مسائل حرب الكرماني كتاب الطهارة والصلاة - ت السريعباب المستحاضة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

• سمعت إسحاق يقول: «حاجَّ بَعضُ أهل المدينَة أهلَ العِراق، فقال: إذا ادَّعَيتُم أن المستَحاضة تَدَعُ الصَّلاة عَشرًا، وجَعَلتُم أَقلَّ الطُّهر خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، فما بالُ هذه الخَمس تمام الشهر؟ أَلَّا جَعَلتُم في الشَّهر حَيضَةً وطُهرًا؛ إذ لم يَكُن في الطُّهر سُنَّة، فلو جَعَلتُم في الشَّهر حَيضَةً والَّا طهر 1 كان أشبَهَ بِالكِتاب والسُّنَّة.
وكذلك قال مالك بن أنس: في الشَّهر حَيضَةٌ وطُهرٌ للمُستَحاضَة، وهذا لِمَن لم يَكُن له أقراءُ مَعروفَة، فلما أدخَلوا على مالك أن بَعضَ نِساء الماجِشون تَحيض إحداهُنَّ عِشرينَ يومًا حَيضًا مُعتَدِلًا؛ فقال مالك: «لا تَحيض المرأة أكثَرَ مِن نِصف دَهرِها»، وقال مالك في التي لها الأقراء المعلومَة؛ فتستظهر بعد أقرائها بثلاث؛ تَدَع الصَّلاة فيها كما تَدَع في أيام أقرائها، يعني: إذا مَضَت أيام أقرائها وزيادة ثلاثة أيام؛ فهي حينَئذٍ مستحاضة.
وقالوا: إن مالكًا قال بهذا القَول حتى مات، وتأوَّل في الثلاث التي زادها على أقرائها حديثًا رواه بعض أهل المدينة فيه ضعف؛ يرفعونه، أنه أمَرَها أن تستظهر بعد أقرائها بثلاث، ثم هي مُستَحاضَة.

الجزء: 1 - الصفحة: 357

وخالف بعضُ أهل المدينة مالكًا في ذلك، وقال: إذا مَضَت عِدَّةُ الليالي والأيام التي كانت تَحيضُها من الشهر؛ فهي مُستَحاضَةٌ حينَئذٍ، وليس لها أن تستظهر بعد أقرائها بأيام.
وهذا القول أصحُّ وأشبه [حينئذ] 1 بالسُّنَّة الماضية المعروفة من النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال للمستحاضة: «اجلسي عِدَّة الليالي والأيام»؛ التي كانت تحيض، وليس في حديث النبي صلى الله عليه وسلم استظهار، ولا تُنقَض السنة المعروفة 2 بمثلها، وإنما صَحَّ الاستظهار بيومٍ أو يَومَين بعد أقرائها عن ابن عَبَّاس، والحسَن، وعَطاء، ونُظَرائهم، فمن قال بذلك لم يُعَنَّف.
والمعروف: ما وَصَفنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم في ترك الاستظهار.
وأجمع مالكٌ وأهلُ المدينة على أن أكثر الحيض خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا وأقل، فذلك عندهم حيض؛ كان لها أقراء معلومة أو لم يَكُن، وقالوا: هذه امرأةٌ زاد حَيضها على وَقتها، فبَلَغَت أقصى ما تَحيض النِّساء، ثم انقَطَع، وقالوا: لا نَرَى أقصَى الحَيض إلا خَمسَةَ عَشَرَ يَومًا، وقال مالك: لو رأت المرأة دَفعة حيضًا، أو يَومًا، ثم رَأتِ الطُّهر يَومًا، فدامت على ذلك أشهرًا؛ لكان ذلك حَيضًا وطُهرًا، ويَحتَجُّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: «إذا أقبلت الحَيضَة فَدَعي الصَّلاة، وإذا أدبَرَت فَصَلِّي»، فإقبال الدم عنده: المعايَنة، وإدباره: الطُّهر.
فإذا كان وَقت المرأة مَعلومًا؛ لا تَزيد عليه في الشَّهر؛ حَيضًا مُعتَدِلًا، فَرَأت زيادةً

مرةً على أقصَى أيام أقرائها؛ فإن كان الدم الذي رَأته عَبيطًا، أو صُفرَةً أو كُدرَةً، أو دمًا سائلًا مُستَمِرًّا بها؛ فهي مُستَحاضَة؛ لِمَا وَقَّت النبي صلى الله عليه وسلم أيام الأقراء لمن تَعرِف الأقراء، وقد سَأَلَته المرأة: إني استُحِضت، فبَيِّن لي الأقراء؟ ففي سُؤالها النبيَّ صلى الله عليه وسلم بَيانُ أن أيام حَيضها زادت على أقرائها مِن قَبل، فلم يُوَقِّت لها وَقتًا، ولم يأمُرها أن تَجلِسَ أكثرَ من أيام أقرائها.

