باب الأفعال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السهيلي
- الكتاب
- نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
- المؤلف
- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروتالطبعة الأولى: 1412 - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- عَلَم
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
- الكتاب
- نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروت
- عدد الأجزاء
- 1
فإن (أجمع) توكيد بمنزلة: " كله " و " نفسه "، فهو مضاف في المعنى إلى ضمير المؤكد، واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد من (أجمع) لا يكون إلا تابعا له، ولا يكون مخبراً عنه بحال.
وليس كذلك " السحر "، لأنه بمنزلة (الفرس) و (الجمل)، فإن
أضفته لم يكن بد من إظهار المضاف إليه، وإنما هو معرف بالألف واللام، كما قال سيبويه.
وهذا كله لما كان اليوم ظرفاً ولم يكن مفعولاً، فلو جعلته مفعولاً وفاعلاً
لم يكن " سحر " ظرفا، ولكان بدلاً مضاف إلى ضمير اليوم، مثال ذلك أن تقول: كرهت يوم الخميس سحره، كما تقول: " أكلت سمكة رأسها ".
فإن قيل: فهلا جعلتموه بدلاً إذاً كان ما قبله ظرفاً، لأنه بعض اليوم، فيكون بدل البعض من الكل، كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولاً؟.
قلنا: الفرق بينهما أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح.
ويكون الفعل مخصوصا بالبدل بعدما كان عموماً في المبدل منه.
فإذا قلت: " أكلت السمكة رأسها "، لم يتناول الأكل إلا رأسها وخرج سائرها من أن يكون مأكولاً.
وليس كذلك: " خرجت يوم الجمعة سحر "، لأن الظرف مقدر بـ (في)، وجعل " سحر " ظرفا لا يخرج اليوم عن أن يكون ظرفا أيضاً، بل يبقى على حاله، لأنه ليس من شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه، فالكلام معتمد عليه كما كان قبل ذكر " سحر ".
نعم، وما هو أوسع من اليوم في المعنى نحو الشهر والعام الذي فيه ذكر
اليوم، وما هو أوسع من العام كالزمان، كل واحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع في " سحر ".
وتخصيصك سحر بالذكر لا يخرج شيئاً من هذه أن يكون ظرفاً لذلك
الفعل.
فلذلك اعتمد الكلام على اليوم، واستغنى به عن تجديد آلة التعريف.
بخلاف قولك " كرهت يوم الخميس سحره "، أو: " السحر منه "، بل لا بد من البدل من أحد هذين الأمرين.
فقد بانَ لك الفرق بين المسألتين، وبانَت علة ارتفاع التنوين، لأنه لا يجتمع
مع " الألف واللام "، ولا مع معناها، وإن كان في حكم المضاف - كما زعم بعضهم - فلذلك أيضاً يمتنع من تنويه.
وأما الذي يمنع من تصوفه وتمكنه، فإنك أردته ليوم هو ظرف، فإن تمكن
خرج عن أن يكون من ذلك اليوم، لأن الظرفية كانت رابطة بينهما ومشعرة بأن السحر من ذلك اليوم فإذا قلت: سير زيد يوم الجمعة " سحر " وجعلته مفعولاً على سعة الكلام، لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم.
فإن أردت هذا المعنى فقل: " سير زيد يوم الجمعة سحر " أو: " السحر منه "، حتى يرتبط به، لأنك لا تقدر " الألف واللام " من غير أن يلفظ بهما إلا إذا كان في الكلام ما يغني عنهما.
وأما إذا كان اسما متمكناً كسائر الأسماء، فلا بد من تعريفه بما تعرف به الأسماء، أو تجعله نكرة فلا يكون من ذلك اليوم.
فإن قلت: فقد أجازوا: " سير زيد يوم الجمعة سحر " برفع " اليوم "
ونصب " سحر " فلم لا يجوز أيضاً: " يوم الجمعة سحر "، بنصب " اليوم "
ورفع " سحر "؟
قلنا: لأن اليوم - وإن اتسع فيه - فهو ظرف في معناه، وهو يشتمل على " السحر " ولا يشتمل " السحر " عليه، فلا يجوز إذاً أن يتعرف
" السحر " تعريفاً معنويا حتى يكون ظرفا بمنزلة اليوم الذي هو منه، ليكون تقدم اليوم مع كونه ظرفاً معيناً عن آلة التعريف.
فصل
وأما " ضحوة "، و " عشية " و " مساء " ونحو ذلك، فإنها مفارقة لسحر من حيث كانت منونة وإن أردتها اليوم بعينه، وهي موافقة له في عدم التصرف والتمكن.
والفرق بينهما أن هذه الأسماء فيها معنى الوصف، لأنها مشتقة مما توصف به
الأوقات التي هي ساعات اليوم، فالعشي من العشاء.
والضحوة من قولك:
" فرس أضحى " و " ليلة أضحيان "، تريد البياض.
والصباح من " الأصبح " وهي لون بين لونين فإذا قلت: خرجت اليوم عشيّاً وظلاماً وضحى وبصراً - حكاه سيبويه -
فإنما تريد: خرجت اليوم في ساعة وصفها كذا.
أو: خرجت يوماً مظلماً أو مبصراً أو مغشياً، أو نحو ذلك.
فقد بانَ لك أنها أوصاف لنكرات، وتلك النكرات هي أجزاء اليوم وساعاته، ألا ترى أنك إذا قلت: خرجت اليوم ساعةً منه، أو: مشيت اليوم وقتا منه - لم يكن إلا منونا، إلا أن الساعة ووقتاً غير معين وضحوة وعشية قد تخصصا بالصفة، ولكنه لم يتعرف وإن كان ليوم بعينه، لأنه غير معرف بمعنى الألف واللام كما كان سحر، لأن " سحر " اسم جامد يتعرف كالأسماء ويخبر عنه، وأما اسمه النعت فلا يكون كذلك.
لأن النعت لا يكون فاعلاً ولا مفعولاً، ولا يقام مقام المنعوت الأعلى شروط
ذكرت في باب النعت.
فإن قلت: أليست هذه الأوقات معروفة عند المخاطب من حيث كانت ليوم
بعينه، فلم لا تكون معرفة كما كان " سحر " إذا كان ليوم بعينه؟.
قلنا: إن " سحر " لم يتعرف بشيء إلا بمعنى الألف واللام، لا من حيث كان
ليوم بعينه، فقد تعرف المخاطب الشيء بصفته، كما تعرفه بآلة التعريف، فتقول لزيد مثلاً: " رأيت رجلا من صفاته كذا "، وتنعته حتى يعلم أنه أبوه، فيسرى إليه التعريف والاسم مع ذلك نكرة.
