باب الأفعال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السهيلي
- الكتاب
- نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
- المؤلف
- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروتالطبعة الأولى: 1412 - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- عَلَم
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
- الكتاب
- نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروت
- عدد الأجزاء
- 1
لأن الاسم المعطوف عليه حامل للضمير، فصار بمنزلة الفعل مع
الاسم، ولو كان مصدراً لم يجز، كما تقدم في:
للبس عباءة وتقر عيني
لأن المصدر ليس بحامل للضمير، فلا يجوز العطف عليه إلا بإضمار " أن ".
فإن قيل: فإذا جاز عطف الفعل على الاسم الحامل للضمير، فينبغي أن يجوز
عطف الاسم على الفعل، فيقول: " مررت برجل يقوم وقاعد "؟
قلنا: هذا ممتنع على قبح، والزجاج قد أجازه في (المعاني) قياسا على
الأول، وليس هو مثله، لأنك إذا عطفت الفعل على الاسم المشتق منه رددت الفرع إلى الأصل، لأن الاسم المشتق من الفعل فرع للفعل، فهو متضمن لمعناه، فجاز عطف الفعل عليه.
وإذا عطفت الاسم المشتق على الفعل كنت قد رددت الأصل فرعاً، وصيرت الفعل في المعنى الاسم، وهو فعل محف، وإن كان قد وقع موقع الاسم فلم يقع موقع اسم جامد، وإنما وقع موقع اسم في تأويل فعل، فلم يخرجه ذلك إلى أن يكون في تأويل الاسم.
وإنما هو فعل محض فلا يجوز عطف الاسم عليه، لأنك تشرك الاسم مع الفعل في عامل واحد، وإذا قلت: " مررت برجل قائم ويقعد "، ففي يقعد ضمير فاعل، كما في " قائم " ضمير فاعل، فكأنك إنما عطفت جملة على جملة، وتوهمت في " قائم " الفعل المحض من حيث كان مشتفا منه وفرعاً عليه، ولم يمكنك أن تتوهم في " يقوم " الاسم المحض ولا الاسم المشتق أيضا، لأن الفرع يتضمن الأصل ويدل عليه، والأصل لا يدل على الفرع بنفسه، لأنه كالمستغنى عنه.
فافهمه فإني لم أقصد الإطالة إلا لأسد أبواب الاعتراض، وأحمي جنبات الكلام من الطعن عليه، والله الموفق لما يزلف لديه.
وأبين من هذه العبارة أن يقال: عطف الفعل على الاسم في مثل قوله
تعالى: (صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ)
ونحو: " مررت برجل قائم ويقعد "، لأن
الاسم معتمد على ما قبله، وإذا كان (اسم الفاعل) معتمداً على عمل الفعل،
والاعتماد أن يكون نعتاً أو خبراً، والذي بعد (الواو) ليس بمعتمد، ولو عكست المسألة فقلت: " برجل يقوم وقاعد " أو: " يصففن وقابضات "، قبح، لأن ما بعد (الواو) اسم محض وليس بمعتمد فيجري مجرى الفعل.
مسألة
(من باب أقسام الأفعال)
الفعل غير المتعدي هو الذي لزم محله ولم يجاوزه إِلى غيره، فهو فعل
الفاعل في نفسه، ولذلك جاء مصدره مثقلاً بالحركات، إذ الثقل من صفة ما لزم محله ولم ينقل وجميع مصادر الأفعال المتعدية الواقعة بمحل غير الفاعل الحامل لها والمتصف بها، فكان خفة اللفظ في هذا الباب موازياً للمعنى الذي هو ثبوت في محل الفعل واختصاص به وعدم تجاوز له، فما لزم مكانه فهو الثقيل، وما تجاوزه وتعداه فهو الخفيف لفظا ومعنى.
ومن ههنا يرجح قول سيبويه إن " دخلت البيت " غير متعد إلى مفعول، لأن
مصدره الدخول، فهو كالخروج والقعود ونحوه، إِلا أن الفعل منه لم يجئ على " فعل " لأنه ليس بطبع في الفاعل ولا خصلة ثابتة فيه، فإن كان الفعل عبارة عما هو طبع وخصلة ثابتة، ثقل بضم العين، كظرف وكرم.
فهذا الباب ألزم للفاعل من باب " قعد "، فكان أثقل منه لفظا.
وباب " قعد "
ألزم للفاعل من المتعدي إلى المفعول، فكان أثقل منه مصدراً، وإن اتفقا على لفظ الفعل.
ولزم مصدر " فعل " - الذي هو طبع وخصلة - وزن الفعل نحو: الجمال
والكمال والبهاء والسناء والجلال والعلاء، هذا إذا كان المعنى عاماً يشتمل على خصال ولا يختص بخصلة واحدة، فإن اختص المعنى بخصلة واحدة صار كالمحدود ولزمته " هاء " التأنيث لأنَّ هاءالتأنيث تدل على نهاية ما دخلت عليه كالضربة من الضرب، وحذفها في هذا الباب وفي أكثر الأبواب يدل على انتفاء النهاية، ألا ترى أن الضرب يقع على القليل والكثير إلى غير نهاية، وكذلك التمر والبر وسائر الأجناس، وإنما استحقت " الهاء " ذلك لأن مخرجها من منتهى الصوت وغايته فصلحت للغايات، ولذلك قالوا: علامة ونسابة أي: غاية في صفتيهما.
فإذا ثبت هذا فالجمال والكمال كالجنس العام من حيث لم يكن فيه " الهاء "
المخصوصة بالتحديد والنهاية.
وقولك: ملح ملاحة، وفصح فصاحة، على وزن: جمل جمالاً، كمل كمالاً، إلا في تاء التأنيث، لأن الفصاحة خصلة من خصال الكمال، فحددت بالهاء، لأنها ليست بجنس عام كالجمال، فصارت تشبه باب الضربة والتمرة من الضرب والتمر، لمكان التحديد والنهاية، ألا ترى إلى قول خالد بن صفوان - وقد قالت له عرسه -: " إنك لجميل "، فقال:
" أتقولين ذلك وليس عندي عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه؟
ولكن قولي: إنك لمليح ظريف ".
فجعل الملاحة خصلة من خصال الجمال، فبان صحة ما قلناه.
وعلى هذا قالوا: الحلاوة والأصالة والرجالة، وكذلك في ضد هذا المعنى
نحو: السفاهة والوضاعة والرذالة والحماقة، لأنها كلها خصال محدودة بالإضافة إلى السفال، والسفال في مقابلة العلاء والكمال، لأنه جنس يجمع الأنواع التي تحته.
وهذا الأصل في هذا الباب، ولا يشرد عن هذا القياس شيء إلا ويمكن رده
إليه، إلا أن تكون ألفاظ قد أدخلت في هذا الباب بوجه من المجاز، فنجد مصادرها مخالفة لهذا الأصل في وزنها أو شيء من أحكامها، وليس ذلك إلا لنقلها بالاستعارة والمجاز عن أصل موضوعها، لقولهم: شرف الرجل شرفاً، ولم يقولوا: شرافا، كقولك: جمالاً وكمالاً ولا: شرافة، كقولك: جلالة، لأن الشرفْ رفعة في الآباء.
والآباء شيء خارج عن محل الفعل، فهو مستعار من شرف الأرض، والشرف في الأرض كالهدف والعلم، فاستعيد للرجل الرفيع في قومه، كأنَّ آباءه الذين ذكر بهم وارتفع بسببهم شرف له، إذ الشرف من الأرض يرتفع بسببه ويظهر منه.
وكذلك قالوا في هذا الباب: الحسب، لأنه من باب القبض والقنص، وليس
من باب المصادر، لأن الحسب ما يحسب الإنسان لنفسه من خصال كرام
وخصال حميدة، فقد تبين أنه لا يخرج عن هذا الباب شيء إلا لسبب ما، وأن الأصل ما تقدم، واستحق الاسم العام في هذا الباب الفعال - بفتح الفاء
والعين - بعدهما ألف والألف فتح، ليكون اللفظ بتوالي الفتح فيه موازيا لانفتاح المعنى واتساعه.
وكذلك اطرد في الجمع الكثير نحو: " مفاعل، و " فعائل "، وبابه، واطرد في باب " تفاعل " نحو: تقاتل، وتخاصم، ونحو: تمارض، وتغافل، وتراقد، لأنه إظهار للأمر وانتشار له.
ومن هذا الباب مما يوافقه في وجهٍ ويخالفه في وجه آخر حلم، لأنه يدل على
ثبات الصفة، فوافق ما قبله في الضم وخالفه: في المصدر مخالفته له في المعنى.
لأنه صفة نفي، وليس بصفة عرضية معنوية، وإنما هو عبارة عن تملك المعاقبة
ونفيها.
ومن هذا الباب: " كبر " و " صغر "، هو موافق لما قبل في ثبوت الفعل فجاء على وزنه، وهو مخالف له في الحدث، لأن الصغر والكبر وما كان على هذا البناء عبارة عن كثرة أجزاء الجسم وقلتها، لا عن عرض ومعنى زائد كالجمال ونحوه.
واستقصاء المصادر والأفعال وتتبع نوادرها وأسرارها، يأتي في بابها إن
شاء الله تعالى.
فصل
ومن غير المتعدي " انفعل "، نحو: " انطلقاً، وهو أيضاً فعل الفاعل في نفسه
بعد تقدم منع واستدعاء من فعل آخر، فيسمونه فعل المطاوعة، ونحو: كسرته فانكسر، وشويته فانشوى، فمن حيث كان فعل الفاعل في نفسه لم يتعد، ومن حيث لم يقع من فاعله إلا بعد استدعاء وسبب زيدت النون في أوله قبل الحروف الأصلية، وزيدت ساكنة كيلا تتوالى الحركات، ثم وصل إليها بهمزة الوصل.
وقد تقدم أن الزوائد في الأفعال والأسماء موازية للمعاني الزائدة على معنى
الكلمة، فإن كان المعنى الزائد مترتبا قبل المعنى الأصلي، كان الحرف الزائد قبل الحروف الأصلية، كالنون في انفعال، وكحروف المضارعة في بابها، وإن كان المعنى الزائد على الكلمة آخراً كان الحرف الزائد على الحروف الأصلية آخراً، كعلامة التأنيث وعلامة التثنية.
ومن هذا الباب: " تفعلل " و " تفاعل " و " تفعل ".
أما " تفعلل " فلا يتعدى ألبتَّة، لأن التاء فيه بمثابة النون في انفعل، إلا أنهم خصوا الرباعي بالتاء، وخصوا الثلاثي بالنون فرفاً بينهما، ولم تكن التاء ههنا ساكنة كالنون، لسكون عين الفعل.
