باب الأفعال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السهيلي
- الكتاب
- نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
- المؤلف
- أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581هـ)
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروتالطبعة الأولى: 1412 - 1992 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- عَلَم
- بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
- الكتاب
- نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروت
- عدد الأجزاء
- 1
بعدهم ومنه قولهم: " بَوَّبتُ الكتاب باباً باباً "
و" قَسَمت المالَ درهماً درهماً "، ليس على إضمار حرف العطف، ولو كان كذلك لانحصر الأمر في " درهمين وبابين "
وأما ما احتجوا به من قوله سبحانه:
(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ).
فليس على معنى الواو كما توهموه.
ولكن جواب إذا في قوله: قلت: لا أجد، وقوله تعالى: (تولوا وأعينهم) إخبار عنهم وثناء عليهم، لأنها نزلت في قوم مخصوصين، وهم سبعة ذكرهم ابن إسحاق وغيره، والكلام غير محتاج إلى العطف بالواو، لأنه مرتبط بما قبله كالتفسير له.
وبلغني عن بعض أشياخنا الجلَّة أنه جعل من هذا الباب قول عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه -:
" لا يَغُرنك هذه التي أعجبك حسنها حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها ".
وقال: المعنى: حسنها وحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها.
وبلغ الاستحسان بالسامعين لهذا القول إلى أن علقوه في الحواشي من كتاب الصحيح للبخاري، رحمه الله تعالى وليس الأمر كذلك، ولكن الحبَّ بدلٌ من قوله (هذه) بدل اشتمال في موضع رفع.
مسألة
(في أن " الواو " لا تدل على الترتيب ولا التعقيب)
تقول: صمت رمضان وشعبان، وإن شئت: شعبان ورمضان.
بخلاف الفاء وثم إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم، وهو ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا
يهمانهم ويعنيانهم.
هذا لفظ سيبويه، وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيين.
فيقال: متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقديم ويكون المتكلم ببيانه أعنى؟
والجواب: أن هذا أصل يجب الاعتناء به، لعظم منفعته في كتاب الله تعالى.
وحديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم في القرآن وتأخير ما أخر، كنحو: (السمع والبصر).
و (الظلمات والنور)، و (الليل والنهار) و (الجن والإنس) في أكثر الآي.
وفي بعضها: (الإنس والجن)
وتقديم السماء على الأرض في الذكر، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو قوله تعالى: (سميع عليم)، ولم يجئ: (عليم سميع)، وكذلك: (عزيز
حكيم)، و (غفور رحيم)، وفي آية أخرى: (الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) إلى غير ذلك
مما لا يكاد ينحصر، وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة، لأنه كلام الحكيم الخبير.
وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلًا يقف بك على الأصح.
ويرشدك بعون الله إلى الطريق الأوضح، فنقول:
ما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان.
والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب وإما بالفضل والكمال.
فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخلد والفكر بأحد هي الأسباب الخمسة، أو
بأكثرها سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق، وكان ترتيب الألفاظ بحسب ذلك.
نعم، وربما كان ترتيب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى.
كقوله: (ربيعة ومضر) وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل، ولكنهم آثروا الخفة، لأنك لو قدمت (مضر) في اللفظ كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وقف عليها بالسكون.
قلت: ومن هذا النحو " الجن والإنس "، فإن الإنس أخف لفظاً لمكان النون،
الخفيفة والسين المهموسة، فكان (تقديم) الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف
لنشاط المتكلم وجماحه.
وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر
والأغلب.
وسنشير إليها في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
وأما ما تقدم بتقدم الزمان فكـ (عاد وثمود)، و (الظلمات والنور).
فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول، وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل.
قال سبحانه وتعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ).
وانتفاء العلم ظلمة معقولة، وهي متقدمة بالزمان على نور الإدراكات، ولذلك قال سبحانه ونعالى: (فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ)، فهي ثلاث محسوسات: ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة، وثلاث معقولات
وهي: عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة، إذ لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع، قال علي رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
" إن الله خلق عباده في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره ".
ومن المتقدم بالطبع نحو: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، ونحوه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) الآية.
وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع كتقدم الحيوان على الإنسان، والجسم على الحيوان.
ومن هذا الباب تقدم العزيز على الحكيم، لأنه عزَّ فلما عزَّ حكم.
وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب، ومثله كثير في القرآن
والكلام، نحو قوله: (يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، لأن التوبة سبب
الطهارة، وكذلك: (كل أفاك أثيم)، لأن الإفك سبب الإثم.
وكذلك: (كل معتد أثيم).
وأما تقدم (هَمَّازٍ) على (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) فبالرتبة، لأن المشي مترتب على
القعود في المكان، والهَمَّازٍ هو: المغتاب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة.
وأما تقدم (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) على (مُعْتَدٍ) فبالرتبة أيضاً، لأن المناع يمنع خير
نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره، ونفسه في الرتبة قبل غبره.
ومن المقدم بالرتبة قوله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ)، لأن
الذي يأتي رجالًا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد، على أنه قد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: " وددت أني حججت راجلًا)، لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن.
فجعله ابن عباس رضي الله عنهما من تقديم الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان، وربما قدم الشيء لثلاثة معاني وأربعة وخمسة، وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة.
ومما قدم للفضل والشرف قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)
وقوله تعالى: (مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ).
ومنه تقديم " السمع " على " البصر "، (وتقديم (سميع) على (بصير).
ومنه تقديم (الجن) على (الإنس) في أكثر المواضع، لأن الجن يشتمل
على الملائكة (وغيرهم) مما اجتن على الأبصار، قال الله سبحانه وتعالى:
(وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا).
وقال الأعشى:
وسَخَّرَ من جِنِّ الملائِكِ تِسعةً... قِياماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بلا أَجْرِ
وأما قوله تعالى: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ).
وقوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ).
وقوله: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا).
فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال، لنزاهتهم عن
العيوب، وأنهم لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب.
فلما لم يتناولهم عموم لفظ الجن، لهذه القرينة، بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم.
وأما تقديم " السماء " على " الأرض " فبالرتبة أيضاً وبالفضل والشرف.
وأما تقديم (الأرض) من قوله تعالى: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)
فبالرتبة، لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه، وهم
المخاطبون بقوله تعالى: (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ).
فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها، بخلاف الآية التي في " سبأ "، فإنها منتظمة بقوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ).
وأما تقديم المال على الولد في كثير من الآي، فلأن الولد بعد وجود المال
نعمة ومسرة، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة، فهذا من تقديم السبب على المسبب، لأن المال سبب تمام النعمة بالولد.
وأما قوله تعالى: (حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ).
فتقديم النساء على البنين بالسبب، وتقديم البنين على الأموال بالرتبة.
ومما قدم بالرتبة ذكر بالسمع والعلم من قوله تعالى: (سميع عليم)، حيث
وقع، فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما قرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن من يسمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك - في العادة - ممن يقال لك: إنه يعلم، وإن كان علم الباري - سبحانه - متعلقا بما ظهر وبطن، وواقعاً على ما قرب وشطن، ولكن ذى السميع أوقع في باب التخويف من ذلك العليم.
فهو أولى بالتقديم.
وأما تقديم (الغفور) على (الرحيم) فهو أولى بالطبع، لأن المغفرة سلامة
والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ألا ترى لقوله عليه السلام لعمرو بن العاص - رضي الله عنه -:
" أبعثُك وجهاً يسلمك الله تعالى ويغنمك، وأرغب لك
رغبة من المال ".
فهذا من الترتيب البديع، بدأ بالسلامة قبل الغنيمة، وبالغنيمة
قبل الكسب، والعطية الأولى من التقدم بالطبع، والثانية من التقدم بالسبب.
وأما قوله: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) في (سبأ)، فالرحمة هناك متقدمة على
المغفرة، إما بالفضل والكمال، وإما بالطبع، لأنها منتظمة بذكر أوصاف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشمهلم والمغفرة تخصهم، والعموم بالطبع قبل الخصوص كقوله تعالى: (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ).
وكقوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ).
افتتح بالعموم، الذي هو متقدم بالطبع على الخصوص.
ومما قدم للفضل قوله: (اسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)، لأن السجود
أفضل، قال عليه السلام:
" أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان ساجداً ".
فإن قيل: فالركوع قبل السجود بالزمان والطبع والعادة لأنه انتقال من علو إلى انخفاض والعلو بالطبع قبل الانخفاض فهلا قدم في الذكر على السجود لهاتين العلتين؟
فالجواب أن يقال لهذا السائل: انتبه لمعنى هذه الآية من قوله:
(ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)، ولم يقل: اسجدي مع الساجدين، فإنما عبر بالسجود عن الصلاة كلها، وأراد صلاتها في بيتها، لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من صلاتها مع قومها.
