نتائج الفكر في النحوصفحات 128-167

باب الأفعال

صفحات 128-167
عن هذه الطبعة
عَلَم
السهيلي
الكتاب
نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
المؤلف
أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروتالطبعة الأولى: 1412 - 1992 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
عَلَم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب
نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الأجزاء
1

فهذا ونحوه مما دعاهم إلى تقديم العلامة في نحو قولهم: " أكلوني البراغيث ". وقد ورد في الصحيح نحو قوله عليه الصلاة والسلام: " يتعاقبون فيكم ملائكة... ". وكما أن هذه العلامة ليست للفعل إنما هي للفاعلين، فكذلك التاء في: ظفرت يداك، وقامت هند، ليست للفعل، إذ الفعل عبارة عن الحدث، وهو اسم مذكر لا تلحقه علامة التأنيث إلا في التحديد، نحو: ضربة وقتلة.
وقد تقدم أن الفعل لم يشتق من المصدر محدوداً وإنما يدل عليه مطلقاً.
فثبت بهذا أن التاء حرف بمنزلة العلامة التي تقدم ذكرها، إلا أنها ألزم للفعل منها، إذ كل العرب تقول: قامت هند، ولا تكاد تقول: قاموا أخوتك، إلا قليل منهم.
وقد ذكر النحويون فروقاً في ذلك وعللاً غنينا عن ذكرها، إذ كانت في كتبهم مسطورة.
ولكنا نشير إلى فصول أغفلوها من أحكام تاء التأنيث.
زعموا أن الاسم المؤنث إذا كان تأنيثه حقيقياً، فلا بد من لحوق " تاء " التأنيث في الفعل، وإن كان تأنيثه مجازياً كنت مخيراً في إثبات الئاء وتركها.
وزعموا أن " التاء " في (قَالَتِ الْأَعْرَابُ) لتأنيث الجماعة، وتأنيث الجماعة

غيرحقيقي.
وقد كان على هذا لحوق التاء في قوله تعالى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ) أولى.
إذ كان تأنيث النسوة حقيقة.
واتفقوا أن الفعل إِذا تأخر عن فاعله المؤنث، فلا بد من إثبات تاء التأنيث، وإن لم يكن تأنيثه حقيقة، ولم يذكروا فرقا بين تقدم الفعل وتأخره.
وفي هذا كله وهن لأصولهم، ودليل على قلة تحصيلهم.
ومما يسألون عنه أن يقال: إِذا لحقت " التاء " لتأنيث الجماعة، فلم لا يجوز في الجمع (المسلم)، فيحسن: " قالت الكافرون " و " قالت الظالمون "، كما حسن: (قالت الأعراب) و " ذهبت الأحقاد "، ونحوه؟.
ومما يسألون عنه أن يقال: إذا كان لفظ الجماعة مؤنثاً، فلفظ الجمع مذكر.
فلم روعي لفظ التأنيث، ولم يراع لفظ التذكير؟.
فإن قالوا: أنت مخير، إن راعيت لفظ الجمع ذكرت، وإن راعيت لفظ الجماعة أنثت.
قلنا: هذا باطل، فإن أحداً من العرب لا يقول: الهندات ذهب، ولا: الجمال انطلق، ولا: الأعراب تكلم، مراعاة للفظ الجمع، فدل على أن الأمو بخلاف ما ذكروه، والله أعلم.
والأصل في هذا الباب أن الفعل مئى انصل بفاعله، ولم يحجز بينهما حاجز.
لحقت التاء علامة للتأنيث، ولا يبالى إذا كان تأنيث الفاعل حقيقة أم مجازاً.
تقول: طالت النخلة، كما تقول: جاءت المرأة، اللهم إلا أن يكون الاسم المؤنث في معنى اسم آخر مذكر، كالحوادث والحدثان، والأرض مع المكان، فقد جاء: فإن الحوادث أودى بها

ولا أرض أبقل أبقالها حمل الحوادث على الحدثان، وحمل الأرض على الموضع والمكان، مع أنه شعر، والشعر موضع ضرورة.
فإذا فصلت الفعل عن فاعله، فكلما بعد عنه قوي حذف العلامة منه، قالوا: حضر القاضي اليوم امرأة.
وفي القرآن: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ).
هذا مثل هذا في الجواز.
كما أنه إذا تأخر الفعل عن الفاعل وجب ثبوت التاء فيهما جميعاً، تقول: المرأة حضرت، كما تقول: الصيحة أخذتهم، والنخلة طالت.
وما أشبه ذلك لأن الفعل إذا تأخر كان (فاعله) مضمراً فيه متصلًا به اتصال الجزء بالكل، فلم يكن بد من ثبوت التاء لفرط الاتصال.
وإذاً تقدم الفعل متصلاً بفاعله الظاهر، فليس مؤخر الاتصال كهو مع المضمر لأن الفاعل الظاهر كلمة والفعل كلمة أخرى، والفاعل المضمر والفعل كلمة واحدة فكان حذف " التاء " في قامت هند، وطالت النخلة، أقرب إلى الجواز منه في قولك: النخلة طالت.
فإن حجز بين الفعل وفاعله حاجز، كان حذف " التاء " حسناً، وكلما كثرت الحواجز كان حذفها أحسن.
فإن كان الفاعل جمعاً مكسراً أدخلت التاء لتأنيث الجماعة، وحذفت لتذكير

اللفظ، لأنه بمنزلة الواحد في أن إعرابه كإعرابه، ومجراه في كثير من الكلام مجرى اسم الجنس.
فإن كان الجمع مسلماً فلا بد من التذكير لسلامة لفظ الواحد، فلا تقول: قالت الكافرون، لأن اللفظ بحاله لم يتغير بطروء الجمع عليه.
فإن قلت: فلم لا تقول: " الأعراب قال ":، و " الجمال ذهب ". كما يجوز ذلك في حال تقديم الفعل؟.
قلنا: ثبوت " التاء " إنما كان مراعاة لمعنى الجماعة، فإن أردت ذلك المعنى أثبت " التاء " وإن تأخر الفعل لم يجز حذفه لاتصال الضمير، وإن (لم) ترد معنى الجماعة حذفت " التاء " إذا تقدم الفعل، ولم يحتج إليها إذا تأخر لأن ضمير الفاعلين جماعة في المعنى وليس بجمع، لأن الجمع مصدر: " جمعت أجمع " فمن قال: إن التذكير في " ذهب الرجال " و " قام الهندات " مراعاة لمعنى الجمع، فقد أخطأ.
وأما حذف التاء من (قال نسوة) فلأنه اسم جمع بمنزلة رهط ونفر، ولولا أن فيه هاء التأنيث لقبحت " التاء " في فعله.
ولكنه قد بجوز أن يقال: " قالت نسوة " كما تقول: " قال فتية وصبية ". فإن قلت: " النسوة " - بالألف واللام - كان دخول " التاء " في الفعل أحسن من تركها، كما كان ذلك في (قالت الأعراب)، لأن الألف واللام للعهد، فكان الاسم قد تقدم ذكره، فأشبهت حال الفعل حاله إذا كان فيه ضمير يعود إلى مذكور، من أجل الألف واللام، فإنها ترد على معهود.
فإن قيل: فإذا استوى ذكر " التاء " وتركها في الفعل المفعول عن الفاعل المؤنث، فما الحكمة لاختصاصها في الفعل في قصة شعيب، وحذفها في قصة صالح في قوله: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) ؟. فالجواب: أن الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي، إذ كانت

منتظمة بقوله سبحانه وتعالى: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66). فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية، فقوي التذكير، بخلاف الآية الأخرى، والله أعلم.
فإن قيل: فلم قلتم: إن التاء حرف ولم تجعلوها علامة إضمار إذا تأخرت.
وعلامة تأنيث إذا تقدمت؟.
قلنا: قول العرب: الهندان قامتا وفعلتا، وبالتاء والضمير معاً، يدل على أن التاء حرف وليست بضمير، إذ لا يكون للفعل ضميران فاعلان، وهذا بين لا خفاء به وبالله التوفيق.
فإن قيل: فما الفرق بين قوله عز وحل: (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ).
(وبين قوله): (وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) حتى ثبتت التاء في إحداهما، وحذفت في الأخرى؟.
قلنا: لو كان هذا السؤال في غير القرآن ما احتاج إلى جواب، لأن الإثبات والحذف جائزان، فللمتكلم أن يفعل من ذلك ما شاء، ولكن كلام (الحكيم) الخبير ليس كغيره من الكلام، لإعجازه في الأسلوب والانتظام.
والفرق بين الموضعين المتقدمين لائح من وجهين: أحدهما لفظي والآخر معنوي.
أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: (حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) أكثر منها في قوله: (حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ).
وقد تقدم أن الحواجز بين الفعل والفاعل) كلما كثرت كان حدف " التاء " أحسن - وأما الفرق من جهة المعنى فإن (مَنْ) في سورة النحل واقعة على الأمة، وهي مؤنثة لفظاً، ألا تراه يقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) ثم قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ).
أي: من الأمم أمم ضلت أو حقت عليها الضلالة (ولو قال بدل ذلك: ضلت، لتعينت التاء، ومعنى الكلامين واحد، وإذا كان معنى الكلامين واحداً كان إثبات التاء أحسن من تركها، لأنها ثابتة فيما هو في

