ذكر صفة الإحمق والجاهل
أنبأنا محمد بن نصر بن نوفل أنبأنا أبو داود السنجي حدثنا أبو عاصم عن شبيل بن عزرة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم يعطك شيئا يصبك من عطره ومثل الجليس السوء مثل القين إن لم يحرق ثوبك أصابك من دخانه
قال أبو حاتم رضي الله عنه شبيل بن عزرة هذا من أفاضل أهل البصرة وقرائهم ولكنه لم يحفظ إسناد هذا الخبر لأن أنس بن مالك سمع هذا الخبر من أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقصر به شبيل ولم يحفظه
والواجب على العاقل ترك صحبة الأحمق ومجانبة معاشرة النؤلى كما يجب عليه لزوم صحبة العاقل الأريب وعشرة الفطن اللبيب لأن العاقل وإن لم يصبك الحظ من عقله أصابك من الاعتبار به والأحمق إن لم يعدك حمقه تدنست بعشرته
وقد أنبأنا الحسين بن محمد السنجي حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرسلي حدثنا زهير بن عباد حدثنا شهاب بن خراش عن أبيه عن يسير بن عمرو وكان قد أدرك الصحابة قال اهجر الأحمق فليس للأحمق خير من هجرانه
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا أحمد ابن إسحاق الخشاب عن الأصمعي عن سلمة بن بلال قال كان فتى يعجب على ابن أبي طالب فرآه يوما وهو يماشي رجلا متهما فقال له ... لا تصحب الجاهل ... إياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه ...
.. وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه ...
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... اختر ذوي التمييز واستبقهم ... وجانب النوكي وأهل الريب
فصحبة العاقل زين الفتى ... وصحبة الأنوك أخذ السبب ...
قال أبو حاتم رضي الله عنه من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفى عليه أمره سرعة الجواب وترك التثبت والإفراط في الضحك وكثرة الالتفات والوقيعة في الأخيار والاختلاط بالأشرار
والأحمق إذا أعرضت عنه اغتم وإن أقبلت عليه اغتر وإن حلمت عنه جهل عليك وإن جهلت عليه حلم عنك وإن أسأت إليه أحسن إليك وإن أحسنت إليه أساء إليك وإذا ظلمته انتصفت منه ويظلمك إذا أنصفته وما أشبه عشرة الحمقى إلا بما أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... لي صديق يرى حقوقي عليه ... نافلات وحقه كان فرضا
لو قطعت الجبال طولا إليه ... ثم من بعد طولها سرت عرضا
لرأى ما صنعت غير كبير ... واشتهى ... واشتهى أن أزيد في الأرض أرضا ...
حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال قال لي أبو طاهر ابن السرح قال حدثني خالي أبو رجاء عبد الرحمن بن عبد الحميد عن سعيد ابن أبي أيوب قال لا تصاحب صاحب السوء فإنه قطعة من النار لا يستقيم وده ولا يفي بعهده
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... لن يسمع الأحمق من واعظ ... في رفعه الصوت وفي همه
لن تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
والحمق داء ماله حيلة ... ترجى كبعد النجم في لمسه ...
قال أبو حاتم رضي الله عنه أظلم الظلمات الحمق كما أن أنفذ البصائر العقل فإذا امتحن المرء بعشرة الأحمق كان الواجب عليه اللزوم لأخلاق نفسه والمباينة لأخلاقه مع الإكثار من الحمد لله على ما وهب له من الانتباه لما حرم غيره التوفيق له فإن جرى الأحمق في صحبته ميدانه في عشرته فالواجب على العاقل لزوم السكوت حينئذ في أوقاته لأن أبا حمزة محمد بن عمر بن يوسف أنبأنا بنسا حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا ابن داود قال سمعت الأعمش يقول السكوت للأحمق جواب
قال أبو حاتم رضي الله عنه وإن من الحمقى من لا يصده عن سلوكه السكوت عنه ولا يدفعه عن دخول المكامن الإغضاء عنه ولا ينفعه
فالعاقل إذا امتحن بعشرة من هذا نعته تكلف بعض التجاهل في الأحايين لأن بعض الحلم إذعان كما أن استعماله في بعض الحالات قطب العقل
ولقد أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خدنا ولا أخا ... ولكنني أرضى به حين أحرج
فإن قال بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا والذل بالحر أسمج ...
وأنشدني علي بن محمد البسامي
.. لن ترضى الرذل إلا حين تسخطه ... وليس يسخط إلا حين ترضيه
ولا يسوءك إلا حين تكرمه ... ولا يسرك إلا حين تقصيه ...
حدثنا أبو يعلى حدثنا سريج بن يونس حدثنا أبو سيفان المعمري عن سفيان الثوري قال ابن آدم لم يخلق إلا أحمق ولولا ذلك لم ينفعه عيشه
حدثنا محمد بن سعيد القزاز حدثنا عصام بن الفضل الرازي حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن حرب قال قال عبد الله بن حسن لابنه يا بني احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوا فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل
قال أبو حاتم رضي الله عنه ومن شيم الأحمق العجلة والخفة والعجز والفجور والجهل والمقت والوهن والمهابة والتعرض والتحاسد والظلم والخيانة والغفلة والسهو والغي والفحش والفخر والخيلاء والعدوان والبغضاء
وإن من أعظم أمارات الحمق في الأحمق لسانه فإنه يكون قلبه في طرف لسانه ما خطر على قلبه نطق به لسانه
والأحمق يتكلم في ساعة بكلام يعجز عنه سحبان وائل ويتكلم في الساعة الأخرى بكلام لا يعجز عنه باقل
والعاقل يجب عليه مجانبة من هذا نعته ومخالطة من هذه صفته فإنهم يجترئون على من عاشرهم ألا ترى الزط ليسوا هم بأشجع الناس ولكنهم يجترئون على الأسد لكثرة ما يرونها
وأنشدني محمد بن يوسف بن أيوب الأرمني ... ولمن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق
فارغب بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدق ...
وأنشدني منصور بن محمد الكريزي أنشدني أبي لصالح بن عبد القدوس ... احذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعته من جانب ... حركته الريح وهنا فانخرق
أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يلتصق
كحمار السوء إن أقضمته ... رمح الناس وإن جاع نهق
وإذا جالسته في مجلس ... أفسد المجلس منه بالخرق
وإذا نهنهته كي يرعوي ... زاد شرا وتمادى في الحمق
عجبا للناس في أرزاقهم ... ذاك عطشان وهذا قد غرق ...
أنبأنا يعقوب بن إسحاق القاضي حدثنا أبو هاني عبد الحميد بن عبد الله حدثنا عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه قال الأحمق كالثوب الخلق إن رفأته من جانب انخرق من جانب آخر مثل الفخار المكسور لا يرقع ولا يشعب ولا يعاد طينا
فهذا مثل الأحمق إن صحبته عناك وإن اعتزلته شتمك وإن أعطاك من عليك وإن أعطيته كفرك وإن أسر إليك اتهمك وإن أسررت إليه خانك وإن كان فوقك حقرك وإن كان دونك غمرك
وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبرش ... اعلم بأن من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر
فطنا بكل مصيبة في ماله ... وإذا يصاب بدينه لم يشعر ...
وأنشدني محمد بن عبد الله البغدادي ... وإن عناء أن تفهم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أعلم
وتشخص أبصار الرعاع تعجبا ... إليه وقالوا إنه منك أفهم ...
قال أبو حاتم رضي الله عنه الأحمق يتوهم أنه أعقل من ركب فيه الروح وأن الحمق قسم على العالم غيره والأحمق مبغض في الناس مجهول في الدنيا غير مرضى العمل ولا محمود الأمر عند الله وعند الصالحين كما أن العاقل محب إلى الناس مسود في الدنيا مرضى العمل عند الله في الآخرة وعند الصالحين في الدنيا
أنبأنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا خطاب بن عبد الرحمن الجندي حدثنا عبد الله بن سليمان قال كان الحسن يقول أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل
وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... وما الغي إلا أن تصاحب غاويا ... وما الرشد إلا أن تصاحب من رشد
ولن يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد ...
وأنشدني علي بن محمد البسامي ... لنا جليس تارك للأب ... جليسه من نوكه في تعب
يغضب جهلا عند حال الرضا ... عمدا ويرضى عند حال الغضب
فنحن منه كلما جاءنا ... في عجب قد جاز حد العجب
كأنه من سوء تأديبه ... أسلم في كتاب سوء الأدب ...
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا محمد بن أبي يعقوب الربعي حدثنا عبد الله بن موسى البصري حدثنا العتبي قال سمعت أعرابيا يقول العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسر منه بلين العيش مع السفهاء
قال أبو حاتم رضي الله عنه وإن من شيم العاقل الحلم والصمت والوقار والسكينة والوفاء والبذل والحكمة والعلم والورع والعدل والقوة
والحزم والكياسة والتمييز والسمت والتواضع والعفو والإغضاء والتعفف والإحسان فإذا وفق المرء لصحبة العاقل فليشد يديه به ولا يزايله على الأحوال كلها
والواجب على العاقل أن لا يصحب بحيلة من لا يستفيد منه خيرا
ولقد أنبأنا محمد بن محمود بن عدي النسوي حدثنا علي بن سعيد بن جرير قال سمعت أحمد بن حنبل يقول أخبرت عن مالك بن دينار أنه قال مررت براهب في صومعته فناديته فأشرف علي فكلمني وكلمته فقال لي فيما يقول إذا استطعت أن تجعل فيما بينك وبين الدنيا حائطا فافعل وإياك وكل جليس لا تستفيد منه خيرا فلا تجالسه قريبا كان أو بعيدا