ثم قال لها: (ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)، أي: صلي مع المصلين في بيت
المقدس، ولم يرد أيضاً الركوع وحده دون سائر أجزاء الصلاة، ولكنه عبر بالركوع
عن الصلاة كلها، كما تقول: ركعت ركعتين وركعت أربع ركعات، إنما تريد الصلاة لا الركوع بمجرده، فصارت الآية متضمنة لصلاتين: صلاتها وحدها، عبر عنها بالسجود، لأن السجود أفضل حالات العبد، وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها، ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع، لأنه في الفضل دون السجود، وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها، وهذا نظم بديع وفقه دقيق، وبالله التوفيق.
وهذه نبذ تشير لك إلى ما وراء، أو تنبذن وأنت صحيح
بالعراء، إن شاء الله تعالى.
ومما يليق ذكره بهذا الباب ما تضمنه قوله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) من الحكم الباهرة، والفوائد الباطنة والظاهرة، فإنه تعالى بداً بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين، وجمعهم جمع السلامة، لأن جمع السلامة أدلُّ على لفظ الفعل الذي هو علة يتعلق بها حكم التطهير، ولو قال مكان الطائفين: الطواف، لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله: (الطائفين).
ألا ترى أنك تقول: يطوفون، كما تقول:
طائفون، فاللفظ مضارع للفظ.
فإن قيل: فهلا أتي بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين، فيقول: طهر بيتي للذين
يطوفون؟.
فالجواب: أن الحكم معلل بالفعل لا بذوات الأشخاص.
ولفظ (الذين) ينبئ عن الشخص والذات، ولفظ " الطواف " يخفي معنى الفعل ولا يبينه، فكان لفظ (الطائفين) أولى بهذا الموطن.
ثم يليه في الترتيب (القائمين)، لأنه في معنى العاكفين، وهو في معنى قوله
تعالى: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا)، أي: مثابراً ملازماً، وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهير به، ثم يليه بالرتبة لفظ الركع، لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين، ولذلك لم يتعلق حكم النطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده، فلذلك لم يجئ
بلفظ الجمع المسلم، إذ لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله.
ثم وصف الركع بالسجود، ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله، لأن الركع هم السجود، والشيء لا يعطف بالواو على نفسه، ولفائدة أخرى، وهو أن " السجود " في الأغلب عبارة عن المصدر، والمراد به هاهنا الجمع، فلو عطفت بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت.
وفائدة ثالثة، وهو أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة، فلو عطفت بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حياله.
فإن قيل: فلم قال: (السجود) على وزن فعول، ولم يقل السُّجَّد كما قال
الرُّكَّع، وكما قال في آية أخرى: (رُكَّعًا سُجَّدًا) ؟
وما الحكمة في جمع ساجد على سجود، ولم يجمع راكع على ركوع؟
فالجواب: أن السجود - في أصل موضوعه - عبارة عن الفعل، وهو في
معنى الخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: " السُّجَّد " جمع ساجد لم يتناول إلى المعنى الظاهر.
وكذلك الرُّكَّع، ألا تراه يقول: (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا): يعني رؤية العين، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر، والمقصود هاهنا الركوع
الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت، والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر، وأما الخشوع والخضوع الدي يتناوله لفظ الركوع، دون لفظ الركع فليس مشروطاً بالتوجه إلى البيت.
وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن، جعل وصفاً للركع ومتمماً
لمعناه، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول لفظه أيضاً السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت، حسن انتظامه أيضاً بما قبله، مما هو معطوف على الطائفين الدين ذكرهم بذكر البيت، فمن لحظ هذه المعاني بقلبه، وتدبر هذا النظم البديع بلُبِّه، ترفع في معرفة الإعجاز عن التقليد، وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد.
مسألة
من باب التوكيد
قوله: " الأسماء التي يؤكد بها المذكر: كله، ونفسه، وعينه "
إلى آخر الفصل.
الكلام في كل في ثلاثة فصول: في كونه توكيداً، وفي كونه مبتدأ مضافاً، وفي كونه مفرداً عن الإضافة مخبراً عنه، والأصل من هذه الثلاثة أن يكون توكيداً لجملة أو ما هو في حكم الجملة مما يتيقن، لأن موضوعه الإحاطة من حيث كان لفظه مأخوذاً من لفظ الإكليل والكلة، والكلالة، مما هو في معنى الإحاطة بالشيء.
وهو اسم واحد في لفظه جمع في معناه، أو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز أن
يؤكد به الجمع، لأن التوكيد تكرار للمؤكد فلا يكون إلا مثله، إن كان جمعا فجمع، وإن كان واحداً فواحد.
وأما كونه مضافاً غير توكيد فحقه أن يكون مضافاً إلى اسم منكور شائع في
الجنس من حيث اقتضى الإحاطة، فإن أضفته إلى جملة معرفة كقولك: كل إخوتك ذاهب، قبح إلا في الابتداء، لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبره بلفظ الإفراد، تنبيها على أن أصله أن يضاف إلى نكرة، لأن النكرة شائعة في الجنس.
وهو إنما يطلب جنسا يحيط به (فكأنما تقول): كل واحد من إخوتك ذاهباً.
فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل، وهو إضافة إلى اسم مفرد نكرة.
فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة، كقولك: رأيت كل إخوتك.
وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله، لأنك لم تضفه إلى جنس، ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم: كلهم ذاهب، وكل القوم عاقل، فإن أضفته إلى جنس معرف بالألف واللام
كقوله عز وجل: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)
حسن ذلك، لأن الألف واللام للجنس لا للعهد ولو كانت للعهد لقبح، كقولك: خذ من كل الثمرات التي عندك
والتي من شأنها كذا، لأنها إذا كانت جملة معرفة معهودة، وأردت معنى الإحاطة فيها، فالأحسن أن تأتي بالكلام على أصله، فتؤكد المعرفة بـ كل، فتقول: خذ من الثمرات كلها، لأنك لم تضطر إلى إخراجها عن التوكيد، كما اضطررت في النكرة حين قلت: " لقيت كل رجل "، لأن النكرة لا تؤكد، وهي أيضاً شائعة في الجنس كما تقدم.
فإن قيل: فإذا استوى الأمران في قوله: كل من كل الثمرات، وكل من الثمرات كلها، فما الحكمة في اختصاص أحد الجائزين بأن يكون من نظم القرآن دون الآخر؟
قلنا: لو كان هذا السؤال من كلام غير هذا الكلام العزيز لم يحفل به، لأن
الفصيح يتكلم بما شاء من الوجوه الجائزات ولا اعتراض عليه، ولكن الكلام الإلهي والنظم المعجز الخارق للعادات يقتضي حكمة ومزيد فائدة في اختصاص أحد الوجهين دون الآخر.
أما قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)
فمن هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف، إنما يريد الثمرات بأنفسها، لا أنه أخرج منها شيئا، وأدخل من لبيان الجنس كله.
ولو قال: أخرجنا به (من) الثمرات كلها، لقيل؟ أي شيء أخرج منها؟
وذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف، وأن مفعول أخرجنا فيما بعد، ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل، لعلم المخاطبين أن كلا إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس، وإذا تأخرت - وكانت - توكيداً - اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة، جنساً شائعاً كان أو معهوداً معروفا.
وأما قوله عز وجل: (كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ).
ولم يقل: من الثمرات كلها، ففيها الحكمة التي في الآية قبلها.
ومزيد فائدة وهو أنه قد تقدمت في النظم
قوله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ)، لأن الألف واللام إنما تردك إلى المعهود
عندك، أو المتقدم في الخطاب، فكان الابتداء بـ كل أحصن للمعنى، وأجمع
للجنس، وأرفع للبس، وأبدع في النظم المعجز لذوي الألباب.
والله الموفق للصواب.
وأما الفصل الثالث، وهو أن تكون مقطوعة عن الإضافة مفردة مخبراً عنها.
فحقها أن تكون ابتداء، ويكون خبرها جمعاً، ولا بد من مذكورين قبلها، لأنها إن لم يذكر قبلها جملة، ولا أضيفت إلى جملة، بطل معنى الإحاطة فيها، ولم يعقل لها معنى.
وإنما وجب أن يكون خبرها جمعاً لأنها اسم في معنى الجمع، فتقول: كل
ذاهبوان إذا تقدم ذكر قوم، لأنك معتمد في المعنى عليهم، وإن كنت مخبراً عن كل فصارت بمنزلة قولك: الرهط ذاهبوان والنفر منطلقون.
لأن الرهط والنفر اسمان مفردان، ولكنهما في معنى الجمع.
والشاهد لما قلناه قوله سبحانه وتعالى:
(وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، و (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ)، (وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ).
فإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ، لم تجد خبرها إلا مفرداً، للحكمة
التى قدمناها قبل، وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة، فتقول:
" كل إخوتك ذاهب " أي: كل واحد منهم ذاهب، ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة فقلت:
كلهم ذاهبون لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها، وعلى ما في معناها من معنى الجمع، واعتمادها إذا أضفتها على الاسم المفرد، إما لفظاً وإما تقديراً، كقوله عليه الصلاة والسلام
" كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ".
