كتاب مراعاة العشرة فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب فالواجب على العاقل أن يعلم أنه ليس من السرور شيء يعدل صحبة الإخوان ولا غم يعدل غم فقدهم ثم يتنوقى جهده مفاسدة من صافاه
ولا يسترسل إليه فيما يشينه وخير الإخوان من إذا عظمته صانك ولا يعيب أخاه على الزلة فإنه شريكه في الطبيعة بل يصفح ويتنكب محاسدة الإخوان لأن الحسد للصديق من سقم المودة كما أن الجود بالمودة أعظم البذل لأنه لا يظهر ود صحيح من قلب سقيم وليحذر المرء في إخائه ألم التثقيل على أخيه لأن من ثقل على صديقه خف على عدوه وإن من أعظم المعونة على تسلية الهم الرضا بالقضاء ولقي الإخوان
أنبأنا محمد بن هلال العقبي حدثني يونس بن إبراهيم العزي حدثنا إبراهيم ابن عبد الله العدني عن سفيان أنه قيل له ما ماء العيش قال لقاء الإخوان
حدثنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا المسيب بن واضح عن ابن المبارك قال قال سفيان لربما لقيت الأخ من إخواني فأقيم شهرا عاقلا بلقائه
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... ستكثرن من الإخوان إنهم ... خير لكانزهم كنزا من الذهب
كم من أخ لك لو نابتك نائبة ... وجدته لك خيرا من أخي النسب ...
وأنشدني الكريزي ... من خير ما حزته ود لذي كرم ... يجزيك ما عشت بالإحسان إحسانا
تلقى بشاشته في قربه وإذا ... أنال نالك منه البر ما كانا ...
أنبأنا القطان حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان يقول كنت أنظر إلى أخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهرا
حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مسلم بن عبيد أبو فراس قال قال ربيعة المروءة مروءتان فللسفر مروءة وللحضر مروءة فأما مروءة السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على أصحابك وكثرة المزاح في
غير مساخط الله وأما مروءة الحضر فالإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في الله وتلاوة القرآن