فلم يلزم فيها من توالي الحركات ما لزم هناك.
وأما " تفاعل " فقد توجد متعدية لأنها لا يراد بها المطاوعة كما أريد بتفعلل.
وإنما هو فعل دخلته التاء زيادة على " فاعل " المتعدية، فصار حكمه - إن كان متعدياً إلى مفعولين قبل دخول التاء أن يتعدى بعد دخول التاء إلى مفعول
نحو: " نازعت زيداً الحديث "، ثم تقول: " ما تنازعنا الحديث "
وإن كان متعدياً إلى مفعول لم يتعد بعد دخول " التاء " إلى شيء آخر، نحو: خاصمث زيداً.
وتخاصمنا.
وأما " احمرَّ " و " احمارَّ " ففعل مشتق من الاسم، كانتعل من النعل، وتمسكن من المسكنة، لأن الحمرة والصفرة ونحوهما أسماء لأعراض ثابتة عند الفلاسفة، أو في حكم الثابتة عند الأشعرية، إذ ليس عندهم عرض ثابت.
وسيأتي استقصاء هذا الفصل والبحث عليه في باب التعجب، إن شاء الله
تعالى.
إلا أن أبا سليمان الخطابي زعم أن معنى " احمرَّ " مخالف لمعنى " احمارَّ "
وبابه، وذهب إلى أن " افعلَّ " يقال فيما لم يخالطه لون آخر، وافعالَّ يقال لما
خالطه لون آخر.
والخطابي ثقة في نقله، والقياس يقتضي صحة قوله، لأن الألف لم تزد في
أضعاف حروف الكلمة إلا لدخول معنى زائد بين أضعاف معناها - وقد تقدم هذا الأصل.
مسألة
وقال في الفعل المتعدي إلى مفعولين: " أعطى زيد عمراً درهما ".
وهذا وأشباهه من المنقول الذي صير فاعله مفعولاً.
وقد اختلفوا: أهو قياس مستتب في جميع الأفعال أم لا؟
وليس مذهب سيبويه فيه طرد القياس في جميع
الأفعال، وهو الصحيح.
ولكني أشير لك إلى أصل ينبني عليه هذا الباب، وهو أن تنظر إلى كل فعل
حصل منه في الفاعل صفة ما، فهو الذي يجوز فيه النقل، لأنك إذا قلت: أفعلته، فإنما معناه: جعلته على هذه الصفة.
وقلما ينكسر هذا الأصل في غير المتعدي إِذا
كان ثلاثيا نحو: قعد وأقعدته، وطال وأطلته.
وأما المتعدي فمنه ما يحصل للفاعل منه صفة في نفسه ولا يكون اعتماده في
الثاني على المفعول فيجوز نقله، مثل: طعم زيد الخبز وأطعمته، وكذلك: جرع الماء وأجرعته، وكذلك بلع، وشم وسمع، لأنها كلها يحصل منها للفاعل صفة في نفسه، غير خارجة عنه، ولذلك جاءت أو أكثرها على فعل - بكسر العين -
مشابهة لباب: فزع وحذر وحزن ومرض، إلى غير ذلك مما له أثر في باطن الفاعل وغموض معنى فيه، ولذلك كانت حركة العين كسراً، لأن الكسر خفض للصوت وإخفاء له، فشاكل اللفظ المعنى.
ومن هذا النحو: لبس الثوب وألبسه إياه، لأن الفعل - وإن كان متعدياً -
فحاصل معناه في نفس الفاعل، كأنه لم يفعل بالثوب شيئا، وإنما فعل بنفسه.
ولذلك جاء على فعل مقابلة لعرى، وكذلك كسى، ولم يقولوا: أكسيته الثوب، لأن الكسوة ستر للعورة، فجاء على وزن سترته وحجبته ونحو ذلك.
وأما أكل وأخذ وضرب فلا تنقل، لأن الفعل واقع بالمفعول، ظاهر أثره فيه غير حاصل في الفاعل منه صفة، فلا تقول: أضربت زيداً عمراً، ولا: أقتلته خالداً.
لأنك لم تجعله على صفة في نفسه كما تقدم.
وأما " أعطيته " فمنقول من: " عطا يعطو " إذ أشار للتناول، وليس معناه الأخذ.
ألا تراهم يقولون: " عاط بغيو أنواط "، فنفوا أن يكون وقع هذا الفعل بشيء، فلذلك نقل كما نقل غير المتعدي لقربه منه، فقالوا: أعطيت زيداً درهماً، أي: جعلته عاطياً له.
وأما " أنلت " فمنقول من " نال " المتعدية، وهي بمنزلة " عطا يعطو "، لا تنبئ
إلا عن وصول إلى المفعول دون تأثير فيه ولا وقوع ظاهر به، ألا ترى إلى قوله سبحانه: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى).
ولو كان فعلاً مؤثراً في مفعوله لم يجز هذا، إنما هو منبئ هو الوصول فقط.
وأما " آتيت المال زيداً " فمنقول من " أتى "، لأنها غير مؤثرة في المفعول، وقد
حصل منها للفاعل صفة.
فإن قيل: يلزمك أن تجيزت " أتيت زيداً عمراً، أو المدينة "، أي: جعلته
يأتيهما؟
قلنا: بينهما فرق، وهو أن إتيان المال زيداً كسب وتمليك، فلما اقترن به
هذا المعنى صار كقولك: أكسبته مالاً أو: أملكته إياه، وليس كذلك: " أتى زيد عمراً، فهذا الفرق بينهما.
وأما " شرب زيد الماء " فلم يقولوا فيه: أشربته، لأنه بمثابة الأكل والأخذ
ومعظم أثره في المفعول، وإن كان قد جاء على " فعل " مثل (بلع)، ولكنه ليس مثله، إلا أن تريد أن الماء خالط أجزاء الشارب له وحصلت من الشرب صفة في الشارب فيجوز حينئذ، كما قال سبحانه: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ).
وعلى هذا يقال: " أشربت الخبز اللبن،، لأن شرب الخبز اللبن والماء ليس كشرب زيد له، فتأمله.
وأما " ذكر زيد عمراً " فإن كان من ذكر اللسان لم تنقله، لأنه بمنزلة شتم
ولطم.
وإن كان من ذكر القلب نقلته فتقول: " أذكرته الحديث "، بمنزلة أفهمته
وأعلمته، أي: جعلته على هذه الصفة.
مسألة
وقال في الباب: " اخترت الرجال زيداً "، واستشهد بالآية.
والأصل في هذا التعدي بحرف الجر وهو (مِن)، لأن المعنى إخراج شيء من
شيء، وإنما حذف لتضمن الفعل معنى فعل آخر متعد، كأنك حين قلت: اخترت من الرجال، أردت: نخلت الرجال ونقدتهم فأخذت منهم زيداً، فمن ههنا أسقط حرف الجر كما أسقط في: " أمرتك الخير " إذا كان الأمر تكليفاً، كأنك قلت: كلفتك هذا الأمر.
وإذا ثبت هذا فللمسألة أحكام نذكرها، منها: أن الاختيار تقديم الاسم
المجرور إذا لم يسقط حرف الجر، يجوز فيه التأخير، تقول: " اخترت من الرجال عشرةً " ولو قدمت العشرة لم يحسن، لأن المخاطب يتوهم أن المجرور في موضع النعت للعشرة وليس في موضع المفعول الثاني.
وأيضاً فإن الرجال معرفة فتقديمه أحق بالاهتمام، كما لزم تقديم المجرور
الذي هو خبر عن النكرة من قولك: " في الدار رجل "، لكون المجرور معرفة، فكأنه المخبر عنه.
فإذا حذفت حرف الجر لم يكن بدٌّ من التقديم للاسم الذي كان مجروراً نحو:
" اخترت الرجال عشرةً " ولو قلت: " اخترت عشرة قومك " أو اخترت فرساً الخيل، لم يجز.
والحكمة في ذلك أن المعنى الذي من أجله حذف حرف الجر هو
معنى غير لفظ، فلم يقو على حذف الجر إلا بعد اتصاله به وقربه منه.
ولوجه آخر أيضاً وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعض ثم
ولي الفعل الذي هو " اخترت " يوهم أنه مختار منه أيضاً، لأن كل ما يتبعض يجوز أن يختار منه وأن يختار، فألزموه التأخير وقدموا الاسم المختار منه، وكان أولى بذلك لما سبق من القول، فإن كان مما لا يتبعض نحو: زيد، وعمرو، فربما جاز على قلة من الكلام نحو قوله:
منا الذي اختير الرجال سماحة
وليس حكم هذا حكم قولك: " اخترت فرسا الخيل "، لأن الفرس اسم جنس فقد يتبعض مثله ويختار منه، و " زيد " من حيث كان جسما يتبعض، ومن حيث كان " زيداً "، أي: اسما علما للشيء بعينه لا يتبعض، فتأمل هذا ولا تغفله، فقلما رأيت مشتغلاً به، وهو أصل يجب تفقده، والقياس والسماع يعضده، وبالله التوفيق.
مسألة
وقال في هذا الباب: " استغفر زيدٌ ربَّه ذنبه ". هذه المسألة في تأخير الاسم المسقط منه حرف جر، بخلاف التي قبلها،
لأن التي قبلها وهي: " اخترت الرجال " كان الأصل فيها حرف الجر، فأسقط للمعنى الذي ذكرناه في الفعل عند اتصال الفعل به.
وأما هذه فالأصل فيها سقوط حرف الجر، وأن يكون " الذنب " مفعولاً بالغفران الذي لا يتعدى بحرف، لأنه من " غفرت الشيء "، إذا غطيته وسترته، مع أن الاسم الأول هو فاعل في الحقيقة وليس كذلك " زيد " وسبعين رجلاً في باب (اختار) فلذلك تقول: " استغفر زيد ذنبه ربه! في جيد الكلام.
فإن قيل: فإن كان سقوط حرف الجر هو الأصل، فمن إذاً زائدة، كما قال
الكسائي، وليس كما قال سيبويه ولا الزجاجي: إنما حذفت حرف الجر ثم
نصبت.
قلنا: إنما سقوط حرف الجر أصل في الفعل المشتق منه نحو: " غفر "، وأما إذا
قلت: " أستغفر "، أو " أستغفر أنا الله "، ففي ضمن الكلام ما لا بد له من حرف الجر، لأنك لا تطلب كفراً مجرداً من معنى التوبة والخروج من الذنب، وإنما تريد الاستغفار خروجا من الذنب وتطهيراً منه، فلزمت " مِن " في الكلام لهذا المعنى فهي متعلقة بالمعنى لا بنفس اللفظ، فإن حذفتها تعدى الفعل ونصب، وكان بمنزلة قولك: " أمرتك الخير ".