ولم يقل: " راعون "
ولا " مسؤولون "، وكقوله:
" أحسنوا الملأ، كلكم سيروي "
وكقول عمر - رضي الله عنه -:
" أو كُل الناس يجد ثياباً ".
ولم يقل: " يجدون "
ومثله قوله سبحانه وتعالى:
(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) ولم يقل: فانون، كما قال عز وجل: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)
وقوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا).
إلى غير ذلك من الشواهد التي يغني عن غايتها الشاهد.
فإن قيل: فقد ورد في القرآن موضعان أفرد فيها الخبر عن " كل "، وهي غيم
مضافة إلى شيء بعدها، وهما قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)
و (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ)، ولم يقل: كذبوا؟.
فالجواب: أنه في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ
دون غيره أما قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين، وذكر مؤمنين وظالمين، فلو قال: " كل يعملون "
وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف، فكان لفظ الإفراد أدل على المراد، كان يقول: " كل فريق يعمل على شاكلته ".
وأما قوله تعالى: (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ)، فلأنه ذكر قروناً وأمماً، وختم ذكرهم
بذكر قوم تُبَّع، فلو قال: كل كذبوا، و (كُلٌّ) إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها، فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة، أنهم كذبوا الرسل، فلما قال: (كُلٌّ كَذَّبَ) علم أنه يريد كل قرن منهم كذب، لأن إفراد الخبر عن (كُلٌّ) حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم، ومثله قوله تعالى: (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ).
وأما قولنا في: (كُلّ) إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة
فإنما تريد أنها مبتدأة مخبر عنها، أو مبتدأة منصوبة بفعل بعدها لا قبلها، أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها، كقولك: كلًّا ضربت، وبكل مررت، قال الشاعر:
كلًّا بلوت فلا النعماء تبطرني
وقال الخثعمي:
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا... على أن قرب الدار خير من البعد
ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت منفردة، كقولك: ضربت كلا.
ومررت بكل من أجل أن يقطعها عن المذكورين قبلها في اللفظ، لأن العامل اللفظي له صدر الكلام، وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيء تعتمد عليه قبلها ولا بعدها، قبح ذلك.
وأما إذا كان العامل معنوياً نحو: كل ذاهبون، فليس بقاطع لها عما قبلها من
المذكورين، لأنه لا وجود له في اللفظ، فإذا قلت: ضربت (زيداً) وعمراً
وخالداً، وشتمت كلاً، أو ضربت كلًّا، وما أشبه ذلك، لم يجز ولم يعد بخبر لما قدمناه، والله أعلم.
وأما " كلا " فاختلاف النحويين فيها مشهور، واحتجاج البصريين والكوفيين
مذكور، لكننا نشير إلى ضروب من الترجيح لكل فريق، ترشد الناظر فيها إلى واضح الطريق، فنقول:
أما من ذهب إلى أنها اسم مفرد وألفها لام الفعل وليست ألف التثنية، فمعظم
حجته أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة، أعني حال الرفع
والنصب والخفض، وإنما تنقلب ياء في حال الخفض والنصب مع المضمر خاصة كما ينقلب ما ليس بألف التثنية، نحو: لديهما وعليهما.
وهذا معنى قول الخليل وسيبويه، ولمْ يبعد عن الصواب من عول
عليه.!
ومما احتج لهذا المذهب قول العرب: كلاهما ذاهب، ولم يقل: ذاهبان.
وكِلا يَومَيْ أُمامةَ يوْمُ صَدٍّ.
وقوله سبحانه وقعالى: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا)، فأفرد الخبر عن (كلا).
ولا حجة فيه، ولذلك عدل سيبويه في الاستدلال عنه، بما تقدم من أنك تضيف كلى كلا فتفرد الخبر عنه، فتقول: " كلكم راع " حملا على المعنى، إذ المعنى: كل واحد منكم راع.
وكذلك (كلا) إنما معناه: كل واحد مئهما ذاهب.
فإن قيل: إنما أفرد الخبر عن " كل " لأنه اسم مفرد، وكذلك (كلا) لا للعلة
الني ذكرت؟
قلنا: فلم وكد الجمع بها، والجمع لا يوكد بالواحد، كما لا ينت بالواحد.
وهو في التوكيد أبعد، لأنه تكرار للمؤكد؟
ولم يقل عز وجل: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ)
و (كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ)
وقد ثبت بما تقدم من الشواهد السمعية والأدلة القياسية أنه
اسم للجمع بمنزلة قوم، وأنت لا تقول: قوم ذاهب، ولا قومك خارج فثبت أنه ليس باسم مفرد، وإنما هو اسم للجمع.
وإنما التعديل لمن ذهب مذهب سيبويه على الحجة الأولى، على أنها معارضة
بضروب من الاحتجاج، منها: أنها توكيد للاثنين ولا يؤكد الاثنان بواحد، كما لا ينعت الاثنان بواحد، وليس لقائل أن يقول فيها كما في " كل " إنها اسم للجمع، لأن الجمع تختلف صوره فيكون مسلما ومكسراً وأسماء الجمع لا واحد لها كرهط وقوم.
ولا يكون للتثنية إلا صورة واحدة وحد واحد، وإذا بطل أن يكون واحداً في معنى التثنية، وبطل توكيد الاثنين بواحد ولم يبق إلا أن يكون (كلاهما) لفظاً مثنى تقلب ألفه ياء في النصب والخفض مع المضمر خاصة، لأنك إذا أضفته إلى مظهر استغنيت عن قلب ألفه ياء فى الخفض والنصب، بانقلاب ألف المظهرين اللذين تضيف إليهما إذا قلت رأيت كلا أخويك.
ولو قلت: رأيت كلا أخويك، كنت قد جمعمتا بين علامتي
إعراب في اسم واحد، لأنهما لا ينفصلان أبداً ولا تنفك " كلا " هذه عن الإضافة
بحال، ألا ترى كيف رفضوا: ضربت رأسي الزيدين، وعدلوا إلى أن قالوا:
رؤوسهما، لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد.
هذا مع أن الرؤوس اسم ينفصل عن الإضافة في أكثر الكلام، وكذلك القلوب من قوله تعالى: (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ولا ننفك عنه؟
فهذا الذي حملهم على أن لا يقولوا: ضربت كل أخويك، ومررت بكلى أخويك وألزموها الألف في جميع الأحوال مع الظاهر، ولم يبعد ذلك كما لم يبعد في لغة طيء وخثعم وبني الحارث بن كعب أن يقولوا: رأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، فلم يستنكروا هذا في كلامهم والتزموه بوجود التثنية في الاسم اللازم له، وهو المضاف إليه، فإذا
أضافوه إلى المضمرين قلبوا ألفه في النصب والخفض ياء، لأن المضاف إليه لا يثنى بالياء في نصبه ولا في خفضه، ولكنه أبداً بالألف، كقولك: ضربت كلاهما، ومررت بكليهما، فقد زالت العلة التي رفضوها في كلا أخويك حين لم يجتمع علامتا نصب ولا علامتا خفض في المضمر.
ومن الحجة لهذا القول الآخر أيضا أن (كلا) يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ
(كل)، وهو موافق له في فاء الفعل وعينه، وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في كثير من الأسماء فمن ادعى أن لام الفعل " واو "، وأنه من غير لفظ
" كل "، فليس له دليل يعضده ولا اشتقاق يشهد له ويؤيده.
فإن قيل لهم: ولم كسرت الكاف من " كلا " وهي في " كل " مضمومة؟
فلهم أن يقولوا: كسرت إشعاراً وتنبيهاً على معنى الاثنين، كما يبدأ لفظ
الاثنين بالكسر، ألا تراهم كسروا العين من عشرين إشعاراً بتثنية العشر.
ومن حجتهم أن كلتا بمنزلة " بنتا " و " ثنتا "، والألف في " ثنتا " لا خلاف أنها
ألف تثنية، فكذلك كلتاهما.
ومن ادعى أن الأصل فيهما " كلواهما "، فقد ادعى ما تستبعده العقول، ولا
يقوم عليه الدليل ولا البرهان.
ومن حجتهم أيضاً أن تقول في التوكيد: مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم.
فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول في الثثنية كذلك: مررت بأخويك اثنيهما، فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه، وإذا كان في معناه فهو تثنية مثله -
فإن قيل: فإنك تقول: كلا أخويك جاء، ولا تقول: اثنا أخويك جاء، فكيف يكون في معناه؟
قلنا: العدد الذي تؤكد به إنما يكون توكيداً مؤخراً تابعاً لما قبله، فأما إذا قدم لم يجز ذلك، لأنه في معنى الوصف، والوصف لا يقدم على الموصوف، فلا تقول: ثلاثة إخوتك جاءوني.
وهذا بخلاف كل وكلا، لأن فيهما معنى الإحاطة، فصار كالحرف الداخل
لمعنى فيما بعده، فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنهما، وتأخيرهما في حال
التوكيد (بهما) والله المستعان.
