معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعيةالمَعْلَمَ السادس: التأني في فهم السؤال وتصوره
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المَعْلَمَ السادس: التأني في فهم السؤال وتصوره

عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد المختار الشنقيطي
الكتاب
معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية
المؤلف
محمد بن محمد المختار الشنقيطي جمعها أحد طلاب العلم من دروس الشيخ المختلفة وعرضت على الشيخ فاستحسن ما فيها [الكتاب مرقم آليا]مصدر المادة: http://www.shankeety.com أدخلها على الموسوعة أخوكم أسامة بن الزهراء عفا الله عنه

فلا يجوز للإنسان أن يفتي في مسألة لم يتصورها بعد، أو يتصورها على كلام إنسان لا يحسن فهمها، ومن هنا أنبّه على ما يقع فيه كثير من طلاب العلم من الاستعجال في الفتوى قبل معرفة حقائق أمورها وملابسات مشاكلها ومعضلاتها، ولذلك تجد العلماء يكثرون المراجعة للسائل والاستفهام من السائل، والاستيضاح منه، حتى يكون حكمهم للنازلة عن تصور كامل، فإذا سئلتَ عن مسألة، واحتمَلَتْ أوجهاً، أو احتملت احتمالات متعددة، فلا تتعجل حتى تسأل السائل هل مراده كذا؟.
أم مراده كذا؟.
وقد يقع اللبس في كلام السائل، فيعطيك ألفاظاً محتملة، وقد يأتيك السائل وهو يرغب في التحريم أو يرغب في التحليل، فيعطيك ألفاظاً تعينك على التحليل أو تعينك على التحريم، فالعواطف والمؤثرات الخارجية لصيغة السؤال ضعها جانباً، ولْينصبّ تصورك للسؤال بعينه، وأحسن فهم النازلة بذاتها، ثم بيّن حكم الله تعالى فيها، فحُسن التصور مهمّ، ولذلك أوصي طالب العلم إذا وجد اختلافاً بين العلماء في النوازل والمسائل أن ينظر على صيغة الأسئلة، فإنه سيجد للأسئلة وتصوير النازلة أثراً عظيماً في التأثير على المفتي.
ومن هنا أيضاً أنبّه على أنه إذا كان السائل يسألك عن شيء معين يعرفه المختصّون، فالأفضل أن تستبين ممن له خبرة وعلم بذلك التخصص، وأن لا تتعجل بحمل الجواب على ضوء إفادته قبل الرجوع إلى أهل الاختصاص.
وهنا أمور، منها: لو سألك عن أمر يتعلق بالأطباء، أو مسألة طبّيّة، فقال لك: يفعلون ويفعلون، فلا تتعجل، وتقول: الحكم كذا وكذا، قل: لا.. حتى أسمع من طبيب.
يقول لك -مثلاً-: هناك عملية يموت فيها الإنسان، هل يجوز فعلها أو لا يجوز؟.
ليس من حقّ هذا السائل أن يصف العملية بكونها مفضية للهلاك أو مفضية للسلامة، فتقول: أنا لا أفتي في هذه العملية، وهذا التداوي أو هذا الدواء، حتى أسأل أهل الخبرة، هل الغالب فيه النفع، أو الغالب فيه الضرر؟.

فهذا مثال للمسائل التي تحتاج للرجوع إلى أهل الخبرة، ولذلك تجد بعض العلماء الأجلاء كان إذا سئل عن المسألة قال: يسأل عن ذلك أهل العلم به.
انظر إلى الإمام النووي في (المجموع) -لما اختلف العلماء في الريق الخارج من الفم أثناء النوم، هل هو نجس أم طاهر؟.
على وجهين مشهورَيْن: من يقول: إنه خارج من المعدة، فهو فضلة تأخذ حكم الفضلة النجسة، ومن قال هو خارج من الفم، يعطيه حكم المخاط والبصاق؛ لأنها فضلة طاهرة-.
قال الإمام النووي: فإني سألت الأطباء فقالوا: إنه من الفم، وعليه فليس بنجس.
والطب الحديث يؤكد أنه من الغدد اللعابية.
فلما رجع إلى أهل العلم والخبرة بالشيء كفى المؤونة، فلذلك يرجع في الفتاوى والمسائل إلى أهل كل اختصاص.
النقطة الثانية: بالنسبة لحكم النازلة يحتاج المفتي في حكم النازلة أن يكون ذا اجتهاد.
فأحق من يُستفتى في النوازل أهل الاجتهاد، وإذا وجد المجتهد وغير المجتهد، فالفتوى بالمجتهد ألزم وألصق وآكد.
حتى إن بعض العلماء يرى أن النوازل التي يجتهد فيها يحرم الرجوع فيها إلى غير المجتهدين، ومن هنا تدرك خطأ كثير من طلاب العلم يتعاطفون مع المسائل النازلة قبل أن يسألوا العلماء.
وتجد هذا يقول لك: هي حلال لكذا وكذا، وهذا يقول: هي حرام لكذا وكذا، وهذه جرأة على الله في الفتوى، وهي من المزالق التي جعلت كثيراً من طلاب العلم يجدون الهمّ والغمّ وعدم التوفيق في طلب العلم.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله ما يتبيّن فيها، يزلّ بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) 1 [94] ) . ومن غضب الله أن يفتي فيما هو ليس بأهل له، فيحل ما حرّم الله ويحرّم ما أحل الله.

الاجتهاد الذي هو سلاح النوازل، والذي هو حلّ المشكلات والمعضلات، ولذلك قالوا: أبلغ العلم الاجتهاد، وكم من أئمة من السلف -رحمة الله عليهم- ما أفتوا حتى شابت رؤوسهم، وقلّ أن يوجد غيرهم فحينئذٍ تعينت عليهم الفتوى فأقدموا، لذلك لا يجوز أن يفتي في مسألة اجتهادية لا يعلمها، واعتبره العلماء من كبائر الذنوب: ((وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) [البقرة:169] ، فالقول على الله بدون بيّنة أو حجة أو سلطان هلاك، قال الله تعالى يخاطب نبيّه: ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)) [الأنعام:57] ، قالوا: (مِنْ رَبِّي) هي الحجة والدليل من الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يجتهد وهو لم يبلغ درجة الاجتهاد، فمشاكل المسلمين العامة التي يتعلق بها مصير الأمة، لا يجوز أن تقول: حكمها كذا، هذه لها أهلها ومجامعها، إنها مشكلات والله لو عرضت على أئمة علماء من السلف لرعدت فرائصهم من خشية الله أن يتكلموا فيها؛ لأنها تحتاج إلى دراسة واستبيان واستقراء لدليل الكتاب والسنة، حتى يُفتي فيها.
فالتعجل في الفتوى دون علم آفة عظيمة، ولا يجوز لأحد أن يفتي فيما لا علم له، قال تعالى: ((قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ))

، قالوا: من التكلف الإفتاء فيما لا علم للإنسان به.

فصول الكتاب · 44 فصل · 146 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية · 146 صفحة
معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعيةمقدمةتمهيد في شرف العلم ومكانة العلماءالفصل الأول: معالم في الأدب مع العلماءالفصل الثاني: معالم في آداب طالب العالم في نفسهالمَعْلَمْ الأول: تقوى اللهالمَعْلَمْ الثاني: الإخلاص للهالمَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليتهالمَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشقة في الطلبالمَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامهالمَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلبالمَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقةالمَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلقالمَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهلهالمعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنةالمَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلمالمَعْلَمْ الأول: أخذ العلم فنّاً فنّاً.المَعْلَمْ الأول: أخذ العلم فنّاً فنّاًالمَعْلَمْ الثاني: الاجتهاد في ضبط العلمالمَعْلَمْ الثالث: عدم الاستعجال في النزول للساحةتمهيد: في أهمية مقام الفتوىالمَعْلَمَ الأول: إخلاص النية للهالمَعْلَمَ الثاني: البصيرة في العلمالمَعْلَمَ الثالث: الورعالمَعْلَمَ الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوىالمَعْلَمَ الخامس: تحصيل الخشية من الله عز وجلالمَعْلَمَ السادس: التأني في فهم السؤال وتصورهالمَعْلَمَ السابع: معرفة حال المستفتيالسؤال الأولالسؤال الثانيالسؤال الثالثالسؤال الرابعالسؤال الخامسالسؤال السادسالسؤال السابعالسؤال الثامنالسؤال التاسعالسؤال العاشرالسؤال الحادي عشرالسؤال الثاني عشرالسؤال الثالث عشرالسؤال الرابع عشرالخاتمةفهرس الموضوعات
جارٍ التحميل