فإن قيل: فما قولكم في نحو قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ)
و (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ) ؟.
قلنا: هي متعلقة بمعنى الإنقاذ والخروج من الذنوب، وإنما دخلت لتؤذن.
بهذا المعنى ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل الذي هو المذنب، نحو قوله: لكم، لأنه المنقذ المخرج من الذنوب بالإيمان، ولو قلت: (يغفر من ذنوبكم) - دون أن تذكر الاسم المجرور - لم يحسن إلا على معنى التبعيض، لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام وهو الإنقاذ، قد ذهب بذهاب الاسم الذي هو واقع عليه.
فإن قلت: فقد قال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)
وقال في سورة الصف: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)
فما الحكمة في سقوطها ههنا؟ وما الفرق؟.
فالجواب: أن هذا إخبار عن المؤمنين الذين قد سبق لهم الإنقاذ من ذنوب
الكفر بإيمانهم، ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب، وهي غير محيطة بهم كإحاطة الكفر المهلك بالكافر، فلم يتضمن الغفران معنى الاستنقاذ، إذ ليس ثم الإحاطة من الذنب بالمذنب، وإنما تضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب، لأن الحسنات يذهبن السيئات، بخلاف الآيتين المتقدمتين فإنهما خطاب للمشركين وأمر لهم بما ينقذهم وبخلصهم مما أحاط بهم وهو الكفر، وأما المؤمنون فقد أنقذوا.
وأما قوله في آية الصدقات: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ).
فهي في موضع (مِن) التي للتبعيض، لأن الصدقة لا تذهب جميع الذنوب كالجهاد.
ومن هذا النحو قوله عليه السلام:
" فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ".
فأدخل في كلامه " عن " لتؤذن بمعنى الخروج عن اليمين، لما ذكر الخارج الفاعل وهو الضمير المستتر في (يكفر) فكأنه قال: فليخرج بالكفارة عن يمينه، ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله سبحانه: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ).
لم يدخل " عن " ولا احتيج إليها، وأضيفت (الكفارة) إلى (الأيمان) إضافة المصدر إلى المفعول، وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم، ولكن الكفارة حل لعقدة اليمين،
فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد، إذ اليمين عقد والكفارة حل له، والله المستعان.
فصل (من
مسألة
النقل والتعدية)
المفعول (الثاني) من نحو قولك: " ألبست زيداً الثوب " ليس منتصباً بأفعلت.
لما تقدم من أنك لا تنقله عن الفاعل ويصير الفاعل مفعولاً، حتى يكون الفعل
حاصلاً في الفاعل ولكن المفعول الثاني منتصب بما كان منتصبا به قبل دخول الهمزة والنقل، وذلك أنهم اعتقدوا طرحها حين كانت زائدة، كما فعلوا في تصغير " حميد " و " زهير "، وكما فعلوا حين قالوا: (أورث النبت فهو وارس)، ولم يبنوه على " أورس ".
وقال الله - سبحانه وتعالى -: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا).
فلم يجئ بالمصدر على " أنبت ".
ومما يوضح لك هذا أنهم أعلوا الفعل فقالوا: " أطال الصلاة وأقامها "، فلم
يقولوا: " أطول "، ولا " أقوم "، مراعاةً لحكم الفعل قبل دخول " الهمزة "، ألا ترى أنهم حيث نقلوه في التعجب واعتقدوا ثبات " الهمزة " لم يعدوه إلى مفعول ثان، بل قالوا: ما أضرب زيداً لعمرو باللام، لأن التعجب تعظيم لصفة المتعجب منه، وإذا كان الفعل صفة في الفاعل لم يتعد، ومن ثم صححوه في التعجب فقالوا: ما أقومه وأطوله، حيث لم يعتقدوا سقوط الهمزة، كما صححوا الفعل من " استحوذ " و " استنوق الجمل "، حيث كانت الهمزة والزوائد لازمة له غير عارضة فيه، والحمد لله.
مسألة حذف " الباء " من " أمرتك الخير " إنما يكون بشرطين:
أحدهما: اتصال الفعل بالمجرور فإن تباعد منه لم يكن بد من " الباء ": نحو
قولك: " أمرت الرجل يوم الجمعة بالخير " يقبح حذف الباء، لأن المعنى الذي من أجله حدفث " الباء " ليس بلفظ، وإنما هو معنى في الكلمة، وهو ما تضمنته في معنى " كلفتك " فلم يقو على الحذف إلا مع القرب من الاسم كما كان ذلك في (اخترت)، وقد تقدم، ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى:
(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ)
كيف أعاد حرف الجر في البدل لما طال الأول بالصلة
وكذلك قوله: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا)، على أحد القولين، فإذا أعيد حرف الجر مع البدل لطول الاسم الأول، فإثبات الحرف من نحو: " أمرتك الخير " إذا طال الاسم أجدر والشرط الثاني: أن يكون المأمور به حدثاً، فإن كان جسماً أو جوهراً، لم تحذف الباء من نحو: " أمرتك بزيد "، ولا تقول: أمرتك زيداً، لأن الأمر في الحقيقة ليس به ولا للتكليف به متعلق، وإنما تدخل الباء عليه مجازاً، كأنك قلت: أمرتك بضرب زيد أو إكرامه "، ثم حدفت.
وأما " نهيتكن عن الشر " فلا يجوز حذف الحرف الجار فتقول: نهيتك
الشر، لأنه ليس في ضمن الكلام ما يتضمن النصب، والنهي عن الشيء إبعاد عنه وكف وزجر، وكل هذه المعاني متعدية بـ عن، فلم يكن بد منها، بخلاف الأمر فإنه إغراء بالشيء وإلزاق به فمن ثم تعدى بالباء وهو أيضا بمعنى التكليف والإلزام، فمن ثّمَّ جاز إسقاط الباء.
مسألة
(في " عرفت " و " علمت " ونحوهما)
أما " عرفت " فأصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه حتى يظهر للذهن منفرداً من
معنى زائد عليه، وهذه اللفظة مأخوذة من لفظ " العرف "، وهو ما ارتفع من الأرض حتى يظهر ويتميز.
وأما " علمت " فأصل موضوعها للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة، ومعنى
التركيب إضافة الصفة إلى المحل، وذلك أنك تعرف " زيداً " على حدته، وتعرف معنى " القيام " على حدته، ثم تضيف القيام إلى " زيد " فإضافة
القيام إلى زيد هو التركيب، وهو متعلق العلم.
فإذا قلت: (علمت) فمطلوبها ثلاثة معان:
جوهر وهو المحل، وصفة وهو القيام، وإضافة الصفة إلى المحل، فهي ثلاث معلومات متلازمة في العقل: الجوهر (منها معروف) وماهية الصفة معروفة على حدتها، والحدث الذي هو مركب من الجوهر والصفة معلوم متضمن ثلاث معلومات.
إذا ثبت هذا فلا يضاف إلى الله - سبحانه - إلا العلم.
ولا يقال فيه: " عرف " ولا " يعرف "، لأن علمه متعلق بالأشياء كلها، مركبها ومفردها، تعلقاً واحداً، بخلاف
علم المحدثين فإن معرفتهم بشيءآخر.
ومازعموه من قولهم: قد يكون " علمت "
بمعنى " عرفت "، واستشهادهم بالآي التي استشهدوا بها، ليس هو حقيقة، لأن تعدي " علمت " إلى مفعول واحد في اللفظ
لا يخرجها إلى معنى " عرفت "، ولكن على جهة المجاز والاختصار.
فقوله: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)، ليس ينفي عنه معرفة أعيانهم
وأسمائهم، وإنما ينفي عنه العلم بعداوتهم ونفاقهم، وما تقدم من الكلام يدل على ذلك.
وكذلك توله عز وجل: (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ)، فربما كانوا
يعرفونهم ولا يعلمون أنهم أعداء، فيتعلق العلم بالصفة المضافة إلى الموصوف، وذاته، وإنما مثل من يقول: إن " علمت " يكون بمعنى " عرفت "، من أجل أنه رآها
متعدية إلى مفعول واحد في اللفظ، كمثل من يقول: إن (سألت) تتعدى إلى غير الآدميين فيقول: اسالت الحائط والدابة، ويحتج بقوله تعالى:
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) وإنما هذا جهل بالمجاز والحذف، وكذلك ما تقدم.
وأما نصب (علمت) و (ظننت) لمفعولين، فليس هما مفعولان في الحقيقة.
وإنما هو المبتدأ والخبر، وهو حديث إما معلوم وإما مظنون، فكان حق الاسم الأول أن يرتفع بالابتداء والثاني بالخبر، ويلغى الفعل؛ لأنه لا تأثير له في الاسم، وإنما التأثير لعرفت المتعلقة بالاسم المفرد تعييناً وتمييزاً، ولكنهم أرادوا تشبث " علمت " بالجملة التي هي الحديث، كيلا يتوهم الانقطاع بين المبتدأ وبين ما قبله.
لأن الابتداء عامل في الاسم وقاطع له مما قبله، وهم إنما يريدون إعلام المخاطب بأن هذا الحديث معلوم، فكان إعمال (علمت) فيه ونصبه له إظهاراً لتشبثها، ولم يكن عملها في أحد الاسمين أولى من الآخر، فعملت فيهما معا.
وكذلك " ظننت "؛ لأنه لا يتحدث بحديث حتى يكون عند المتكلم إما مظنونا وإما معلوما، فإن كان مشكوكاً فيه أو مجهولًا عنده لم يسغ له الحديث، فمن ثم لم يعملوا (شككت) ولا (جهلت) فيما عملت فيه ظننت وعلمت، لأن الشك تردد بين أمرين من غير اعتماد على أحدهما، بخلاف الظن فإنك معتمد فيه على أحد الأمرين، وأما العلم فأنت فيه
قاطع بأحدهما، ومن ثم تعدى الشك بحرف (في) لأنه مستعار من " شككت الحائط بالمسمار ".
شَكَّ الفَريصَةَ بالمِدْرى....
وشك الحائط إيلاج فيه من غير ميل إلى أحد الجانبين، كما أن الشك في
الحديث تردد فيه من غير ترجيح لأحد الجانبين.