مسألة
(في التوكيد بأجمع وأجمعين)
أما أجمع فاسم يؤكد به الاسم الذي لا يتبعض، ولا يؤكد به من يعقل، لأن
حقيقته لا تتبعض.
فإن قيل: فقد تقول: رأيت زيداً أجمع، إذا رأيته بارزاً من طاق أو نحوه.
فليس هذا توكيداً لزيد في الحقيقة، لأنك لا تريد نفسه وحقيقته، وإنما تريد بدنه أو ما تدرك العين منه.
وأجمع هذا اسم معرفة، تعرف بمعنى الإضافة، لأن معنى
" قبضت المال أجمع " بمعنى " قبضته كله "، فلما كان مضافا في المعنى تعرف ووكد به المعرفة.
وإنما استغنى عن التصريح بلفظ المضاف إليه معه، ولم يستغن عن لفظ
المضاف إليه مع كل إذا قلت: قبضت المال كله، لأن " كلا " تكون توكيداً وغير توكيد،
وتتقدم في أول الكلام إذا قلت: كلكم ذاهب، فصار بمنزلة نفسه وعينه، لأن كل واحد منهما يكون توكيداً وغير توكيد، وإذا أكدت به لم يكن بدٌّ من إضافته إلى ضمير المؤكد حتى يعلم أنه توكيد، وليس كذلك " أجمع " لأنه لا يجيء إلا تابعاً لما قبله، فاكتفى بالاسم الظاهر المؤكد، واستغنى به عن التصريح بضميره كما فعل بـ " سحر " حين أردته ليوم بعينه، فإنه عرف بمعنى الإضافة واستغنى عن التصريح
بالمضاف إليه اتكالاً على ذكر اليوم قبله.
فإن قيل: ولم لم يقدم " أجمع " كما قدم " كل "، فتقول: " قبضت أجمع
مالك؟ "
فالجواب: أن " أجمع " فيه معنى الصفة، لأنه مشتق من جمعت فلم يقع
إلا تابعاً، بخلاف (كل).
ومن أحكامه أنه لا يثنى ولا يجمع على لفظه، لا تقول: قبضت الدرهمين
أجمعين، ولا يقال في جمعه: أجامع، كما تقول في جمع الأفضل: الأفاضل، ولا جمع كلما تقول في أحمر: حمراً.
أما امتناع التثنية فيه فلأنه وضع لتوكيد الاسم المفرد الذي يتبعض، فلو ثنيته
وقلت: هذا الدرهمان أجمعان، لم يكن في قولك " أجمعان " توكيد لمعنى التثنية، كما يكون في قولك " كلاهما "، لأن التوكيد تكرار لمعنى المؤكد، إِذا قلت
" درهمان ": علم أنهما اثنان، فإذا قلت " كلاهما " أكدت ذلك المعنى، كأنك قلت: " اثناهما ".
ولا يستقيم ذلك في قوله " أجمعان "، لأنه بمنزلة من يقول: " أجمع
وأجمع " كما أن (الزيدان) بمنزلة زيد وزيد، فلم يفدك أجمعان تكرار بمعنى
التثنبة، وإنما أفادك تثنية واحدة، بخلاف (كلاهما) إلا أنه ليس بمنزلة
قولك: (كلًّا) و (كل)، وكذلك " اثناهما " الذي استغنى عنه بكلاهما لا ينفرد فيقال فيه: اثن واثن، (فإنما هي) تثنية لا تنحل ولا تنفرد، فلم يصلح لمعنى التوكيد تثنية غيرها، فلا ينبغي أن يؤكد معنى التثنية والجمع إلا بما لا واحد له من لفظه، لئلا يكون بمنزلة الأسماء المفردة المعطوفة بعضها على بعض بالواو
وهذه علة امتناع الجمع فيه، لأنك لو جمعنه كان جمعاً لواحد من لفظه، ولا
يؤكده معنى الجمع إلا بجمع لا ينحل إلى الواحد.
وسنبين بعد هذا أن " أجمعين " و " أكتعين " لا واحد له من " لفظه، وإن شئت
قلت: إن أجمع فيه معنى " كل "، و " كل " لا يثنى ولا يجمع، إنما يثنى الضمير الذي يضاف إليه كل.
وأما قولهم في تأنيثه: جمعاء ولم يقولوا: جمعى،، كما يقولون في تأنيث
" الأكبر " الكبرى، " والأصغر ": الصغرى، إذا كان فيه الألف واللام، أو كان مضافاً فلأنه أقرب إلى باب " أحمر " و " حمراء " منه إلى باب " الأفعل "
و" الفعلى "، لأنه لا يدخله الألف واللام.
ولا يضاف إضافة مصرحاً بها في اللفظ، فكان أقرب إلى باب " أفعل، الذي
مؤنثه " فعلاء "، وإن كان قد يخالف أيضاً من وجوه، ولكنه أشبه به.
فإن قيل: كيف قلتم إنه لا يجمع، وأنتم تقولون: جاء الزيدون أجمعون، وهل " أجمعون " إلا كقولك " الأكرمون " جمع أكرم؟
وقلتم: إنه أقرب إلى باب " أحمر وحمراء " والعرب لا تقول: الأحمرون والأصفرون، وإنما تقول: الحمر والصفر؟
والجواب: ما تقدم من أن (أجمعين) ليس جمعاً لأجمع، ولا له واحد من
لفظه، وإنما هو بمنزلة قولك: الياسمين، وبمنزلة قولك: أبَينُون تصغير أبناء.
فهذا جمع مسلم وليس له واحد من لفظه.
ولو كان واحد " أجمعين " أجمع، لما قالوا في مؤنثه جمع، لأن " فعل " - بفتح
العين - لا يكون واحده فعلاً، وجمعاء التي هي مؤنث أجمع ولو جمعت لقيل:
جمعاوات أو " جمع " - على وزن حُمْر - وأما فعل فإنما هو جمع لفعلي، بضم الفاء.
وإنما جاء أجمعون بناء على " الأكرمون " و " الأرذلون "، لأنه طرفاً من معنى التفضيل كما في الأكرمين والأرذلين، وذلك أن الجموع تختلف مقاديرها فإذا كثر العدد احتيج إلى كثرة التوكيد، حرصاً على التحقيق ورفع المجاز، فإذا قلت: جاء القوم كلهم، وكان العدد كثيراً، توهم أنه قد شذ منهم البعض فاحتيج إلى توكيد أبلغ من الأول، وهو أجمعون وأكتعون، فمن حيث كان أبلغ من التوكيد الذي قبله، دخله
معنى التفضيل، ومن حيث دخله معنى التفضيل جمع جمع السلامة، كما يجمع
" أفعل " الذي فيه ذلك المعنى، وجمع مؤنثه على " فعَل " كما يجمع مؤنث ما فيه التفضيل.
وأما أجمع الذي هو توكيد الاسم الواحد، فليس فيه من معنى التفضيل شيء، فكان كباب " أحمر "، ولذلك استغني أن يقال: " كلاهما أجمعان "، كما يقال: " كلهم أجمعون " لأن التثنية أقل من أن تحتاج في توكيدها إلى هذا المعنى فثبت أن " أجمعون " لا واحد له من لفظه، لأنه توكيد لجمع من يعقل، وأنت لا تقول فيمن يعقل: " جاءني زيد أجمع "، فكيف يكون:
" جاءني الزيدون أجمعون " جمعاً له، وهو غير مستعمل في الإفراد؟.
وحكمة هذا ما تقدم من أنهم لا يؤكدون معنى الجمع والتثنية إلا بجمع لا
واحد له من لفظه، أو تثنية لا واحد لها مستعملاً، ليكون توكيداً على الحقيقة، لأن كل جمع ينحل لفظه إلى واحد فهو عارض في معنى الجمع، فكيف يؤكد به معنى الجمع، والتوكيد تحقيق وتثبيت ورفع للبس والإبهام، فوجب أن يكون فيما يثبث لفظاً ومعنى.
وأما حذف التنوين من " جمع " فكحذفه من " سحر "، لأنه مضاف في المعنى.
فإن قيل: ونون الجمع أيضا محذوفة في الإضافة.
قلنا: الإضافة المعنوية لا تقوى على حذف النون المتحركة التي هي كالعوض
من الحركة والتنوين، ألا ترى أن نون الجمع تئبت مع الألف واللام مع أنهما مانع لفظي وتثبت في الوقف، والتنوين بخلاف ذلك، فقويت بالإضافة المعنوية على حذفه، ولم تقو على حذف النون إلا الإضافة اللفظية.
فإن قيل: ولم كانت الإضافة اللفظية أقوى من المعنوية، والعامل اللفظي أقوى من المعنوي؟
قلنا: اللفظ لا يكون إلا متضمناً لمعناه، فاجتمعا معاً، بخلاف المعنى المفرد
عن اللفظ، فوجب أن يكون أضعف، وهذا بديع لمن أنصف.