معنى الكلام.
وليس كذلك قوله تعالى: (وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)، لأن معناه: وفريقاً ضلوا، بغير تاء في اللفظ، فليحسن حذفها إذاً فيما هو في معناه، فكثيراً ما تفعل العرب ذلك، تدع حكم اللفظ الواجب له في القياس، إذا كان في معنى الكلمة ما ليس له ذلك الحكم، ألا تراهم يقولون: " هو أحسن الفتيان وأجمله في معنى: هو أحسن فتى وأجمله، ونظائره كثيرة.
فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس أن لا يجوز، فما ظنك به حيث يجوزه القياس والاستعمال.
وأحسن من هذه العبارة أن تقول: إنهم أرادوا " أحسن شيء وأجمله "، بجعل " شيء " مكان " فتى " في اللفظ، لأن في الصحيح قوله عليه السلام: " خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه (على زوج) في ذات يده ". فلو كان التقدير هناك: " أحسن فتى " حين ذكر الفتيان، لقلنا هنا: " أحناها على ولد " إذا ذكر النسوان.
ولكن التقدير كما قدرناه لا كما قدروه، والله المستعان.

مسألة

(من تقديم الفاعل)

قوله: " واعلم أن الوجه تقديم الفاعل ". قسم النحويون هذا الفصل أربعة أقسام: قسم لا يجوز فيه إلا تقديم الفاعل على المفعول، نحو: ضرب موسى عيسى، وضربت حذام قطام، وكل موضع لا يظهر فيه علامة إعراب.
وقسم لا يجوز فيه تأخير المفعول، نحو: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ)، من أجل الضمير الذي لا يجوز تقديمه قبل الذكر.

وقسم يكون فيه تقديم الفاعل أحسن من تأخيره، نحو: ضرب زيد عمراً.
وقسم يكون فيه تقديم المفعول أحسن.
نحو: أعجب زيداً ما كره عمرو، لأن الفاعل لا يظهر فيه الإعراب، فكان تقديم المفعول الذي يظهر فيه الإعراب أولى.
حرصاً على إفهام المخاطب.
والذي ذكروه حق، ولكننا ننبه على مسألتين: إحداهما: لا يجوز فيها تأخير الفاعل وهو معرب والمفعول كذلك.
ومسألة يقدم فيها الفاعل على المفعول، فإن أخر انعكس المعنى، واختلف المقصد والمغزى.
أما المسألة الأولى فقولك: " ضرب القوم بعضهم بعضاً، لا يجوز تأخير الفاعل ههنا من أجل حذف الضمير من المفعول، إذ كان الأصل أن يقال: ضرب بعضهم بعضهم، إذ حق البعض أن يضاف إلى الكل ظاهراً أو مضمراً، فلما حذفوه من المفعول استغناء بذكره في الفاعل، لم يجيزوا تأخير الفاعل فيقولوا: ضرب بعضاً بعضهم، لأن اهتمامهم بالفاعل قد قوي وتضاعف لاتصاله بالضمير الذي لا بد منه، فبعد أن كانت الحاجة إلى الفاعل مرة، صارت الحاجة إليه مرتين.
فإن قيل: فما المانع له من إضافة " بعض " إلى الضمير إذا كان مفعولاً دون الفاعل، فتقول: (ضرب بعضهم بعضاً).
قلنا: الأصل أن يذكر الضمير فيهما جميعا، فلما أرادوا حذفه من أحدهما تخفيفاً، كان حذفه مع المفعول - الذي هو كالفضلة في الكلام - أولى من حذفه مع الفاعل الذي لا بد منه ولا غنى عنه، وليتصل بما يعود إليه ويقرب منه.
نعم قد

يضاف إليه " بعض " وهو مفعول، إذ كان البعض الآخر مجروراً، كقولك: خلطت القوم بعضهم ببعض، لأن رتبة المفعول ههنا التقديم (على المجرور، كما كانت رتبة الفاعل التقديم) على المفعول، فحق الضمير العائد على الكل أن يتصل بما هو بتقديمه أهم.
وأما المسألة الأخرى، التي يختلف فيها المعنى، فمثل أن يكون قبل الفعل " إنما " نقول: إنما يأكل زيد الخبز، فحققت ما يتصل ومحقت ما ينفصل.
وهذه عبارة أهل سمرقند في " إنما " يقولون: إنها وضعت لتحقيق (المتصل وتمحيق المنفصل، وتلخيص) هذا الكلام أنها نفي وإثبات، فأثبت لزيد أكل الخبز المتصل به في الذكر، ونفيت ما عداه، فمعناه: ما يأكل زيد إلا الخبز.
فإن قدمت المفحول ههنا فقلت: إنما يأكل الخبز زيد، اختلف المعنى.
وانعكس مقصد الكلام، فكأنك قلت: ما يأكل الخبز إلا زيد.
فهذه المسألة تخالف الأربعة الأقسام التي ذكرها النحويون، لأن المعنى في جميع تلك الأقسام قدمت أو أخرت واحد والمعنى في هذه المسألة مختلف، ألا ترى أن معنى قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ليس كقولك: إنما يخشى العلماء الله، لأنك إذا أخرت نفيت الخشية من غير العلماء، وإذا قدمت الفاعل نفيت الخشية أن تتعلق بغير الله سبحانه وتعالى.
وهذا واضح لا خفاء به عند التأمل.
والله الموفق.
ومما يوضح لك ما ذكروا من النفي والإثبات في " إنما " قول همام: أدافع عن أعراض قومي وإنما... يدافع عن أعراضهم أنا أو مثلي

فجعل الضمير المنفصل وهو أنا فاعلاً، وهو متصل في اللفظ بالفعل، وما ذاك إلا أن بينه وبين الفعل حاجزاً في المعنى، وهو " إلا " فكأنه قال: ما يدافع عن أعراضهم إلا أنا أو مثلي.
فقد وضح لك النفي والإثبات المذكوران في " إنما ".

مسألة

(في الأسماء النواقص)

اعلم أن العرب لما جعلت الاسم الذي هو الذي ذو وصلة إلى وصف النكرات بالأجناس فقالوا: هذا رجل ذو مال، حيث لم يمكنهم أن يشتقوا من " المال " ونحوه اسماً بكون وصفاً للرجل جارياً عليه، كما أمكنهم ذلك في الفعل، حيث اشتقوا منه أسماء يصفون بها ويضمرون فيها ما يعود على الموصوف.
فلما لم يمكنهم ذلك في الاسم الجامد توصلوا إلى الوصف به بكلمة جارية على الاسم الذي قبلها في الإعراب، ليكون جريها عليه في الإعراب رابطاً لها به، وإضافتها إلى الاسم الذي بعدها رابطاً بينها وبينه، حيث لم يكن رابط سوى ما ذكرناه من ضمير ولا غيره.
وإذا أرادوا وصف النكرة بجملة، كان الضمير الذي فيها رابطاً لها بالاسم الموصوف بها، كقولك: مررت برجل أبوه قائم، فلم يحتاجوا إلى أكثر من الضمير العائد، فإذاً أرادوا وصف المعرفة بجملة لم يمكنهم من ذلك ما أمكنهم في النكرة لوجهين:

أحدهما: أن النكرة مفتقرة إلى الوصف والتبيين، فعلم أن الجملة بعدها تبيين لها، وتكملة لفائدتها.
الوجه الثاني: أن الجملة تتنزل منزلة النكرة لأنها خبر، ولا يخبر المخاطب إلا بما يجهله لا بما يعرفه، فصلح أن يوصف بها النكرة، والمعرفة بخلاف هذا كله.
لو قلت: جاءني زيد أبوه قائم، على جهة الوصف، لما ارتبط الكلام بعضه ببعض، لاستقلال كل واحد منهما بنفسه، فجاؤوا بالوصلة التي وصلوا بها إلى وصف النكرة بالأجناس، وهي قولك: ذو، فقالوا: هذا زيد ذو قام أبوه، وذو وجه حسن.
هذه لغة طىء، وهي الأصل.
قال الشاعر: وبئري ذو حفرت وذو طويت ثم إن العرب لما رأوه اسماً وصف به المعرفة، أرادوا تعريفه ليتفق الوصف والموصوف في التعريف، فأدخلوا الألف واللام عليه.
ثم ضعفوا اللام كيلا يذهب لفظها بالإدغام، ويذهب ألف الوصل في الدرج فلا يظهر التعريف فجاء منه هذا اللفظ: الذو.
فلما رأوا الاسم قد اتفصل عن الإضافة حيث صار معرفة، فقلبوا " الواو " منه ياء، إذ ليس في كلامهم " واو " متطرفة مضموم ما قبلها إلا وتنقلب " ياء "، كقولهم:

دلو وأدل.
ولا نطول بتكثير النظائر، لأن الأصل معروف عند الشادين.
فلما انقلبت الواو ياء، والضمة كسرة، صار اللفظ " الذي ". وإنما صحت الواو في قولهم " ذو " لأنها كانت في حكم التوسط، إذ المضاف مع المضاف إليه كالاسم الواحد.
وفي معنى " ذو " الذي هو مضاف طرف من معنى ذا الذي هو اسم مبهم، ألا تراه يبين باسماء الأجناس كقولك: هذا الغلام، وهذا الرجل، فيتصل بها على جهة البيان، كما يتصل بها " ذو " على جهة الإضافة، ولذلك قالوا في المؤنث من (الذي: التي بالتاء، كما قالوا في المؤنث من) ذا: هاتا، وهاتين.
والله أعلم.
وأما استحقاقه للبناء - أعني الذي - فلما ذكره النحويون من مضارعة الحرف والإبهام والنقصان في نفسه، حتى كأنه بعض كلمة.
وأما إعرابه في حال التثنية فلأن علامة التثنية هي الألف، وهي بعينها علامة الرفع في الأسماء فلم يكونوا ليبنوا وفيه علامة الإعراب، ولم يكونوا ليسقطوها فيبطل معنى الثثنية، فكان ترك مراعاة علة البناء أهون عليهم من إبطال معنى التثنية، ولذلك أعربوا " اثني عشر " و " هذين "، و " يا زيدان ". فإن قيل: فما بالهم بنوا الجمع - أعني الذين - وهو على حد تثنية، وفيه علامة الإعراب؟ قلنا: الجمع يفارق التثنية من وجهين: أحدهما: أن الجمع قد يكون إعرابه كإعراب الواحد بالحركات، نعم، وقد يكون الجمع اسماً واحداً في اللفظ كقولك: قوم ورهط.
الثاني أن الجمع في حال نصبه وخفضه يضارع لفظه لفظ الواحد، من حيث كان آخره ياء مكسوراً ما قبلها، فحملوا الرفع الذي هو أقل حالاته على النصب والخفض، وغلبوا عليه البناء، حيث كان لفظه في الإعراب في أغلب أحواله كلفظه في البناء.
وليس كذلك التثنية، لأن ياءها مفتوح ما قبلها، فلا يضارع لفظها في شيء من أحوالها لفظ الواحد.

وأما النون في " الذين " فلا معتبر بها، لأنها ليست في الجمع ركنا من أركان صيغته، لسقوطها في الإضافة وفي ضرورة الشعر، كما قال: وإِنَّ الذي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ... هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ وأما " ما " الموصولة فهي في قول النحويين بمعنى (الذي)، وليس كذلك، وإن واففت " الذي " في أكثر أحكامها، فإنها مخالفة لها في المعنى وفي بعض الأحكام.
أما المعنى فإن " ما " اسم مبهم في غاية الإبهام، حتى إنها تقع على كل شيء.
وتقع على ما ليس بشيء، ألا ترى أنك تقول: إن الله عالم بما كان وبما لم يكن.
وما لم يكن معدوم، والمعدوم ليس بشيء، فلفرط إبهامها لم يجز الإخبار عنها حتى توصل بما يوضحها، وكل ما وصلت به يجوز أن يكون صلة " الذي "، فهي توافق " الذي " في هذا الحكم، وتخالفه في أنها لا تكون نعتاً لما قبلها ولا منعوتة، لأن صلتها تغنيها عن النعت.
وأيضاً فلو نعتت بنعت زائد على الصلة لارتفع إبهامها.
وفي ارتفاع الإبهام منها جملة بطلان حقيقتها وإخراجها عن أصل موضوعها.
وتفارق " الذي " أيضاً في امتناعها في التثنية والجمع، وذلك أيضاً لفرط إبهامها.
فقد وضح لك ما بينها وبين " الذي " من الفرق في المعنى والحكم.
فإذا ثبث ما قدمناه فلا يجوز أن توجد إلا موصولة، لأنه لا يعقل معناها إلا بالصلة ولا يجوز أن توجد إلا واقعة على جنس تتنوع منه أنواع، لأنها لا تخلو من الإبهام أبداً.

ولذلك كان في لفظها ألف آخرة لما في الألف من الحد والاتساع في هواء الفم، مشاكلة لاتساع معناها في الأجناس.
فإذا أوقعوها على نوع بعينه، وخصوا ما يعقل وقصروها عليه، أبدلوا الألف نوناً ساكنة، فذهب امتداد الصوت، وصار قصراً للفظ موازناً لقصر المعنى، فقالوا: من عندك.
تخصيصاً بما يعقل.
وإذا كان أمرها كذلك ووقعت على جنس من الأجناس، وجب أن يكون ضميرها العائد عليها من الصلة الذي لا بد للصلة منه، ولولا هو لم ترتبط بموصول حتى تكون صلة (له)، فيجب أن يكون ذلك الضمير بمنزلة ما يعود عليه من الإعراب والمعنى.
ف إذا وقعت على ما هو فاعل في المعنى، كان ضميرها فاعلاً في المعنى واللفظ، كقولك كرهت ما أصابك.
فما مفعولة لكرهت في اللفظ والمعنى.
وإذا وقعت على مفعول، كان ضميرها مفعولاً لفظاً ومعنى، كقولك: سرني ما أكلته، وأعجبني ما لبسته.
فهي في المعنى مفعولة، لأنها عبارة عن الملبوس والمأكول، فضميرها مفعول في اللفظ والمعنى.
وكذلك إذا وقعت على المصدر كان ضميرها مفعولاً مطلقاً لأن المصدر كذلك.
وإن وقعت على الظرف كان ضميرها مجروراً بفي، لأن الظرف كذلك هو في المعنى، إلا أنها لا تقع من المصادر إلا على ما تختلف أنواعه للإبهام الذي فيها، وسيأتي شرح ذلك وبيانه آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: أليس قد وقعت على ما يعقل في مواضع من القرآن وكلام العرب، خلافاً لما نص عليه النحويون، كقوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).
وكقوله سبحانه وتعالى: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا).
وكقوله: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ).
قلنا: هي في كل هذا على أصلها من الإبهام والوقوع على الجنس العام، لم يرد بها ما يراد بـ " من " التعيين لما يعقل والاختصاص به دون غيره.
ومن فهم جوهر الكلام عرف ما نقوله، واستبان له من الحق سبيله.
أما قوله عز وجل: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، فهذا كلام ورد

في معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه من السجود، ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ من حيث كان السجود لما يعقل، ولكن لعلة أخرى وهي المعصية والتكبر على ما لم يخلقه، إذ لا ينبغي التكبير لمخلوق على مخلوق مثله، وإنما التكبر للخالق وحده، فكأنه يقول له - سبحانه -: لم عصيتني وتكبرت على ما لم تخلقه وخلقته أنا، وشرفته وأمرتك بالسجود له؟ فهذا موضع " ما "، لأن معناها أبلغ ولفظها أعم.
وهو في الحجة أوقع، وللعذر والشبهة أقلع، فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن خلقت، لكان استفهاماً مجرداً من توبيخ وتبكيت، ولتوهم أنه وجد السجود له من حيث كان يعقل، أو لعلة موجودة في ذاته وعينه.
وليس الأمر كذلك، فلا معنى لتعيينه بالذكر، وترك الإبهام في اللفظ.
وكذلك قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا) لأن القسم تعظيم للمقسم به.
واستحقاقه للتعظيم من حيث بنى وأظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء، ومن حيث سواها بقدرته وزينها بحكمته.
فاستحق التعظيم وثبتت له القدرة، كائناً ما كان هذا المعظم فلو قال: " من بناها " لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه للقسم به، من حيث اقتدر على بنيانها، ولكان المعنى مقصوراً على ذاته ونفسه دون الإيماء إلى أفعاله الدالة علي عظمته المنبئة عن حكمتها، المفصحة لاستحقاقه التعظيم من خليقته.
وكذلك قوله سبحانه: (يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)، لأن الرعد صوت عظيم (من جرم عظيم)، فالمسبح به لا محالة أعظم، واستحقاقه للتسبيح من حيث سبحته العظيمات من خلقه، لا من حيث كان يعلم.
ولا نقول: " بعقل " في هذا الموضع، تأدبا وتأسياً بالشريعة.
فإذا تأملت ما ذكرناه، ونظرث في آخر الفصل ما ندكره من " ما " الواقعة على المصدر، استبانت لك جهالة القائلين من النحويين أن " ما " مع الفعل بتأويل المصدر، وأن المعنى: والسماء وبنيانها، فلا لصناعة النحو وفقوا، ولا لفهم التأويل رزقوا، وأكثروا الحز وأخطأوا المفصل وما طبقوا.
وأما قوله عز وجل: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)، فما على بابها، لأنها واقعة

على معبوده - عليه الصلاة والسلام - على الإطلاق، لأن امتناعهم عن عبادة الله تعالى ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به، فقوله: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)، أي: أنكم لا تعبدون معبودي، ومعبوده هو كان يعرفه دونهم وهم جاهلون به.
ووجه آخر، وهو أنهم كانوا يشتهون مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسداً له، وأنفة من اتباعه، فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لاتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشهوتهم لمخالفته في العبادة، كائناً ما كان معبوده وإن لم يكن معبوده إلا الحق سبحانه وتعالى.
فعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى النبيه الرفيع، إلا " ما " لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية، وبالله التوفيق.
ووجه ثالث - وهو: ازدواج الكلام - أصل في البلاغة، وبديع في الفصاحة، مثل قوله عز وجل: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) و (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ).
فسمَّى المعاقبة اعتداء لازدواج الكلام وحسن الانتظام.
وكذلك قوله عز وجل: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) ومعبودهم لا يعقل، ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد)، فاستوى اللفظان وإن اختلف المعنيان، كما كان ذلك في قوله عز وجل: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) وفي قوله عليه الصلاة والسلام: " إن فلاناً هجاني، فاهجه اللهم ". هذا حسن من جهة اللفظ، والذي قدمناه أقوى في المعنى، وأنفى للشك وأجلى للعمى، والله الموفق لسبيل الهدى، والمشكور على ما هب من نعمى.

