ذكر استحباب التحبب إلى الناس من غير مقارفة المأثم
أنبأنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار ببغداد حدثنا يحيى بن معين حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن عمرو الأزدي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يحرم على النار كل هين لين قريب سهل
قال أبو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق وترك سوء الخلق لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها وخلق سيء فيفسد الخلق السيء الأخلاق الصالحة كلها وأنشدني البغدادي ... خالق الناس بخلق حسن ... لا تكن كلبا على الناس يهر
والقهم منك ببشر ثم صن ... عنهم عرضك عن كل قذر ...
أنبأنا حامد بن شعيب البلخي ببغداد حدثنا سريج بن يونس حدثنا سفيان عن إبراهيم عن ميسرة عن طاوس قال سمعت ابن عباس يقول إن الرحم تقطع وإن النعم تكفر ولم أر مثل تقارب القلوب
أنبأنا الخلادي حدثنا محمد بن المغيرة النوفلي حدثنا عبد العزيز بن منيب حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال سمعت الفضيل بن عياض يقول إذا خالطت فخالط حسن الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى خير وصاحبه منه في راحة ولا تخالط سيء الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى شر وصاحبه منه في عناء ولأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني قاريء سيء الخلق إن الفاسق إذا كان حسن الخلق عاش بعقله وخف على الناس وأحبوه وإن العابد إذا كان سيء الخلق ثقل على الناس ومقتوه
وأنشدني محمد بن المهاجر المعدل أنشدني محمد بن إبراهيم اليعمري ... حافظ على الخلق الجميل ومز به ... ما بالجميل وبالقبيح خفاء
إن ضاق مالك عن صديقك فألقه ... بالبشر منك إذا يحين لقاء ...
أنبأنا الحسين بن إسحاق الأصبهاني حدثنا يحيى بن حكيم المقومي حدثنا الخليل بن عبد العزيز قال سمعت حماد بن سلمة يقول الصوم
في البستان من الثقل
قال أبو حاتم رضي الله عنه حسن الخلق بذر اكتساب المحبة كما أن سوء الخلق بذر استجلاب البغضة ومن حسن خلقه صان عرضه ومن ساء خلقه هتك عرضه لأن سوء الخلق يورث الضغائن والضغائن إذا تمكنت في القلوب أورثت العداوة والعداوة إذا ظهرت من غير صاحب الدين أهوت صاحبها إلى النار إلا أن يتداركه المولى بتفضل منه وعفو
أنبأنا محمد بن المنذر حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا أبو عمير النخاس حدثنا ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة عن الزهري قال وهل ينتفع من السيء الخلق بشيء وأنشدني عبد العزيز بن سليمان الأبراش ... للخير أهل لا تزال ... وجوههم تدعو إليه
طوبى لمن جرت الأمور ... الصالحات على يديه
مالم يضق خلق الفتى ... فالأرض واسعة عليه ...
أنبأنا أبو يعلى حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا مهدي بن ميمون عن موسى بن عبيد عن ميمون بن مهران قال التودد إلى الناس نصف العقل وحسن المسألة نصف العلم واقتصادك في معيشتك يلقي عنك نصف المؤونه
قال أبو حاتم رضي الله عنه التحبب إلى الناس أسهل ما يكون وجها وأظهر ما يكون بشرا وأخصر ما يكون أمرا وأرفق ما يكون بهيا وأحسن ما يكون خلقا وألين ما يكون كنفا وأوسع ما يكون يدا وأدفع ما يكون أذى وأعظم ما يكون احتمالا فإذا كان المرء بهذا النعت لا يحزن من يحبه
ولا يفرح من يحسده لأن من جعل رضاه تبعا لرضا الناس وعاشرهم من حيث هم استحق الكمال بالسؤدد وأنشدني علي بن محمد البسامي ... أعاشر معشري في كل أمر ... بأحسن ما أريت وما رأيت
وأجتنب المقابح حيث كانت ... واترك ما هويت وما فريت ...
قال أبو حاتم رضي الله عنه حاجة المرء إلى الناس مع محبتهم إياه خير من غناه عنهم مع بغضهم إياه والسبب الداعي إلى صد محبتهم له هو التضايق في الأخلاق وسوء الخلق لأن من ضاق خلقه سئمه أهله وجيرانه واستثقله إخوانه فحينئذ تمنوا الخلاص منه ودعوا بالهلاك عليه
سمعت عمر بن سعيد بن سنان الطائي يقول سمعت أبا الحسن الزهاوي يقول سمعت يزيد بن هارون يقول ... فقدت ثقال الناس في كل بلدة ... فيارب لا تغفر لكل ثقيل ...
أنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن البلخي حدثنا محمد بن إدريس الحافظ حدثنا محمد بن عبد الله بن إسماعيل قال سمعت عمرو بن الحارث يقول تسخين العين النظر إلى من تكره
قال أبو حاتم رضي الله عنه الاستثقال من الناس يكون سببه شيئين أحدهما مقارفة المرء ما نهى الله عنه من المآثم لأن من تعدى حرمات الله أبغضه الله ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة ثم يوضع له البغض في الأرض
فلا يكاد يراه أحد إلا استثقله وأبغضه
والسبب الآخر هو استعمال المرء من الخصال ما يكره الناس منه فإذا كان كذلك استحق الاستثقال منهم وأنشدني الكريزي ... ليتني كنت ساعة ملك الموت فأفنى الثقال حتى يبدوا
ولو أني وأنت في جنة الخلد لقت الخروج منها أريد
لدخول الجحيم أهون من جنة خلد أراك فيها ترود ...
أنبأنا عمر بن حفص البزاز بجند يسابور حدثنا اسحق بن الضيف حدثنا أبو مسهر حدثنا هشام بن يحيى قال كان نقش خاتم أبيك يعني أبا أبي مسهر أبرمت فقم قال فكان إذا جلس إليه الرجل فتثاقل حرك خاتمه وقال اقرأ نقش خاتمي وكان إذا قرأ قام
أنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا محمد بن إدريس حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا موسى بن رباح قال سمعت مخلدا أبا أبي عاصم يقول إذا أبغضت الرجل أبغضت شقي الذي يليه
سمعت محمد بن السري البغدادي يقول سمعت أبا بكر المروروذي يقول سألت أحمد بن حنبل عن الثقلاء فقال سألت عنهم بشرا الحافي فقال النظر إليهم سخنة العين قلت لأحمد من الثقلاء قال أهل البدع
قال أبو حاتم رضي الله عنه هذا الذي قال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه هو استثقال الخاص إذا عرف أحدهم من بعض الناس ثلما في السنة أبغضه على بدعته فأما العام فلا يكادون يعادون ويوالون إلا على المحبوب من
الخصال والمكروه من الفعال ألا ترى المقنع الكندي حيث يقول لبعض من صحبه ... ألا يا مركب المقت الذي أرسى فلا يبرح
ويا من سكرات الموت ... من طلعته أروح
لقد صورت في فكري ... فلا أدري لما تصلح
فلا تصلح أن تهجى ... ولا تصلح أن تمدح
بلى تصلح أن تقتل أو تصلب أو تذبح ...
سمعت أحمد بن محمد البلخي الذهبي يقول قال محمد بن أبي الورد قال يحيى ابن ماسويه النظر إلى الثقيل حمى تعتري بين الجلدين
حدثنا أحمد بن عمر بن يزيد يقول سمعت سلمة بن شبيب يقول سمعت أبا أسامة يقول ائتوني بمستمل خفيف على الفؤاد وإياي والثقلاء وإياي والثقلاء
أنبأنا أحمد بن محمد بن الحسن حدثنا عباس بن أبي طالب حدثنا ابراهيم ابن المنذر حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين قال سمعت رجلا من أهل البادية يقول نظرت إلى ثقيل مرة فغشى علي وأنشدني المنتصر بن بلال ... وأنت على مودتنا حريص ... ولكن لا تخف على الفؤاد
وأثقل من رحا بزر علينا ... كأنك من بقايا قوم عاد ...
حدثنا إبراهيم بن مضر بن عنبر حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا وكيع حدثنا أبو سهل عن إبراهيم بن بكير قال كان أبو هريرة إذا استثقل جليسا له قال اللهم اغفر لنا وله وأرحنا منه في عافية
قال أبو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل مجانبة الخصال التي تورثه استثقال الناس إياه وملازمة الخصال التي تؤديه إلى محبتهم إياه
ومن أعظم ما يتوسل به إلى الناس ويستجلب به محبتهم البذل لهم مما يملك المرء من حطام هذه الدنيا واحتماله عنهم ما يكول منهم من الأذى
فلو أن المرء صحبه طائفتان إحداهما تحبه والأخرى تبغضه فأحسن الى التي تبغضه وأساء إلى التي تحبه ثم أصابته نكبة فاحتاج إليهما لكان أسرعهما الى خذلانه وأبعدها عن نصرته الطائفة التي كانت تحبه وأسرعهما إلى نصرته وأبعدهما عن خذلانه الطائفة التي كانت تبغضه لأن الكلب إذا شبع قوي وإذا قوي أمل وإذا أمل تبع المأمول وإذا جاع ضعف وإذا ضعف أيس وإذا أيس ولى عن المتبوع
فمن عدم المال فليبسط وجهه للناس فإن ذلك يقوم مقام بذل المعروف إذ هو أحد طرفيه
أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل حدثنا هارون بن عبد الخالق المازني قال سئل ابن المبارك عن حسن الخلق فقال هو بسط الوجه وبذل المعروف
أنبأنا الحسن بن سفيان حدثنا أبوعمار الحسين بن حريث حدثنا محمد بن القاسم الأسدي عن منحة بن عمرو قال خرج غلام لنا بقمامة الدار أو بكناسة الدار عريان وسعيد بن جبير على الباب فقال يا خبيث ارفع إزراك
أنبأنا محمد بن إبراهيم البدوري بالبصرة حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال إذا لقي المسلم أخاه فصافحه وكشر في وجهه تحاتت ذنوبه كما تحات العذق من النخلة فقال
رجل لمجاهد يا أبا الحجاج إن هذا من العمل اليسير فقال مجاهد (٨ ٦٢) ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم﴾ أفيسير هذا