أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الحث على لزوم السخاء ومجانبة البخل

أنبأنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر حدثنا الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي حدثنا سعيد بن محمد الوراق حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السخي قريب من الله قريب من الناس والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس ولسخي جاهل أحب إلى الله من بخيل عابد

قال أبو حاتم رضي الله عنه إن كان حفظ سعيد بن محمد إسناد هذا الخبر فهو غريب غريب

فالواجب على العاقل إذا أمكنه الله تعالى من حطام هذه الدنيا الفانية وعلم زوالها عنه وانقلابها إلى غيره وأنه لا ينفعه في الآخرة إلا ما قدم من الأعمال الصالحة أن يبلغ مجهوده في أداء الحقوق في ماله والقيام بالواجب في أسبابه مبتغيا بذلك الثواب في العقبى والذكر الجميل في الدنيا إذ السخاء محبة ومحمدة كما أن البخل مذمة ومبغضة ولا خير في المال إلا مع الجود كما لا خير في المنطق إلا مع المخبر

ولقد أنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري ... الجود مكرمة والبخل مبغضة ... لا يستوي البخل عند الله والجود

والفقر فيه شخوص والغنى دعة ... والناس في المال مرزوق ومحدوده ...

حدثني محمد بن أبي علي الخلادي حدثنا محمد بن الحسن الذهلي حدثنا محمد ابن يوسف السدوسي حدثنا أحمد بن خالد القثمي حدثنا سليمان مولى عبد الصمد بن علي أن المنصور أمير المؤمنين قال لابنه المهدي اعلم أن رضاء الناس غاية لا تدرك فتحبب إليهم بالإحسان جهدك وتودد إليهم بالإفضال واقصد بإفضالك موضع الحاجة منهم

وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... أعاذلتي اليوم ويحكما مهلا ... وكفا الأذى عني ولا تكثرا العذلا

دعاني تجد كفى بما ملكت يدي ... سأصبح يوما أترك الجود والبخلا

إذا وضعوا فوق الضريح جنادلا ... علي وخلفت المطية والرحلا

فلا أنا مختار إذا ما نزلته ... ولا أنا لاق ما ثويت به أهلا ...

أنبأنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي حدثنا لوين حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال كان أبي يقول مال قوم قط أقاموا على ماء عذب

حدثنا عمرو بن محمد حدثنا الغلابي حدثنا بكر بن عامر العتري حدثنا هشام ابن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال من آتاه الله منكم مالا فليصل به القرابة وليحسن فيه الضيافة وليفك فيه العاني والأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين وليصبر فيه على النائبة فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخرة

قال أبو حاتم رضي الله عنه أجود الجود من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره ومن جاد ساد كما أن من بخل رذل

والجود حارس الأعراض كما أن العفو زكاة العقل ومن أتم الجود أن يتعرى عن المنة لأن من لم يمتن بمعروفه وفره والامتنان يهدم الصنائع وإذا تعرت الصنيعة عن إزار له طرفان أحدهما الامتنان والآخر طلب الجزاء كان من أعظم الجود وهو الجود على الحقيقة

ولقد أنشدني ابن زنجي ... يا رب عاذلة في الجود قلت لها ... قلي على الله فيما أنفق الخلفا

هل من بخيل رأيت المال أخلده ... أم هل رأيت جوادا ميتا عجفا

لما رأتني أوتي المال طالبه ... ولا أبالي تلادا كان أم طرفا

عدت سماحي تبذيرا ولست أرى ... ما يكسب الحمد تبذيرا ولا سرفا ...

أنبأنا الحسين بن سفيان حدثنا حبان بن موسى قال قسم ابن المبارك يوما بين إخوانه وأصحاب الحديث ألف درهم ثم أنشأ يقول ... لا خير في المال لكنازه ... إلا جواد الكف وهابه

يفعل أحيانا بزواره ... ما تفعل الخمر بشرابه ...