(زيادة فائدة في الآية)

إن قيل: ما الفائدة في تكرير لفظ الفعل على بنية المستقبل حين أخبر عن نفسه، وتكريره بلفظ الماضي حين أخبر عنهم، فقال: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) ؟. قلنا: في ذلك إشارة وإيماء إلى عصمة الله - عز وجل - له في الزيغ والتبديل

والانحراف عن عبادة مولاه، وأن معبوده واحد في الحال وفي المآل، وهو له بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم، فهم معرضون لأنهم يعبدون اليوم إلهاً، وغداً آخر، فلذلك قال: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) يعني الآن، (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) أنا الآن أيضاً.
ثم قال: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ) يعني فيما يستقبل.
وأدخل فيها معنى الشرط، ولذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وهو مستقبل في المعنى، كما يكون ذلك بعد حروف الشرط، كأنه يقول: مهما عبدتم شيئاً فلا أعبده ". فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط وقد عمل فيها الفعل، وليس فيها جواب؟.
قلنا: لم نقل إنها شرط محض، ولكن فيها طرف من معناه، لوقوعها على غير معين وإبهامها في المعبودات، كما كان ذلك في " قوله عز وجل: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا).
حتى وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وقد عمل فيها الفعل وليس لها جواب، لقربها من الشرطية في المعنى، لأن معنى الكلام: " من كان في المهد صبياً، فكيف نكلمه؟ " فجاءت " كان، بلفظ الماضي، والمراد بها الاستقبال لما فيها من معنى الشرط.
وهذا كله معنى قول: " الزجاج " وغيره.
فإذا ثبت هذا فلا تنكرن أن يكون في " ما " من قوله تعالى: (ما عبدتم) معنى الشرط، بل هو فيها أبين، وإذا كان كذلك فقد وضحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ).
بخلاف قوله: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)، لبعد " ما " فيها عن معنى الشرط، تنبيهاً من الله تعالى على عصمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن اتباع هواه، وتوفيقه إياه إلى أن لا يتخذ رباً سواه، لا إله إلا هو.

فصل

(في وقوع " ما " على المصدر)

قد قدمنا أن " ما " اسم مبهم يقع على جميع الأجناس، والمصدر جنس من الأجناس، فمعنى وقوعه عليه أن يعني بها مصدراً، ثم تصلها بفعل وفاعل.
ثم تعمل ذلك الفعل في ضمير المصدر، وهو العائد على " ما "، فيكون مفعولًا مطلقاً، تقول: أعجبني ما صنعت، أي: أعجبني الفعل الذي صنعته، كما تقول: أعجبني ما لبست أو ما أكلت، فيكون معناه الثوب الذي لبسته، أو الطعام الذي أكلته.
فكما وقعت على الثوب والطعام وغير ذلك، فكذلك وقعت على المصدر والظرف وهى في كل هذا بمنزلة " الذي " كما تقدم.
وظن بعض النحويين أن التي يعني بها المصدر ليست بما الأولى، وإنما هي بمنزلة " أن " مع الفعل، بتأويل المصدر.
وليس كمنا ظنوه، ألا ترى أنك لا تقول: يعجبني ما تجلس كما تقول: يعجبني أن تجلس وأن تخرج وأن تقعد.
ولا تقول في هذا كله " ما "؟ والأصل في هذا الفصل أن " ما " لما كانت اسماً مبهماً، لم يصح وقوعها إلا على جنس تختلف أنواعه، فإن كان المصدر مختلف الأنواع جاز أن تقع عليه ويعبر بها عنه، كقولك: يعجبني ما صنعت، وما عملت، وما فعلت.
وكذلك تقول: ما حكمت، لأن الحكم مختلف أنواعه، وكذلك الصنع والفعل والعمل.
فإن قلت: يعجبني ما جلست، وما انطلق زيد، كان غثا من الكلام، لخروج (ما) عن الإبهام، ووقوعها على ما لا يتنوع من المعاني، لأنه يكون التقدير حينئذ: أعجبني الجلوس الذي جلست، والقعود الذىِ قعدت، فيكون آخر الكلام مفسراً لأوله، رافعاً للإبهام، فلا معنى حينئذ لـ " ما ". فأما قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا)، فلأن المعصية تختلف أنواعها.
وقوله سبحانه وتعالى: (بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77). فهو كقوله: لأعاقبنك بما ضربت زيداً، وبما شتمت عمراً، أوقعتها على الذنب، والذنب

مختلف الأنواع، ودل ذكر المعاقبة والمجازاة على ذلك، فكأنك قلت: لأجزينك بالذنب الذي هو ضرب زيد، أو شتم عمرو.
فما على بابها غير خارجة عن إِبهامها.
وأما قولهم: طالما أقمنا في هذا المكان وطالما قعدنا، فما واقعة على الزمان.
والفعل بعدها متعد إلى ضميره، والتقدير: طال زمان أَقمنا فيه وقعدنا فيه، والزمان مبهم وأما قولهم: كلما جاء زيد كلمته، فما التي أضيف إليها (كل) ظرف زمان في المعنى فهما كالتي قبلها.
وأما قولهم: اجلس ما جلس زيد، و (صلوا كما رأيتموني أصلي).
فقد ظن أكثر الناس أنها بمعنى المصدر ها هنا.
وقد تبين فساد هذا المذهب، لأن الفعل ههنا خاص غير عام، ولكنها كافة للخافض، ومهيئة لكاف التشبيه أن يقع بعدها الفعل، كما كانت كذلك في " رب " من قوله عز وجل: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2). وفي (إنَّ) من قولك: إنما يقوم زيد، كفتها عن العمل، وهيأتها لوقوع الفعل بعدها، وكذلك كفت " رب " و " كاف " التشبيه عن العمل، وهيأتها لوقوع الجمل بعدهما.
والشاهد بما قلناه قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه -: (كَمَا أَنْتَ)، (فأَنْتَ) مبتدأ والخبر محذوف فلا مصدر ههنا، لأنه لا فعل ثم، فكذلك هي مع " الكاف " إذ كان ثم الفعل.
فهذا بين لا خفاء به، وكذلك هي مع " بعد " من قولك: " بعدما جلس عمرو ". وليست مصدرية لما تقدم من إبطال ذلك، ولكنها كافة لبعد عن الخفض، مهيئة لوقوع الجمل بعدها، ألا ترى إلى قول الشاعر: أَعَلاقَةً أُمَّ الوُلَيِّدِ بعدما... أَفْنانُ رأْسِكِ كالثَّغامِ المُخْلِس؟.

فليس ها هنا فعل فيكون معها مصدراً، كما لم يكن ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - " كَمَا أَنْتَ ". فإن قيل: فما بالهم لم يفعلوا في " قبل " ما فعلوا في " بعد " فيقولوا: " جئت قبل ما ذهب زيد "، كما قالوا: - بعدما؟.
قلنا: في امتناعهم من ذلك في " قبل " شاهد لما قدمناه، من أنها ليست بمصدر، لأنه لا يمتنع: قبل أن يقول زيد، فيكون أن مع الفعل بمعنى المصدر.
فإن قيل: فلم لا تكون كافة لقبل، مهيأة لوقوع الجمل بعدها كما كانت كذلك في بعد؟ قلنا: لا يصح أن توجد كافة الأسماء بالإضافة، فإنها تكون كافة الحروف وما ضارعها، و " بعد " أشد مضارعة للحروف من " قبل "، لأن " قبل " كالمصدر في لفظها ومعناها، تقول: " جئت قبل الجمعة ". تريد الوقت الذي تستقبل فيه الجمعة والجمعة بالإضافة إلى ذلك الوقت قابلة، كما قال الشاعر: .... نحج معاً قالت أعاما وقابله فإذا كان العام الذي بعد عامك يسمى فابلاً فعامك الذي أنت فيه قبل، ولفظها من لفظ قابل.
فقد بأن ذلك من جهة اللفظ والمعنى أن " قبل " مصدر في الأصل والمصدركسائر الأسماء لا يكف به ولا يهيأ لدخول الجمل بعده، وإنما ذلك في بعض الحروف العوامل، لا في شيء من الأسماء.
وأما " بعد " فهي أبعد عن شبه المصدر، وإن كانت تقرب من لفظ البعد ومن

معناه، فليس قربها (من لفظ) المصدر (كقرب) قبل، ألا ترى أنهم لم يستعملوا من لفظها اسم فاعل، فيقولون في العام الماضي: باعد، كما قالوا في العام المقبل: قابل فقابل اسم فاعل من الفعل الذي قبل مصدر له.
فتأمل هذا فإنه مفيد دقيق، وقد جلوته لك في منصة التحقيق.