ونظير إعمالهمم " علمت " وأخواتها في المبتدأ والخبر اللذين هما بمعنى
الحديث، إعمالهم " كان " وأخواتها في الجملة، وإنما (كان) أصلها أن ترفع فاعلا
واحداً نحو: " كان الأمر "، أي: حدث، فلما خلعوا منها معنى الحدث ولم يبق فيها إلا معنى الزمان، ثم أرادوا أن يخبروا بها عن الحدث الذي هو
(زيد قائم) أي: إن زمان هذا الحديث ماض أو مستقبل - أعملوها في الجملة ليظهر تشبثها بها ولا يتوهم انقطاعها عنها، لأن الجملة قائمة بنفسها.
و" كان " كلمة قد يوقف عليها أو تكون خبراً عما قبلها، فكان عملها في الجملة دليلًا على تشبثها بها، وأنها خبرٌ عن
هذا الحديث، ولم تكن لتنصب الاثنين لأن أصلها أن ترفع ما بعدها، ولم تكن لترفعهما معا فلا يظهر عملها، فلذلك رفعت أحدهما ونصبت الآخر.
نعم، ومنهم من يقول: " كان زيد قائم "، فيجعل الحديث هو الفاعل بكان، فيكون معمولها معنوياً لا لفظياً، كأنك قلت كان هذا الحديث.
وإن أضمرت الأمر والشأن ودلت عليه قرينة حال فالمسألة على حالها، لأن الجملة، حينئذ بدل من ذلك المضمر لأنها في معنى الحديث، وذلك الحديث هو الأمر المضمر، فهذا بدل
الشيء من الشيء وهما لعين واحدة.
ونظير هذا المعمول المعنوي الذي هو الحديث، معمول (علمت) و (ظننت)
إذا ألغيت نحو: " زيد ظننت قائم "، كأنك قلت: ظننت هذا الحديث، فلم تعملها لفظا إنما أعملتها معنى.
ومن هذا الباب إعمالهم " إن " وأخواتها، وإنما دخلت لمعان في الجملة
والحديث، إلا أنها كلمات يصح الوقف عليهن، لأن حروفهن ثلاثة فصاعداً، ألا ترى إلى قوله:
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا... كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنَّهْ
وقال الآخر:
ليث شعري.. وأين مني ليت؟....
وقال حبيب:
................ عسى وطن يدنوا بهم ولعلما
وإذا كان هذا حكمها فلو رفع ما بعدها بالابتداء على الأصل، لم يظهر تشبثها بالحديث الذي دخلت لمعنى فيه، فكان إعمالها في الاسم المبتدأ إظهاراً لتشبثها بالجملة وكيلا يتوهم انقطاعها عنها، وكان عملها نصباً لأن المعاني التي تضمنتها لو لفظ بها لنصبت نحو: التوكيد والترجي والتنمي، فإنها معان في نفس المتكلم تقديرها: أؤكد وأتمنى، وليست هذه المعاني مضافة إلى الاسم المخبر عنه، فإن (زيداً) من قوله: (إِن زيداً)، و (ليت زيداً) لم يؤكد شيئا ولا تمناه، ولكن الحديث هو المؤكد أو المتمني، فكان عملها نصباً بهذا، وبقي الاسم الآخر مرفوعاً لم يعمل فيه، حيث لم تقل أفعالاً كعلمت وظننت فتعمل في الجملة كلها، وإنما أرادوا إظهار تشبثها بالجملة فاكتفوا بتأثيرها في الاسم الأول، يدلك على أنها لم تعمل في الاسم
الثاني أنه لا يليها، لأنه لا يلي العامل ما عمل فيه غيره، فلو عملت فيه لوليها، كما يلي (كان) خبرها، ويلي الفعل مفعوله.
نعم، ومن العرب من أعملها في الاسمين جميعاً، وهو قوي في القياس،
لأنها دخلت لمعانٍ في الجملة فليس أحد الاسمين أولى بأن يعمل فيه من الآخر.
قال الراجز:
إنَّ العجوزَ خَبَّةً جَرُوزا... تأكلُ كلَّ ليلةٍ قَفيزا
واعلم أن معاني هذه الحروف لا تعمل في حال ولا ظرف، ولا يتعلق بها
مجرور، لأنها في نفس المتكلم كالاستفهام والنفي وسائر المعاني التي جعلت
الحروف أمارات لها وليس لها وجود في اللفظ، فإذا قلت: هل زيد فائم؟ فمعناه: استفهم عن هذا الحديث.
وكذلك " لا " معناها أن الحديث نفي، وكذلك " ليس معناها
انتفاء الحديث.
وكذلك حين أرادوا إظهار تشبثها بالجملة لم ينصبوا بها الاسم
الأول، كما نصبوا بأن، حيث لم يكن معناها يقتضي نصباً إذا لفظ به، كما يقتضي معنى (إن) و (لعل) إذا لفظ به.
وأما (كأنَّ) فمفارقة لأخواتها من وجه، وهي أنها تدل على التشبيه، وهو معنى في نفس المتكلم واقع على الاسم الذي بعدها فكأنك تخبر عن الاسم بعدها أنه مشبه غيره، فصار معنى التشبيه مسنداً إلى الاسم بعدها، كما أن معاني الأفعال مسندة إلى الأسماء بعدها، فمن ثَمَّ عملت في الحال والظرف، تقول: " كأن زيداً يوم الجمعة أمير "، فيعمل التشبيه في القول، ومن ذلك قوله:
كأنَّه خارِجٌ من جَنْبِ صَفْحَتِهِ... سَفُّوْدُ شَرْبٍ نَسُوْهُ عند مُفْتَأَدِ
ومن ثم وفعت في موضع الحال والنعت، كما تقع الأفعال المخبر بها عن
الأسماء، تقول: " مررت برجل كأنه أسد "، و: " جاءني رجل كأنه أمير "، وليس ذلك في أخواتها لا تكون في موضع نعت ولا في موضع حال، بل لها صدر الكلام كما لحروف الشرط والاستفهام لأنها داخلة لمعان في الجمل فانقطعت مما قبلها، وإنما
كانت " كأن " مخالفة لأخواتها من وجه وموافقة من وجه، من حيث كانت مركبة من " كاف " التشبيه، و " أن " التي للتوكيد، فكان أصلها: " إن زيداً الأسد "، أي: مثل الأسد، ثم أرادوا أن يبينوا أنه ليس هو بعينه فأدخلوا الكاف على الحديث المؤكد إن، لتؤذن أن الحديث مشبه به.
وحكم " إن " إذا دخل عليها عامل أن تفتح الهمزة منها، فصار اللفظ: (كأن زيداً الأسد "، فلما في كلمة من التشبيه المخبر به عن " زيد "، صار
" زيد " بمنزلة من أخبر عنه بالفعل، فوقع موقع النعت والحال، وعمل ذلك المعنى وتعلقت به المجرورات ومن حيث كان في الكلمة وعني إن دخلت في هذا الباب، ووقع في خبرها الفعل نحو قولك: " كأن زيداً يقوم ".
والجملة نحو: " كأن زيداً أبوه أمير ".
ولو لم يكن إلا مجرد التشبيه لم يجز هذا، لأن الاسم لا يشبه بفعل ولا بجملة، ولكنه حديث مؤكد بإن، والكاف تدل على أن خبراً أشبه من هذا الخبر، وذلك الخبر الذي شبه بهذا الخبر هو الذي دل عليه " زيد "، فكان المعنى: زيد قائم وكأنه قاعد.
و" زيد أبوه وضيع وكأن أبوه أمير "، فشبهت حديثا بحديث، والذي يؤكد الحديث " أن " والذي يدل على التشبيه " الكاف "، فلم يكن بد من اجتماعهما.
فصل
وكل هذه الحروف تمنع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها لفظا أو معنى.
أما اللفظ فلأنه لا يجتمع عاملان في اسم واحد، وهذه الحروف عوامل.
وأما المعنى فلا تقول: " سرني زيد قائم "، أي: سرني هذا الحديث.
ولا " كرهت زيد قائم " أي: كرهت هذا الحديث، كما يكون ذلك في كان
وليس لأن كان ليست بفعل محض فجاز أن تقول: " كأن زيد قائم ".
أي: كأن هذا الحدبث، ولم يجز في " سرني " ولا " بلغني ".
فإن أدخلت " ليت " أو " لعل " أو " إن " المكسورة لم يجز أيضا، لأن هذه
المعاني ينبغي أن يكون لها صدر الكلام فلا يقع قبلها فعل معمل ولا ملغى.
فإن جئت بـ " أن " المفتوحة قلت: " بلغني أن زيداً منطلقاً، فأعملت الفعل في معمول معنوي، وهو الحديث، لأن الجملة الملفوظ بها حديث في المعنى.
وإنما جاز هذا لامتناع الفعل أن يعمل فيما عملت فيه " أن "، ولا بد له من
معمول فيه، فتسلط على المعمول المعنوي وهو الحديث، حيث لم يمكن أن يعمل في اللفظي الذي عملت فيه " أن ".
وكذلك: " كرهت أن زيداً منطلق "، المفعول وهو الحديث، وهو معنى لا
لفظ.
فإن قيل: وهلَّا كان لأن صدر الكلام كما كان لليت ولعل ولجميع الحروف
الداخلة على الجمل؟.
قلنا: ليس في " أن " معنى زائد على الجملة أكثر من التوكيد، وتوكيد الشيء
هو بمثابة تكراره لا بمثابة معنى زائد فيه، فصح أن يكون الحديث المؤكد بها معمولاً لما قبلها، حيث منعت هي من عمل ما قبلها في اللفظ الذي بعدها، فتسلط العامل الذي قبلها على الحديث، ولم يكن له مانع في صدر الكلام يقطعه عنه كما كان ذلك في غيرها.
فإن كسرت همزتها كان الكسر فيها إشعاراً بتجريد المعنى الذي هو التأكيد عن توطئة الجملة للعمل في معناها.
فليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى، إلا أنهم إذا أرادواً توطئة
الجملة لأن يعمل الفعل الذي قبلها في معناها وأن يصيروها في معنى الحديث.
فتحوا الهمزة، وإذا أرادوا قطع الجملة مما قبلها وأن يعتمدوا على التوكيد اعتمادهم على الترجي والتمني كسروا الهمزة ليؤذنوا بالابتداء والانقطاع عما قبل، وأنهم قد جعلوا التوكيد صدر الكلام، لأنه معنى كسائر المعاني، وإن لم يكن في الفائدة مثل غيره.
وكان الكسر بهذا الموطن أولى لأنه أثقل من الفعل، والثقل أولى ما يعتمد عليه ويصدر الكلام به، والفتح أولى بما جاء بعد الكلام لخفته، وأن المتكلم ليس في عنفوان نشاطه وجمامه، مع أن المفتوحة قد تلي الضم والكسر من قولك: لأنك، وبأنك، وعلمت أنك، فلو كسرت لتوالي الثقل.
فإن قيل: فما المانع من أن تكون هي وما بعدها في موضع المبتدأ، كما كانت
فى موضع الفاعل والمفعول والمجرور؟
أليس قد صيرت في الجملة في معنى الحديث فلم لا تقول " أنك منطلق معجب لي "، وما الفرق بينها وبين أن التي هي وما بعدها في تأويل الاسم نحو:
" أن يقوم زيد خير من أن يجلس "، فلم تكون تلك في موضع المبتدأ، ولا تكون هذه كذلك؟.
والجواب: أن المبتدأ يعمل فيه عامل معنوي، والعامل المعنوي لولا أثره في
المعمول اللفظي لما عقل، وهذه الجملة المؤكدة بأن إنما يصح أن تكون معمولا
لعامل لفظي، لأن العامل معنى والمعمول معنى أيضاً، وهذا لا يفهمه المخاطب
ولا يصل إلى علمه إلا بوحي، فامتنع أن تكون هذه الجملة المؤكدة في موضع
المبتدا لأنه لا ظهور للعامل ولا للمعمول، ومن ثم لم تدخل عليها عوامل الابتداء من " كان " وأخواتها و " إن " وأخواتها، لأنها قد استغنت بظهور عملها في الجملة عن حرف يصير الجملة في معنى الحديث المعمول فيه، فلا تقول: " كان أنك منطلق "، لا حاجة إلى " أن " مع عمل هذه الحروف في الجملة.
وجواب آخر، وهو أنهم لو جعلوها في موضع المبتدأ لم يسبق إلى الذهن إلا
الاعتماد على مجرد التوكيد دون توطئة الجملة للإخبار عنها، فكأنك تكسر همزتها.
وقد تقدم أن الكسر إشعار بالانقطاع عما قبل، واعتماد على المعنى الذي هو
التوكيد، فلم يتصور فتحها في الابتداء إلا بتقدم عامل لفظي يدل على المراد
بفتحها، لأن العامل اللفظي يطلب معموله، فإن وجده لفظا فهذا غير ممنوع
منه، وإلا تسلط على المعنى، والابتداء بخلاف هذا.
فإن قيل: فلم قالوا: " علمت أن زيداً قائم "
و" ظننت أنك ذاهب "، هلا اكتفوا بعمل هذه الأفعال في الأسماء عن تصيير الجملة في معنى الحديث، كما اكتفوا في باب (كان) و (أن) ؟.
والجواب: أن الفرق بينهما أن هذه أفعال تدل على الحدث والزمان، وليست بمنزلة (ليس) و (كان)، ولا بمنزلة (إن) و (ليت)، فأجريت مجرى (كرهت) و (أحببت).
فلذلك فالوا: علمت أنك منطلق، كما قالوا: أحببت أنك منطلق إلا أنها تخالف كرهت وأحببت وسائر الأفعال، لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا به، فمن ثم قالوا: علمت زيداً منطلقاً وزيد - عملت - منطلق،، ولم يقولوا: " كرهت زيداً أخاك، لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث، إنما متعلقها الأسماء، إلا أن تمنعها " أن " من العمل في الأسماء، فتصير متعلقة بالحديث، فافهمه.
فصل
إن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكد بأن من قولك: لو أنك ذاهب
فعلت، لا سيما و (لو) لا يقع بعدها إلا الفعل، ولا فعل ههنا؟
فما موضع (أن) وما بعدها؟.
فالجواب: أن " أن " في معنى التوكيد، وهو تحقيق وتثبيت، فذلك المعنى
الذي هو التحقيق اكتفت به (لو)، حتى كأنه فعل وليها، ثم عملت ذلك المعنى في الحديث كأنك قلت: " لو ثبت أنك منطلق "، فصارت كأنها من جهة اللفظ عاملة في الاسم الذي هو لفظ، ومن جهة المعنى عاملة في المعنى الذي هو الحديث.
فإن قيل: ألم يتقدم أن لا يعمل عامل معنوي في معمول معنوي؟.
قلنا: هذا في الابتداء حيث لا لفظ يسد مسد العامل اللفظي، فأما ههنا فلو
لشدة مقارنتها للفعل وطلبها له، تقوم مقام اللفظ بالعمل الذي هو التحقيق والتثبيت الذي دلت عليه " أن " بمعناها.
ومن ثم عمل حرف النفي المركب مع (لو) من قولك " لولا زيد " عمل الفعل، فصار زيد فاعلاً بذلك المعنى حتى كأنك قلت: لو انعدم زيد، أو: غاب زيد، ما كان كذا وكذا.
ولولا مقارنة (لو) لهذا الحرف لما جاز هذا، لأن الحروف لا تعمل في الأسماء
معانيها أصلاً، فالعامل في هذا الاسم الذي بعد (لولا) كالعامل في هذا الاسم الذي هو الحديث من قولك: " لو أنك ذاهب لفعلت كذا ".
وأما اختصاص " لا " بالتركيب معها في باب " لولا زيد ذاهب لفعلت كذا ".
فلأن " لا " قد تكون منفردة تغني عن الفعل، إذ قيل لك: هل قام زيد؟ فتقول: لا.
فقد أخبرت عنه بالقعود.
وإذا قيل لك: هل قعد؟ فقلت: لا.
فكأنك مخبر بالقيام.
وليس شيء من حروف النفي يكتفى به في الجواب حئى يكون بمنزلة الإخبار إلا هذا الحرف، فمن ثم صلح الاعتماد عليه في هذا الباب، وساغ تركيبه مع حروف لا تطلب إلا الفعل، فصارت الكلمة بأسرها بمنزلة حرف وفعل، وصار " زيد " بعدها بمنزلة الفاعل.
ولذلك قال سيبويه: " إنه " مبني على " لولا ".
وهذا هو الحق، لأن ما يهذون به من أنه مبتدأ وخبره محذوف، لا يظهر، وخامل لا يذكر.
مسألة
(أعلمت زيداً عمراً قائما)
زكر سيبويه أنه لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول.
وتأول أصحابه قوله، قالوا: " لا يجوز: لا يحسن، لأن المعمول الأول هو الفاعل في المعنى، والفاعل يجوز الاقتصار عليه فتقول: علم زيد.
وإنما الذي لا يجوز الاقتصار عليه المفعول الثاني الذي هو الأول قبل النقل.
وعندي أن كلام سيبويه محمول على الظاهر، لأنك لا تريد بقولك:
" أعلمت زيداً " أي: جعلته عالماً على الإطلاق، وهذا محال، إنما تريد: أعلمته بهذا - الحديث، فلاِ بد إذاً من ذكر الحديث الذي أعلمته به.
فإن قيل: فهل يجوز: " أظننت زيداً عمراً قائما "، كما تقول: أعلمت؟.
قلنا: الصحيح امتناعه، لأن الظن إن كان بعد علم - والعلم ضروري - فمحال أن يرجع ظنا، وإن كان العلم نظرياً لم يرجع العالم إلى الظن إلا بعد النسيان أو الذهول عن ركن من أركان النظر.
وهذا ليس من فعلك أنت به، فلا تقول: " أظننته "
بعد أن كان عالما.
وإن كان قبل الظن شاكاً أو جاهلاً أو غافلاً فلا يتصور أيضاً أن تقول:
" أظننته "، لأن الظن لا يكون عن دليل يوفقه عليه أو خبر
صادق يخبر به كما يكون العلم.
لأن الدليل لا يقتضى ظنا ولا يقتضيه أيضاً شبهة
كما بينه أصحاب الأصول.
فثبت أن الظن لا تفعله أنت به، ولا تفعل شيئاً من أسبابه، فلم يجز:
" أظننته " أي: جعلته ظاناً، وكذلك يمتنع: " أشككته " من الشك، أي: جعلته شاكاً ولكنهم قد يقولون " شككته "، إذا حدثته بحديث يصرفه عن حال الظن إلى حال الشك.
فلذلك جاء على وزن " حدثته ". والله أعلم.
مسألة
وقوله: " وفعل يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر ".
أصل هذا الفصل أن كل فعل يقتضي مفعولاً ويطلبه، فلا يصل إلى ما بعده إلا بحرف الجر، ثم قد يحذف المفعول لعلم السامع به ويبقى المجرور.
وربما تضمن الفعل معنى فعل آخر متعد بغير حرف، فيسقط حرف الجر من
أجله، وربما كان الفعل يتعدى بغير حرف وفي ضمن الكلام ما يطلب الحرف، فيدخل الحرف من أجله، فالأول نحو: " نصحت لزيد ".
و" شكرت له "، و " كلت له ": المفعول في هذا كله محذوف، والفعل واصل إلى ما بعده بحرف، لأن " نصحت " مأخوذ من قولك: نصح الخائط الثوب: إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي فقالوا: " نصحت له رأيه ".
والتوبة النصوح إنما هي لما تمزق من الدين كنصح الثوب، ولكنهم يقولون:
نصحت زيداً، فيسقطون الحرف، لأن النصيحة متضمنة للإرشاد، فكأنهم قالوا: أرشدت زيداً.
وكذلك " شكرت " إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له، من " شكر بطنه ": إذا امتلأت،
فالأصل: " شكرت لزيد فعله "، ثم قد يحذف المفعول فتقول:
شكرت لزيد، ثم يحذف الحرف لأن " شكرت " متضمنة لحمدت أو مدحت، لأن من شكر فعلاً للرجل فقد حمده، أو مدحه.
وأما " كلت لزيد "، ووزنت له فمفعولها غير " زيد "، لأن مطلوبهما ما يكال أو بوزن فالأصل دخول اللام، ثم قد يحذف لزيادة فائدة، لأن كيل الطعام ووزنه يتضمن معنى المبايعة والمعاوضة إلا مع حرف اللام، فإن قلت:
كلت لزيد، أخبرت بكيل الطعام خاصة، وإذا قلت: " كلت زيداً " فقد أخبرت بمعاملة ومبايعة مع الكيل، كأنك قلت: بايعت زيداً بالكيل والوزن.
قال الله - سبحانه وتعالى -: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ)
أي: بايعوهم كيلاً ووزناً.
وأما قوله: (اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ)، فإنما دخلت " على " لتؤذن أن الكيل
على البائع للمشتري، ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زاد على معنى الكلمة، لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من التناول والاحتراز إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي والبائع، ولهذا قال سبحانه:
(لَهَا مَا كَسَبَتْ) يعني من الحسئات، (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، يعني من
السيئات، لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان، والحسنة تنال بهبة من الله - تعالى - من غير واسطة شهوة ولا إغواء عدو، فهذا الفرق بينهما.