الجزء: 1 - الصفحة: 358

وأدخَلَ بعض أهل العِراق على مالك بن أنس، فقال: إذا جَعَلت الحَيضَ يَومًا واحِدًا، وأقل وأكثر، فإذا طَلَّقها زَوجُها؛ فقد انقَضَت عِدَّتها في أيام قلائل.
فقال: إن حُكمَها في الطلاق أن تَرَبَّص أقصَى أيام أقرائها قبل أن تُبتَلَى بالاستِحاضَة.
فإن قالوا: قد جَعَلت حُكمَين للمُستَحاضَة؛ حُكمًا للطلاق على حِدَة، وحُكمًا للصلاة على حِدَة؟ قيل لهم: إنما تُنكِرون على من اتَّبَع السُّنَّة وقَلَّدها مثلَ ما تأتون؛ وكيف جاز لك أن تُنكِر على مالك وأهل المدينة ومن سَلَك طَريقَهم وتمييزهم إذ أشكَلَ عَلَيهم شأن المستَحاضَة بين وَقت الصَّلاة ووقت عِدَّة الطلاق، وقد قُلتم بأجمعكم: لو أن امرأةً كان حَيضُها خَمسَةَ أيام، ثم رَأَت الشَّهر الثاني سِتَّةَ أيام، والشَّهر الثالث سَبعَةَ أيام؛ أخذنا لها بالصَّلاة بأقل أيام أقرائها، وفي عِدَّة الطلاق بأقصَى أيام أقرائها.
فهل هذا التَّمييز منكم بعقولكم إلا مِثل ما أنكرتُم على مالك بن أنس وأهل المدينة؛ حيث فَرَّقوا بين حُكم الصَّلاة والطلاق؟ بل هم أشَدُّ اتِّباعًا واستِقصاءً وحَيطَةً مِنكم؛ حيث رَدُّوا حُكم المستَحاضَة إذا اختَلَط إلى ما أشبه الكِتاب والسُّنَّة؛ جَعَلَ الله عِدَّة المطلَّقات ثلاثَةَ قُروء، وجَعَلَ لِمن لم يَكُن لها قروء شَهرًا بَدَلَ كُلِّ قُرء؛ فَمِن هاهنا حَكَموا».

الجزء: 1 - الصفحة: 359

قال أبو يَعقوب: «ولا تكون المستَحاضَة حائضا أبدًا، وسَمَّاها النبي صلى الله عليه وسلم مُستَحاضَة، وبَيَّنَ لها الأيام كما بَيَّنَ للحائض الطَّهارَة من الدَّم، وهي أن تَقعُد قَدرَ أيام حَيضِها مِن أيام استِحاضَتها؛ لا تَصوم ولا تُصَلِّي، فإذا كان أقراؤها مُتفاوِتًا؛ كان الاحتِياط لها أولَى عِندَ أهل العِلم، إذا لم يَكُن عِندَها يَقين، وجَهِلَت ما بَيَّن لها النبي صلى الله عليه وسلم من أيام الأقراء، فلا تَعلَم على أيِّ وقتها مَعنَى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيام أقرائها»».
قال أبو يَعقوب: «والنِّساء في أيام أقرائهن يَحِضنَ في أوَّل الشَّهر مَرَّة، وفي أوسَطِه مَرَّةً أُخرَى، وفي آخِر الشَّهر كذلك؛ يَنتَقِلنَ في الشُّهور على ما وَصَفنا؛ لا يَقدِر عالِمٌ أن يُنكِر ما وَصَفنا من انتِقالِهنَّ، وهُنَّ مُؤتَمناتٌ مُصَدَّقاتٌ على ما أخبَرنَ عن أنفُسِهنَّ، ما لم يُعلَم أنهنَّ قُلنَ ما لا تَحيض النِّساء في مِثله، وأمرُهُنَّ في الاستِحاضَة كأمرِهِنَّ في الحَيض؛ إذا ادَّعين من ذلك ما يكون من النِّساء، مع أن المعلوم من النِّساء لا يَبلُغنَ العشر 1». وقال أبو يَعقوب: «وقال بَعض أهل العِلم: إن مَعنَى قول أنس بن مالك -وإن لم يَكُن في الإسناد؛ لِمَا ضَعَّفه حَمَّاد بن زَيد وغيرُه-، أنه جَعَلَ الغالِب من أقراء الحَيض: دون العَشر، وصَيَّرَها مُستَحاضَةً بَعدَ العَشر، ولم يَجعَل أنس أقصَى الحَيض شَهرًا 2، ولكن جَعَلَ ذلك اختيارًا؛ على مَعنَى الاحتياط، وليس في حديث الجَلد -في ضَعفِه- ألَّا يكون الحَيض أكثَرَ من العَشر، وأحسَنُ الناس سياقَةً لألفاظ الحديث: إسماعيل بن عُليَّة؛ فذَكَر في حديث الجَلد: «تَغتَسِل وتَصوم بَعدَ العَشر»، ولم يَقُل: إنها بَعد العَشر غَيرُ حائض، ولا حائض».

الجزء: 1 - الصفحة: 360

قال أبو يَعقوب: «كُلَّما كان الوَقت بَيِّنًا عِندَها؛ تَعرِف ذلك قبل استِحاضَتها؛ فإنها لا تقصر عمَّا عَلِمَت أبدًا؛ كان أكثَرَ مِن عَشر، أو أقلَّ من ثلاث، وإنما جَعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم لكلِّ امرأةٍ على حالها عِندَ استِحاضَتها: أن تَقعُد أيام أقرائها؛ لا أيام أقراء غَيرِها.
واختار قَومٌ من أهل العراق العَشر، فجَعَلوا ذلك أقصَى حَيض النِّساء كُلِّهنّ.
واختار عِدَّةٌ من أهل المدينَة، وعِدَّةٌ من عُلَماء أهل الحِجاز الخَمسَ عَشرة 1 يَومًا، فجَعَلوا ذلك أقصَى ما يكون من الحَيض، وهم أَولَى أن يُتَّبَعوا؛ لِمَا تَحقَّق عِندَ أهل العلم أن الحَيضَ يَكون كذلك.
وقال عَطاء: خَمسَةَ عَشَر، وسَعيد بن جُبَير: ثلاث عَشرَة.
فقَد استَيقَنَّا أن الحَيض يكون أكثَرَ من عَشرَة، فمن هاهنا قال ابن المبارَك: أوَأستطيع أن أرُدَّ حَيضَ امرأةٍ لها أقراءٌ مَعروفَة؛ أكثر من عَشرَة؛ أن أرُدَّها إلى عشر.
وإنما قال عبدُالله في العَشر -في بَعض ما قال- كَمَعنَى ما قال أنس بن مالك؛ لمن لم تعرف الأقراء، وقد قال عبدُالله بالثلاث للبِكر التي لم تَعرف وَقتَ الحَيض: إن أوثَقَ عِندي في نَفسي أن تَجلِس البِكر ثلاثًا.
وإنما أمَرَها بثلاثٍ للاحتياط.
وقال بَعض أهل العِلم: أرَى للبِكر ألَّا تَجلِس إذا استَمَرَّ بها الدم في أوَّل ما تَرَى إلا يَومًا واحِدًا؛ لأن مِن العُلَماء مَنْ رأى الحَيضَ يَومًا.
فالأخذ بالثقة لهذه التي رَأتِ الدم أوَّلًا، واستَمَرَّ بها الدم؛ أَولَى وأحوَط، وليس ما قال بِبَيِّن».

الجزء: 1 - الصفحة: 361

قَولُ الله - عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ • وسمعت إسحاق يقول: «قال الله -تعالى- في كِتابه: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، يعني: من المحيض، ﴿فإذا تطهرن﴾، يعني: بالماء، ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، فمَضَى أهل العِلم مِن التابِعين ومَن قَبلَهم أن حُكم الحائض إذا طَهُرت: الاغتِسالُ بالماء، إلا أن يَعزُبَ عنها الماء، فيكون حُكمها: التَّيَمُّم، ومَضَى قول النبي صلى الله عليه وسلم والصَّحابَة في ذلك كذلك، فصارَت الأُمَّة مُجمِعَةً على تَطهير الحائض والنُّفَساء بالماء بعد انقِطاع الدم وتِبيان النَّقاء.
واختَلَفوا في حُكم المستَحاضَة؛ كَيف تَتَطَهَّر؛ أتَغتَسِل أم تتوضَّأ؟ وأجمَعوا أن حُكمَها حُكمُ الطاهِر في الصَّلاة، وغشيان الزَّوج، إلا أن الدم حَدَثٌ مِنها، وصَحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ذلك عِرق، وليس بالحَيض»، فلمَّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأنه ليس بِحَيض؛ تَبَيَّن في هذا القَول أن طَهارتها بالوُضوء جائز، وحُكمه كَحُكم الرُّعاف والجُروح وما أشبَهَها.
فالمستَحاضَة طاهِرةٌ في أمورها؛ تُصَلِّي، وتَصوم، وتَطوف بِالبَيت، وتَدخُله،

ويَغشاها زَوجها؛ أجمَعَ أهل العِلم على ذلك، إلا الغشيان خاصَّة؛ قال بعضهم: لا يَغشاها زَوجها، ولم نَجِد حُجَّةً لِقائلِ هذا؛ لِمَا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه عِرق، وليس بِالحَيضَة»، فكان هذا رُخصَة؛ إذا 1 صَيَّر حُكمَ ذلك غَيرَ حُكم الحَيض؛ حيث قال: «إنه عِرق، وليس بِالحَيض»، وإنما قال الله -عز وجل-: ﴿فاعتزلوا 2 النساء في المحيض﴾، فحُكم الحائض والنُّفَساء غَير حُكم المستَحاضَة، مع أن الأكثَرين على غشيانها، فإذا استُحيضَت، فجاءها وَقت الصَّلاة؛ أجلَسَت، وتنَظَّفَت؛ لكيلا يَغلِبها الدم، وتَثَفَّر 3 بِثَوب، وتوضأت، وصَلَّت، فإن غَلَبَها حتى يَسيل على الثَّوب، فقَدِرَت على دَفع ذلك، وإلا فلا شَيء عَلَيها؛ لِمَا سَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن تُصَلِّي وإن قَطر الدم على الحَصير قَطرًا، ولا غسلَ عَلَيها في ثيابها، إلا ما أمكَنَها مِن مَنعِه؛ لَيسَ عَلَيها غَير ذلك، قال الله -تعالى-: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾.

الجزء: 1 - الصفحة: 362

وممَّا يُوَضِّح أمر المستَحاضَة أنه على ما وَصَفنا: فِعل عُمَر -رضي الله عنه-؛ حيث صَلَّى وجُرحُه يَثعَبُ دمًا، وفِعل زَيد بن ثابت؛ حين سَلسَلَ البَول مِنه، فكان يُداويه ما استَطاع، فإذا غَلَبَه؛ توضَّأ، ولا يُبالي ما أصاب ثَوبه، وأشباه ذلك كَثير، وفيما بَيَّنَّا كِفايةٌ لمن يَفهَم».

الجزء: 1 - الصفحة: 363

733 - حدثنا أحمَد بن نصر، قال: ثنا حَبَّان بن موسَى، قال: سُئل عبد الله بن المبارَك عن الحائض إذا طَهُرَت من الليل، ولَيسَ عَلَيها من الليل قَدر ما تَغتَسِل، حتى أدرَكَها الصُّبح؟ فإن 4 «صَومها جائز».
وسُئل عبد الله: أتَقرَأ الحائض الكراسَة؟ فرخَّص فيه.
قيل: فإن كان في الكراسَة آياتٌ من القرآن؟ قال: «إذا لم تَضَع يَدَها على الموضِع؛ فلا بأس».

734 - وسألته عن النُّفَساء إذا رأت الطُّهر في عِشرين، ثم رأت دمًا بعد خَمسَ عَشرَة؟ قال: «سُفيان يقول: «هي نُفَساء ما دامت في الأربَعين»».

735 - وقال عبد الله: «إذا طَهُرَت من الليل، فأصبَحَت، فلم تَدرِ أيَّ الليل طَهُرَت، ولا قَدرَ ما كان عَلَيها من الليل؛ فإنها تُعيد الصَّوم، وتُصَلِّي العِشاء، وإذا طَهُرَت وعَلَيها قَدر ما تَغتَسِل، فلم تَغتَسِل؛ فإن صَومَها جائز».
وقال عبد الله: «كُلَّما أتى عَلَيها وَقت صلاة وهي طاهِر؛ فإنها تَغتَسِل».
وقال: «إذا رأت الطُّهر بَعدَ طُلوع الشَّمس؛ فإنها تَنتَظِر -إن شاءت- ما بَينَها وبَين الظُّهر».

الحديث: 733 - الجزء: 1 - الصفحة: 364

فصول الكتاب · 6 فصل · 605 صفحة
جارٍ التحميل