فصل

(في ما الموصولة)

اعلم أن " ما " إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري - سبحانه وتعالى - فلا يصح وقوعها إلا على مصدر، لإجماع العقلاء من الأنام، في الجاهلية والإسلام، على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام، لا تقول: عملت جبلاً، ولا: صنعت جملًا ولا حديداً، ولا حجراً، ولا ترابا ولا شجراً.
فإذا ثبت ذلك وقلت: أعجبني ما عملت وما فعلت زيد، فإنما تعني الحدث.
فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله سبحانه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96). إلا قول أهل السنة: إن المعنى: والله خلقكم وأعمالكم.
ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول، لأنهم

زعموا أن " ما " واقعة على الأصنام والحجارة التي كانوا ينحتونها، وقالوا: تقدير الكلام: خلقكم والأصنام التي تعملون، إنكاراً منهم بأن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه.
واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوه، لأنه قد تقدم: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ)، فما واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى أما النحو فقد تقدم أن " ما " لا تكون (مع) الفعل الخاص مصدراً.
وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوت.
فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم كذلك " ما " فيها واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، فيكون التقدير: أتعبدون حجارة تنحتونها، والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون؟ هذا كله، معنى قول المعتزلة.
وشرح ما شبهوا به، والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع والمعنى لا يصح غيره.
والذي ذهبوا إليه فاسد لا يصح بحال، لأنهم مجمعون معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام.
فإن قيل: فقد تقول: عملت الصفحة، وصنعت الجفنة، وكذلك الأصنام معمولة على هذا؟.
قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هي التأليف والتركيب.
وهي نفس العمل (وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا، فقد رجع العمل) والفعل إلى الأحداث دون الجوهر.
وهذا إجماع منا ومنهم، فلا يصح حملهم على غير ذلك وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجار الكلام فهو ظاهر.
وتأويلنا معدوم في تأويلهم، لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق، وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق شيئاً و (هم يخلقون) فقال:

(أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ)، أي: ما لا يخلق شيئا وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون، ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية، وقد نسبها بالمجاز إليهم، لما قامت له حجة (عليهم) من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق لأجناس أخر، فيشركهم معه في الخلق - تعالى الله عن قول الزائغين، ولا ولعاً لعثرات المبطلين - فما أدحض حجتهم وما أوهى قواعد مذهبهم! وما أبين الحق لمن اتبعه.. نسال الله الكريم أن يجعلنا من أتباع الحق وحزبه، وأن يعصمنا من شبه الباطل وريبه.
وهذا الذي ذكرناه هو الذي قاله أبو عبيد في قول حذيفة: " إن الله يخلق صانع الخزم وصنعته ". واستشهد بالآية، وخالفه القتبي في (إصلاح الغلط)، فغلط أشد الغلط، ووافق المعتزلة في تأويلها وإن لم يقل بقيلها.
وتلخيص ما تقدم أن " ما " وغيرها من الموصلات إذا عيت بها المصدر، لم يجز أن تكون الصلة فعلاً مشتقاً من ذلك المصدر، لأن الصلة كالصفة توضح

الموصول وتبينه والشيء لا يبين نفسه، إذ لا معنى في الفعل أكثر من الدلالة على المصدر، إلا أن تختلف أنواعه، فتكون الصلة مميزة بين نوع ونوع.

مسألة

(في ياء المتكلم، والنون)

قوله: فإن ظهر اسمك فيه النون والياء، فغيرك فيه مرفوع، لأنها ضمير المفعول به، كقوله: أعجبني وأسخطني وأرضاني وسرني.
وإن ظهر اسمك فيه بالتاء فغيرك فيه منصور، لأنها ضمير الفاعل.
كقولك: كرهت وأحببت واشتهيت، والضمير عند النحويين هي " الياء " وحدها، و " النون " زائدة، زيدت وقاية لآخر الفعل من كسرة.
واستدلوا على ذلك بالقياس على ضمير المخاطب، فإنه " كاف " في حال النصب والخفض.
وكذلك ضمير الغائب " هاء " في حال النصب والخفض، و " النون " زائدة.
وهذا قياس صحيح.
ولكن النص أقطع من القياس، وأرفع للشك والالتباس.
والنص في ذلك للعرب: لعلي، وليتي، قال الله سبحانه وتعالى: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ).
فهذه ياء مفردة في حال النصب.
وكذلك قول ورقة بن نوفل:

فيا ليتي إذا ما كان ذاكم... شهدت وكنت أولهم ولوجا فجعل اسم ليت " ياء " مفردة دون " نون ". ووجه آخر وهو جعلهم " النون " مع " الياء " بعد حروف الخفض، نحو قولهم: مني، وعني، ومن لدني، كيلا يتوهم أن " عن "، و " لدن، و " من " أسماء مضافة إلى الياء، فإذا وجدت النون والياء في موضع الخفض، ووجدت الياء مفردة في موضع النصب، ثم وجدا معاً في موضع نصب، علم قطعاً أن " الياء " هي الضمير دون " النون ". فإن قيل: فما فائدة النون؟ ولم خصت بهذا الموطن دون سائر الحروف؟ فالجواب: أنهم أرادوا فصل الفعل والحروف المضارعة له عن توهم الإضافة إلى " الياء " وكيلا يظن ببعض الكلم أنها أسماء مضافة، والإضافة فيها محال، فألحقوها علامة الانفصال، وعلامة الانفصال في أكثر الكلام هي النون الساكنة، كما تقدم في التنوين فإنها لا توجد في الكلام إلا علامة لانفصال الاسم، حتى أدخلوها في القوافي في الاسم المعرف بالألف واللام، إشعاراً بتمام البيت وانفصاله مما بعده.
كقوله: ...... الدموع الذرافن أَقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ

في الوصل، فإن وقفوا استغنوا عنها.
وقد تقدم من قولنا في " إذن " و " يومئذ " ما يغنى عن إعادته.
وكذلك زادوها قبل علامة الإنكار حين أرادوا

فصل

الاسم من العلامة، كقولهم: أزيد إنيه! وقول الأنصارية - وقد خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنتها لجليبيب -: " أجليبيب إنيه ". ومن العرب من لا يحق هذه النون قبل علامة الإنكار، فيقول في " عمر " مرفوعاً: أعمروه.
وفي " زيد " مرفوعاً: أزيدنيه يحرك التنوين بالكسر، فتنقلب العلامة ياء.
ومنهم من يزيد فصل الاسم عن العلامة كيلا يتوهم أنها من تمام الاسم أو علامة جمع، فيفصل بين الاسم وبينها بنون زائدة يدخل عليها ألف الوصل لسكونها، ثم يحركها بالكسر لالتقاء الساكنين، كما تقدم.
فلما كان من أصلهم تخصيص النون بعلامة الانفصال، وأرادوا فصل الفعل وما ضارعه عن الإضافة إلى الياء، جاءوا بهذه النون الساكنة، ولو سكنوا الياء لكانت ساكنة كالتنوين، ولكنهم كسروها لالتقاء الساكين، كما كسروا التنوين في زيدنيه، وبالله التوفيق.

مسألة

قوله ما دعاك إلى الخروج؟ والمعنى: أي شيء دعاك إلى الخروج؟ " ما ": إذا كانت استفهاماً لم يكن لها صلة، لأنها تنوب مناب ألف الاستفهام والاسم المستفهم عنه، فلو كان ما بعدها صلة لم يجز أن يعمل فيها، لأن الشيء لا يعمل بعضه في بعض وإذا لم بجز أن يعمل فيها، ولا ثَمَّ عامل غيرها، بطل خلو الاسم من أن يكون معمولًا فيه، إذ حد الاسم: ما جاز أن يكون فاعلاً أو مفعولاً، أو دخل عليه حرف من حروف الخفض.
فإن قيل: وما يؤمنكم أن يكون الفعل الواقع بعدها صلة غير عامل فيها، بل في

ضمير عائد عليها، ويكون العامل فيها مضمراً تقديره: " اعلمني " أو: " بين لي " ما أكلته أو شربته.
قلنا: دخول حرف الجر عليها في قولك: لم جئت؟ و: فيم رغبت؟ - دليل قاطع في أن ما بعدها عامل فيها، وظهور الإعراب في " أي " التي في معناها دليل آخر أيضا.
ووقوع الاسم المفرد بعدها دليل آخر ثالث، لأن الاسم المفرد لا يكون صلة إلا على حذف بقبح، وذلك قولك: ما زيد؟ و: ما ذاك؟ ونحوه.
وأما إعرابها إِذا كانت استفهاماً، فعلى حسب ما يكون الاسم المستفهم عنه.
فإذا قلت: ما العين؟ فهي في موضع الخبر، لأنه المسؤول عنه.
وإذا قلت: ما أصابك؟ فهي في موضع المبتدأ، وسائر أحكامها واضح، إلا أن حذف الألف منها في حال الخفض له سر، وهو أنهم أرادوا مشاكلة اللفظ للمعنى، فحذفوا الألف كما أسقطوا الصلة، ولم يحذفوا في حال النصب والرفع، كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد.
فإذا اتصل بها حرف الجر أو اسم مضاف اعتمدت عليه، لأن الخافض والمخفوض بمنزلة واحدة أو بمنزلة كلمة واحدة.
نعم، وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض، ولكن إذا حذفوا الخبر.
يقولون: مه يا زيد؟ (أي): ما الخبر؟ وما الأمر؟ فحين كثر الحذف في المعنى كثر في اللفظ.
ولكن لا بد من هاء السكت لنقف عليها.
ومنه قولهم: " مهيم "؟، كان الأصل: مه يا امرؤ؟ أو: يا مقبل؟ ثم حذفوا إيجازاً وتخفيفا، كما قالوا: إيش؟ يريدون: أي شيء؟ و: م الله.
يريدون أيمن الله.
ثم صيروا الكلمتين كلمة واحدة، فقالوا: مهيم قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف، حين رأى عليه خلوقاً، فأنكره.

(فصل)

وأما " أي " فمعرب بخلاف أخواته لتمكنه بالإضافة.
وإنما لزمته الإضافة لأنه

وضع لتمييز البعض وتعيينه، فلا بد من إضافته إلى الجملة كما يضاف البعض إلى الكل فإن جعلته موصولاً عمل فيه ما قبله ولم يجز الإلغاء، وإن جعلته استفهماماً عمل فيه ما بعده ولم يجز أن يقع قبله إلا ما يجوز إلغاؤه كأفعال العلم والشك الداخلة على ما حقه الابتداء، فتقول: أيهم أخوك؟ ولا تقول: ضربت أيهم أخوك، لأن " ضربت " لا يلغى، ولا: (أيهم أخوك) بالنصب، لأن الاسم المفرد لا يكون صلة.
فإن أضمرت مبتدأ كأنك تقول: (ضربت) أيهم هو أخوك، لتجعلها بمنزلة " الذي " فحذف ذلك المبتدأ قبيح في الكلام، وربما جاز على قبحه.
ولذلك اختلفوا في إعراب قوله عز وجل: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ): ذهب الخليل إلى أنه محكي، كأنه يذهب إلى أن المعنى: لنقولن: أيهم أشد؟.
وذهب سيبويه إلى أنها اسم مبني في موضع المفعول، وبني لمخالفته نظائره، حيث لم يوصل بجملة، والتقدير عنده: أيهم هو أشد.
فلو صرحت بـ " هو " لنصبت ثم بـ " ننزعن "، فلما اختزلت بنيت " أي " لمخالفته النظائر، كما تقدم -. وهذا الذي ذكره لو استشهد عليه بشاهد من نظم أو نثر، أو وجدناه بعده في كلام فصيح شاهداً له لم نعدل به قولاً، ولا رأينا لغيره عليه طولًا، ولكنا لم نجد ما بني لمخالفته غيره، لا سيما مثل هذه المخالفة، فإنا لا نسلم أنه حذف من الكلام شيء.
وإن قال: إنه حذف ولا بد، والتقدير: أيهم هو أخوك؟.
فيقال: فلم لم يبنوا النكرة فيقولون مررت برجلٍ أخوك، أو: رأيت رجلاً أبوك؟.
ولم خص " أي " بهذا دون سائر الأسماء أن يحذف من صلته ثم يبني للحذف؟ ومتى وجدنا شيئاً من الجملة يحذف ثم يبنى الموصوف بالجملة من أجل ذلك

الحذف؟ وذلك الحذف لا يجعله متضمناً لمعنى الحرف ولا مضارعاً له.
وهذه علة البناء وقد عدمت في أي! وإنما المختار قول الخليل، لكن يحتاج إلى شرح، وذلك أنه لم يرد بالحكاية ما سبق إلى الوهم من تقدير معنى القول، ولكنه أراد حكاية لفظ الاستفهام الذي هوأصل في " أي "، كما تحكيه بعد العلم إِذا قلت: قد علمت أخوك؟ و: أقام زيد أم قعد؟ فقد تركت الكلام على حاله قبل دخول الفعل، لبقاء معنى الاختصاص والتبيين في " أي " الذي كان موجوداً فيها وهي استفهام، لأن ذلك المعنى هو الذي وضعت له، استفهاماً كانت أو خبراً، كما حكوا لفظ النداء في قولهم: " اللهم، اغفر لي أيها الرجل " و " ارحمنا أيتها العصابة "، حكي لفظ هذا إشعاراً بالتعيين والاختصاص الموجود في حال النداء.
وكذلك هذا، حكيت حاله في الاستفهام وإن ذهب الاستفهام، كما حكيت حاله في النداء وإن ذهب النداء، لوجود معنى الاختصاص والتعيين فيه.
وقول يونس: " إن الفعل ملغى " حق، وإن لم يكن من أفعال القلب.
وعلة إلغائه قد قدمناه من حكاية لفظ الاستفهام للاختصاص.
فإذا أتممت الصلة وقلت: ضربت أيهم هو أخوك، زالت مضارعة الاستفهام، وغلب عليه معنى الخبر، لوجود الصلة التامة بعده، وكان إلحاقه بالأسماء الموصولة أولى من تشبيهه بحال الاستفهام.
وأما قوله سبحانه وتعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227). وإجماعهم على أنها موصولة بـ " ينقلبون " لا بما قبلها.
وقد كان يتصور فيها أن تكون منصوبة بـ " يعلم " لا على جهة الاستفهام، ولكن تكون موصولة، والجملة صلتها، والعائد محذوف.
ولكن منع من هذا الوجه أصل قدمناه، ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول إِذا عني به المصدر، ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر، لم يجز، لعدم الفائدة المطلوبة من الصلة، وهي إيضاح الموصول وتبيينه، والمصدر لا يوضح بفعله المشتق من لفظه، لأنه كأنه هو لفظاً ومعنى، إلا في المختلف الأنواع كما تقدم.

ووجه آخر أقوى من هذا، وهو أن (أي) لا يكون بمعنى (الذي) حتى يضاف إلى معرفة، فتقول: لقيت أيهم في الدار، (إذ) من المحال أن يكون بمعنى الذي هو نكرة، و " الذي " لا ينكر.
وهذا أصل يبنى عليه في " أي ".

فصل

(في تحقيق معنى " أي ")

وهو أن لفظ " ألف " و " ياء " مكررة، راجع في جميع الكلام إلى معنى التعيين والتمييز للشيء من غيره، فمنه: أياه الشمس، لضوئها، لأنه ضوء يبينها ويميزها من غيرها.
والآية: العلامة على الشيء.
و: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم التي تتميز بها ويتميزون بها من الاختلاط بغيرهم.
قال الشاعر: خَرَجْنا من القُفَّينِ لا حَيّ مِثْلنا... بآيتنا نُزْجي اللِّقاح المَطافِلا ومنه: تأييت بالمكان، أي: تلبثت لتتبين شيئاً وتميزه.
قال امرؤ القيس بن عابس: قِفْ بالدِّيارِ وُقوفَ حابس... وتَأَيَّ إنَّك غَيْرُ يائس وقال الكميت:

وتَأَيَّ إنَّك غَيْرُ صاغرْ ومنه: تأييت بالمد، أي: تظاهرت حتى عرفت وميزت.
ومنه: إياك، وإياي، هما في المضمرات.
وقد أشار الخليل إلى أنه اسم ظاهر، فاشتقاقه مما تقدم، لأنه في أكثر الكلام مفعول مقدم، والمفعول إنما يتقدم على فعله قصداً إلى تعيينه، وحرصاً على تبيينه، وصرفا للوهم عن الذهاب إلى غيره ولذلك لم يجز أن يتأخر عن الفعل في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، إذ الكلام وارد في معرض الإخلاص وتحقيق الوحدانية ونفي عوارض الأوهام عن الخلوص التام، ولهذا اختصت " أي " بنداء ما فيه " الألف واللام "، تمييزاً له وتعييناً، ولذاك صير بعض لفظها حرفا من حروف النداء في قولك: أي زيد، وتفسيراً لقولهم: عندي عهن، أي: صوف.
إلى غير ذلك من تصرفات هذا اللفظ.
وأما وقوع " أي " نعتاً لما قبلها، كقولك: مررت برجل أي رجل، فإنما تدرجت إلى الصلة من الاستفهام، كأن الأصل: أي رجل؟ على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل، وإنما دخله التفخيم لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة بوصفه، فكأنه مما يستفهم عنه إذ يجهل كنهه.
فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل، لذلك قال الله سبحانه: (الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) و (الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2). أي: إنها لا يحاط بوصفها.
فلما ثبت هدا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قرب من النعت والوصف، حتى أدخلوه في باب النعت، وأجروه في الإعراب ما قبله.
ونظائر هذا فىِ كلامهم كثيرة.