مسألة
(في التوكيد بنفسه وعينه، وتحقيق معني العين والذات)
أما قولهم: (جاءني زيد عينهاً، فالعين هنا يراد بها حقيقة الشيء المدركة
بالعيان، أو ما يقوم مقام العيان، وليست اللفظة على أصل موضوعها، لأن أصلها أن تكون مصدراً وصفةً لمن قامت به، ثم عُبِّر عن حقيقة الشيء بالعين، كما عُبِّرَ عن الوحش بالصيد، وإنما الصيد في أصل موضوعه مصدر، من (صاد يصيد).
ومن هاهنا لم ترد في الشريعة عبارة عن نفس الباري سبحانه، لأن نفسه
- سبحانه - غير مدركة بالعيان في حقنا اليوم، وأما عين القبلة وعين الذهب وعين الميزان، فراجعة إلى هذا المعنى.
وأما العين الجارية فشبيه بعين الإنسان لموافقتها لها في كثير من صفاتها، وأما عين الإنسان فمسماة بما هو أصله أن يكون صفة ومصدراً، لأن العين في أصل الوضع مصدر كالزين والدين والبين والأين وما جاء على بنائه، ألا تراهم يقولون: " رجل عيون وعائن " ويقولون: " عنته ": أصبته بالعين و: " عاينته: رأيته (بالعين)، فرقوا بين المعنيين، وجاء: " عاينته " على وزن " فاعلته "، لأنه يتضمن معنى قابلته، لأن الرؤية في العادة لا تكون إلا مع مقابلة، بخلاف رؤية الباري سبحانه، ولذلك تقول في الباري - تعالى -: (رأى)، ولا تقول: (عاين) لتقدسه عن معنى قابل.
ومما يدلك (أيضاً) أنها مصدر في الأصل قوله سبحانه: (عين اليقين).
كما قال تعالى: (علم اليقين)، فكما أن العمل المضاف إلى اليقين مصدر وصفة فكذلك العين.
وإذا ثبت هذا فالعين التي هي الجارحة سميت عيناً لأنها آلة ومحل لهذه الصفة التي هي العين، وهذا من باب قولهم: " امرأة ضعيف وعدل ". وهو تسمية
الفاعل بالمصدر، والعين - التي هي حقيقة الشيء ونفسه - من باب تسمية المفعول بالمصدر، كصيد.
فإذا علمت هذا فاعلم أن العين إذا أضيفت إلى الباري - سبحانه - كقوله
تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فهي حقيقة لا مجاز، كما توهم أكثر الناس، لأنها صفة في معنى الرؤية والإدراك، وإنما المجاز في تسمية العضو بها، وكل شيء يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى الباري حقيقة ولا مجازاً، ألا ترى كيف كفر الرومية النصارى حين قالوا في عيسى عليه السلام: " إنه ولد، على المجاز لا على الحقيقة "، فكفروا ولم يعذروا ألا ترى كيف لم يضف - سبحانه إِلى نفسه ما هو في معنى عين الإنسان كالمقلة والحدقة حقيقة ولا مجازاً، نعم ولا لفظ الإبصار، لأنه لا يعطى معنى البصر والرؤية مجرداً، ولكنه يقتضى مع معنى البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوهما، وكذلك لا يضاف إليه سبحانه شيء من آلات الإدراك كالأذن ونحوها، لأنها في أصل الوضع عبارة عن الجارحة لا عن الصفة التي هي آلة لها، فلم ينقل لفظها إلى الصفة، أعني السمع مجازاً ولا حقيقة، إلا أشياء وردت على جهة المثل، مما يعرف بأدق نظر أنها أمثال مضروبة، نحو قوله في الحجر الأسود:
" يمين الله في الأرض ".
و" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ".
وأشباه ذلك مما عرفت العرب المراد به بأول وهلة.
وأما اليد فهي عندي في أصل الوضع كالمصدر، عبارة عن صفة لموصوف.
ألا ترى قول الشاعر:
يَدَيْتُ على ابنِ حَسْحاسِ بنِ وَهبٍ... بأَسْفَلِ ذِي الجِذاةِ يَدَ الكَريمِ
فيديت: فعل مأخوذ من مصدر لا محالة والمصدر صفة لموصوف، ولذلك
مدح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله تعالى:
(الأيدي والأبصار).
ولم يمدحهم بالجوارح لأن المدح لا يتعلق إلا بالصفات لا بالجواهر.
وإذا ثبت هذا فصح قول أبي الحسن الأشعري: أن (اليد) من قوله:
(وخلق آدم بيده)، ومن قوله تعالى: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، صفة ورد بها الشرع، ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى (النعمة)، ولا قطع بشيء من التأويلات تحرزاً منه لمخالفة السلف، وقطع بأنها صفة تحرزاً منه عن مذاهب أهل التشبيه والتجسيم.
فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة
لا يفهم معناه؟
قلنا: ليس الأمر كذلك، بل كان معناها مفهوماً عند القوم الذين نزل القرآن بلغتهم، ولذلك لم يستفت أحد من المؤمنين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن معناها، ولا خاف على نفسه توهم التشبيه، ولا احتاج مع فهمه إلى شرح وتنبيه.
وكذلك الكفار لو كانت اليد عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في
دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمت أنه ليس كمثله شيء ثم تخبر أن له يداً كأيدينا، وعينا كأعيننا؟
ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جلياً لا خفياً، وأنها صفة سميت الجارحة بها مجازاً، ثم
استمر المجاز فيها حتى نسيت الحقيقة.
ورب مجاز كثر واستعمل حتى نسي أصله وتركته حقيقته.
والذي يلوح في معنى هذه الصفة أنها قريب من معنى القدرة، إلا أنها أخص
منها معنى، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، فكل شيء أحبه الله فقد أراده، وليس كل شيء أراده أحبه، وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة وليس كل واقع بالقدرة واقعاً باليد، (فاليد) أخص معنى من القدرة، ولذلك كان فيها تشريف لآدم عليه السلام.
ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي من أجله قال:
(وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) بحرف " على ".
وقال في موضع آخر: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا).
وكذلك: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا).
والفرق بين الموضعين أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفياً وإبداء ما
كان مكتوبا، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سراً، فلما أراد الله أن يصنع موسى ويغذي ويربي على حال أمن وظهور أمر، لا تحت خوف واستسرار، دخلت " على " في اللفظ تنبيها على المعنى، لأنها تعطى معنى الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وابتداء، فكأنه يقول سبحانه:
ولتصنع على أمن لا تحت خوف، وذكر (العين) لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة.
وأما قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، فإنه إنما يريد: برعاية منا وحفظ، ولا يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى على بخلاف ما تقدم.
وأما (النفس) فعلى أصل موضوعها، إنما هي عبارة عن حقيقة الموجود دون
معنى زائد، وقد استعمل أيضاً من لفظها: النفاسة والشيء النفسي، فصلحت للتعبير
عن الباري سبحانه وتعالى.
بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية.
وأما " الذات "، فقد استهوى أكثر الناس - ولا سيما المتكلمين - القول فيها، إنها في معنى النفس والحقيقة، ويقولون: (ذات الباري هي نفسه)، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته، ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله عليه السلام في قصة إبراهيم:
" ثلاث كذبات كلها في ذات الله ".
وقول خبيب:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا، ولو كان
كذلك لجاز أن يقال: " عبدت ذات الباري سبحانه "، و " احذر ذاته ".
كما قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)، أو: " فعلت ذاته ":.
وذلك غير مسموع، ولا يقول إلا بحرف (في) الجارة، وحرف " في " للوعاء، وهو معنى مستحيل على نفس الباري سبحانه، إذا قلت:
" جاهدت في الله "، و " أحببتك في الله " محال أن يكون هذا
اللفظ حقيقة، لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء، وإنما هو على حذف المضاف، أي: في مرضاة الله وطاعته، فيكون الحرف على بابه ومعناه، كأنك قلت: فعلى هذا محسوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله - تعالى - وطاعة له.
وأما أن تدع اللفظ على ظاهره فمحال، وإذا ثبت هذا فقوله:
" في ذات الله " و " في ذات الإله "، إنما يريد في الديانة أو الشريعة التي هي ذات الله، فذات وصف للديانة.
وكذلك هي في أصل موضوعها نعت لمؤنث، ألا ترى أن فيها " تاء " التأنيث؟
وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله - عز وجل - لا عن نفسه.
وهذا هو المفهوم من كلام العرب، ألا ترى إلى قول النابغة:
مَجَلَّتُهم ذاتُ الإِله ودِيُنهم قَوِيم.
فقد بانَ غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيفت إليه، وبانَ غلط من قال من الفقهاء: " إنه فوق عرشه المجيد بذاته "، وغلط من جهة اللفظ والمعنى.
أما اللفظ فهو ما قدمناه، وأما المعنى فمذكور في كتب الأصول، ومعلوم بأدلة العقول.
مسألة
(من باب البدل)
استشهد في هذا الباب بقوله عز وجل: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16).