وكذلك " ضحوة " و " عشية "، وإنما استغنى عن ذكر المنعوت بهذه الصفات
لتقدم ذكر اليوم الذي هو مشتمل على الأوقات الموصوفة لهذه المعاني، كما استغنى عن ذكر المنعوت إذا قلت: زيد قائم، ولا شك أن المعنى: زيد رجل قائم، ولكن ترك ذكر الرجل لأنه " زيد ".
وكذلك: جاءني زيد صالحاً، أي: رجلاً صالحاً.
ولكن زيداً هو الرجل.
فأغناك عن ذكره.
وكذلك ما نحن بسبيله من هذه الأسماء التي هي نفسها أوصاف
لأوقات أغنى ذكر اليوم - الذي هو له - عن ذكرها لاشتمالها عليه.
ولم يكن ذلك في " سحر ". ومن ثم أيضاً لم تتمكن، فتقول: سير عليه يوم
الجمعة ضحوة وعشية، لأن تمكنها يخرجها إلى حيز الأسماء ويبطل منها معنى
الصفة، فلا ترتبط حينئذ باليوم الذي أردتها له.
وتنضاف إلى هذه العلة علة أخرى قد تقدمت في
فصل
" سحر ".
وكذلك كل ما كان من الظروف نعتاً في الأصل نحو: " ذا صباح "
و" ذات مرة "، و " أقمت طويلاً "
و" جلست قريباً " - لا يتمكن ولا يخرج عن الظرف.
ويلحق بهذا الفصل " نهاراً " إذا قلت: خرجت اليوم نهاراً، لأنه مشتق من قوله - عليه الصلاة والسلام -:
" أَنْهِرُوا الدَّمَ بِمَا شِئْتُمْ ".
يريد الانتشار والسعة.
ومنه " النهر من الماء، لأنه بالإضافة إلى المفجرة بمنزلة النهار بالإضافة إلى فجره، لأن النهار ما ينتشر ويتسع، فما انفجر من الماء بمنزلة ما انتشر واتسع من فجر الضياء، واليوم أوسع من النهار في معناه، فصار قولك: " خرجت اليوم نهاراً " كقولك " خرجت اليوم ظهراً وعشياً ".
معنى الاشتقاق فيها كلها بين، فجرت بمعنى الأوصاف
النكرات في تنوينها وعدم تمكنها.
فصل وأما " غدوة " و " بكرة " فهما اسمان علمان، وعدم التنوين فيهما للتعريف والتأنيث، والذي أخرجهما من باب " ضحوةا " و " عشية " - وإن كان فيهما معنى
الغدو والبكور - كما كان في أخواتها معنى الفعل - أنهما قد بنيا بناء لا تكون عليه المصادر ولا النعوت وغيرتا للعملية كما غير " عمارة " و " عمر " وأشباههما، وكما غير " الدبران " وفيه معنى الدبور، إيذاناً بالعملية وتحقيقاً لمعناها، ألا ترى أن " ضحوة " على وزن " صعبة " من النعوت، وعلى وزن " ضربة " من المصادر، والمصادر ينعت بها.
و" ضحى " على وزن " هدىً " وعلى وزن " حُطم " من النعوت.
وكذلك سائر تلك الأسماء.
و " غدوة " و " بكرة " بخلاف ذلك قد غيرتا من لفظ الغدو والبكور تغييراً بيناً، ففارقتا الفصل المتقدم.
فإن قيل: فلعل امتناع التنوين منهما بمثابة امتناعه في " سحر " إذا أردته ليوم
بعينه؟.
قلنا: كلام العرب يدل على خلاف ذلك، لأنهم لا يكادون يقولون: خرجت اليوم في الغدوة، ولا: الغدوة خير من أول النهار، كما يقال: السحر خير من أول الليل.
فالسحر كسائر الأجناس في تنكيره وتعريفه، وغدوة وبكرة من اليوم بمنزلة
رجب وصفر من العام.
فقد تبين مخالفتهما لسحر وضحوة وأخواتها، وأنها
بمنزلة الشهور الأعلام وأسماء الأيام الأعلام، نحو السبت والجمعة.
وإذا ثبت هذا فهما اسمان متمكنان يجوز إقامتهما مقام الفاعل إذا قلت:
" سير زيد يوم الجمعة غدوة ".
ولا يحتاج إلى إضافة ولا إلى لام التعريف.
وتقول أيضاً: " سير زيد يوم الجمعة غدوة "، على الظرف فيهما جميعا، لأنها
بعض اليوم كما تقول: " سرت العام رجباً كله ".
وتقول أيضاً: " سير زيد يوم الجمعة غدوة " برفعهما، كأنها بدل من اليوم، ولا يحتاج أيضاً إلى الضمير كما يحتاج في
بدل البعض من الكل، لأنها ظرف في المعنى.
ولو قلت: " كره يوم الخميس غدوة " - على البدل - لم يكن بد من إضافة
" غدوة " إلى ضمير المبدل منه، لأن اليوم ليس بظرف، فيكون كقولك: " كرهت يوم الخميس سحره، إذا أردت البدل، لأن المكروه هو السحر دون سائر اليوم، وإنما يستغني عن ضمير يعود على اليوم إذا تركته ظرفاً على حاله، لأن بعض اليوم إذا كان
ظرفا لفعل، كان جميع اليوم ظرفاً لذلك الفعل، وقد تقدم هذا.
واعلم أنه ما كان من الظروف له اسم علم، فإن الفعل إذا وقع فيه تناول
جميعه، وكان الظرف مفعولاً، على سعة الكلام.
فإذا قلت: " سرت غدوة " فالسير وقع في الوقت كله.
وكذلك: " سرت السبت والجمعة "، و " سرت المحرم وصفر ".
وكل هذا مفعول على سعة الكلام لا ظرف للفعل، لأن هذه الأسماء لا يطلبها الفعل ولا هي في أصل موضوعها زمان، إنما هي عبارة عن معان أخر، فإن أردت أن تجعل شيئا منها ظرفاً، ذكرت لفظ الزمان وأضفته إليها، كقولك: " سرت يوم السبت، و " شهر المحرم ".
فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعه إلا بدليل، والشهر ظرف.
وكذلك اليوم.
قال سيبويه: " ومما لا يكون الفعل إلا واقعاً به كله، " سرت المحرم
وصفر ".
هذا معنى كلامه.
وإذا ثبت هذا فرجب ورمضان وأشباههما أسماء أعلام إذا
أردتهما لعام بعينه، أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفهما إليه.