ويدلك على دخول الاستفهام في باب النعت قول الراجز: حتى إذا كاد الظلام يختلط... جاءوا بمذق هَلْ رأَيتَ الذِّئْبَ قَطْ؟ ؟ أي: فإنه في لون الذئب، إن كنت رأيت الذئب.
ويقول القائل: مررت بفارس شجاع هل رأيت الأسد؟ أي: فإنه مثله.
ويشبه هذه المسألة في التدريج ما نذكره في باب النعت (من قولهم): مررت برجل حسن أبوه.
(والأصل: حسن أبوه) بالرفع.
والله المستعان، (وبه التوفيق).

(باب النعت)

النعت: تخصيص الاسم بصفة هي له، أو لسبب يضاف إِليه.
وهو مصدر نعت الشيء أنعته، ثم سموا الاسم التابع للمنعوت نعتاً.
وإنما هو اسم منعوت به، كما يقال: درهم ضرب الأمير.
و" هؤلاء خلق الله "، أي: مخلوقون.

فإن قيل: فالاسم الأول كان أحق أن يسمى نعتاً، لأنه المنعوت في الحقيقة.
والثاني انما هو منعوت به؟ فعن ذلك جوابان: أحدهما: أن الاسم الثاني الذي هو نحو " عاقل " و " عالم " هو المقصود ببيان أحكامه، فوقعت التسمية عليه.
الجواب الثاني: - وهو التحقيق -: أن اللفظ الدال على المعنى هو النعت على الحقيقة في هذا الباب، لأنه فعل الناعت، دون المعنى الذي يعبر عنه، وذلك في ألفاظ النحويين كثير، إذ من ألقاب النحوية ما هو نفس العبارة في الحقيقة، كقولهم: تمييز، وتوكيد، بأن هذه كلمات هي أنفس العبارة، فهي مصادر على الحقيقة، وليس كذلك الظرف والفاعل والمفعول، فإنها واقعة على المسميات والمعاني المعبر عنها، ألا ترى إلى قول أبي القاسم: فالاسم ما جاز أن يكون فاعلًا أو مفعولًا.
يريد الشخص المسمى لأنه الفاعل دون اللفظ.
ثم قال: أو دخل عليه حرف من حروف الخفض.
والخفض لا يدخل على المسمى ولكن على اللفظ الذي هو الاسم.

فصل

(في أقسام النعت)

النعت في المحدثين يكون بالصفة المعنوية نحو: عاقل وعالم، وبصفة في معنى النفي كقولك: واحد وظاهر، لأنها، لا تدل على معنى زائد موجود في نفس المنعوت، وإنما تدل على نفي شيء عنه.
ويكون بصفة فعلية، إلا أنها الفعل في المحدثين راجع إلى الصفة المعنوية، لأن الفعل منهم هو حركة الفاعل، والحركة معنى في الذات، بخلاف أفعال الباري - سبحانه - فإنها ليست بحركة فاعل.
وإنما هي في غيره لا في نفسه.
وأما الصفة النفسية نحو فولك: " جوهر متحيز " و " جسم متألف " فلا تجدها نعتاً في كلام العرب، لأن المخاطب إن عرف النفس المنعوتة فقد عرف صفاتها النفسية، فاستغنى عن النعت، وإن لم يعرفها أخبر بما فيها حتى يعرفها.

فخرج من مضمون ما قلناه أن النعت قسمان: صفة معنوية، وصفة نفس، وأن الصفة الفعلية نحو: رجل قائم، معنوية (أيضاً)، لأن الفعل حركة كما تقدم.
وثم قسم ثالث، وهو النعت المنبئ عن الكثرة والجمع، وذلك ليس بصفة تقوم بالمنعوت، كقولك: رجل طويل، لأن الطول ينبئ عن كثرة أجزاء، ومال كثير وبيت كبير، وأشباه ذلك.
وجميع ما تقدم من أقسام النعوت يختص بالجواهر دون الأعراض، إلا النعت المنبئ عن الكثرة والزيادة في الأدوات، فلا يكون في الجواهر والأعراض، تقول: علم كثير وحركة سريعة، وهو مجاز، لأن سرعة الحركة راجع في التحقيق إلى حركات كثيرة متواليات.
نعم، وقد يوجد في كلام نعت الأعراض بالصفات النفسية نحو قولهم: سواد شديد، وبياض ناصع، وحمرة قانية، وحرارة شديدة إلا أن هذه النعوت راجعة عند الأشعرية إلى كثرة الأجزاء المتصفة بها، وليست عندهم كصفات الألوان ولا الأعراض، لا معنوية ولا نفسية.
وذهب غيرهم من المنطقيين إلى أنها صفات نفسية وعبروا عنها بالكيفيات وإلى هذا القول ذهبوا، فما تميز سواد من سواد، ولا بياض من بياض حتى صارت أنواعاً مختلفة إلا بصفات ذاتية وأحوال نفسية، وهي الكيفيات، ولكن اللغات ضاقت عن وضع ألقاب لجميع أنواع الأعراض، فرجعت إلى وصفها بما هو مجاز في حقها، أو بتمييز بعضها من بعض بالإضافة إلى جواهرها، كقولهم: رائحة مسك، ورائحة تفاح.
فنعوت الجواهر ثلاثة أقسام سوى الصفة النفسية، ونعوت الأعراض ثلاثة: صفة نفسية وصفة نفي بهو لا حادث، وصفة تنبئ عن كئرة ذوات وليست بصلة في الحقيقة، وإنما الصفة في الحقيقة ما يضاف إلى ذات واحدة.
وأما صفات الباري - سبحانه - فلا نرى أن نسميها نعوتاً، تحرجا من إطلاق هذا اللفظ لعدم وجوده في الكتاب والسنة.
وقد وجدنا لفظ الصفة في الصحيح،

حيث قال عليه السلام للرجل الذي كان يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في كل ركعة: لم تفعل؟ فقال: أحبها لأنها صفة الرحمن "، فإذا ثبت ذلك فصفاته - سبحانه - تنقسم أربعة أقسام: نفسية كقولك: موجود، وإله، وذات، وشيء.
ومعنوية كقولك: عالم وقادر، لأنها تنبئ عن معنى زائد على ذاته سبحانه.
وصفة نفي كقولك: واحد وقدوس، لأنها تنبئ عن نفي ثان، وعن نفي النقائص وما لا يليق بجلاله سبحانه.
وصفة فعل كقولك: خالق، ورازق، وهي معنوية في المحدثين، كما تقدم.
وعندي قسم خامس وهو الأسماء الجملية، وهو ما دل كل واحد منها على معان لا على معنى مفرد، كقولك: عظيم ومجيد وكريم، فإن كل واحد من هذه الأسماء لا ينبئ عن معنى مفرد، فإن العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات المدح، والمجيد كذلك إنما هو في معنى الزيادة في الشرف على غيره، " استمجد المرخ والعفار "، و " أمجد الناقة علفاً ". وكذلك تعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطلب الزيادة من ربه تعالى حين سأله الصلاة عن نفسه، وعلَّم أمته كيف يصلون عليه، فقال: " كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد "، (فطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المزيد من صلاته التي صلاها أن يصلي عليه.
كما صلى على إبراهيم، وتعرض للمزيد بقوله: " إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " لما سمعه يقول: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
ولم يصرح بطلبه تأدباً مع أبيه الخليل عليه السلام، فجمع عليه السلام بين الأمرين، إذ في ذكر الاسم من أسمائه - سبحانه وتعالى - تعرض من العبد لطلب مقتضاه وما يدل عليه فحواه، فإذا قلت: يا غفور، فأنت طالب للمغفرة،

وإذا قلت: يا رزاق، فأنت طالب للرزق، وكذلك لما أعطى - عليه الصلاة والسلام - درجة أبيه إبراهيم - صلى الله عليهما - في النبوة والخلة، ولم يستحل عنده المزيد.
ولا أمكنه التصريح به تأدباً، كما قلناه - تعرض إليه بقوله: (إنك حميد مجيد).
ويشهد بصحة ما قلناه قول المفسرين في قول المسيح عليه السلام: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
ولم يقل: " إنك أنت الغفور الرحيم " قالوا: " لأنه لم يرد أن يستغفر لهم ".

فصل

(في الذي ينعت به)

والاسم المفرد لا يكون نعتاً، ونعنى بالمفرد ما دل على معنى واحد، نحو: علم وقدرة وإنما لم يكن نعتاً لأنه لا رابط بينه وبين الاسم الأول، لأنه اسم جنس على حاله، فإن قلت: ذو علم، وذو قدرة كان الرابط بينه وبين الاسم المنعوت قولك: ذو.
وإن قلت: عالم وقادر كان الرابط بينه وبين المنعوت الضمير المستتر فيه العائد على ما قبله.
فكل نعت وإن كان مفرداً في لفظه فهو دال على معلومين، حامل ومحمول.
فالحامل هو الاسم المضمر، والمحمول هو الصفة.

وإنما أضمر في هذا الاسم وأشباهه ولم يضمر في المصدر الذي هو الصفة في الحقيقة، لأن هذا الاسم مشتق من الفعل، والفعل هو الذي يضمر فيه دون المصدر، لأنه إنما صيغ من المصدر ليخبر به عن فاعل، فلا بد له مما صير من أجله إما ظاهراً وإما مضمراً، وليس كذلك المصدر، لأنه اسم جنس، فحكمه حكم سائر الأجناس، ولذلك ينعت الاسم بالفعل لاحتماله اللضمير، تقول: مررت برجل ذهب، فيجري مجرى ذاهب.
فإن قيل: وأيهما هو الأصل في باب النعت؟.
(قلت: الاسم أصل للفعل في باب النعت)، والفعل أصل لذلك الاسم في غير باب النعت.
وإنما قلنا ذلك لأن حكم النعت أن يكون جارياً على المنعوت في رفعه ونصبه وخفضه، لأنه هو هو مع زيادة معنى، ولأن الفعل أصله أن يكون له صدر الكلام لأنه عامل في الأسماء، وحق العامل التقديم على المعمول، لا سيما على قول من زعم أن النعت يعمل فيه العامل في المنعوت.
فعلى هذا القول لا يتصور كون الفعل أصلاً في باب النعت، لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال.
وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

فصل

(في نعت النعت)

إذا ثبت ما قدمناه، (فينبغي أن لا يجوز أن ينعت النعت)، فتقول: مررت برجل عاقل كريم، على أن يكون " كريم " نعتاً لعاقل، ولكن نعتاً للاسم الأول.

وكذلك: عزيز حكيم، وسميع عليم، لأن النعت ينبئ عن الاسم المضمر وعن الصفة، والمضمر لا ينعت، ولأنه قد صار بمنزلة الجملة من حيث دلَّ على الفعل والفاعل، والجملة لا تنعت، ولأنه يجري مجرى الفعل في رفعه للأسماء، والفعل لا ينعت.
وكذلك قال (ابن جني) هذا كله.
ولا يمتنع عندي نعته في بعض المواطن، بعد أن يجري النعت الأول مجرى الاسم الجامد فيكون خبراً عن مبتدأ أو بدلاً (من اسم جامد، وأما نعتاً محضا يقوى فيه معنى الرفع، فما أراه) يجوز ذلك فيه.

(فصل)

ولما قدمناه من افتقاره للضمير فإنه لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت.
فتقول: جاءني طويل، و: رأيت شديداً وخفيفاً.
وامتناع ذلك لوجهين: أحدهما: احتماله (الضمير)، فإذا حذف المنعوت لم يبق للضمير ما يعود عليه.
والثاني: عموم الصفة، فلا يدري الموصوف بها ما هو؟.
فإن أجريت الصفة مجرى الاسم مثل: جاءني الفقيه، و: جالست العالم.
خرج عن الأصل الممتنع وصار كسائر الأسماء.
وإن جئت بفعل مختص بنوع من الأسماء وأعملته في نعت مختص بذلك النوع، كما حذف المنعوت حسناً، كقولك: أكلت طيباً، و: لبست ليناً، و: ركبت فارها.
ونحو من هذا: أقمت طويلاً، و: صحوت سريعاً، لأن الفعل يدل على المصدر وكثرة الزمان، فجاز حذف المنعوت ههنا لدلالة الفعل عليه.
وقريب منه فوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ).
لدلالة الذرية على الموصوف بالصفة.
وإن كان في كلامك حكم منوط بصفة، اعتمد الكلام على تلك الصفة واستغنى عن ذكر الموصوف كقولك: مؤمن خير من كافر، و: غني أحظى من فقير،

و: المؤمن لا يفعل كذا، و: (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ): " الكافر يأكل في سبعة أمعاء ". وكقولهم في الشعر: وأبيض كالمخراق وأسمر خطي...... وأشباه ذلك، لأن الفخر أو المدح إنما يتعلق بالصفة دون الموصوف.
فمضمون هذا الفصل ينقسم خمسة أقسام: 1 - نعتٌ لا يجوز حذف منعوته (كقولك: رأيت سريعاً، و: لقيت خفيفاً.
2 - ونعت يقبح حذف منعوته، وهو مع ذلك جائز كقولك: لقيت ضاحكاً، أو: رأيت جاهلاً، وإنما جاز لاختصاص الصفة بنوع واحد من الأسماء.
3 - ونعت يستوي فيه حذف الموصوف وذكره، كقولك: أكلت طيباً.
و: شربت عذباً، لاختصاص الفعل بنوع من المفعولات.
4 - وقسم يقبح فيه ذكر الموصوف لكونه حشواً في الكلام، كقولك: أكرم الشيخ، و: وقر العالم، و: أرفق بالضعيف، لتعلق الأحكام بالصفات واعتمادها عليها بالذكر.

5 - وقسم لا يجوز فيه ألبتَّة ذكر الموصوف، كقولك: دابة، وأبطح وأبرق، وأجرع - للمكان - وأسود - للحية - وأدهم - للقيد - وأخيل - للطائر.
فهذه في الأصول نعوت، ألا تراهم لا يصرفونها ويقولون في المؤنث: بطحاء، وجرعاء، وبرقاء.
ولكنهم لا يجرونها نعتاً على منعوت، فنقف عندما وقفوا ونترك القياس إذا تركوا.
والله المستعان.

فصل

(وهو الموعود به في آخر باب الفاعل والمفعول)

إذا نعت الاسم بصفة هي لسببه، فإن فيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو الأصل - أن تقول: مررت برجل حسن أبوه، بالرفع.
وإنما قلنا: إن هذا هو الأصل، لأن الحسن ليس له فيجري صفة عليه.
وإنما ذكرت الجملة لتميز بها بين الرجل وبين من ليس عنده أب كأبيه، فلما تميز بالجملة من غيره صارت هي موضع النعت وتدرجوا من ذلك إلى أن قالوا: حسن أبوه، فأجروه نعتاً على الأول، وإن كان للأب، من حيث تميز به وتخصص كما يتخصص بصلة نفسه.
والوجه الثالث، برجل حسن الأب، فيصير نعتا للأول، وتضمر فيه ما يعود عليه، حتى كان الحسن له.
وإنما فعلوا ذلك مبالغة وتقريباً للسبب، وحذفاً للمضاف وهو الأب وإقامة للمضاف إليه مقامه وهو الهاء، فلما قام الضمير مقام الاسم المرفوع صار ضميراً مرفوعا، فاستتر في الفعل، ففلت: برجل حسن، ثم أضفته إلى السبب الذي من أجله صار حسنا وهو الأب، ودخول الألف واللام على السبب إنما هي لبيان الجنس، على ما يأتي بيانه في باب الصفة، إن شاء الله تعالى.
وهذا الوجه الثالث لا يجوز إلا في الموضع الذي يجوز فيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
وذلك غير جائز على الإطلاق وإنما يجوز حيث يقصدون المبالغة وتفخيم الأمر، وإن بعد السبب كان الجواز فيه أبعد، كقولنا: نابح كلب الجار، و: صاهل فرس العبد.

وما امتنع في هذا الفصل فإنه يجوز في الفصل الذي قبله، من حيث لم يقيموا فيه مضافاً إليه مقام المضاف.
وإنما حكمنا باختلاف المعاني في هده الوجوه الثلاثة، من حيث اختلف اللفظ فيها، لأن الأصل ألا يختلف لفظان إلا لاختلاف معنى، ولا يحكم باتحاد المعنى مع اختلاف اللفظ إلا بدليل.
فمعنى الوجه الأول تمييز الاسم من غيره بالجملة التي بعده.
ومعنى الوجه الثاني: تمييز الاسم من غيره مع انجرار الوصف إليه بمدح أو ذم.
ومعنى الوجه الثالث: نقل الصفة كلها إلى الأول على حذف المضاف مع تبيين السبب الذي صيره كذلك.
وأكثر ما يكون هذا الوجه فيما قرب سببه جداً، كقولك: عظيم القدر، وشريف الأب، لأن شرف الأب شرف له، وكذلك القدر والوجه.
وههنا يحسن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما تقدم.

مسألة

(في عدم نعت الضمير)

قوله: " النعت تابع للمنعوت في رفعه ونصبه وخفضه وتعريفه وتنكيره ". وقد زاد الناس عليه في هدا الفصل فقالوا: " وفي تثنيته وجمعه وإفراده، وتأنيثه وتذكيره " وينبغي أن تزاد كلمة أخرى، فيقول: وفي إظهاره، لأن المضمر لا ينعت ولا ينعت به فلا بد أن يكون نعت الاسم الظاهر (ظاهراً) مثله.

جارٍ التحميل