فإن قيل: ما فائدة البدل من المعرفة وتبيينها بالنكرة، فإن كانت الفائدة في
النكرة المنعوتة فلم ذكرت المعرفة؟
وإن كانت الفائدة في المعرفة فما بال ذكر النكرة والتبيين بها؟
فالجواب أن تقول: الآية نزلت في رجل بعينه، وهو أبو جهل، ثم تعلق
حكمها بكل من اتصف بصفته، فلو اقتصر على الاسم المعرفة لاختص الحكم به دون غيره، ولو اقتصر على الاسم النكرة لخرج عن هذا الوعيد الشديد من نزلت الآية بسببه.
وكذلك حكم المعرفة إذا أبدل منها النكرة أن تكون النكرة منعوتة، وإلا لم يقع بها فائدة، ولا كانت بيانا لما قبلها.
وأما قوله سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)
ثم قال: (شَيْئًا)، على البدل من (رِزْقًا)، و " رزق " أبين من " شيء ".
لأنه أخص منه، والأخص أبين من الأعم، فإنما ذلك من أجل تقدم النفي، لأن النكرة إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي، فلما اقتضى النفي العام ذكر الاسم العام الذي هو أنكر النكرات، ووقعت الفائدة به من أجل النفي، صلح أن يكون بدلاً من (رِزْقًا) ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني لم يكن إخلالاً بالكلام.
على أنه قد قيل: إن (شَيْئًا) هاهنا مفعول بالرزق، وأن الرزق مصدر.
والأشهر أنه اسم لأنه على وزن الطحن والذبح، ولو أراد المصدر لفتح الراء، كما جاء في الشعر من نحو قوله في عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -:
واقصد إلى الخير ولا توقه... وارزق عيال المسلمين رزقه
مسألة
واستشهد أيضا بقوله سبحانه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وفي هذه الآية ضروب من الأسئلة، منها أن يقال: ما فائدة البدل في الدعاء، والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان، والبدل يقصد به بيان الاسم الأول؟
ومنها أن يقال: ما فائدة تعريف الصراط المستقيم بالألف واللام، وهلَّا أخبر
بمجرد اللفظ دونهما، كما قال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)، وكما قال: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
ومنها أن يقال: ما معنى الصراط؟
ومن أي شيء اشتقاقه؟ ولم جاء على وزن فعال؟
ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن بهذا اللفظ.
وذكر في سورة الأحقاف بلفظ الطريق، فقال: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) ؟
ومنها أن يقال: ما الحكمة في إضافته إلى (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
بهذا اللفظ، ولم يقل: النبيين ولا الصالحين، وجاء باللفظ مبهماً غير مفسر؟
ومنها أن يقال: لم عبر عنه بلفظ " الذين " موصولة بصلتها، وقد كان أوجز
وأخصر أن يقال: المنعم عليهم، إذ الألف واللام في معنى الذي، كما قال:
(المغضوب عليهم) ولم يقل: " الذين غضبت عليهم؟ ".
ومنها أن يقال: لم وصفهم بـ (غير)، وقد كان الظاهر أن يقول هاهنا
" لا المغضوب عليهم "، كما تقول: " مررت بزيد لا عمرو، وبالعاقل لا الأحمق ".
ومنها أن يقال: لم استحق اليهود دون النصارى اسم المغضوب عليهم.
والمغضوب عليهم أيضاً النصارى؟
ولم استحق النصارى اسم (الضالين)، وقد ضلت اليهود؟
ومنها أن يقال: لم قدم (المغضوب عليهم) على (الضالين) في اللفظ؟
ولم جاء لفظ (الضالين) على وزن " الفاعلين "، ولم يجئ على وزن
" المفعولين "، كماجاء ما قبله، من قوله تعالى: (المغضوب عليهم)
ومن قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، لأن معناه: المنعم عليهم، بلفظ المفعول؟.
ومنها أن يقال: ما فائدة العطف بـ " لا " من قوله: (ولا الضالين).
ولو قال: (الضالين)، لما اختل الكلام، وكان أوجز؟
ولم عطف بـ " لا "، وهي لا يعطف بها
مع " الواو " إلا بعد نفي، ولو كانت وحدها لعطف بها بعد إيجاب، كقولك: مررت بزيد لا عمرو؟.
والجواب عن السؤال الأول، وهو: ما فائدة البدل في الدعاء؟
أن الآية وردت في معرض التعليم للعباد الدعاء، وحقُّ الداعي أن يستشعر عند دعائه ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به.
إذ " الدعاء مخ العبادة ".
والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا تحت دم ولحم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء، وجب أن يكون الطلب ممزوجاً بالثناء، فمن ثم جاء لفظ الطلب: للهداية ولفظ الرغبة مشوبا بالخير تصريحاً من الداعي به بمعتقده، وتوسلاً من الداعي بذلك
المعتقد إلى ربه، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا، والداعي يجب عليه اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه، فلذلك أبدل وبين ليمرن اللسان على ما اعتقده الجنان، فأخبر مع الدعاء أن الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.
لا من خالفهم من الكافرين.
وأما تعريف (الصِّرَاط) بالألف واللام، فإن الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره، ألا ترى قولك: جالس فقيها أو عالما، ليس كقولك: جالس الفقيه أو العالم؟
ولا: أكلت طيباً، كقولك: أكلت الطيب؟
ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام:
" أنت الحق ووعدك الحق "، ثم قال: " ولقاؤك حق والجنة حق، والنار حق "، فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة، وأدخلها على اسم الباري - سبحانه وتعالى - وما هو صفة له، وهو القول والوعد.
فإذا ثبت هذا فلو قال: " صراطاً مستقيماً " لكان الداعي إنما يطلب الهداية على صراط مستقيم على الإطلاق، وقد علم أنه على صراط مستقيم وهو الإسلام، فإنما يطلب ما هو أقوى من طريقته التي هو عليها في علمه، لأن كل فريق من المسلمين
مستقصر لنفسه في العمل، وراغب إلى ربه، في التوبة والهداية إلى الأفضل، حتى ينتهي الأمر إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقولها أيضاً، لأنها أخوف لربه، وأكثر استقصاراً لعمله، وكان يستغفر ربه - عز وجل - ويتوب إليه في اليوم مائة مرة، وقال في الحديث:
" نظرت إلى جبريل كأنه حلس لاط، فعرفت فضل عمله علي ".
فإن قيل: فقد قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) وقد كان على الصراط الأقوم، فضلاً عن صراط مستقيم على الإطلاق؟
فالجواب: أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وكان المسلمين قد كرهوا
ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه، وكان الله ورسوله أعلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلم يرد صراطاً مستقيماً في الدين، وإنما أراد صراطاً مستقيماً في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تعالى:
(وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
أي: تهدي من الكفر والضلال إلى صراطٍ مستقيم.
ولو قال في هذا الموطن: " الصراط المستقيم "، لجعل للكفر والضلال حظاً من الاستقامة، إذ الألف واللام تنبئ أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصوفة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرن
به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا والآخر فيه طرف منه.
وأما اشتقاق الصراط فمن " سرطت الشيء أسرطه "، إذا بلعته بلعاً سهلاً.
فالصراط هو الطريق السهل القويم، وجاء على وزن " فعال "، لأنه مشتمل على سالكة اشتمال الحلق على الشيء المسروط، وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء، وكذلك الشكال والعنان، إلى سائر الباب.
وأما ذكره بلفظ (الطريق) في سورة الأحقاف خاصة، فلأنه انتظم بقوله
سبحانه: (سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى).
وإنما أراد أنه سبيل مطروق قد
مرت عليه الرسل قبله، وأنه ليس ببدع، كما قال في السورة نفسها، فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ " الطريق "، لأنه " فعيل " بمعنى " مفعول ".
أي: إنه مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل، وليس في المواضع الأُخر ما يقتضي هذا المعنى.
فكان لفظ الصراط بها أولى، لأنه أمدح من جهة الاشتقاق والوزن كما تقدم.
وأما إضافته إلى اللفظ المجمل، ولم يقل: " صراط النبيين والصالحين ".
فلفائدتين: إحداهما: نفي التقليد عن القلب، واستشعار العمل بأن من هدي إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه، ولو ذكرهم بأعيانهم لم يكن فيه هذا المعنى.
والفائدة الأخرى أن الآية عامة في طبقات المسلمين مسيئهم وصالحهم.
والمسيء لا يطلب درجة العالي حتى ينال التي هي أقرب إليه، ولفظ
(الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يشمل الجميع، وجميع المأمورين بهذا الدعاء يطلب صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم أصناف، كما أن السائلين لدرجاتهم أصناف.
وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، ولم يقل: " المنعم عليهم "، فلأن
ذكر نعمة المنعم والثناء بها عليه وذكر النعم شكر، وإبراز ضمير الفاعل العائد على الله سبحانه من قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ذكر لله تعالى باللسان والقلب، ولو قال: " المنعم عليهم " لخلا هذا اللفظ من هذه الفوائد المقرونة بالدعاء، وهي الشكر والذكر، ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) ؟
فأضاف الفعل إلى ربه، ثم قال: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ).