وأما قولهم: " سمع الله لمن حمده "، فمفعول (سمع) محذوف، لأن السمع
متعلق بالأقوال والأصوات دون ما عداها، فاللام على بابها، إلا أنها تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على المعنى الزائد وهو الاستجابة لمن حمده.
وهذا مثل توله تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ).
ليست " اللام " لام المفعول - كما زعموا - ولا هي زائدة، ولكن ردف فعل متعمد ومفعولها غير هذا الاسم، كما كان مفعول " سمع " غير الاسم المجرور، ومعنى ردف: تبع وجاء على
الأثر، فلو حملته على الاسم المجرور، لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته، ولكن المعنى: ردف لكم استعجالكم وقولكم، لأنهم قالوا:
(متى هذا الوعد)، ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال، اتكالاً على فعل السامع، ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولاً، وآذنت أيضاً بفائدة أخرى
وهي معنى " عجل لكم "، فهي متعلقة بهذا المعنى.
فصار معنى الكلام: قل: عسى أن يكون عجل لكم " بعض الذي تستعجلون، فردف قولكم واستعجالكم فدلت ردف على أنهم قالوا: واستعجلوا، ودلت اللام على المعنى الآخر، فانتظم
ْالكلام أحسن نظام واجتمع الإيجاز مع التمام.
ومما يتصل بهذا الفصل: " قرأت الكتاب واللوح ونحوهما "، فإنها متعدية بغير
حرف، وأما قرأت بأم القرآن و " قرأت بسورة كذا "، فإنما يكون إذا أرددت هذا المعنى، ولا بد من حذفها إذا لم ترده.
وأما (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)، فالباء متغلقة بما تضمنه الخبر من معنى الأمر
بالاكتفاء لأنك إذا قلت: " كفى الله " أو: " كفاك زيد "، فإنما تريد أن يكتفي هو به، فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر، فدخلت الباء لهذا، فليست زائدة في الحقيقة، وإنما هي كقولك: حسبك بزيد، ألا ترى أن حسبك مبتدأ وله خبر، ومع هذا فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول:
" حسبك ينم الناس "، فينم جزم على جواب
الأمر الذي في ضمن الكلام.
حكى هذا سيبويه عن العرب.
مسألة
من باب ما تتعدى إليه الأفعال المتعدية وغير المتعدية.
وهي تعدي الفعل إِلى المصدر وتعديه إليه على ثلاثة أنحاء، على أن يكون المصدر مفعولًا مطلقا، أو توكيداً، أو حالاً، قال سيبويه: " وإنما تذكرة لتبيين أي فعل فعلت، أو توكيداً ". وأما الحال فنحو: مشيت مشياً، وأنت تريد ماشياً، فقد تقول: مشيت ماشياً،
وقعدت قاعداً، يجعلها حالاً مؤكدة.
وعلى وجه أقرب من هذا وهو أن تريد نعت
المصدر نحو قوله: مشيت مشياً شديداً أو مشيت مشياً، تريد: مشيا ما، فيكون مثل قوله: (لِسَانًا عَرَبِيًّا)، وهي الحال الموطأة، لأن الصفة وطأت الاسم الجامد أن يكون حالاً، فإن حذفت الاسم وبقيت الصفة وحدها لم يكن في الحال إشكال.
ويبين ما قلناه نحوه: سرت شديداً، وهي أيضاً حال من المصدر الذي دل عليه الفعل، فإذا أردت بالمصدر هذا المعنى كان بمنزلة الحال.
ويجوز تقديمه وتأخيره إذا كان مفعولاً مطلقا أو حالاً، ولا يجوز تقديمه على
الفعل إذا كان توكيداً له، لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد.
والعامل فيه إذا أردت معنى الحال الفعل نفسه، والعامل فيه إذا كان مفعولاً مطلقا ليس هو لفظ الفعل بنفسه، وإنما هوما يتضمنه من معنى فعل - الذي هو: فاء
وعين ولام - لأنك إذا قلت: - ضربت ضرباً، فالضرب ليس بمضروب، ولكنك حين قلت: ضربت تضمن ضربت معنى قلت لأن كل ضرب فعل، وليس كل فعل ضرباً.
فصار هذا بمنزلة تضمن الإنسان والحيوان، إذ كل إنسان حيوان، وليس كل حيوان إنساناً.
وإذا كان الأمر هنا كذلك، فضرباً منصوب بفعلت المدلول عليها بضربت.
حتى كأنك قلت: فعلت ضرباً.
ولا يكون المصدر مفعولاً مطلقاً حتى يكون منعوتا أو في حكم المنعوت.
وإنما يكون توكيداً للفعل لأن الفعل يدل عليه دلالة مطلقة ولا يدل علمِه محدداً ولا منعوتا.
وقد يكون مفعولاً مطلقاً وليس له نعت في اللفظ إذا كان في حكم
المنعوت، كأنك تريد: ضربا ما، فلا يكون حينئذ توكيداً، إذ لا يؤكد الشيء بما فيه معنى زائد على معناه، لأن التوكيد تكرار محض.
وقد احتج القتبي على القائلين من المعتزلة بأن تكليم الله لموسى - عليه السلام - مجاز، بقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، فأكد الفعل بالمصدر، ولا يصح المجاز مع التوكيد.
فذاكرت بقوله هذا شيخنا أبا الحسين - رحمه الله تعالى - فقال: هذا حسن
لولا أن سيبويه قد أجاز في مثل هذا أن يكون مفعولًا مطلقا، وإن لم يكن منعوتا في اللفظ فيحتمل على هذا أن يريد، تكليماً ما، فلا يكون في الآية حجة قاطعة.
والحجاج عليهم كثيرة لا يحتاج معها إلى الاحتجاج بالمحتملات.
وقد سألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيداً للفعل، والتوكيد لا يعمل فيه المؤكد إذ هو هو في المعنى، فما العامل فيه؟
فسكت قليلاً ثم قال: ما سألني عنه أحد قبلك!
فأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسماً، لأنه لوكان اسماً كان منصوبا بفعلت المتضمنة فيه.
ثم عرضت كلامه على نفسي وتأملت الكتاب، فإذا هو قد ذهل عما لوح إليه
سيبويه في باب المصادر، بل صرح، وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوباً
بفعل هو التوكيد على الحقيقة، واختزل ذلك الفعل، وسد المصدر الذي هو معموله مسده، كما سدت (إياك) و (رويداً) مسد العامل فيهما، فصار التقدير: ضربت ضرباً، فضربت الثانية هي توكيد على الحقيقة، وقد سد ضربا مسدها، وهو معمولها، وإنما يقدر عليها فيه أنه مفعول مطلق لا توكيد.
هذا معنى فول صاحب الكتاب مع زيادة في الشرح.
ومن تأمله هناك وجده كذلك.
والذي أقول به الآن قول الشيخ أبي الحسين، لأن الفعل المختزل معنى.
والمعاني لا يؤكد بها وإنما يؤكد بالألفاظ، وقولك ضربت فعل مشتق من المصدر، فهو يدل عليه، فكأنك قلت: فعلت الضرب.
فضربت يتضمن الضرب المفعول ولذلك تضمره فتقول: من كذب فهو شر له، أي: فالكذب شر له وتقيده بالحال فتقول: قمنا سريعا، فسريعا حال من القيام، فكما جاز أن تقيده بالحال وأن تكتني عنه
بـ هو، جاز أيضاً أن تؤكده بـ (ضرباً)، كان قلت: ضرباً ضربا ونصب ضرباً الأول ضربا وبه يعمل في الثاني معنى فعلت، كما كان ذلك في المفعول المطلق إذا قلت:
ضربت ضرباً شديداً، أي: فعلت ضرباً شديداً ليس المؤكد كذلك، إنما ينتصب كما ينتصب زيداً الثاني في قولك: ضربت زيداً زيداً مكرراً، انتصب من حيث كان هو الأول لا أنك أضمرت له فعلاً، فتأمله.
مسألة
(فيما بؤكد من الأفعال بالمصادر وما لا يؤكد)
قد أشرنا إلى أن الفعل قسمان: خاص وعام، فالعام منه نحو: فعلت وعملت وصنعت، وأعمها كلها فعلت، لأن عملت عبارة عن حركات الجوارح الظاهرة مع دؤب، ولذلك جاء على وزن فعل كـ تعب ونصب ومن ثم لم تجدها يخبر بها عن الله - عز وجل - إلا أن يرد بها سمع فيحمل على المجاز المحض، ويلتمس له التأويل.
وإذا ثبت هذا ففعلت وما كان نحوها من الأحداث العامة الشائعة لا تؤكد
بمصدر، لأنها في الأفعال بمنزلة شي وجسم في الأسماء، لا يؤكد لأنه لم تثبت
حقيقته عند المخاطب أحوج إلى ذكر المفعول المطلق الذي تقع به الفائدة منه إلى توكيد فعلت، فلو قلت له: فعلت فعلت، وأكدته بغاية ما يمكن التوكيد، ما كان الكلام إلا غير مفيد وكذلك لو قلت: فعلت فعلاً، على التوكيد، لأن المصدر الذي كنت تؤكد به - لو أكدت - قياسه أن يكون مفتوح الفاء، لأنه ثلاثي، والمصدر الثلاثي
قياسه أن يكون على هذا الوزن مفتوح الفاء، كما أن فعله مفتوح الفاء.
فإذا ثبت هذا فلا يقع بعد فعلت إلا مفعول مطلق، إما من لفظها فيكون عاما
نحو: فعلت فعلاً حسناً، ومن ثم جاء مكسور الفاء لأنه كالطحن والذبح، أي: إنه ليس بمصدر اشتق منه الفعل، بل هومشتق من فعلت.
وإما أن يكون خاصا نحو: فعلت ضرباً، فضربا أيضاً مفعول مطلق من غير
لفظ فعل فصار فعلت فعلاً كطحنت طحناً وفعلت ضربا كطحنت دقيقاً.
فإن قيل: ألم يجيزوا في ضربت ضربا وقتلت قتلاً أن يكون مفعولاً مطلقا.
فلم يكن مكسور الأول إذا كان مفعولاً مطلقا، ومفتوحاً إذا كان مصدراً مؤكداً؟
قلنا: حدث حديثين امرأة!، ألم يقدم في أول الفصل أنه لا يعمل في ضرباً إذا كان مفعولاً مطلقا إلا معنى فعلت، لا لفظ، ضربت، فلو عمل فيه لفظ ضربت لقلت: ضربت ضربا، مكسور الأول، مثل: طحنت طحناً، ولكن هذا محال، لأن الضرب لا يضرب، ولكن إذا اشتققت له اسماً من فعلت الئي هي عاملة فيه على الحقيقة فقلت: هو فعل.
وإن اشتققت له اسماً من ضربت التي لا يعمل لفظها فيه، لم يجز أن تجعله
كالطحن والذبح، لأن الاسم القابل لصورة الفعل إنما يشتق لفظه من لفظ ما عمل فيه، فثبت من هذا كله أن فعلت وعملت استغني بمفعولها المطلق عن مصدرها، لأنها لا تتعدى إلا إلى حدث، وذلك الحدث مشتق له اسم من لفظها، فيجتمع اللفظ والمعنى ويكون أفيد عند المخاطب من المصدر الذي اشتق منه الفعل، ولذلك لم يقولوا: صنعت صنعاً بفتح الصاد، ولا: عملت عملاً، بسكون الميم، مثل:
حمدت حمداً.
ولا: فعلت فعلاً، بفتح الفاء، استغناء عن المصادر بالمفعولات
المطلقة، لأن العمل مثل: القنص والقبض، والصنع مثل: الدهن والخبز، والفعل مثل الطحن، فكلها بمعنى المفعول لا بمعنى المصدر الذي اشتق منه الفعل.
وجميع هذه الأفعال العامة لا تتعدى إلى الجواهر والأجسام إلا أن يخبر بها عن
خالق الجواهر والأجسام وفاعلها في الحقيقة.
وإنما يتعدى إلى الجواهر بعض الأفعال الخاصة نحو: ضربت زيداً.
ولذلك تقول: زيد مضروب على الإطلاق.
وإن اشتققت له من لفظ فعلت لقلت: مفعول به، أي فعل به ضرب ولم يفعل هو.
وأما حلمت في النوم حلماً، فإن حلمت في المنام بمنزلة فعلت وصنعت في
اليقظة، لأن جميع أفعال النوم يشتمل عليها حلمت وكأن جميع أفعال اليقظة يشتمل عليها فعلت، فمن ثم لم يقولوا: حلمت حلماً على الأصل، لأن حلمت مغنية عن المصدر، كما كانت فعلت مغنية عنه، وإنما مطلوب المخاطب معرفة المحلوم والمفعول، فلذلك قالوا: حلماً، ولذلك جمعوه على أحلام وحلوم، لأن الأسماء هي التي تجمع وتثنى، وأما الفعل، أو ما فائدته كفائدة الفعل من المصادر فلا تجمع ولا تثنى.
وقولهم: إنما جمعت الحلوم والأشغال لاختلاف الأنواع.
بل يقال لهم: وهل اختلف الأنواع إلا من حيث
كانت بمثابة الأسماء المفعولة؟
ألا ترى أن الشغل على وزن فعل كالدهن، فهو عبارة عما يشتغل المرء به، فهو اسم مشتق من الفعل وليس الفعل مشتقاً منه، إنما هو مشتق من الشغل، والشغل هوالمصدر، كما أن الجعل والجعل كذلك.
فعلى هذا ليس الأشغال والأحلام بجمع المصدر، إنما هو
جمع اسم، والمصدر على الحقيقة لا يجمع، لأن المصادر وكلها جنس واحد.
من حيث كانت كلها عبارة عن حركة الفاعل، والحركة تماثل الحركة ولا تخالفها بذاتها، ولولاهاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها، فلو نطقت العرب بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم، وبمصدر شكرت الذي استغنى عنه بالشكر لما جاز جمعه، لأن اخئلاف الأنواع ليس راجعاً إليه، إنما هو راجع إلى المفعول المطلق.
ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل وكذلك نقيضه - وهو الكفر - عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل، فهو مفعول مطلق لا مصدر
اشتق منه الفعل، إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب، وشكوت يتعدى باللام، التي هي لام الإضافة، لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة، وهي مضافة إلى المنعم، وكذلك المكفور لي الحقيقة هي النعمة ولكن كفرها تكذيب وجحد.
فلذلك قالوا: كفر بالله، وكفر بأنعمه وشكر لزيد، وشكر له نعمته.
وإذا ثبت أن الشكر من قولك: شكرت شكراً مفعول مطلق، وهو مختلف
الأنواع، لأن مكافأة النعم تختلف، فجائز أن يجمع كما جمع الحلم والشغل.
فيحمل قوله سبحانه: (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)
على أنه جمع الشكر، وكذلك: كفر كفوراً، ولا يجعل بمنزلة القعود والجلوس، لأنه متعد، ومصدر الفعل المتعدي لا يجىء على الفعول.
ويزيد هذا الفصل بيانا ووضوحاً قوله: أحببت حباً، فالحب ليس بمصدر لأحببت، إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب، ولذلك
جاء على وزنه مضموم الأول.
ومن ثم جمع كما جمع الشغل والحلم، قال الشاعر:
ثلاثَةُ أحبابٍ فَحُبُّ علاقةٍ... وحُبُّ تِمِلاَّقٍ وحُبُّ هو القتلُ
فقد انكشف لك بقولهم: " أحببت حباً "
ولم يقولوا: " إحباباً " استغناء بالمفعول المطلق، الذي هو أفيد عند المخاطب من الإحباب - أن حلمت حلماً وشكرت
شكراً وكفر كفراً وصنع صنعاً، كلها واقعة على ما هو اسم للشيء المفعول، وناصبة له نصب المفعول المطلق.
وهو في هذه الأفعال أجدر أن يكون كذلك، لأنها أعم من أحببت إذ الشكر
واقع على أشياء مختلفة، وكذلك الكفر والشغل والحلم.
وكلما كان الفعل أعم
وأشيع لم يكن لذكر مصدره معنى، وكان فعل ويفعل، مغنياً عنه.
ولولا كشف الشاعر لاختلاف أنواع الحب ما كدنا نعرف ما فيه من العموم.
ولكنه لما فيه من العموم وأنه في معنى الشغل صار أحببت كشغك، وصار الحب كالشغل.
ولو قال: أحباباً، لكان بمنزلة شغلت شغلاً، بفتح الشين.
ولعلنا أن نستوفي مسألة أحببت في باب حبذا، إن شاء الله تعالى، ألا ترى أنهم لا يجمعون من المصادر ما كان على وزن الإفعال، نحو: الإكرام، وعلى وزن (الانفعال والافتعال، وعلى وزن التفعيل، نحو: التكبير والتضريب، إلا أن يكون محدوداً.
فهذا يدلك على أنهم لا يجمعون مصدراً ألبتَّة، إلا أن يكون محدوداً
فيكون كالتمرة من تمر والبرة من بر.
وأما أن بجمع لاختلاف أنواع فلا اختلاف أنواع فيه، إنما اختلاف الأنواع فيما كان اسما مشتقاً من الفعل استغنى به عن المصدر لخصوصه وعموم المصدر، وذلك لا نجده من الثلاثي إلا على وزن فعل أو فعل ألا ترى أنهم لا يجمعون الفرق والحذر، ولا شيئا من ذلك الباب نحو: الرمد، والعمش، والبرص، والبرش، والحوص والخفش، والظمأ والعطش.
فإن قيل: فقد قالوا: سقم وأسقام، والسقم مصدر يسقم، فهذا جمع
لاختلاف الأنواع لا لأنه اسم كما ذكرت.
قلنا: هذا غفلة أليس قد قالوا: سقم، بضم السين، فهو عبارة عن
الداء الذي به يسقم الإنسان، فصار كالدهن والشغل، وهو في ذاته مختلف الأنواع، فجمع.
وأما المرض فقد يكون عبارة عن (السقم) والعلة، فيجمع على أمراض، وقد
يكون مصدر المرض فلا يجمع.
فإن قيل: تفريقك بين الأمرين دعوى، فما دليلها؟
قلنا: العرق، من قولك: عرق يعرق عرقا، لا يخفى على أحد أنه مصدر
لعرق، والعرق الذي هو جسم مائع سائل من الجسد، لا يخفى على أحد أنه غير العرق الذي هو المصدر، وإن كان اللفظ واحداً، فكذلك المرض يكون عبارةً عن المصدر، وعبارة عن السقم والعلة، فعلى هذا تقول: تصبب زيد عرقاً، فيكون له إعرابان: تمييز - إذا أردت المائع - ومفعول من أجله، أو مصدر مؤكد - إذا أردت المصدر.
وكذلك: دميت إصبعي دما، إذا أردت المصدر فهو الدمي، مثل العمى.
فإن أردت الشيء المائع فهو دم مثل يد، وقد يسمى المائع بالمصدر.
قال الشاعر:
ولكن على أقدامنا تقطر الدما
وقال الآخر:
جَرَى الدَّميَانِ بالخبرِ اليقين
فصل
(في الحال من المصدر وفيما ورد من المصادر على وزن فعل)
ومن حيث امتنع أن يؤكد الفعل العام بالمصدر لشيوعه كامتناع النكرة من
التوكيد لشيوعها، وأنها لم تثبت لها عين - فمن ثم لم يجز أن يخبر عنه كما لا يخبر عن النكرة، لا تقول: من فعل كان شراً له بخلاف: من كذب كان شراً له، لأن كذب فعل خاص فجاز الإخبار عما تضمنه من المصدر، ومن ثم لم يقولوا: فعلت سريعاً ولا: عملت طويلاً، كما تقول: سرت سريعاً، وقعدت طويلاً على الحال من المصدر كما يكون الحال من الاسم الخاص ولا يكون من النكرة الشائعة.
فإن قلت: اجعله نعتاً للمفعول المطلق، كأنك قلت: فعلت فعلاً سريعاً
وعملت عملاً كثيراً.
قلنا: لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت إلا على شروط، وفد تقدمت في باب النعت، فليس قولهم: سرت سريعاً نعتاً لمصدر نكرة محذوف، إنما هو حال من مصدر في حكم المعرفة بدلالة الفعل الخاص عليه.
ففد استقام المنسم للناظر في فصول هذه المسألة، واستتب القياس فيها من
كل وجه، والحمد لله.
فإن قيل: فما قولكم في علمت علماً، أليس هو مصدراً لعلمت، فلم جاء
مكسور الأول كالطحن والذبح؟
قلنا: العلم يكون عبارة عن المعلوم، كما تقول: قرأت العلم، ويكون عبارة عن المصدر نفسه الذي اشتق منه علمت إلا أن ذلك المصدر مفعول لعلمت، لأنه معلوم بنفس العلم لأنك إذا علمث الشيء فقد علمت، وعلمت أنك قد علمته بعلم واحد، فقد صار العلم معلوماً بنفسه، فلذلك جاء على وزن الطحن والذبح.
وليس له نظير في الكلام إلا قليل، لا أعلم فعلاً يتناول المفعول ويتناول نفسه إلا
العلم والكلام، لأنك تقول للمخاطب: تكلم.
فيقول: قد تكلمت.
فيكون صادقاً
وإن لم ينطق قبل ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين قال له يا ابن عبد المطلب -: قد أجبتك ". فكان قد أجبتك جواباً وخبراً عن الجواب، فتناول القول نفسه.
وكذلك تعبدنا في التلاوة أن نقول: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
لأن قل أمر يتناول ما بعده ويتناول نفسه، فمن ثم جاء مصدر القول على القيل، كما جاء مصدر علمت على لعلم، وجاء أيضا على القال، وهو على وزن القبض لأن القول قد يكون مقولاً بنفسه.
وجاء أيضا على الأصل مفتوح الأول.
وأما العلم فلم يجئ إلا مكسوراً كان مصدراً أو مفعولًا، لأنه لا يكون أبداً إلا
معلوما بنفسه، والقول بخلاف ذلك، قد يتناول نفسه في بعضر الكلام وقد لا يتناول إلا المقول، وهو الأغلب فيه، والله المستعان.
وأما الفكر فهو كالعلم لقربه منه في معناه، ومشاركته له في محله، وليس باسم عند سيبويه، ولذلك منع من جمعه فقال: لا يجمع الفكر على أفكار، حمله على المصادر التي لا تجمع.
وقد استهوى الخطباء والقصاص خلاف هذا القول.
والله الموفق للصواب.
وأما الذكر فبمنزلة العلم، لأنه نوع منه.
فصل
(فيما يحدد من المصادر بالهاء، وفيه بقايا من الفصل الأول)
قد تقدم أن الفعل لا يدل على مصدره إلا مطلقاً غير محدود ولا منعوت، وأنك إذا قلت: ضربت ضربة فإنما هي مفعول مطلق لا توكيد، لأن التوكيد لا يكون في معناه زيادة على المؤكد، ومن ثم لا تقول: سير زيد سريعة، تريد: سيرة سريعة، ولا: قعدت طويلةً، لأن الفعل لا يدل بلفظه على المرة الواحدة.
ومن ثم بطل ما أجازه (النحاس)، وغيره من قولهم: زيد ظننتها منطلق.
تريد الظنة، لأن الفعل لا يدل عليها.
وإذا ثبت هذا فالتحديد في المصادر ليس يطرد في جميعها، ولكن فيما كان
منها حركة للجوارح الظاهرة ففيه يقع التحديد غالباً، لأنه مضارع للأجناس الظاهرة التي يقع الفرق بين الواحد فيه والجنس بهاء التأنيث نحو: تمرة وتمر، ونخلة ونخل.
وكذلك نقول: ضربة وضرب.
وأما ما كان من الأفعال الباطنة نحو: علم وحذر وفرق ووجل، وكذلك ما كان طبعا نحو: ظرف وشرف - فلا يقال في شيء من ذلك: فعلة، لا يقال: فهم فهمة، ولا: ظرف ظرفة.
وكذلك ما كان من الأفعال عبارة عن الكثرة والقلة نحو: طال وقصر، وكبر وصغر، وقل وكثر، لا تقول: كبرة ولا: صغرة.
وأما قولهم: الكبرة، في الهرم، فعبارة عن الصفة وليست بواحدة من الكبر.
وكذلك الكبرة ليست كالضربة من الضرب، لأنك لا تقول: كثر كثراً.
وأما حمداً فما أحسبه يقال في تحديده: حمدة، كما تقول: مدحته مدحة.
لأن حمد فعل يتضمن الثناء مع العلم بما يثني به، فإن تجرد عن العلم كان مدحاً ولم يكن حمداً، فكل حمد مدح وليس كل مدح حمداً.
ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازياً لعلم، ولم يجئ كذلك مدح.
فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه، ومن ثم لم نجد في لكتاب ولا في السنة: حمد ربنا فلاناً.
وفد تقول: مدح الله - سبحانه - فلاناً، وأثنى على فلان.
ولا تقول حمد إلا لنفسه.
ولذلك قال الله - سبحانه -: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) بالألف واللام التي للجنس.
فالحمد كله له إما ملكاً وإما استحقاقاً، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له
وحمد بعضهم لبعض ملك له، فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يضاف إليه على
جهة الاستحقاق وقد تعلق بغيره.
فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم، فلم لا يجوز أن يسمى
مسمى حمداً؟
قلنا: لا يسمى حمداً على الإطلاق إلا ما ينضمن (العلم) بالمحاسن على
الكمال، وذلك معدوم في غيره سبحانه، فإذا مدح فإنه يمدح بخصلة هي ناقصة في حق العبد، وهو أعلم بنقصانها، وإذا حمد نفسه حمد بما علم من كمال صفاته.
وقد تعدينا طورنا في الفصل فلنرجع إليه ونقول:
كل ما حدد من المصادر فيجوز تثنيته وجمعته، وما لم يحدد فعلى الأصل
الذي تقدم لا يثني ولا يجمع.
وقولهم: إلا أن تختلف أنواعه، لا تختلف أنواعه، إلا إذا كان عبارة عن
مفعول مطلق اشتق من لفظ الفعل لا عند مصدر اشتق الفعل منه، ولذلك تجده على وزن فعل بالكسر، وعلى وزن فعل نحو شغل، وعلى وزن فعل نحو عمل.
والذي هو مصدر حقيقة إنما تجده على وزن فعل، نحو ضرب وقتل.
وأما الشرب والشرب، فالشرب هو المصدر بالفتح والشرب عبارة عن المشروبات أو عن الحدث الذي هو
مفعول مطلق في الأصل، وربما اتسع فيه فاجرى مجرى المصدر الذي اشتق الفعل منه، كما قال: (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ).
فإن قيل: فإن الفهم والعقل والوهم والظن، مصادر وليست مما ذكرت، وقد جمعت فقلت: أفهام وعقول؟
قلنا: هذه مصادر في أصل وضعها، ولكنها قد أجريت مجرى الأسماء، حيث
صارت عبارة عن صفات لازمة وعن حاسة باطنة كالبصرة، ألا ترى أنك إذا قلت: عقلت البعير عقلاً، لم يجز في هذا المصدر الجمع، فإذا أردت به المعنى الذي استعير له - وهو عقل الإنسان - جاز جمعه، إذ صار للإنسان كأنه حاسة باطنة كالبصر، ألا ترى أن البصر حيثما ورد في القرآن مع السمع فهو مجموع، والسمع غير مجموع في أجود الكلام، لبقاء السمع على أصله من بناء المصادر الثلاثية، ولكون البصر على وزن " فعل " كالأسماء، ولأنه يراد به الحاسة.
وقد يجوز في السمع - على ضعف - أن تجمعه إذا أردت به الحاسة دون
المصدر كما تجمع الفهم على أفهام، ولكن لا يكون ذلك إلا بشرط، وهو أن يكون الأفهام والأسماع ونحوهما مضافة إلى جمع، نحو: أفهام القوم، وأسماع الزيدين.
ولو كان هذا الجمع إنما هو لاختلاف أنواع المصدر، لما جاز أن تقول:
عرفت أفهام القوم في هذه المسألة، وعرفت علومهم بزيد، لأن الصفة لا تختلف عند اتحاد متعلقها، بل هي متماثلة وإن اختلفت محالها، فعلم زيد وعلم عمرو، إذا تعلقا بشيء واحد فهما مثلان، وعلم زيد بشيء واحد وعلم بشيء آخر مختلفان، لاختلاف المعلومين، ولا نطول بإقامة البرهان على هذا الأصل، فإنه ثابت في كتب الأصول وإنما أردنا أن نبين أن الأفهام والعقول لم تجمع لاختلاف أنواعها، لأنها قد تجمع حيث لا تختلف وهي عند اتفاق أفهام على مفهوم واحد.
وتجيء مفردة عند اختلافها نحو: فهم زيد بالحساب وفهمه بالنحو وفهمه بغير ذلك.
لا يقال: عرفت أفهام زيد بالصناعات، ولكن تقول: " عرفت فهم زيد " بالإفراد مع اختلاف متعلقه، واختلاف متعلقه يوجب اختلافه.
وإذا ثبت هذا فلم يجمع " الفهم " على أفهام إلا من حيث كانت بمنزلة حاسة
باطنة للإنسان، فإذا أضيف إلى أناسي كثيرة جمع، وإذا أضيف إلى إنسان واحد لم يجمع، لأنه كالحاسة الواحدة، وإن كان في أصله مصدراً، فرب مصدر أجري مجرى الأسماء كقولهم: ضيف وضيوف، وعدل وعدول، وصيد وصيود.
وأما رؤية العين فليست الهاء فيها للتحديد، وإنما هي لتأنيث الصفة
كالكدرة والحمرة والصفرة، وكان الأصل أن يكون مصدر " رأيت ":
" رأياً "، ولكنهم إنما يستعملون هذا المصدر مضافاً إلى العين.
نحو قوله تعالى: (رَأْيَ الْعَيْنِ).
فإذا لم يضف استعمل في الرأي المعقول، واستعملت الرؤية في المعنى الآخر
للفرق.
وأما " الظن " فمصدر لا يثنى ولا يجمع، إلا أن تريد به الأمور المظنونة.
نحو قوله تعالى: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)
أي: تظنون به أشياء وأموراً كاذبة.
فالظنون - على هذا - مفعول مطلق، لا عبارة عن الظن الذي هو المصدر في الأصل، والله أعلم.
مسألة
قال: " واعلم أن سحراً إذا أردته ليوم بعينه، لم تصرفه..... " إلى آخر ال
فصل
.
حكم (سحر) إذا كان ليوم بعينه - معرفة كان اليوم أو نكرةً - إذا كان اليوم ظرفا ولم يكن مفعولاً ولا فاعلاً - فحكم " سحر " حينئذ أن يكون ظرفاً غير منون لأنه معرفة إما بمعنى الإضافة كأنك تريد: سحر ذلك اليوم، فانحذف التنوين لهذا، كما انحذف في " أجمع " و " أكتع " حيث كان مضافاً في المعنى.
فهذا وجه قد قيل.
وأحسن منه ما ذهب إليه سيبويه من أنه معرف بالألف واللام كأنك حين
ذكرت يوماً قبله وجعلته ظرفاً، ثم ذكرت " سحر "، فكأنك أردت: السحر الذي من ذلك اليوم، واستغنيت عن " الألف واللام " بذكر اليوم.
وإنما اخترت هذا القول عن الأول للفرق الذي بين (سحر) وبين (أجمع)