حدثني محمد بن عثمان العقبي حدثنا الحسن بن محمد عن ابن السماك قال يا عجبي لمن يشتري المماليك بالثمن ولا يشتري الأحرار بالمعروف

قال أبو حاتم رضي الله عنه إن من أحسن خصال المرء الجود من غير امتنان ولا طلب ثواب والحلم من غير ضعف ولا مهانة

وأصل الجود ترك الضن بالحقوق عن أهلها كما أن أصل تربية الجسد أن لا يحمل عليه في الأكل والشرب والبأه فكما لا تنفع المروءة بغير تواضع ولا الحفظ بغير كفاية كذلك لا ينفع العيش بغير مال ولا المال بغير جود وكما أن القرابة تبع للمودة كذلك المحمدة تبع للإنفاق

أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار حدثنا يحيى بن معين حدثنا المبارك ابن سعيد الثوري قال كان يقال ثلاث هن أحسن شيء فيمن وجدت فيه تؤدة في غير ذل وجود لغير ثواب ونصب لغير الدنيا

حدثنا أيو يعلي بالموصل حدثنا محمد بن الصباح الدولابي حدثنا إسماعيل ابن زكريا عن عاصم الأحول قال قلت للحسن ما معنى قوله صلى لله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد السفلى قال يد المعطي خير من يد المانع

حدثنا أبو خليفة حدثنا ابن كثير أنبأنا سفيان عن الأعمش عن ذكوان وعبد الله بن مرة عن كعب قال من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان

وأنشدني الكريزي ليحيى بن أكثم ... ويظهر عيب المرء في الناس نحله ... ويستره عنهم جميعا سخاؤه

تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب والسخاء غطاءه ...

وأنشدني أحمد بن محمد بن عبد الله اليماني لبعض القرشيين ... سأبذل مالي كلما جاء طالب ... وأجعله وقفا على القرض والفرض

فإما كريما صنت بالجود عرضه ... وإما لئيما صنت عن لؤمه عرضي ...

وأنشدني كامل بن مكرم أبو العلاء أنشدني هلال بن العلاء بن عمر الباهلي ... ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي

وما وجبت على زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على الجواد ...

قال أبو حاتم رضي الله عنه البخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها جره إلى النار كما أن الجود شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا فمن تعلق بغصن من أغصانها جره إلى الجنة والجنة دار الأسخياء والبخيل يقال له في أول درجته البخيل فإذا عتا وطغى في الإمساك يقال له الشحيح فإذا ذم الجود والأسخياء يقال له لئيم فإذا صار يحتج للبخلاء ويعذرهم في فعالهم يقال له الملائم

وما اتزر رجل بإزار أهتك لعرضه ولا أثلم لدينه من البخل

ولقد أنشدني محمد بن إسحاق الواسطي ... لكل هم من الهموم سعه ... والبخل واللؤم لا فلاح معه

قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه

أقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه ...

سمعت الخطابي بالبصرة يقول سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سأل كسرى أي شيء أضر على ابن آدم قالوا الفقر قال الشح أضر منه إن الفقير إذا وجد اتسع وإن الشحيح لا يتسع إذا وجد

أنبأنا إبراهيم بن محمد بن يعقوب حدثنا ابن أبي القعقاع قال قال أبو الهذيل كنت عند يحيى بن خالد البرمكي فدخل عليه رجل هندي ومعه مترجم له

فقال المترجم إن هذا رجل شاعر قد حاول مدحتك فقال يحيى لينشد فقال الهندي ... أره أصره ككرا كي كره مندره ...