ولم يقل: " أمرضني "، كما قال: (يُطْعِمُنِي)، إذ ليس في قولك
" أمرضني " إلا الإخبار المجرد عن الشكر والثناء، وربما اقترن به تسخط وتضجر، فعدل عنه إلى قوله: (مَرِضْتُ).
ولذلك قال سبحانه: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ولم يقل:
" الذين غضبت عليهم "، إذ ليس في الإخبار عنه بالغضب من الشكر والإحسان ما في قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ؟
فكان اللفظ الوجيز أولى.
ولفائدة أخرى وهي أن الغضب صفة ينبغي للعبد أن يشترك فيها مع الرب
فيغضب لغضب الله تعالى، فاليهود قد غضب عليهم لغضب الله وجميع المؤمنين،
فاستشعر الداعي هذا المعنى فلم يقل: " الذين غضبت عليهم ".
إذ لو قال ذلك لأخرج نفسه عن أن يغضب لغضب الله، كما أخرج نفسه عن أن ينعم، وأفرد الرب بالإنعام فقال: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ).
وفائدة أخرى، وهو أن الألف واللام في (المغضوب)، وإن كانت بمعنى
" الذين " فليست مثلها في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات الاسم، فإن قولك: " الذين فعلوا " معناه: القوم الذين فعلوا، وقولك:
" الضاربون والمضربون " ليس فيه ما في قولك " الذين ضَرَبوا أو ضُرِبوا "، وإذا صح هذا وتأملته فالذين أنعمت عليهم بلفظ (الذين) إشارة إلى تعرفهم بأعيانهم، وتعرفهم من الدين ولا سيما النبيين.
بخلاف من غضب الله عليهم فوجب الإعراض عنهم وترك الالتفات إلى ذاتهم، فاقتصر على الصفة المذمومة دون أن يعينوا بالذين.
وأما قوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) نعتاً للذين، ولم يقل: " إلا الغضوب عليهم "
فلفائدة وهو أن اليهود والنصارى يدعون أن الله - تعالى - أنعم عليهم بالكتابين، وأنهم على الصراط المستقيم، فبين سبحانه أن الذين أنعم عليهم هم غير المغضوب عليهم، وهم اليهود، ولم يقل اليهود، " تجريداً للفظ، ليخرجهم بذكر الغضب عن صفة المنعم عليهم، وكذلك الضالين.
وقد تقدم في باب العطف ذكر " لا " في هذا الموضع، وأنها تعطي العطف بعد
إيجاب فلو عطف بها هاهنا لم يكن في الكلام أكثر من نفي إضافة الصراط إلى اليهود والنصارى، فلما جاء بغير، وهي اسم ينعت بها، زاد في الكلام فائدة الوصف والثناء للذين أنعم عليهم.
وأما استحقاق اليهود لهذا الاسم فلنزول غضب الله بهم في الدنيا، لتسليطه
الملوك عليهم وانتزاع الملك منهم، كما قال تعالى:
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ).
فمن حيث أخبر عنهم أنهم قد باؤوا بغضب سماهم (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ).
وأما تقديمهم على (الضالين) فقد تقدم من أصول التقديم في باب العطف ذكر التقديم بالزمان، وذكر التقديم بالرتبة.
واليهود متقدمون
بالرتبة والمكان، لأنهم كانوا مجاورين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمخاطبين بالآية.
وأقرب إليهم (ذكراً) من النصارى.
وأما ذكر (الضالين) بلفظ " فاعلين "، ولم يرد بلفظ المفعولين، لئلا يكون
كالعذر لهم، وإنما ينبغي أن يخبر عنهم باكتسابهم ضلالهم، لا بإضلال الله - عز وجل - إياهم وأما فائدة العطف بلا مع " الواو " فلتأكيد النفي الذي تضمنه (غير)، فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف بلا مع " الواو ".
وفائدة هذه التوكيد أن لا يتوهم أن " الضالين " داخل في حكم
(الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، أو وصف لهم، ألا ترى أنك إذا قلت:
" ما مررت بزيد وعمرو "، توهم أنك إنما تنفي الجميع بينهما خاصة، فإذا قلت: " ما مررت بزيد وعمرو "، علم أنك تنفي
الفعل عنهما جميعاً، على كل حال من اجتماع وافتراق؟
مسألة
(في ذكر بدل البعض من الكل وبدل المصدر من الاسم)
وهما جميعاً يرجعان في المعنى والتحصيل إلى بدل الشيء من الشيء، وهما
لعين واحدة، إلا أن البدل في هذين الموضعين لا بد من إضافته إلى ضمير المبدل منه، بخلاف (بدل) الشيء من الشيء وهما لعين واحدة.
أما اتفاقهم في المعنى فلأنك إذا قلت: رأيت القوم أكثرهم أو نصفهم، فإنما
تكلمت بالعموم وأنت تريد الخصوص، وهو شائع في اللغة لا ينكر جوازه أحد، وإذا كان كذلك فإنما أردت: لقيت بعض القوم، وجعلت أكثرهم أو نصفهم تبييناً لذلك البعض وأضفته إلى ضمير القوم، كما كان الاسم المبدل مضافاً أيضاً إلى القوم، فقد آل الكلام إلى أنك أبدلت شيئاً من شيء وهما لعين واحدة.
وأما بدل المصدر من الاسم فكذلك أيضاً، لأن الاسم من حيث كان جوهراً أو جسما لا يعجب ولا ينفع ولا يضر، وإنما يتعلق المدح والإعجاب وغير ذلك من المعاني بصفات وأعراض قائمة بالجسم، وعلم ذلك ضرورة حتى استغني عن ذكرها
لفظاً وهي معلومة المعنى، فإذا قلت: " نفعني عبد الله "، علم أن النافع فيه صفة وعرض مضاف إليه، فبينت ذلك العرض ما هو، فقلت: " علمه أو رأيه،، ثم أضفت العلم إلى ضمير الاسم، كما كان الاسم المبدل منه مضافاً إليه في المعنى، فصار التقدير: " نفعني صفة زيد أو خصلته "
ثم بينت بقولك: " علمه "، فعلم ما هي - تلك الخصلة، فآل المعنى إلى بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة.
وإذا ثبت هذا فلا يصح في بدل الاشتمال أن يكون الاسم الثاني جوهراً، لأنه لا يبدل جوهر من عرض، ولا بد من إضافته إلى ضمير الاسم لأنه بيان لما هو مضاف إلى ذلك الاسم.
والعجب كل العجب من إمام صنعة النحو في زمانه، وفارس هذا الشأن ومالك عنانه، يقول في كتاب " الإيضاح " في قوله سبحانه:
(النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ): إنها بدل من (الأخدود) بدل الاشتمال، والنار جوهر وليست بعرض، ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود، وليس فيها شرط من شروط بدل الاشتمال... وذهل أبو علي عن هذا، وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة النحو، وهو حذف المضاف وإقامة
المضاف إليه مقامه، كأنه قال: " قتل أصحاب الأخدود، أخدود النار ذات الوقود ".
فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، كما قال:
رَضيعَيْ لِبانِ... ثَدْيِ أُمٍّ تَحالَفَا
وفي رواية الخفف، أراد: لبان ثدي أم، فحذف المضاف إيجازاً واختصاراً.
مسألة
واستشهد في هذا الباب بقول الله عز وجل:
(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).
و (حِجُّ الْبَيْتِ) مبتدأ، خبره في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى
أن يكون في قوله (عَلَى النَّاسِ)، لأنه وجوب، والوجوب متعد بـ على.
فإن قيل: إذا كان موضع الخبر ومقر الفائدة فيه، فلم أخر وقد قال سيبويه:
" متى جعلته مسنقراً قدمته ".
فالجواب: إن تقديم المجرور الأول لفائدتين:
إحداهما: أنه اسم للموجب لهذا الغرض، فيقدم تقدم السبب على
المسبب.
والفائدة الأخرى: أن الاسم المجرور من حيث كان اسماً لله - سبحانه - وجب الاهتمام بتقديمه، تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفا من تضييعه، إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره.
وأما (مَن) فهي بدل كما ذكره.
وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها
فاعل بالمصدر، كأنه قال: " أن يحج البيت من استطاع ".
وهذا القول يضعف من وجوه:
أحدهما: من جهة المعنى، وهو أن الحج فرض على التعيين بلا خلاف، ولو
كان التأويل ما ذكروه لكان فرض كفاية، فإذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم وفرغت ساحتهم من التكليف، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض على جميع الناس حج المستطيعون أو قعدوا، ولكنه عذر بعدم الاستطاعة إلى أن توجد الاستطاعة، ألا ترى أنك إذا قلت:
" واجب على أهل هذا القطر أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعون للجهاد "، فإذا جاهدت تلك الطائفة سقط وجوب الجهاد عن
الباقين، مستطيعين كانوا أو غير مستطيعين، بخلاف الحج.
ومما يضعف به ذلك القول، أن إضافة المصدر إلى الفاعل - إذا وجد -
أولى من اضافته إلى المفعول، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول أو معقول، فلو كان " مَن " هو الفاعل لأضيف المصدر إليه.