فإن لم يكن
ذلك صار الاسم نكرة، تقول: " صمت رمضان ورمضاناً آخر ".
و" صمت الجمعة وجمعة أخرى "، إنما أردت جمعة أسبوعك ورمضان عامك.
وإذا كان نكرة لم يكن إلا شهراً واحداً، كما تكون النكرة في قولك: " ضربت رجلاً "، إنما تريد وأحداً.
وأما إذا كان معرفة يكون بما يدل على التمادي وتوالي
الأعوام، لم يكن حينئذ واحداً، كقولك:
" المؤمن يصوم رمضان "، فهو معرفة لأنك لا تريده لعام بعينه، إذ المعنى: يصوم رمضان من كل عام على التمادي، وذكر
الإيمان قرينة تدل على المراد، ولو لم يكن في الكلام ما يدل على هذا لم يكن
محمله إلا على العام الذي أنت فيه أو عام تقدم له ذكر.
وإذا ثبت هذا فانظر إلى قوله سبحانه:
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ).
وقال - صلى الله عليه وسلم -:
" من صام رمضان إيماناً واحتساباً ".
وقال: " إذا دخل رمضان فتحت... " الحديث.
وترك لفظاً الشهر ".
ومحال أن يكون فعل ذلك إيجازاً واختصاراً، لأن القرآن أبلغ إيجازاً وأبين
إعجازاً، ومحال أيضاً أن يدع - عليه السلام - لفظ القرآن مع تحريه لألفاظه، وما علم من عادته من الاقتداء به، فيدع ذلك لغير حكمة، بل لفائدة جسيمة ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعبن وقد ارتبك الناس في هذا الباب، فكرهت طائفة منهم أن يقولوا: " رمضان " ولا " شهر رمضان ". واستهوى ذلك الكتاب.
واعتان بعضهم في ذلك برواية منحولة إلى ابن عباس - رضي الله عنه - أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولذلك أضيف إليه الشهر، وبعضهم يقول: إن رمضان من الرمضاء، وهو الحر، وتعلق الكراهية بذلك، وبعضهم يقول: إنما هذا استحباب واقتداء بلفظ القرآن.
وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسوي، لعلمه وحذقه فقال في
مصنفه: باب جواز أن يقال: دخل رمضان، أو: " صمت رمضان ". وذلك فعل البخاري وأورد الحديث المتقدم.
وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة، فقد تقدم أن الفعل إذا
وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنه يتناول جميعها ولا يكون ظرفاَ مقدراً بفي حتى يذكر لفظ الشهر أو اليوم الذي أصله أن يكون ظرفاً.
وأما الاسم العلم فلا أصل له في الظرفية.
وإذا ثبث هذا فقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)
في ذكر الشهر فائدئان، وربما كانت أكثر من ذلك:
الأولى: أنه لو قال: " رمضان الذي أنزل فيه القرآن،، لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه، كما تقدم من قول " سيبويه ".
وهذا خلاف المعنى، لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منها، في ساعة منها، فكيف يتناول جميع الشهر؟
فكان ذكر الشهر - الذي هو غير علم - موافقاً للمعنى، كما تقول: " سرت في شهر كذا "
فلا يكون السير متناولاً لجميع الشهر.
والفائدة الأخرى: أنه لو قال: (رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) لكان حكم
المدح والتعظيم مقصوراً على شهر واحد بعينه، إذ قد تقدم أن هذا الاسم وما هو مثله، إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها، لم يكن محمله إلا العام الذي أنت فيه، أو العام المذكور قبله.
فكان ذكر الشهر - الذي هو الهلال في الحقيقة.
قال الشاعر:
والشهر مثل قلامة الظفر
يريد الهلال - فكان ذكره مضافاً إلى " رمضان " مقتضياً لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم، متى كان، وفي أي عام كان.
مع أن
" رمضان " وما كان مثله، لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن، لأنه لم يرد العام بعينه، ألا ترى أن الآية في سورة البقرة، وهي من آخر ما نزل.
وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين.
ولو قلت: " رمضان حج فيه زيد "، نريد فيما سلف، لقيل لك:
" أي رمضان كان؟ ".
ولزمك أن تقول: حج في رمضان من رمضانات، حتى تريد عاماً
بعينه، كما سبق.
وفائدة أخرى في ذكر " الشهر "، وهو التبيين في الأيام المعدودات، لأن الأيام
لتبين بالأيام وبالشهر ونحوه، ولا تتبين بلفظ " رمضان "، لأنه لفظ مأخوذ من مادة أخرى، وهو أيضاً علم فلا ينبغي أن تبين به الأيام المعدودات، حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -
" من صام رمضان "، ففي حذف الشهر وترك ذكره فائدة
(أيضاً)، وهو تناول الصيام لجميع الشهر، فلو قال:
" من صام شهر رمضان "، لصار ظرفاً مقدراً بـ في ولم يتناول الصيام جميعه.
فرمضان في هذا الحديث مفعول على السعة، مثل قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا)، لأنه لو كان ظرفاً لم يحتج الى
قوله: (إِلَّا قَلِيلًا).
فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله: من صام رمضان مقصوراً على العام الذي هو فيه، لما تقدم من قولكم: إنه إنما يكون معرفة علماً إذا أردته لعامك أو لعام بعينه؟.
قلنا: قوله: " من صام رمضان " على العموم، خطاب لكل قرن ولأهل كل
عام، فصار بمنزلة قولك: " من صام كل عام رمضان غفر له "، كما تقول: " إن جئتني كل يوم سحراً أعطيتك "، فقد اقترنت به قرينة تدل على التمادي وتنوب مناب ذكر كل عام.
وقد اتضح الفرق بين الحديث والآية.
فإذا فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها، ثم لم تعدل عندك
هذه الفائدة جميع الدنيا (بأسرها) فما قدرتها حق قدرها.
والله المستعان على واجب شكرها.
مسألة
(تشتمل على فصول من الباب)
الفعل لا يعمل في الحقيقة إلا فيما يدل عليه لفظه، كالمصدر والفاعل
والمفعول به أو فيما كان صفة لواحد من هذه نحو: " سرت سريعاً ".
و" جاء زيد ضاحكا "، لأن الحال هي صاحب الحال في المعنى.
وكذلك النعت والتوكيد والبدل، كل واحد من هذه هو الاسم الأول في
المعنى، فلم يعمل الفعل إلا فيما دل عليه لفظه، لأنك إذا قلت:
" ضرب " اقتضى هذا اللفظ: " ضرباً " و " ضارباً " و " مضروباً ".
وأقوى دلالته على المصدر، لأنه هو الفعل في المعنى، ولا فائدة في ذكره مع الفعل إلا أن نريد التوكيد أو تبيين النوع
منه، وإلا فلفظ الفعل مغن عنه.
ثم دلالة الفعل على الفاعل أقوى من دلالته على
المفعول به من وجهين:
أحدهما: أنه يدل على الفاعل بعمومه وخصوصه، نحو: فعل زيد، عمل
زيد.
وأما الخصوص فنحو: ضرب زيد عمراً.
ولا تقول: فعل زيد عمراً، إلا أن يكون الفاعل هو الباري سبحانه.
والوجه الآخر: أن الفعل هو حركة الفاعلٍ، والحركة لا تقوم بنفسها، وإنما
هي متصلة بمحلها، فوجب أن يكون الفعل متصلا بفاعله لا بمفعوله.
ومن ثم قالوا: ضربت، فجعلوا ضمير الفاعل كبعض حروف الفعل.
ومن ثم قالوا: ضرب زيد لعمرو، وضرب زيد عمراً، فأضافوه إلى المفعول باللام تارة وبغير اللام أخرى.
ولم بضيفوه إلى الفاعل باللام أصلاً، لأن اللام تؤذن بالانفصال، ولا يصح انفصال الفعل عن الفاعل لفظاً، كما لا ينفصل عنه معنى.
فإن قيل: فإن الفعل لا يدل على الفاعل معيناً، ولا على المفعول معيناً
وإنما يدل عليهما مطلقا، لأنك إذا قلت: " ضرب "، لم يدل على " زيد " بعينه، وإنما يدل على " ضارب ". (وكذلك " المضروب "، فكان ينبغي أن لا يعمل حتى تقول:
" ضرب ضارب " مضروباً "، بهذا اللفظ، لأن لفظ " زيد " لا يدل عليه لفظ الفعل ولا يقتضيه؟.
قلنا: الأمر كما ذكرت، ولكن لا فائدة عند المخاطب في الضارب المطلق.
ولا في المفعول المطلق، لأن لفظ الفعل قد تضمنها، فوضع الاسم المعين مكان الاسم المطلق تبيينا له، فعمل فيه الفعل، لأنه هو هو في المعنى، وليس بغيره.
وإذا ثبت ما قلناه، فما عدا هذه الأشياء - فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة حرف، نحو: " المفعول معه " و " الظرف " من المكان، نحو: قمت في الدار، لأنه لا يدل عليه بلفظه.
وأما " الظرف " من الزمان فكذلك أيضاً، لأن الفعل لا يدل عليه بلفظه ولا ببنيته وإنما يدل ببنيته على اختلاف أحوال الحدث، وبلفظه على الحدث نفسه.
وهكذا قال سيبويه في أول الكتاب، وإن تسامح في موضع آخر.
وأما الزمان فهو حركة الفلك فلا ارتباط بينه وبين حركة الفاعل إلا من جهة
الاتفاق والمصاحبة إلا أنهم قالوا: " الفعل فعلت اليوم "، لأن اليوم ونحوه أسماء وضعت للزمان ليؤرخ بها الفعل الواقع فيها، فإذا سمعها المخاطب علم المراد بها، واكتفى بصيغتها عن الحرف الجار.
فإن أضمرتها لم يكف لفظ الإضمار، ولا أغنى عن
الحرف لأن لفظ الإضمار يصلح للزمان ولغيره فقلت: " يوم الجمعة خرجت فيه ". وقد تقول: " خرجت في يوم الجمعة "، لأنها وإن كانت أسماء موضوعة للتاريخ - فقد يخبر عنها فتقول: " ذهب اليوم "، كما يخبر عن المكان، إلا أن الإخبار عن المكان المحدود أكثر وأقوى، لأن الأمكنة أشخاص كزيد وعمرو، وظروف الزمان بخلاف ذلك، فمن ثم قالوا: " سرت اليوم " و" سرت في اليوم "، ولم يقولوا: " جلست الدار "، بغير حرف الوعاء.
فصل
(في تعدي الفعل إلى الظرف)
فإن كان الظرف مشتقاً من فعل، تعدي الفعل إليه بنفسه، لأنه في معنى الصفة التي لا تتمكن ولا يخبر عنها.
وذلك نحو " قبل " و " بعد " و " قريباً " منك، لأن في
" قبل " معنى المقابلة، وهو من لفظ " قبل ". و " بعد " من لفظ " بعد "، وهذا المعنى هو من صفة المصدر، لأنك إذا قلت: " جلست قبل جلوس زيد "، فما في " قبل " من معنى المقابلة فهو من صفة جلوسك.
ولم يمتنع الإخبار عن " قبل " و " بعد " من حيث كان غير محدود، لأن الزمان
والدهر قد يخبر عنهما، وهما غير محدودين، تقول:
" قمت في الدهر مرة ".
وإنما
امتنع " قمت في قبلك " للعلة التي ذكرناها.
ومن هذا النحو ما تقدم في فصل " غدوة " و " عشية "، من امتناع تلك الأسماء من التمكن لما فيها من معنى الوصف، وما فيها من معنى الوصف راجع إلى الاسم الذي هو الفاعل، نحو: " خرجت بصراً وظلاماً "، أي: مبصراً ومظلماً، وكذلك " عشياً " و " ضحى ".
وإن كنا قد قدمنا أن هذه المعاني أوصاف للأوقات فليس
بمناقض لما قلناه آنفاً، لأن هذه الأوقات قد توصف بهذه المعاني مجازاً، وأما في
الحقيقة فالأوقات هي الفلك، والحركة لا توصف بصفة معنوية، لأن العرض لا يكون حاملاً للوصف.
ومن هذا الفصل: " خرجت ذات يوم " و " ذات مرة "، لأن " ذات " في أصل
وضعها وصف للخرجة ونحوها، كأنك قلت: " خرجت خرجة ذات يوم "، أي: لم تكن إلا في يوم واحد، فمن ثم لا يجز فيها إلا النصب، ولم يجز دخول الجار عليها.
وكذلك: " ذا صباح " و " ذا مساء " في غير لغة خثعم.
فإن قيل: فلم أعربها النحويون ظرفاً إذا كانت في الأصل مصدراً؟.
قلنا: لأنك إذا قلت: " ذات يوم "، عُلِم أنك تريد يوماً واحداً، وقد اختزل المصدر ولم يبق إلا لفظ اليوم مع الذات، فمن ثم أعربوه ظرفاً.
وسره في اللغة ما تقدم.
وأما " مرة " فإن أردت بها فعلة واحدة من مرور الزمان، فهي ظرف زمان، وإن أردت بها فعلة واحدة من المصدر مثل قولك: " لقيته مرة.
أي: لقيته) لقية، فهي مصدر، وعبرت عنها بالمرة، لأنك لما قطعت اللقاء ولم تصله بالدوام صار بمنزلة شيء مررت به ولم تقم عنده، فإذا جعلت المرة ظرفاً فاللفظ حقيقة، لأنها من مرور الزمان، وإن جعلتها مصدراً فاللفظ مجاز، إلا أن تقول: " مررت مرة "، فيكون حينئذ حقيقة.
فصل
(في تعدي الفعل إلى الظرف)
ومن هذا القبيل: جلست خلفك وأمامك، وكذلك: فوق وتحت وإزاء وتلقاء وحذاء.
وكذلك قربك وعندك، لأن عندك في معنى القرب، وهي أيضاً من لفظ
" العند "
قال الراجز:
كُلُّ شيء يُحِبُّ ولَدَهُ... حتى الحُبَارَى فتطير عنده
أي: إلى جنبه.
وهذه الألفاظ كلها ليس يخفي بأدنى نظر أنها مأخوذة من لفظ
الفعل فخلف من " خلفت "، و " قدام " من " تقدمت "، و " فوق "
من فقت ".
و" أمام " وأم من " أممت "، أي: قصدت.
وكذلك سائرها، إلا أنهم لم يستعملوا فعلاً من
" تحت "، ولكنها مصدر في الأصل أميت فعله.
وإذا كان الأمر فيها كلها كذلك، فقد صارت قبل وبعد في الزمان، وكعشي وقريب، وصار فيها كلها معنى الوصف.
فلذلك عمل الفعل بنفسه، كما يعمل فيما هو وصف للمصدر أو وصف للفاعل أو المفعول به، لأن الوصف هو الموصوف
في المعنى، فلا يعمل الفعل إلا في هذه الثلاثة أوما هو في معناها، لأنه لا يدل
بلفظه إلا عليها كما تقدم.
فقد بانَ لك أنه لم يمتنع الإخبار عنها ولا دخول الجار عليها من جهة الإبهام، كما قالوه، لأنه لا فرق بينها وبين غير المبهم في انقطاع دلالة الفعل عنها، إذ لا يدل الفعل بلفظه على مبهمها ولا على محدودها ولا على حركة فلك، وإنما يدل بلفظه على مصدره وفاعله إذا كان الفاعل مطلقا، وعلى المفعول به كذلك.
فإن قيل: فأين لفظ الفعل في " ميل " و " فرسخ "؟
وأي معنى للوصف فيه والفعل قد تعدى إليه بغير حرف، وعمل فيه بلا واسطة؟.
قلنا: المراد بالميل والفرسخ تبيين مقدار المشي لا تبيين مقدار الأرض، فصار
الميل عبارة عن عدة خطا، فكأنك قلت: " سرت خطا عدتها كيت وكيت "، فلم يتعد
الفعل في الحقيقة إِلا إِلى المصدر المقدر بعدد معلوم، كقولك: " ضربت ألف
ضربة " و " مشيت ألف خطوة "، ألا ترى أن " الميل " عندهم ثلاثة آلاف وخمسمائة، والفرسخ أضعاف ذلك ثلاث مرات.
فلم ينكسر ما أصلناه من أن الفعل لا يتعدى إِلا إلى ما ذكرناه.
وإنما سموا هذا المقدار من الخطا والأذرع ميلاً لأنهم كانوا ينصبون في رأس ثلث فرسخ نصبا كهيئة الميل الذي يكتحل به، إِلا أنه كبير، ثم يكتبون في رأسه عدد ما مشوه ومقدار ما تخطوه، ذكر قاسم بن ثابت أنَّ هشام ابن عبد الملك مر في بعض أسفاره بميل، وأمر أعرابياً أن ينظر في الميل كم مكتوباً فيه؟ وكان الأعرابي أمياً، فنظر فيه، ثم رجع إليه فقال: أفيه محجن، وحلقة، وثلاثة كأطباء الكلية، وهامة كهامة القطا ".
فضحك هشام وقال: معناه خمسة أميال.
فقد وضح لك أن الأمثال مقادير المشي، والمشي مصدر، فمن ثم عمل فيه
الفعل، ومن ثم عمل في المكان نحو: " جلست مكان زيد، لأنه مفعل من الكون، فهو في أصل وضعه مصدر عبر به عن الموضع.
والموضع أيضاً من لفظ الوضع، فلا يعمل الفعل في شيء
من هذا القبيل بحرف.
والذي قلناه في مكان أنه من الكون هو قول الخليل في كتاب " العين "، إلا
أنهم شبهواً (الميم) بالحرف الأصلي للزومها، فقالوا في الجمع " أمكنة ".
حتى كأنه على وزن في " فعال "، وقد فعلوا ذلك في ألفاظ كثيرة، شبهوا الزائد بالأصلي نحو:
" تمدرع " و " تمسكن "، ولهما نظائر.
وأما: " جلست يمينك وشمالك "، فليس من هذا ال
فصل
، ولكنه مما حذف منه الجار لعلم السامع به، أرادوا: " عن يمينك وعن شمالك " أي: الجارحتين، ثم حذف الحرف الجار، فتعدى الفعل فنصب.
فهو من باب " أمرتك الخير ".
وإنما حذف (الحرف) لما تضمنه الفعل مرة من معنى الناصب، لأنك إذا قلت: " جلست عن يمينك " فمعنى الكلام: قابك يمينك وحاذيته، ونحو ذلك.
فصل
ومن هذا الأصل تعدي الفعل إلى الحال بنفسه، ونعني بالحال صفة الفاعل
التي فيها ضمير، أو صفة المفعول، أو صفة المصدر الذي عمل فيها، لأن
الصفة هي الموصوف من حيث كان فيها الضمير الذي هو الموصوف.
وذلك نحو: " سرت سريعاً " و " جاء زيد ضاحكاً " و " ضربته قائماً ".
فلم يعمل الفعل في هذا النحو من حيث كان حالًا، لأن الحال غير الاسم الذي يدل عليه الفعل، ألا ترى أنك لو
صرحت بلفظ الحال لم يعمل فيها الفعل إلا بواسطة الحرف نحو: جاء
زيد في حال ضحك ولا تقول: " جاء زيد حال ضحك "
لأن الحال غير " زيد ".
وكذلك لا تقول: " جاء زيد ضحكاً "، لأن الضحك غير " زيد "، وغير المجيء فلا يعمل " جاء " فيه إلا بواسطة.
فإذا قلت: " ضاحكاً " عمل فيه، لأن الضاحك هو زيد.
وإذا قلت: " جاء زيد مشياً "، عمل فيه أيضاً لا من حيث كان صفة لزيد، لأنه لا ضمير فيه يعود على " زيد "، ولكن من حيث كان صفة للمصدر الذي هو (المجيء) فيعمل فيه " جاء " كما يعمل في المصدر.
وأما عمله في المفعول من أجله، فإنه لم يعمل فيه بلفظه عندي، ولكنه دل
على فعل باطن من أفعال النفس والقلب، آثار هذا الفعل الظاهر، وصار ذلك الفعل الباطن عاملاً في المصدر الذي هو المفعول من أجله في الحقيقة، والفعل الظاهر دال عليه، ولذلك لا يكون المفعول من أجله منصوباً حتى يجتمع فيه ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون مصدراً.
والثاني: أن لا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة.
والثالث: أن يكون من فعل الفاعل المتقدم ذكره.
نحو: " جاء زيد خوفاً "، و " رغبة فيك "، فإن الخوف والرغبة من أفعال النفس الباطنة وهو من فعل الفاعل المذكور في الجملة.
فلو قلت: " جاء زيد قراءة للعلم "
أو: " قتلاً للكافر " - لم يجز أن يجعل ذلك مفعولاً من أجله، لأنها أفعال ظاهرة، فقد بانَ لك أن المجيء إنما يظهر ما كان باطناً خفيا حتى كأنك قلت: جاء زيد مظهر بمجيئه الخوف والرغبة أو الحرص وأشباه ذلك.
فهذه الأفعال الظاهرة تبدي لك الباطنة، فهي مفعولات في المعنى والظاهرة دالة على ما ينصبها فإن جئت بمفعول من أجله من غير هذا القبيل الذي ذكرنا، لم يصل الفعل إليه إلا بحرف نحو: " جئت لكذا "
أو: " من أجل كذا "، والله أعلم.
ثم نرجع إلى الحال فنقول: إذا كانت صفة لازمة للاسم كان حملها عليه على
جهة النعت أولى بها، وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت الإخبار عنه بالفعل، صلح أن تكون حالاً، لأنها مشتقة من التحول، فلا تكون إلا صفة يتحول عنها، وكذلك لا تكون إلا مشتقة من فعل، لأن الفعل حركة غير ثابتة.
وقد تجيء غير مشتقة ولكنها في المعنى كالمشتق، نحو قوله - صلى الله عليه وسلم -:
يتمثل لي الملك رجلاً ".
أي: يتحول عن حال إلى حال، ويرجع متصوراً في صورة الرجال.
فصار قولك: " رجلأ " كقولك: متصوراً على هذه الصورة، ومتحولاً إلى
هذه الحال ".
وأما قولهم: جاء زيد رجلاً صالحاً، فالصلة وطأت الاسم للحال.
ولولا " صالحاً " ما كان " رجلاً " حالًا.
وكذلك قوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا).
فإن قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد؟ وهلا اكتفى بصالح وعربي؟.
قلنا: في ذكر الاسم موصوفاً بالصفة، في هذا الموطن، دليل على لزوم هذه
الحال لصاحبها، وأنها مستمرة له، وليس كقولك: " جاء زيد صالحاً "، لأن " صالحاً " ليس فيه غير لفظ الفعل، والفعل غير دائم.
وفي قولك: " رجلاً صالحاً " لفظ رجل وهو دائم، فلذلك ذكر.
فإن قيل: فكيف يصح في قوله عز وجل: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) أن يكون حالاً.
والحال تعطي التحول والانتقال إليها عن حالة أخرى.
وأنت لو قلت: جاء زيد قرشياً أوحبشياً "، لم يجز، لأنه لم يزل كذلك؟.
فالجواب: أن قوله عز وجل: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) حال من الضمير في (مُصَدِّقٌ).
لا من (كتاب)، لأنه نكرة والعامل في الحال ما في (مُصَدِّقٌ) من معنى الفعل.
فصار المعنى: أنه مصدق لك في هذه الحال، والاسم - الذي هو صاحب الحال - قديم، وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى وداود عليهم السلام، وإنما كان عربيا حين أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - مصدقاً له ولما
بين يديه من الكتاب، فقد أوضحت فيه معنى الحال، وبرح الإشكال.
وأما قوله عز وجل: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا)، فقد حكوا أنها حال مؤكدة.
ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل، لأن التوكيد هو المؤكد في المعنى، وذلك نحو: " قم قائماً " و " مشيت ماشياً "، و " أما: زيد معروفاً "، هذه هى الحال المؤكدة في الحقيقة.
وأما (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) فليسث بحال مؤكدة، لأنه قال: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ).
وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق، إذ ليس من شروط الحق أن يكون مصدقاً لفلان ولا مكذباً له، بل الحق في نفسه (حق) وإن لم يكن مصدقاْ لغيره.
ولكن (مُصَدِّقًا) ههنا حال من الاسم المجرور من قوله تعالى:
(وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ) وقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ) جملة في معنى الحال أيضاً، والمعنى: كيف تكفرون
بما وراءه وهو في هذا الحال؟ أعني مصدقاً لما معهم، كما تقول: لا تشتم زيداً وهو أمير محسناً إليك فالجملة حال، " ومحسناً " حال بعدها، والحكمة في تقديم الجملة التي في موضع الحال على قولك " محسناً " و (مصدقا) - أنك لو أخرتها لتوهم أنها في موضع الحال من الضمير الذي في " محسن، و (مصدق)، ألا ترى أنك لو قلت:
" أتشتم زيداً محسناً إليك (وهو أمير) - لذهب الوهم إلى أنك تريد؟
محسناً إليك في هذه الحال.
فلما قدمتها اتضح المراد وارتفع اللبس.
هذا وجه لا يبعد في هذا الموضع.
ووجه آخر يطرد في هذه الآية، وفي الأخرى التي في سورة فاطر، قوله:
(وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)، وهو أن يكون
(مُصَدِّقًا) ههنا حالاً يعمل فيها ما دلت عليه الإشارة المنبئة عنها
" الألف واللام "، لأن " الألف واللام " قد تنبئ عما تنبئ عنه أسماء الإشارة، حكي سيبويه: " لمن الدار مفتوحاً بابها؟ ".
(فقولك: مفتوحاً بابها) لا يعمل فيه الاستقرار الذي يتلق به " لمن "، لأن
ذلك خلاف المعنى المقصود، وتصحيح المعنى:
" لمن هذه الدار مفتوحا بابها؟ "
فاستغنى بذكر " الألف واللام " وعلم المخاطب أنه مشير وتنبه المخاطب بالإشارة إلى النظر، وصار ذلك المعنى المنبه عليه عاملاً في الحال.
وكذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا)، كأنه يقول: " هو ذلك الحق "، لأن الحق قديم ومعروف بالعقول والكتب المتقدمة.
فلما أشار نبهت الإشارة على العامل في الحال، كما إذا قلت:
" هذا زيد قائما "، نبهت الإشارة المخاطب على النظر، فكأنك قلت:
" انظر إلى زيد قائماً " لأن الاسم الذي هو " ذا " ليس هو العامل، ولكنه مشعر ومنبه على المعنى العامل في الحال، وذلك المعنى هو " انظر ".
وسنزيد هذا المعنى وضوحا فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومما أغنت فيه " الألف واللام " عن أسماء الإشارة قولهم: " اليوم قمت "،
و " الساعة تكلمت " " الليلة فعلت "، تريد: " هذا اليوم " و " هذه الليلة "، اكتفيت بالألف واللام عن أسماء الإشارة والإبهام، والله ولي التوفيق والإفهام.
مسألة
(في الحال)
" هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطباً ".
فيه أسئلة:
أحدها: ما العامل في هاتين الحالين، هل واحد أم لا؟
والئاني: متى يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين؟ ومتى لا يجوز؟.
الثالث: من أي اسم هي حال؟ أعني الأولى.
ومن أي اسم هي - الثانية - حال؟
وهل هما حالان من اسم واحد أم لا؟
الرابع: هل يجوز التقديم والتأخير فيهما جميعاً أم لا؟.
الخامس: كيف تصورت الحال في اسم غير مشتق، وهو " البسر " ونحوه؟.
السادس: إلى أي شيء هي الإشارة في قولهم: هذا بسراً؟.
السابع: لم عول في إعرابهما على الحال، واختاره " سيبويه "، وعدلتم عن
إضمار كان؟ وتركتم قول من قال: إن التقدير: هذا إذا كان بسراً أطيب منه إذا كان رطبا؟
أما العامل في الحال الأولى فهو ما في " أطيب " من معنى الفعل، لأنك تريد:
طيبه في حال البسرية يزيد على طيبه في حال الرطبية.
(فالطيب) أمر واقع في هذه الحال، فلذلك قال سيبويه: هذا باب ما ينصب من الأسماء على إنها أحوال وقعت فيها الأمور
وأما الحال الثانية وهي " رطباً "، فالعامل فيها مضى الفعل الذي
تعلق به الجار في قولك: منه، لأن (منه) متعلق بمعنى غير الطيب.
لأن " طاب يطيب " لا يتعدى بمن، ولكن صيغة (أفعل) تقتضي التفضيل بين شيئين
مشتركين في صفة واحدة، إلا أن أحدهما متميز من الآخر ومنفصل منه بزيادة في تلك الصفة فمعنى التميز والانفصال الذي تضمنه أفعل هو الذي تعلق به حرف الجر وهو الذي يعمل في الحال الثانية، كما عمل معنى الفعل الذي تعلق به حرف الجر من قولك: " زيد في الدار قائماً " في الحال التي هي قائما.
فإن قيل: فهلا أعمل فيهماجميعا ما في " أطيب " من معنى الطيب؟.
قلنا: لو تجرد ما فيه من معنى الطيب من معنى التفضيل فقلت:
" هذا طيب بسراً " لم يصح عمله إلا في حال واحدة، لأن الفعل الواحد لا يقع في حالتين ولا في ظرفين لا تقول: " زيد قائم يوم الجمعة يوم الخميس ".
فإن قلت: " زيد أقوم يوم الجمعة منه يوم الخميس "، جاز، لأن العامل في أحد اليومين غير العامل في اليوم الثاني، لأنك فضلت حين قلت: " أقوم "، قياماً على قيام آخر، وفضلت حالاً من حال بمزية وزيادة.
وكذلك حين قلت: " هذا بسر أطيب منه رطباً ".
وليس يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين، إلا أن يتداخلا ويصح الجمع بينهما نحو قولك:، زيد خارج يوم الجمعة ضحوةا ".
لأن الضحوة في يوم الجمعة.
وكذلك " سرت راكباً مسرعاً "، ولو قلت: " مسرعاً مبطئأ "
لم يجز، لاستحالة الجمع بينهما وكذلك: " بسراً " و " رطبا " يستحيل أن يعمل فيهما عامل واحد، لأنهما غير متداخلين كما سبق.
وفد فرغنا من السؤال الثاني.
وأما السؤال الثالث، وهو عن صاحب الحال ههنا، فإن الاسم المضمر في
" أطيب " الذي هو راجع على المبتدأ من خبره هو صاحب الحال الأول، فبسراً حال منه، و " رطباً " حال من الضمير المجرور بمن وان كان المجرور بمن هو المرفوع المستتر في " أطيب " من جهة المعنى، ولكنه تنزل منزلة الأجنبي، ألا ترى أنك لو قلت: " زيد قائماً أخطب من عمرو قاعداً،، لكان قاعداً " حال من الاسم المخفوص بمن - وهو عمرو - فكذلك (رطبا) حال من الاسم المضمر المجرور بمن.
وأما السؤال الرابع - وهو جواز التقديم والتأخير - فإن الحال الأولى يجوز فيها ذلك لأن العامل فيها لفظي، وهو ما في " أطيب " من لفظ الفعل:
فلك أن تقول:
" هذا بسراً أطيب منه رطبا "، وأن تقول: هذا أطيب بسراً منه رطباً "
وهو الأصل.
فإن قيل: فإذا كان هذا هو الأصل، فلم مثل " سيبويه " بها مقدمة، وكان ذلك أحسن عنده من أن يؤخرها؟
فالجواب: أنه أراد تأكيد معنى الحال فيها، لأنه ترجم عن الحال فلو أخرها
لأشبهت التمييز، لأنك إذا قلت: " هذا الرجل أطيب بسراً وفلان ".
فبسراً - لا محالة - تمييز، وإذا قدمت " بسراً " على " أطيب من كذا ".
فبسراً - لا محالة - حال ولا يصح أن يخبر بهذا الكلام عن رجل ولا عن شيء سوى التمر وما هو في معناه.
فإذا قلت: " هذا أطيب بسراً "، احتمل الكلام قبل تمامه وقبل النظر في
قرائن أحواله أن يكون " بسراً " تمييزاً وأن يكون حالاً، وبينهما في المعنى فرق
عظيم، فاقتضى تحصين المعنى والحرص على البيان للمراد تقديم الحال الأولى
على عاملها، ولو أخرت لجاز.
وأما الحال الثانية فلا سبيل إلى تقديمها على عاملها، لأنه معنوي، والعامل
المعنوي لا يتصور تقديم معموله عليه، لأن العامل اللفظي إذا تقدم عليه منصوبه الذي حقه التأخير، قلت فيه: " مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى "، فقسمت العبارة بين اللفظ والمعنى.
فإذا لم يكن للعامل وجود في اللفظ لم يتصور تقديم المعمول عليه: لأنه لا
بد من تأخير المعمول عن عامله في المعنى، فلا يوجد إلا بعده، وعامله متقدم
عليه، لأنه منوي غير ملفوظ به، فلا تذهب النية والوهم إلى غير موضعه.
بخلاف اللفظي فإن محل اللفظ اللسان ومحل المعنى القلب، فإذا ذهب اللسان باللفظ إلى غير موضعه لم يذهب القلب بالمعنى إلا إلى موضعه وهو التقديم، فتأمله.
وأما السؤال الخامس، وهو الاشتقاق، فإن الاشتقاق لا يلزم في الحال، إنما
يلزم فيها أن تكون صفة متحولة، لأن الحال مشتقة من التحول، فإذا كان صاحب الحال قد أوقع الفعل في صفة غير لازمة للفعل، فلا تبال أكانت مشتقة أم غير
مشتقة، فقد جاء في الحديث: " يتمثل لي الملك رجلًا ".
فرجلا: حال، لأن صورة الرجل طارئة على الملك في حال التمثل، وليست لازمة للملك إلا في وقت وقوع الفعل منه وهو التمثل، فهي إذاً حال لأنه قد تحول إليها.
ومثله: (يخرجكم طفلًا).
ومثله قولك: " مررت بهذاً العود شجراً ثم مررت به رماداً ".
فهذه كلها أحوال وإن كانت جامدة لأنها صفات يتحول الفاعل إليها وليس يلزم في الصفات أن تكون كلها فعلية، بل منها نفسية ومعنوية وعدمية، وهي صفة النفي، وإضافية وفعلية، ولا يكون من جميعها حالًا إلا ما كان الفعل واقعاً فيه وجاز خلوه عنها، وأما ما كان لازما الاسم فيها لا يجوز خلوه عنه، فلا يكون حالاً منتصبة بالفعل، نحو قولك: " قرشيا "
و" حبشياً " و " ابناً لزيد " و " أخاً لعمرو "، فإذا أردت النسب لا يكون
شيء من هذا كله حالاً، فافهمه.
وأما السؤال السادس، وهو: (ما) المشار إليه في
قولك: " هذا بسراً "، فهي الشيء الذي تتعاقب عليه هذه الأحوال.
وهو ما تخرجه النخل من أكمامها فيكون بلحاً ثم سيابا، ثم جدالاً ثم بسراً إلى أن يكون رطباً.
ورأيت لبعض الأشياخ أنه قال: " إذا قدرته بإذا فالإشارة إلى الجدال.
والتقدير: " هذا الجدال إذا كان بسراً ". وإذا قدرته بإذ فالإشارة إلى الرطب، والتقدير: " هذا إذا كان بسراً ".
وهذا تكلف لا معنى له، لأنا سنبطل إضمار " إذ " و " إذا " فيما بعد وإضمار
" كان " وهو السؤال السابع.
ووجه آخر يبطل ما ذهب إليه هذا الشيخ، وهو أنه لا معنى لتخصيص
" الجدال " و " الرطب "، فإنها مسألة لا تختص بهذا المعنى، بل تقول:
" زيد قائماً أخطب منه قاعداً "، و " هو راكباً أسرع منه ماشياً ".
فالإخبارُ إنما هو عن الاسم الحامل للصفة التي هي حال، وقولك " هذا وأنت تشير إلى الجدال أو السياب، إن كنت تريد الصفة التي هي الجدالية فهو محال، لأن البسرية ليست صفة للجدالية.
وإنما هي صفة وحال للجوهر الموصوف.
فلم يبق إلا أن تكون الإشارة إلى الجوهر الذي تتعاقب عليه الأحوال.
وكذلك أيضاً يبطل قول من زعم أن معنى الإشارة في هذا هو العامل في
" بسراً " إِذ لا تختص هذه المسألة بهذه الصورة بل قال ابن سلام لعثمان
رضي الله عنهما: أنا خارجاً أنفع مني لك داخلاً.
وكذلك: " زيد فارساً أشجع منه راجلاً "، لا إِشارة ههنا ولا معنى إِشارة، فبطل هذا القول، ورأيته منسوبا إلى " النسوي "، وليس بشيء فافهم.
وأما السؤال السابع - وهو اختيار نصبهما على الحال دون إضمار " كان "
وإذا - فإذا " كان " لا تضمر، قال سيبويه: " لو قلت: عبد الله المقتول تريد: كن عبد الله المقتول لم يجز ".
وبرهان قوله في ذلك أن " كان " الزمانية ليست عبارة عن الحدث: وإنما هي
عبارة عن الزمان، والزمان لا يضمر، وإنما يضمر الحدث إذا كان في الكلام ما يدل عليه وليس في الكلام ما يدل على الزمان الذي يقيد به الحدث، إلا أن يلفظ به، فإن لم يلفظ به لم يعقل.
فإن قلت: تضمر " كان " التامة، وتكون " بسراً " حالاً تعمل فيه " كان " التامة؟
قلنا: هذا كلام من لم يفهم " كان " فإن " كان " الزمانية و " كان " التامة يرجعان إِلى أصل واحد، ولا يجوز إضمار واحد منهما.
وكشف سرهما يطول، وليس هدا موضع ذكره.
"
وإذا لم يجز إضمار " كان " على انفرادها فكيف يجوز إضمار " إذا " و " إذ " معها
وأنت لو قلت: سآتيك جاء زيد، تريد: " إذا جاء زيد "، كان خلفاً من الكلام بإجماع.
وإذا كان كذلك كان من هدا الموطن أبعد، فإنه لا يدري ههنا إذ تريد أم
إذا؟ وفي قولك: " سآتيك " لا يحتمل إلا أحدهما، بخلاف قولك:
زيد قائماً أخطب منه قاعداً.
وإذا بعد كلّ البعد إضمار الظرف ههنا فإضماره مع " كان " أبعد، ومن قدره من النحويين فإنما أشار إلى شرح المعنى بضرب من التقريب على المبتدئين.
والحمد لله رب العالمين.