فصول الكتاب · 56 فصل · 289 صفحة
الانتقال إلى صفحة
روضة العقلاء ونزهة الفضلاء
تأليف ابن حبان
تقدّمك في الكتاب: باب الحث على لزوم السخاء ومجانبة البخل — 47 من 56
فصول روضة العقلاء ونزهة الفضلاء · 289 صفحة
مقدمة الكتاببسم الله الرحمن الرحيمذكر الحث على لزوم العقل وصفة العاقل اللبيبذكر إصلاح السرائر للزوم تقوى اللهذكر الحث على لزوم العلم والمداومة على طلبهذكر الحث على لزوم الصمت وحفظ اللسانذكر الحث على لزوم الصدق ومجانبة الكذبذكر الحث على لزوم الحياء وترك القحةذكر الحث على لزوم التواضع ومجانبة الكبرذكر استحباب التحبب إلى الناس من غير مقارفة المأثمذكر استعمال لزوم المداراة وترك المداهنة مع الناسذكر استحباب إفشاء السلام وإظهار البشر والتبسمذكر ما أبيح من المزاح للمرء وما كره له منهذكر استحباب الاعتزال من الناس عاماذكر استحباب المؤاخاة للمرء مع الخاصذكر كراهية المعاداة للناسذكر الحث على صحبة الأخيار والزجر عن عشرة الأشرارذكر كراهية التلون في الوداد بين المتآخينذكر ائتلاف الناس واختلافهمفقلت ليس هذا ذاك الغراب فقالت والله ما نراك تأخذ البريء بالسقيم حتى تظفر بذلك الغرابذكر الحث على زيارة الإخوان وإكرامهمذكر صفة الإحمق والجاهلذكر الزجر عن التجسس وسوء الظنذكر الحث على مجانبة الحرص للعاقلذكر الزجر عن التحاسد والبغضاءذكر الحث على مجانبة الغضب وكراهية العجلةذكر الزجر عن الطمع إلى الناسذكر الحث على لزوم القناعةذكر الحث على لزوم التوكل على من ضمن الأرزاقذكر الحث على لزوم الرضا بالشدائد والصبر عليهاذكر الحث على العفو عن الجانيفقالا والله يا أبا عمرو لا نقع فيك بعد اليومذكر صفة الكريم واللئيمذكر الزجر عن قبول قول الوشاةفقال علي بابن الزبير فقال أليس هذا لك فيما زعمت قال أنا ألفت المعنى وهو ألف القوافي وهو بعد ظئري ومهما قال من شيء فأنا قلته فضحك معاوية وكان معن بن أوس مسترضعا في مزينةذكر استحباب قبول الاعتذار من المعتذرذكر الحث على لزوم كتمان السرذكر الحث على لزوم النصيحة للمسلمين كافةوصية الخطاب بن المعلى المخزومي ابنهذكر الزجر عن تهاجر المسلمين كافةذكر الحث على لزوم الرفق في أمور وكراهية العجلة فيهاذكر الحث على تعلم الأدب ولزوم الفصاحةذكر إباحة جمع المال للقائم بحقوقهذكر الحث على إقامة المروءاتوأنشدني الأبرش ... فإن قلت لي آباء صدق ومنصب ... كريم وإخوان مضت وجدود صدقت ولكن أنت هدمت ما بنوا ... بكفك عمدا والبناء جديدأنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري حدثنا أزهر عن ابن عون عن ابن سيرين قال ثلاثة ليست من المروءة الأكل في الأسواق والادهان عند العطار والنظر في مرآة الحجامباب الحث على لزوم السخاء ومجانبة البخلفقال يحيى للمترجم ما يقول قال يقول ... إذا المكارم في آفاقنا ذكرت ... فإنما بك فيها يضرب المثلذكر الزجر عن ترك قبول الهدايا من الإخوانذكر استحباب التفريج عن الناس بقضاء الحوائجوأنشدني عبد العزيز بن سليمان ... يبقى الثناء وتنفذ الأموال ... ولكل دهر دولة ورجال ما نال محمدة الرجال وشكرهم ... إلا الصبور عليهم المفضالذكر الحث على إعطاء السؤال وطلب المعاليذكر الحث على الضيافة وإطعام الطعامذكر الحث على المجازاة على الصنائعذكر الحث على سياسة الرياسة ورعاية الرعيةذكر الحث على لزوم ذكر الموت وتقديم الطاعات
جارٍ التحميل