وإذا ثبت أن " من " بدل بعض من كل، وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود
إلى الناس، كأنه قال: " من استطاع منهم "، وحذف هذا الضمير قبيح في أكثر الكلام، وحسنه هاهنا أمور، منها:
أن " مَن " واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه، فارتبطت به.
ومنها أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت أعم لقبح حذف الضمير العائد مثال ذلك أنك لو قلت: " رأيت إخوتك مَن ذهب إلى السوق "، تربد: مَن ذهب منهم، لكان قبيحاً، لأن الذاهب إلى السوق زعم من الإخوة.
وكذلك لو قلت: " البس الثياب ما حسن وكمل "، تريد: ما حسن منها، ولم تذكر الضمير، لكان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما أعم من لفظ الثياب، وكذلك الحسن والكامل.
وحق بدل البعض من الكل أن يكون أخصَّ المبدل منه، فإن كان أعم وأضفته إلى ضمير، أو قيدته بضمير يعود إلى الأول، ارتفع العموم وبقي الخصوص.
ومما حسن حذف الضمير في هذه الآية أيضا مع ما تقدم، طول الكلام بالصلة
والموصول.
وأما المجرور من قوله: (إليه) فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون في موضع حال من (سبيلاً)، كأنه نعت نكرة قدم عليها.
لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل.
والثاني: أن يكون متعلقاً بسبيل.
فإن قيل: وكيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟
قلنا: " السبيل " هاهنا عبارة عن الموصل إلى البيت من قوة وزاد ونحوهما.
فلما كان في معنى الفعل الموصل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، صار فيه معنى (الفعل) وصلح تعلق المجرور به، واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت هو المقصود به الاعتناء، وإنما يقدمون في كلامهم ما هم به أهم، وهم ببيانه أعنى.
مسألة
واستشهد أيضاً في الباب بقوله سبحانه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) الآية في هذه الآية دليل على أن ما وقع به الفعل - أو فيه - فإنه مشتمل
عليه كما يشتمل الفاعل على الفعل الذي هو حركة له أو صفة فيه، ولذلك أضيف المصدر إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وأخبر (به) عما لم يسم فاعله، وبني بناء فاعل في نحو قوله تعالى: (عيشة راضية) في أحد الأقوال.
وإذا ثبت هذا صح البدل في قوله، وهو عمر - رضي الله عنه - لحفصة: " لا يغرنَّك هذه التي أعجبها حسنها، حبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها)، فحب بدل من (هذه)، وإن لم يكن فعلاً لها، وإنما هو واقع بها، كما أن " القتال " بدل من الشهر فإن لم يكن فعلاً له، وإنما هو واقع فيه.
ومن فوائد هذه الآية أن يسأل عن قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ): " لم قدم الشهر الحرام؟، ولم يقل: يسألونك عن قتال الشهر الحرام، وهم
لم يسألوا عن الشهر إلا من أجل القتال فيه، فكان الاهتمام بالقتال والتقديم له أولى في الظاهر؟.
والجواب أن يقال: هذا السؤال لم يقع إلا بعد وقوع القتال في الشهر، وتشنيع الكفرة عليهم انتهاك حرمة الشهر، فاغتمامهم واهتمامهم بالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر، فلذلك قدم في الذكر.
وفيها سؤال آخر، وهو أنه أعاد ذكر القتال بلفظ الظاهر، وكان القياس أن
يعيد بلفظ المضمر فيقول: " قل: هو كبير "، كما لو سأل إنسان عن رجل في الدار لقال: هو فلان، أو: هو طويل أو قصير، بلفظ المضمر، ويقبح أن يقول بلفظ الظاهر، لأن المضمر - إذا عرف المعنى - أوجز وأولى.
والجواب أن يقال: في إعادة لفظ الظاهر هنا فائدة، وهي عموم الحكم، ولو
جاء بلفظ المضمر فيقول: " هو كبير "، لاختص الحكم بذلك القتال الواقع في
القصة، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام.
ونظير هذه ال
مسألة
قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال: " هو الطهور ماؤه ".
ولم يقل: نعم، توضؤوا منه، لئلا يتوهم أن الحكم مخصوص
بالسائل، فلما أخبر عنه أنه الطهور ماؤه استمر الحكم فيه على العموم ولم يتوهم قصره على السبب.
وكذلك هذا حين قال: (قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)، فجعل الاسم المخبر عنه (قِتَالٌ).
وخصصه بالمجرور الذي هو ضمير الشهر، فتعلق الحكم به على العموم متى وقع، لأن اللفظ المضمر لا تقتضي صيغته إلا تخصيص الخبر بما يعود عليه.
مسألة وأنشدوا في هذا الباب قول كثير: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزمان فشلتِ
أجاز بعض النحويين في " رجل صحيحة " أرجلًا صحيحة، على أنها حال موطأة بالنعت، مثل قوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) لأن الحال من النكرة غير ممتنع من حيث كان الاسم الأول نكرة كما تقدم في باب النعت.
وقالوا: هي حال من المضاف إليه، لأن الحال من المضاف إليه كثير نحو
قوله:
كأن حواميه مدبرا
وهذا غلط، لأن الحال من المضاف إليه لا يجوز على الإطلاق، لأنها مفعول
فيها فهي كالظرف والمفعول، فلا بد لها من عامل يعمل فيها، ولا يجوز أن يعمل فيها معنى الإضافة، لأنه أضعف من لام الإضافة، ولام الإضافة لا يعمل معناه في ظرف ولا حال، فمعناها - إذا لم يلفظ بها - أضعف وأجدر ألا يعمل.
لو قلت: " هذا غلام هند ضاحكة "، لم يجز لما ذكرناه.
فإن قلت: يعمل فيها ما يعمل في الغلام المضاف، فهو محال.
لأن " ضاحكة " من صفة هند، لا من صفة " الغلام "، فبطل من كل وجه، ولكنه يجوز الحال من المضاف إليه إذا كان في المضاف معنى الفعل نحو:
" هذا ضارب هند قائمة "
أو: أعجبني خروجها راكبة "، ونحو قوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا)، لأن ما في المضاف من معنى الفعل واقع على المضاف إليه وعامل فيما هو حال منه، بخلاف الغلام ونحوه مما ليس فيه معنى فعل.
وقد يجوز أيضاً الحال من المضاف إليه نحو: " رأيت وجه هند قائمة "، لأن
البعض يجري عليه حكم الكل، فيعمل في الحال ما يعمل في البعض من حيث
أجروا البعض مجرى الكل في قوله: " ذهبت بعض أصابعه " و: " شرقت صدر
القناة "، و: " تواضعت سور المدينة "، وهو كثير، فعلى هذا جاء:
كأن حواميه مدبرا
ومنه قول حبيب:
والعلم في شهب الأرماح لامعة
وأنشد في هذا الباب قول الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته... تقضى لبانات ويسأم سائم
نصب " يسأم " بإضمار (أن) كيلا ينعطف الفعل على الاسم، وإنما استحال
أن ينعطف الفعل على الاسم كيلا يشترك معه في العامل الذي يعمل فيه، إذ لا تعمل عوامل الأسماء في الأفعال، فأضمروا (أن) لأنها مع الفعل في تأويل الاسم.
فإن قيل: وكيف يجوز إضمار الناصب وأنتم لا تجيزون إضمار الخافض
ولا الجازم، نعم ولا إضمار الحروف الناصبة للأسماء، وعوامل الأسماً عندكم
أقوى من عوامل الأفعال؟
فالجواب: أنا لا نجيز إضمار " أن " إلا بإحدى شرائط، أما مع الواو العاطفة
على مصدر، نحو قوله:
للبس عباءة وتقر عيني
تقضي لبانات ويسأم سائم
ألا ترى أنك لو جعلت مكان " اللبس " و " التقضي " اسماً غير مصدر فقلت:
يعجبني زيد ويذهب عمرو " لم يجز، وإنما جاز هذا مع المصدر لأن الفعل
المنصوب بأن مشتق من المصدر ودال عليه بلفظه، فكأنك عطفت مصدراً على مصدر.
فإن قيل: فكان ينبغي إذاً أن يستغنى بمجرد لفظ الفعل عن إضمار " أن "؟
قلنا: هو فعل مضارع معرب، وعطفه بالواو على ما قبله يشركه معه في
الإعراب والعامل، وهما لا يشتركان في عامل واحد، فأضمرت " أن " واكتفي بأثرها وعملها عن ظهور لفظها، وكانت " الواو " كالعوض منها كما كانت " حتى " و " لام " العلة، و " لام " الجحود و " الفاء " في باب الجواب وغير ذلك كالعوض من " أن " الناصبة للفعل، وكما كان الاستفهام كالعوض من الجار في قولك: " الله لأفعلن؟ " ونحوه.
وقد جاء عطف الفعل على الاسم في معنى الفعل، نحو قوله تعالى:
(صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) ونحو: (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ).